قضايا سياسية

دراسة في النظرية البنائية

ميخائيل جورباتشوف: ” سواء كان ذلك لمصالحنا الداخلية او لصالح سياستنا الخارجية، فنحن لسنا بحاجة الي صورة أمريكا كعدو”

الحرب الباردة:

تعريف:

( الحرب التي تستخدم فيها الأطراف المتعادية كل أنواع القوة المستطاعة عدا القوات المسلحة، بقصد إرغام العدو على التسليم لإرادة الطرف المنتصر، وتسود خلال فترة هذه الحرب حالة من التوتر الشديد في العلاقات بين الأطراف ،المتنازعة بحيث يشعر كل طرف بأنه مهدد بمخاطر احتمال العدوان المسلح، الأمر الذي يقتضي توطيد المجهود الحربي)

بداية الحرب الباردة:

وعلى الرغم من عدم استطاعة أغلبية الباحثين والعلماء في العلاقات الدولية، إعطاء مدة زمنية محددة لبداية هذه الحرب، إلا أن الغالبية من الباحثين يتفقون على أن ١٩٤٦ هي البداية حيث دعا تشرشل في خطاب له إلى تأسيس وتشكيل الاتحاد العسكري الانكلو أمريكي لمواجهة خطر الشيوعية القادم من الشرق.

دوافع الحرب الباردة:

السوفييت:

عاش السوفييت وهم يحملون في، أعماقهم ذكرى انطباعات مريرة تجاه الأمريكيين عندما قاموا بالتدخل العسكري المسلح ضد الثور ة البلشفية عام 1918 – 1919 بهدف إسقاطها، كما أن السوفييت كانوا شديدي الحساسية بسبب رفض الولايات المتحد ة الاعتراف بالنظام السوفيتي دبلوماسيا , حتى هذا الاعتراف لم يتم إلا في عام 1933.

الأمريكيين:

فإن عداوتهم للاتحاد السوفيتي من وجه النظر الأمريكية نابعة من كون أن السوفييت كانوا يرفضون فكرة إجراء الانتخابات الديمقراطية في الأقاليم المحررة من قبضة النازية، كما أنهم حرصوا (أي السوفييت) على الاحتفاظ بقوة مسلحة ضخمة بعد انتهاء الحرب دون مبرر، ورفضوا سحب الجيش الأحمر من أوروبا الوسطى والشرقية.

لكن هناك دوافع ايدولوجية تكمن في تبني السوفييت للاشتراكية اللينينية التي تنادي بالقضاء على الاستغلال الاقتصادي والرأسمالية، والولايات المتحدة تري فناء الرأسمالية في انتصار الشيوعية، ولذلك توجهت أمريكا الي وأد الاشتراكية والشيوعية والقضاء عليها قبل انتشارها.

نظرية الاحتواء الامريكية تجاه الاتحاد السوفيتي:

صاغ إطارها العام الدبلوماسي الأمريكي جورج كينان، وتم دعم وتنفيذ هذه النظرية من قبل حكومة الرئيس الأمريكي ترومان، والتي انبنت على تحليل أهداف الاستراتيجية السوفيتية، وقد أعلن الرئيس الأمريكي ترومان، التزامه بسياسة الاحتواء لتكون حجر الزاوية للسياسة الخارجية الأمريكية عقب الخطاب الذي ألقاه الزعيم السوفيتي ستالين في فبرايل ١٩٤٦، وأكد فيه حتمية الصراع مع القوى الرأسمالية.

مشروع مارشال:

أعلن في الولايات المتحدة الأمريكية عن مشروع مارشال الذي يتلخص في وجوب مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية لأوروبا الغربية قبل انهيار اقتصادها، ولم يستثن من الدعوة لهذا المشروع حتى دول أوربا الشرقية، الامر الذي ادى الى استياء حكومة الاتحاد السوفيتي، التي عبرت عن ان هذا المشروع لا يمكن أن يكون الا نوعا من الاستعمار.

اهداف مشروع مارشال:

١ – القضاء على الاوضاع الاقتصادية والمعيشية المتدهورة في اوروبا.

٢ – احتواء الحركات الراديكالية والثورية التي تسعى لإقامة حكومات اشتراكية متعاطفة مع الاتحاد السوفيتي.

٣ – ربط اوروبا الغربية بالاقتصاد الامريكي وتمهيد تغلغل الشركات (الامريكية الاقتصادية في الاسواق الاوربية)

منظمة الكومنفورم ( مكتب الاعلام الشيوعي):

أعلن الاتحاد السوفيتي تكوين تلك المنظمة لتوثيق الروابط بين الدول الشيوعية في اوربا الشرقية، ثم ظهر حلف (وارسو) الى حيز الوجود في ١٤ ما يو ١٩٥٥ وذلك عندما وقعت دول أوروبا الشرقية الشيوعية (بلغاريا، تشيكوسلوفاكيا، ألمانيا الديمقراطية، المجر، بولونيا، رومانيا، ألبانيا، الاتحاد السوفيتي) وجاء الحلف ردا على انشاء الولايات المتحدة حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949.

صعود النظرية البنائية في العلاقات الدولية:

لم تستطع النظرية الواقعية ولا الليبرالية التنبؤ بأحداث كثيرة خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، وعلى رأسها انسحاب السوفييت من أوروبا الشرقية، أو توحد المانيا في 1990 ، او اعلان انهيار الإمبراطورية السوفيتية في 1991، او اعلان الولايات المتحدة الانفراد بالنظام العالمي عام1992.

