دراسات سياسية

احلام بنو اسرائيل بالقومية اليهودية بين الميكافيللية والصهيونية (سلسة مقالات)

                                                    بسم الله الرحمن الرحيم

كتب صفوت جبر – الكاتب والباحث السياسي.

المقال الاول:نشأة  اليهودية وظهور الصهيونية العالمية.

مقدمة.  

   في الديانات السماوية ابدا لم ينفصل الدين عن مجريات الامور السياسية ،وتاريخيا تم تطويع السياسه لخدمة الدين ثم مالبث ان اصبح الدين في خدمة السياسة في العصر الحديث.وفي موضوع المقال هنا يريد الباحث اظهار الاشكال المختلفة للحركات الدينية المنبثقة من اليهودية وكذلك التعريفات الجوهريه لليهودية من منظور تاريخي لليهود خلال عصور وحقب تاريخية دارت حولها قصص واساطير عن طبيعة شعب اليهود ومعتقداتهم، وما لهم من تأثيرات متباينة علي الساحة المجتمعية والسياسية علي مدار التاريخ القديم والحديث والمعاصر.

    وستتناول سلسلة المقالات عن اليهود واليهودية بعض الابعاد الاجتماعية التي جعلت من اليهود شعب ذا طبيعة اثنية متفردة وشخصية ذات تكوين نفسي وانفعالي خاص، فربما انعكست عقيدته الدينية علي شخصيته او لربما تأثرت سيكولوجية بنو اسرائيل والاسباط من بعدهم بالبيئة المحيطة بهم او من تلك التنشئة الاجتماعية التي اختص بها ابناء يعقوب، فنجد ان الشخصية اليهودية هي شخصية معقدة وليس من اليسير دراستها لتباين المصادر وايضا من خلال تداخلهم  في عدة ثقافات مختلفة، فقدكان من الصعب عليهم الاندماج الكامل في اي مجتمع يلجئون اليه مما عرضهم لأزمات سياسية ودينية اثرت علي شخصيتهم بشكل جعل من الشعب اليهودي مرادفا لمصطلح الشتات وبانهم اصبحوا  اكثر الديانات عرضة للاضطهاد المجتمعي بعد ان كانوا شعب الله المختار.

   احتار علماء النفس والمحللين السياسين في توصيف الشخصية اليهودية،فقد يعود بعض الاسباب الي المنطلق الديني الذي اراد اليهود فرضه علي المجتمعات المضيفة لهم، او ربما لاسباب اقتصادية بسبب عقدة اثنية بالفقر والتصحر جعلتهم دائما يرغبون في التمكين من اقصاديات المجتمعات لضمان امنهم الاجتماعي والاقتصادي،و يري كاتب هذه السطور ان الاسباب النفسية والعقد المجتمعية منذ هروبهم من قحل الصحراء والمجاعة التي ضربت ارض كنعان الي مصر ومن بعده الخروج الكبير لبنو اسرائيل من مصر قد جعلت منهم شعب يعاني عقدة الاضطهاد،وفي عبارة اوجز ان اليهود ابناء اسرائيل والاسباط قد نشئوا وتربوا علي ضغائن واحقاد نفسية دفينة بين الاخوة انفسهم وعائلاتهم وبني عمومتهم، قد شكلت شخصيتهم حتي اصبحت صفات وموروثات غذت الاحقاد علي الشعوب الاخري، اضافة للصراع الديني اليهودي/المسيحي ومن ثم اليهودي الاسلامي علي مر العصور ،وقد تجلي اثر الصراع النفسي بين اخوة يوسف وابيهم من خلال فكرة التخلص من يوسف في اظهار ملامح الشخصية العبرانية المهرتئة نفسيا وقد القت بظلالها عند اختلاطهم بالشعوب الاخري.

