منذ إعلان الحكومة عن نيتها في مراجعة النقطة الاستدلالية لسلم أجور الوظيف العمومي ، وقبل أن يتبين الخيط الأبيض من الأسود فيها ، عرفت أسعار المواد الغذائية في ظرف قياسي زيادات تلوى زيادات ، على حد قول أحد التجار “الحكومة تزيد وأحنا نزيدو”على طريقة المنشار ” طالع يأكل هابط يأكل “.

ولا داعي لإجراء عملية حسابية لمعرفة ، بأن الزيادة المرتقبة التي تتحدث عنها الحكومة ، قد ابتلعها التجار قبل حتى أن تصل إلى جيوب الموظفين الذين سمعوا جعجعة ولم يروا الطحين بعد. وحتى وان كان الإجراء الحكومي يشير صراحة إلى أن هذه الزيادة في الأجور تخص الموظفين في قطاع الوظيف العمومي دون غيرهم من فئات المجتمع الأخرى ، غير أن الفرحة تكون قد أثلجت صدور التجار أكثر من الموظفين أنفسهم ، خصوصا من أصحاب  دفاتر ” الكريدي ” ، لأن الإجراء الحكومي الخاص بمراجعة النقطة الاستدلالية سيستغرق  وقتا طويلا ومفاوضات شاقة مع نقابات قطاع الوظيف العمومي ، من أجل ” تحيين ” الأجور الممنوحة إلى الموظفين ، بينما سارع السماسرة والمضاربين لتطبيق شبكة وطنية جديدة لسلم الأسعارالاستهلاكية دون انتظار معرفة مقدار الزيادة الموعودة من قبل الحكومة في أجور الموظفين . وبذلك شرع التجار في تطبيق الزيادة في الأسعار “بأثر قبلي  وبعدي” اعتقادا منهم أن الحكومة ستقوم بذلك “بأثر رجعي ” !!!

إن قيام الحكومة بـ ” التبراح ” بأنها ستقوم بمراجعة النقطة الاستدلالية لرواتب الموظفين ، وكأنها ” استفزت ” البقال والخضار والجزار والجواج وحتى بائع ” المعدنوس ” الذين اقتنعوا هم أيضا بأنهم معنيين بضرورة رفع الأسعار ، ربما كمساهمة منهم لمساعدة الحكومة على التحكم في التضخم عن طريق استعمال ” الأسبيراتور ” لامتصاص ما يسقط من ” فتات ” هذه الزيادات الموعودة في الأجور .

إذ عندما يصعد سعر الزيت إلى مستوى يعادل أجرة عامل بسيط لمدة ثلاث أيام ، فماذا بقى من قيمة للمراجعة الخاصة بالنقطة الاستدلالية  لشبكة الأجور الوطنية التي تريد الحكومة تصويرها وكأنها فتح عظيم رغم أنها ستكون بمثابة ” شيعة أكثر من شبعة ” ، بالنظر للوضعية المالية الهشة للبلاد أولا ، وثانيا لكونها في النهاية لن تغير في شيء من القدرة الشرائية المتدهورة للمواطن .

إذ في أحسن الأحوال ليس بمقدور الزيادات في الأجور ، أن تسمح بشراء 5 صفائح من الزيت ” المصنع ” الذي يريد منافسة أسعار زيت الزيتون التي ستباع في المستقبل القريب عند الصيدلي ” الفارمسيان ” إذا استمرت الأمور على هذه الحال .

فما الفائدة من رفع الاجور ، اذا كانت هذه الزيادة لا تصل الى جيوب الموظفين في نهاية المطاف ، لأنها ستقع ضحية لـ ” فوباراج ” الذي تسببت فيه سوق أسعار فوضوية تختفي وراء شعار “دعه يعمل دعه يمر ” ، بمعية تجار جشعين وسماسرة ومضاربين عجزت أجهزة الرقابة عن ردعهم . الحل الاصوب والأنفع ، أنه قبل الإقدام على رفع الأجور ، يجب أن تسبق الحكومة ذلك بخطوة هامة ، تكمن في تنظيم السوق وتقنين الأسعار ومستويات الربح ونسب الفائدة وفرض الشفافية على المسار الإنتاجي ( المنتج ، تاجر الجملة ، تاجر التجزئة ، النقل ، المستهلك …)، والسهر على تنفيذ قانون منع المضاربة الذي أقرته مؤخرا بكل صرامة ، حتى لا تذهب هذه الزيادات في الأجور مثل سابقاتها الى جهات أخرى وهي في طريقها إلى جيوب الموظفين .