مذكرة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

بعد الحرب الباردة، تغيّرتْ طبيعةُ الصراعات في العالم، فزادت نسبةُ الصراعات الداخليّة. وقد وظّفت الدولُ الكبرى موضوعَ “حماية حقوق الإنسان” من أجل التدخّل في شؤون الدول، والمساسِ بسيادتها، والضغطِ على حكوماتها لصالح أجنداتها السياسيّة والاقتصاديّة. وعمدتْ بعضُ دول حلف الناتو، وعلى رأسها الولاياتُ المتحدة، إلى استخدام مفهومي “الديمقراطيّة” و”حقوق الإنسان” ورقةَ ضغطٍ لابتزاز الدول الضعيفة.

على مدى العقود الماضيَة، خضع مبدأ “التدّخل الإنسانيّ” لعوامل سياسيّة‏، واقتصر تطبيقُه على بعض الدول في أوروبا الشرقيّة سابقًا وأميركا اللاتينيّة وأفريقيا والشرق الأوسط والعالم العربيّ. وحدها “إسرائيل،” ومعها بعضُ الدول الخليجيّة، بقيت “الاستثناء” الذي لا تنطبق عليه هذه القاعدة. وتأكيدًا على ذلك، نرى أنّ الدول الكبرى في مجلس الأمن لم تُبادر مرةً إلى التدخل الانسانيّ ضدّ الممارسات التي تقوم بها “إسرائيل” في حق الشعب الفلسطينيّ، ولم نلحظ أي مبادرة سياسيّة لوقف جرائم الحرب السعوديّة في اليمن.

لا تقتصر خطورةُ هذا الاتجاه على رسم ملامحه من قِبل الدول الغربيّة، بل تتجاوز ذلك إلى تبنّيه من قِبل المنظمة الدوليّة ومؤسّساتها ومنحِه الشرعيّةَ الدوليّة. وعلى هذا النحو يتم اليوم إسقاطُ مفاهيم سادت العلاقاتِ الدوليّةَ قبل الحرب الباردة: كاحترام سيادة الدول، وعدم التدخّل في شؤونها، والمحافظة على سلامتها ووحدة أراضيها. وبتنا نشهد خروقًا كثيرةً لمبدأ سيادة الدول، وتتوفَّر لهذه الخروق شتّى المبرِّرات القانونيّة والاخلاقيّة، وتتجنّد للدفاع عنها منظّماتٌ دوليّة وحقوقيّة ووسائلُ إعلام عالميّة.