مقتطفات من معاني اليهودية

   الديانة اليهودية هي اول الديانات السماوية والتي نزلت علي موسي النبي(موسي النبي واخيه هارون من سبط لاوي بن يعقوب) عند كلم الله موسي في طور سيناء،ونصها السماوي كما يعتقد اليهود هو التوراه الذي بدوره يعد جزء من الكتاب المقدس الكبير( التاناخ الاكبر )الذي يشمل علي كتب اخري يطلق عليها التلمود والمدراش(وهم مجموعة من الفتاوي والشرائع وقصص الحاخامات عن العرف والاخلاق والمحاكاة القانونية للاوضاع اليهودية من خلال مناقشات شفويه للحاخامات ثم قد دونت في القرن الثاني الميلادي) لتصبح بعد ذلك جزء اصيلا من الشريعة والديانة اليهودية.

وقد سميت اليهودية نسبة ليهودا او ياهوذا (احد ابناء يعقوب المعرف ب اسرائيل) والذي عمل علي تجميع الشرائع اليهودية التي نزلت علي موسي في جبل سيناء وسميت الديانة اليهودية تيمنا باسمه الي يومنا هذا.

ويحاول الاعلام حديثا لترويج حق يراد به باطل وهو الحديث عن الديانات الابراهيمية الثلاث،اليهوديه،المسيحية والاسلام،لعمل مايسمي بالولايات المتحدة الابراهيمية في الشرق الاوسط وترويج لفكرة اصحاب الارض الاقدم او الاصليين لتعود بكل الحقوق علي اليهود كأصحاب اقدم رسالة سماوية من نسل ابراهيم !!! اول الموحدين ولاعتباره ابو الاديان والانبياء من نسل واسماعيل واسحق..فعجبا ان تعترف اليهودية بالمسيحية بعد ان قتلوا المسيح باعتباره كاذب وليس من نسل ياهوذا ، وبرسالة محمد باعتباره ليس بنبي وان القرءان اساطير الاولين ! معاذ الله.

وبنفس المنطق اليهودي فهم يستخدمون الدين لخدمة اهدافهم السياسية الطبوغرافية والجيوسياسية لانشاء دولة اسرائيل الكبري،ولكن هذه المره يحملون بها علي انقاض المسيحية والاسلام بحسب ترويج معتقد الابراهيمية الجديدة ومصطلح الدبلوماسية الروحية،وليس ببعيد ما حدث في الاردن منذ ايام من محاولة انقلاب علي الملك عبد الله الثاني ليأتوا بملك  جديد يعترف بالابراهيمية المزعومة لتصبح حقيقة وامر واقع.

  وعودة الي اليهودية كعاشر اكبر ديانة علي مستوي العالم،فبعض الاحصائيات تقول ان عدد اليهود حول العالم مابين ال15/16مليون يعيش 43%منهم في اسرائيل و43% في الولايات المتحدة الاميريكية والنسبة الباقية ماتزال تعيش في مجتمعات اوروبية وعربية ولكن بفكر القومية اليهودية.

  اليهودية هي ديانة لها كتاب مقدس هو التوراه كشرائع ربانية ،وكتابي التلمود والمدراش لفتاوي واراء الحاخامات والتي اصبحت بالوقت جزء من الشرائع يمثل الكتاب الاكبر (الناتاخ) كما ذكرت،ولها حركات مثل الصهيونية او احباء صهيون منتشرة حول العالم اشهرها الحركة الصهيونية المطالبة بدولة قومية لبنو اسرائيل، ،وبعض الطوائف التي اعتمدت علي اصل الديانة الربانية المتمثلة في شرائع موسي(ينتسب النبي موسي وهارون الي سبط لاوي بن يعقوب وهو المعروف بسبط الكهنة اللاويين  للمقدسات) منذ ان كلمه الله في سيناء ثم مواعدته علي الجبل بعد الخروج الاكبر من مصر والتيه في صحراء سيناء، وساناقش في مقال لاحق عن اختلاط اليهودية بالاعراق والحضارات الاخري،ولكن هنا يسع القول للتعريف ببعض اشهر واكبر طوائف اليهود منذ نشأتها الي يومنا هذا .

