ملخص

تأتي هذه الأطروحة على خلفية زخم هائل من الدراسات والأبحاث الأكاديمية المتخصصة الأكثر اهتماما بتحليل حركة – مجال المواعل السياسية وتظاميها وطبيعة مؤشرات ومحددات فضاءات الصدام الجيوسياسي الكوئي بين الشرق والغرب فضلا عن إطلاق مشاريات تتبنى التحليل الجيوبوليتيكي وتدافع ياقتدار عن الجيوبوليتيكا والنيوجيوبوليتيكا، مؤسسة بذلك لاعتقاد جدید راسخ مطلع القرن الحادي والعشرين يحتمل مجددا فكرة انتعاش القصة الرمزية للجيوبوليتيكا.

تدعي هذه الدراسة بأن تحليل نظامية و حركية روسيا الاتحادية داخل فضاءاتها الحيوية “الخارج القريب و الخارج البعيد” يمثل على الأرجح أحد أبرز وأهم مفاتيح فهم اللوحة التصورية الجيوبوليتيكية العالمية الراهنة؛ ومع ذلك، وإذ تتعدد وتتضارب التحليلات و المقاربات و الرؤى الاستراتيجية حيال جيوبوليتيكا توجهات السياسة الخارجية الروسية تجاه مناطق و أقاليم كثيرة من العالم: تأتي المنطقة العربية بكل مكوناها الحضارية ، الدينية و الاثنوغرافية ، السياسية و الاقتصادية و الثقافية ذات الأهمية الجيواستراتيجية النمثل أيضا أحد أهم و أبرز فضاءات ذلك الصدام الجيوسياسي العالمي، مما دفع بمسار هاته المحاولة البحثية نحو التأسيس لأفهامات جديدة حول توجهات موسكو الخارجية في بعدها الجيوبوليتيكي تجاه المنطقة العربية، وتحديدا خلال فترتي حكم الرئيس “بوتين” الأولى و الثانية، مفسرة بذلك محددات صعود الدور الروسي في الفضاء العربي وكذا تدخل روسيا الاستراتيجي المباشر في الشرق الأوسط عبر سوريا، أختبارا لمدى رسوح الجيوسياسة الروسية في التقليد الواقعي البراغماتي العقلاني و الواقعي المشروط حصرا، ومن ثم قراءة | القدرة التفسيرية للنظرية الواقعية على اعطاء فهوم أكثر تماسكا من ناحية تظرية لسلوك روسيا الخارجي، فضلا عن تأکید تراجع درجة تأثير الدور الأيديولوجي الاشتراكي العقائدي على توجهات وقرارات موسكو الخارجية الجديدة مؤخرا خاصة تجاه منطقة الخليج العربي و الشرق الأوسط تحديدا، و بالمقابل سعي موسكو نحو تغليب عامل المصلحة الوطنية و انتهاج سياسة الدفاع الهجومي والاستخدام المباشر للقوة موقفيا، مع تبني سياسة العون الذاتي والدبلوماسية متعددة الأطراف.

نظرا لضبابية وتلاحم حدود المشهد التحليلي للأبعاد الجيوبوليتيكية للسلوك الخارجي الروسي، فإن هاته الدراسة تلجأ إلى اقحام الهندسة الرياضية و الاحصاء الاستدلالي كمداخل كمية لإعطاء تفسيرات مختلفة جزئيا، و ذلك من خلال ضبط أهم مؤشرات بعض الفضاءات الجيوبوليتيكية التحليلية كالفضاء “ديموبوليتيك وديلو – استراتيجيك” والفضاء ” الأقتصادي : و على الأرجح، فإن الأطروحة تحاجيح مبدئيا بأن تدخل روسيا العسكري المباشر في سوريا مؤشر حقيقي على عودة روسها فعلها إلى المنطقة العربية، ما يسهم نظريا في انتعاش القصة الرمزية للجيوبوليتيكا (التحليل الجيوبوليتيكي)، وأن تعدد وكلافة تنويعات المقاربات الخطابية الجيوبولينيكية العالمية المعاصرة، لم يلعبا تأكيد الثنائية الصراعية النارية الراسخة بين الأطلسيين والأوراسيين تحديدا، اضافة إلى أن السلوك الخارجي الرومي – الفترات سايشة هو محصلة محددات عديدة مختلفة واقعية وليبرالية وقومية، غير أن کاریزما الرئيس فلاديمير بوتين” كانت ولاتزال بمثابة محدد أساسي في ذلك ، كما ترى بأن التحليل الجيوبولتيكي للسلوك الخارجي الروسي تجاه المنطقة العربية بنين عن وجود علاقة تناسبية معقدة بين مؤشرات الفضاءات التحليلية تأكيدا لوحدة الهدف على مستوى القرار الخارجي، وأخيرا، فإن القرار الخارجي الروسي بحثكم عادة إلى عامل المصلحة القومية العليا مع تغليب منطق القوة، ما يؤكد بصورة أوضح أن خطاب روسيا الجيوبولينيكي الخارجي لا يزال رأسيقا بعمق في التقليد الكلاسيكي الواقعي النظري والتقاليد الواقعي المشروط تحديدا.

أفضت الدراسة إلى اعتبار القرن الحادي والعشرين قرنا للجيوبوليتيكا بامتياز، مؤكدة بأن حركة – مجال” روسيا تجاه المنطقة العربية وغيرها من المناطق في العالم ما هي سوى محصلة و انعکاس واضح لطروحات ومشاريات الأوراسيين الروس الجدد، كما أنها مجرد دليل حقيقي يؤكد مدى رسوخها ويعمق في التقليد الواقعي الكلاسيكي البراغماتي العقلاني المشروط، وبالمقابل بداية تخلي موسكو عن جدوى الالية الإيديولوجية الاشتراكية العقائدية تجاه مواقع كثيرة من العالم ، ذلك أن خطاب الجيوسياسة الروسية لم يعد قائما على الأيديولوجيا الشيوعية القومية، بل على البراغماتية الواقعية الدفاعية الهجومية المشروطة، وأن من واقع الجيوسياسة الروسية وتوجهاتها الخارجية الراهنة، دافع ملء الفراغ والتطلع إلى المشاركة في حل ومعالجة القضايا الدولية، واعتبار روسيا شریکا مهما وأساسهاء سعيا نحو بناء عالم متعدد الأقطاب بدلا من استمرار هيمنة القطب الواحد، وهو ما يؤكد مرة أخرى أن روسيا في علاقتها الجيوسياسية الراهنة مع المنطقة العربية و غيرها لم تعد دولة الوضع القائم State و No Status في النظام الدولي الجديد .

تحميل الرسالة

Print Friendly, PDF & Email