 فكلمة الاسباط في اللغة العربية لها ارتباط وثيق بتعريف بنو يعقوب او اسرائيل،ومعناها(الحافد والحفيد وماينتسب الي الاثنا عشر سبطا كأولاد يعقوب وهم لاوي،روبيل ،شمعون،دان،نفتالي،كاذا،اشار،يهوذا،ساخر،زوبلون،بينيامين ويوسف.) ولها دليل قرءاني نصي اذ قال تعالي  (واذا استسقي موسي لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل اناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الارض مفسدين)صدق الله العظيم. والاسباط هنا هم اخوة يوسف الذين  اتوا الي مصر لافتداء اخاهم بينيامين، وسنعود ثانيا لشرح قصة موسي ومناداة الله له في طور سيناء(اني انا ربك فاخلع نعليك انك بالوادي المقدس طوي) ثم خرج مع موسي كل من هو من نسل الاسباط الاثنا عشر من الحفيد والحافد ،اي ان كل من اتبع موسي في الخروج الكبير كانو اولاد عمومة ينتسبوا للاسباط من اولاد يعقوب .

ومن اكبر الطوائف اليهودية:

-اليهودية الارثوذكسية وتضم الحريدية(المطبقون لكل شرائع اليهودية في حياتهم اليومية) والارثوذكسية الحديثة(وهي تحاول الاندماج مع المجتمعات العلمانية الحديثة)

-اليهودية المحافظة(وتتبع الانقياد للتعاليم والشرائع اليهودية بطريقة وسطية)

-اليهودية الاصلاحية(ظهرت منذ القرن 19 وهي اكثر استنارة في تقبل الاخر)

وتتحدد كل طائفة منهم بمدي التقرب للشعائر الربانية فنجد ان اليهودية الارثوذكسية تطبق كل الشرائع المذكورة توراتيا،اما الحديثة والاصلاحية فم اقرب لليبرالية والاندماج مع المجتمع العلماني الاوروبي وتنادي بتقبل الاخر وهم دائما علي سجال في دولة اسرائيل اليهودية.ولنا وقفات اخري مع بعض المسميات للحركات اليهودية في مقالات اخري.

 الصهيونية واليهودية في عالم علماني.

 جاءت كلمة الصهيونية كمصطلح سياسي منذ ان أعلن تيودور هرتزل عن تأسيس الحركة الصهيونية في مؤتمر بازل بسويسرا 1897 ،نسبة الي جبل صهيون وهو الجبل المقدس في العهد القديم لقربه من حائط المبكي او مكان الهيكل كما يعتقد اليهود اصحاب العهد القديم،وفي العهد الحديث المسيحية كامتداد لليهودية ظل جبل صهيون مقدس كما كان عند ملوك او انبياء اليهود حتي أن أصبح هذا الجبل يحمل قدسية خاصة بالسيدة العذراء مريم واصبح احد القابها سيدة جبل صهيون،وقد انشأت الكنيسة الكاثولوكية مدارس التبشير في     الوطن العربي تحمل اسمها.

ولكاتب هذه السطور  هنا وقفة لتوضيح مواقف العالم الضمنية عن الصهيونية، التي اعتمدت بشكل مباشر فكر المدرسة الواقعية من منطلق ميكافيللي ومنطق فرض الامر الواقع بالقوة وخلق الفوضي  في نشأة الدولة وبها قد وضع حجر الاساس للكيان الاسرائيلي في فلسطين،وحيث انني استخلصت الي ان العالم المسيحي المتدين قد ارتئي وجوب ايجاد وطن لليهود في فلسطين منذ اواخر القرن السابع عشر ، وخاصة في اوساط البروتسنتينية الحديثة المتطرفة المنقلبة علي الكاثوليكية الام، جدير بالذكر ان انجلترا تعد معقل كنائس البروتستانت وان بدايات الصهيونية كفكرة لها مهد ديني قد ظهر في المجتمعات الاوروبية منذ اندلاع الحروب الدينية في وسط اوروبا، وماتلاه من المناداة بعودة اليهود من الشتات الي ارض الميعاد هو شرط ديني لتحقيق الخلاص،وان الامر اصبح ضرورة دينية مفاداها الايمان بان عودة نزول المسيح للارض ونهاية العالم مرتبط بعودة اليهود الي فلسطين وقيام حرب هرمجدون.

 والملفت للنظر ان معظم من نادي بعودة اليهود الي فلسطين كانوا يتصفون بمعاداة السامية،لكنهم ساعدوا اليهود  للمطالبة بوطن قومي لهم ليكون  بمثابة طوق النجاة لاوروبا من حروب دينية طائفية كانت مؤكدة ليكون اليهود بكل تجمعاتهم واختلاف جنسياتهم طرفا فيها.ومن الاسباب السياسية والاقتصادية والدينية التي دعت مثقفين اوروبا واميركا علي اختلاف ايديولوجياتهم متفقين علي قيام وطن قومي لليهود هي:

1 عدم اندماج اليهود بشكل كامل في المجتمعات الاوروبية العلمانية،مما جعل منهم طوائف اثنية ذات توجه قومي مختلف داخل الدولة الواحدة، مما يعزز فكرة التعنصر داخل المجتمع الواحد،وعلي سبيل المثال انتشار اليديشية في بريطانيا للحفاظ علي الهوية اليهودية داخل المجتمعالبريطاني.

2 مع تعاظم الدور الاقتصادي للجاليات اليهودية في المجتمعات الاوروبية،اصبح هناك توجسات حكومية من استغلال اليهود لمراكزهم المالية والاقتصادية في  توجيه الحكومات او افتعال هزات اقتصادية لدولهم حسب ما تطلبه المصلحة القومية اليهودية،فقد اصبح بمقدورهم اسقاط حكومات اقتصاديا.

3  رفض المجتمعات الاوروبية لوجود اقليات دينية في مجتمعها، رافضة لقوانين العلمانية الاوروبية.

4 المجتمعات اليهودية داخل اوروبا هي تجمعات منغلقة علي نفسها،وفي ذات الوقت هم يحملون افكارا قومية واحدة بجنسيات مختلفة ،قد تسبب حروب اثنية /دينية مستقبلية في الداخل الاوروبي.

5 الاحساس بعقدة الذنب لدي الساسة الاوروبيين من جراء المذابح والاضطهاد الذي تعرض له يهود الشتات في روسيا واوكرانيا والمانيا فقد ارق مضاجع السياسيين بحسب قوانين حقوق الانسان والاقليات.بل وان بعض القادة الاوروبيين اصبحوا علي قوائم المطلوب تصفيتهم جسديا من اذرع لصهيونية العسكرية، وما حدث مع زعماء النازية خير دليل.

6 اليقين في العقل الجمعي الاوروبي ان اليهود اينما حلوا يكون هدفهم الاصيل هو التحكم في الاقتصاد، بل وخلق اقتصاد موازي للدولة نفسها ليصبحوا مراكز قوة تأتمر الحكومات بامرها، وقد حدث فعلا في المانيا والنمسا ومصر وبريطانيا.

7 وطن قومي لليهود ،هو معني ادق للتطهير العرقي للمجتمعات الاوروبية بطريقة ناعمة، ودون اطلاق رصاصة واحدة.

8 تصدير اشكالية مستقبلية علي هيئة الصراع العربي الاسرائيلي لارض البترول والغاز والموارد الطبيعية لضمان التحكم الاستعماري فيها بشكل ناعم وجديد وهو التوازن الامني للعرب واسرائيل.

9 اختراق اليهود للمجتمعات الاوروبية يهدد كيان وسيادة الدول،فقد وجد التقدميين الاوروبين ان اليهود يحالوا تقليب الاوضاع السياسية في اوروبا الي خدمة مصالحهم وخاصة بعد اضطهاد النازيين لهم،مستغلين تعاطف العالم معهم لابتزاز  اوروبا،فارتئت اوروبا ان الخلاص من القومية المتنامية لليهود في اوروبا هو ايجاد وطن بديل لهم لاتقاء رد فعل يهودي للانتقام من كل شعوب اوروبا  عن محارق اليهود.

. والهدف الاكبر للحركة الصهيونية هو تقديم الدعم المادي والمعنوي لانشاء دولة اسرائيل وفيما بعد اصبح لها جناح عسكري ليمهد الارض لاخلاء فلسطين من مواطنيها المسيحيين والمسلمين لتوطين يهود الشتات،وهذا ما سيتطرق له كاتب هذه السطور لاحقا.

 اشتهرت الصهيونية كمصطلح سياسي في المحافل الدولية كحركة سياسية تهدف الي جمع اليهود من دول الشتات للعودة الي ارض الهيكل والميعاد،ولكن في اللغة العربية الصهيوني هو الأقرب لكونه اسم ذات مدلول اجرامي ارهابي،فعندما تذكر كلمة صهيونية يصيح الضمير العربي متألما بمذبحة دير ياسين وقتل وتهجير للشعب الفلسطيني، ومافعلته عصابات الارجون وشتيرن والهاجناه والاغتيالات السياسية الممنهجة لتمرير اعتراف المندوب البريطاني بقيام دولة اسرائيل كأمر واقع علي ارض فلسطين، وبرغم ان اليهود حاولوا مرارا تمريرها لغويا بمعني الحرية لاسرائيل ! ولكن يظل شرفاء العالم يعرفون حقيقة الصهيونية الميكافيلية ولكن ابواق الاعلام تتعمد الصاق تهمة معاداة السامية اذا ما حاول اي شخص انتقاد الارهاب الاسرائيلي في الاراضي المحتلة تحت مظلة الصهيونية العالمية.

   وهكذا بدءت الصهيونية تعرف طريقها للعالمية منذ ان توجه تيودور هرتزل الي مخاطبة قيصر روسيا والسلطان العثماني للمطالبة بوطن قومي لليهود ،ولكن علي الطرف الاخر فان اليهود المتدينين قد رفضوا اي اعلان عن قيام دولة لاسرائيل لانه يتعارض مع اليهودية حسب الصحائف المقدسة عند اليهود ، اعتقادا منهم انها ستبني مع نزول المسيح كما هو في التوراة، وليس المقصود به المسيح عيسي بن مريم،فعيسي بن مريم ماهو الا مدعي للنبوة وان ملك بني اسرائيل وليس المسيح المبشر به في التوراه.وسأفرد لاحقا الحركات والتنظيمات المرتبطة بالصهيونية والتي منها اذرع او اجنحة عسكرية للصهيونية السياسية. ولكن اولا دعونا نعرف من هو مؤسس الصهيونية الحديثة.(تيودور هرتزل)

من هو تيودور هرتزل

. تيودور هرتزل والمعروف باسم بينيامين زائيف،ويلقب بانه صاحب رؤيا الدولة،ولد عام 1860 يهوديا في بودابست، وانتقل مع عائلته لمدينة فيينا بالنمسا حيث اكمل تعليمه وحصل علي درجة الدكتوراه في القانون، وهو يعد احد رواد الفكر اليهودي التقدمي لانشاء وطن لليهود،مستغلا  انتشار الثقافة العلمانية في اوروبا وسيطرة الفكر الميكافيلي الممزوج بنظرية الواقعية والاعتماد علي القوة لنشأة الدولة والحفاظ عليها.  وقد ظهر في كتاباته كمؤلف روائي ومسرحي ان السبيل الوحيد امام اليهود هو تحويل الاضطهاد الديني والسياسي لليهود الي طاقة ايجابية، وان قضية اليهود هي مسألة قومية ولابد من التعامل معها علي اسس وقواعد السياسة الدولية، فكان اول خطوة علي الطريق هو استمالة الدول الكبري لتحقيق الهدف.

   ويعد هرتزل من اوائل المروجين لفكرة معاداة السامية، وهو مؤسس ومنظر الصهيونية والاب الروحي لها رغم ان بعض الحاخامات والفلاسفة قد سبقوه فكريا في لم شتات اليهود تحت حركات مثل احباء صهيون،لكنه الاول الذي استطاع الحشد لمؤمتور بازل لنشر فكر الصهيونية العالمية، والتي اصبحت فيما بعد الحرب العالمية الثانية قانون دولي يجرم معاداة السامية وهو تعريف مبسط لاضطهاد اليهود باعتبارهم ساميين وحسب التصنيف الالماني هم اقل الجنس الأ{ي، واعتمد في ترويج مسرحيته الفكريه عن الجيتو او حي اليهود للتعبير عن رفض فكرة التبشير لليهودية او اندماج اليهود في المجتمعات الاخري وكذلك نوه عن فكرة اعتناق اليهود لديانات اخري هروبا من الاضطهاد الاوروبي لليهود.

عاصر هرتزل مايعرف بازمة دريفوس 1894 في باريس وسمع الفرنسيين يهتفون بالموت لليهود،علي اثر توجيه اتهام من القضاء الفرنسي لضابط يهودي فرنسي بتهمة الخيانة وكان لتلك الصراخ بمعاداة اليهود في باريس صدي علي عقل وتفكير تيودور هرتزل بحتمية هجرة  اليهود الي  وطن خاص بهم يحفظ لهم كرامتهم وسيادتهم، وكانت هي تلك الشراراة لظهور نزعة الصهيونية السياسية.وهذا ما دعاه الي تأليف كتابه دولة اليهود ورغم استنكار البعض للفكرة، لان نشأة الدولة اليهودية الدينية في الفكر اليهودي المتدين مرتبطة بنزول المسيح في ارض الميعاد ، الا انها اصبحت واقع وحقيقة بعدها بخمسون عاما.

وجدير بالذكر ان مؤتمر بازل بسويسرا 1897 كان النواة الرئيسية لتشكيل تصور وفكرة وطن قومي لليهود ووافق المؤتمرون علي مايعرف بخطة بازل  بهدف تأسيس منظمة تتولي الية وكيفية جمع التبرعات والاموال ،وهي فيما عرفت بعد ذلك بالمنظمة الصهيونية لجمع الاموال لتوطين اليهود في دولة خاصة بهم ، وقد لاقت الفكرة استحسان يهود اوروبا الشرقية،والخطوة الاخري كانت التوجه بالاعتماد علي القوي العظمي بتأييد الفكرة سياسيا والترويج لدولة علمانية جديدة تتخذ من دول اوروبا المتقدمة نموذجا لها، وهو مادعاه لمحاولة التقرب من السلطان العثماني وقيصر روسيا انذاك للحصول علي الدعم المناسب،لكنه وجد ضالته عند وزير وزير المستعمرات البريطاني تشامبرلين والذي بدوره وعد بالنظر في الامر وربما، ولكن هرتزل قد اصابه الاحباط عندما عرض عليه وزير المستعمرات البريطاني باقامة دولتهم في شرق افريقيا  (اوغندا)، لكن واصل البحث عن وثائق رسمية تسمح بتوطين اليهود في فلسطين.

وبدء هرتزل في اقامة المؤتمرات السنوية لليهود حتي وفاته 1904، حتي انه بحلول العام 1936 نقلت نشاطات الحركة الصهيونيه فيما بعد الي القدس،وازدهرت الصهيونية من خلال تبني افكار كتابه عن (الدولة اليهودية) الارض القديمة الجديدة ويعد هذا الكتاب المرجع الرئيسي للحركة الصهيونيه بل وانه لقب فيما بعد في اسرائيل بأنه (رؤيا الدولة)، وفيه تبني فكرة اقامة دولة ذات سيادة لليهود وفي شرح لهيكلة الدولة والعلاقات السياسية وكذلك العلاقة بين الدين والدولة،وفي عام 1903 شاهد بنفسه مذابح كيشيينيف ليهود روسيا مما دعا المؤتمر السابع للحركة تطالب بانشاء وطن لليهود باوغنده،ولكن استقر الامر فيما بعد الي تهجير يهود العالم الي ارض فلسطين ارض الميعاد حسب الشريعة اليهودية.مات تيودور هرتزل الاب غير الشرعي لاسرئيل عام 1904والاب الروحي للصهيونية العالمية بعد ان اسس مؤتمرات الحركة الصهيونية والتي اصبحت علي خريطة العالم السياسية ولها مدلولات في عالم السياسة والعلاقات الدولية، ويذكر ان رفاته قد نقلت الي اسرائيل 1949 ودفنت هناك في جبل مازال يحمل هرتزل.

للحديث بقية مع مقالي الثاني بعنوان:

الخروج من مصر والتيه في صحراء سيناء

صفوت جبر – كاتب وباحث سياسي.

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا [email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Alert: Content is protected !!