نشأة النظرية:

النظرية البنائية كانت اتجاها سائدا في علم الاجتماع قبل ان تجد طريقها إلى العلاقات الدولية. وتحولت في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي الى إحدى النظريات الأساسية في العلاقات الدولية.

برزت بنهاية الحرب الباردة مع أواخر عقد الثمانينيات من القرن العشرين بسبب اخفاق نظريات الاتجاه التفسيري (الواقعية والليبرالية) في التنبؤ بنهاية الحرب الباردة سلميًا، خاصة ما يتعلق بالثورة التي أحدثها ميخائيل غورباتشيوف في السياسة الخارجية السوفيتية باعتناقه أفكارا جديدة “كالأمن المشترك”.

كان نيكولاس أونف Nicholas Onuf أول من استعمل مصطلح البنائية في كتابه:

عالم من صنعنا World of our making حيث ركز على انتقاد أفكار وفرضيات الواقعية التي ركزت على القوة الصلبة واهمال الجانب الاقتصادي او النظام الداخلي للدولة.

يعتبر “ألكسندر ووندد” هو الاب الروحي للبنائية، ودفع في كتابه المعنون ب ” ماذا تفعل الدول بالفوضى” في سنة 1992، بالمفهوم البنائي إلى صف مفاهيم العلاقات الدولية، فحاول إعادة التفكير في الموضوعات المركزية للعلاقات الدولية، مثل الفوضى في النظام الدولي، توازن القوى، المصلحة، والنظام، ودور المؤسسات، بل حاول إعادة تعريفها مرة أخرى في إطار اجتماعي ثقافي أيدولوجي، فالمشكلة الرئيسة ليست البحث عن كيفية التعامل مع الفوضى ولكن البحث في كيفية نشوء تلك الفوضى؟؟!

وبالانخراط في هذا المنطق، فإن البنائية تعتمد على سيسيولوجيا التفاعلات مع تقوية مفهوم الهوية والوصول الي جذور المشكلات.

افتراضات النظرية:

1-الدول هي الوحدات الأساسية للتحليل.

فبالإضافة الي توافقها مع الواقعية في أن الدول كفواعل أساسية في النظام الدولي، إلا أنها تعترف بالمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، وباقي الفواعل الأخرى بمثابة فواعل إلى جانب الدولة ولكن تختلف في مدى تأثيرها على فعاليات السياسة الدولية وصياغتها، ويعتبر هذا بمثابة تنويع على الطرح الواقعي في هذا المجال، وبالإضافة إلى هذا فالدولة عند البنائيين لا يتم دراستها من منطلق الطرح الواقعي كمعطى مسبق بل من خلال اعتبارها ظاهرة اجتماعية تتكون بفعل الضرورة التاريخية.

2-الواقع الذي يعيشه المجتمع هو من صنع المجتمع نفسه، وان كل الاعمال والأفعال التي يقوم بها الانسان تتشكل في البيئات الاجتماعية.

 لذا فالبنائية في هذا الجانب لم تقضي بصفة جذرية-حال المقاربات الراديكالية على الطرح الواقعي كون البنيات ذات تكوين مادي جامد بل حاولت توسيع مفهوم البنية ليشمل بالاضافة إلى المكونات المادية (القوة العسكرية-الجغرافية-السكانية…الخ) مكونات ذات طبيعة معنوية من خطابات وأفكار.

3-هويات ومصالح الدول تتشكل في معظم أجزائها بفعل البنى الاجتماعية أكثر ما هي موجودة بشكل منعزل ضمن النظام، وان هوية ومصالح الدول تنشأ من القيم والثقافات التي تتميز بها هذه الدول.

يرى البنائيون أن المصلحة والهوية تتفاعل عبر عمليات اجتماعية (تاريخية) كما يولون أهمية كبيرة للخطاب السائد في المجتمع، لأن الخطاب يعكس ويشكلً في الوقت ذاته المعتقدات والمصالح، ويؤسس أيضا لسلوكيات تحظى بالقبول. إذن، فالبنائية تهتم أساسا بمصدر التغير أو التحول. ( السعودية- السوفييت – المانيا)

4-البنائية لا تستبعد متغير القوة، ولكن ترتكز بالأساس على كيفية نشوء الأفكار والهويات، وكيفية تفاعلها مع بعضها البعض، لتشكل الطريقة التي تنظر بها الدول لمختلف المواقف والاحداث، وتستجيب لها تبعا لذلك.

5-الفوضى هي بنى اجتماعية وليست طبيعة للنظام الدولي.

فمشاكل الهوية والعرق زادت تفاقما وأدت بالكثير من الدول للانقسام مثلما حدث في البوسنة والهرسك عندما تفككت يوغسلافيا أو ما حدث في رواندا وبورندي بين قبيلتي الهوتو والتوتسي، او الاتحاد السوفيتي.

ولقد نبهت أحدات الحادي عشر من سبتمبر وغزو العراق الباحثين في العلاقات الدولية إلى دور العوامل العقدية والإيديولوجية الذاتية في إفراز سلوك معارض يعزف خارج محور الدول العظمى (تنظيم القاعدة – التنافس السني الشيعي بين ايران والسعودية)

ويعتبر البنائيون أن الاتصالات عبر الوطنية وتقاسم القيم المدنية أدت إلى تقويض دعائم الولاءات الوطنية التقليدية، وإيجاد أشكال جديدة من الجمعيات السياسية، كما أن القانون الدولي وغيره من المبادئ الآمرة أدت إلى كسر المفاهيم التقليدية البدائية للسيادة.

فهذا الاتجاه يركز على تأثير الأفكار بالأساس، فبدلا من النظر إلى الدولة كمعطى مسبق والافتراض أنها تعمل من أجل بقاءها، يرى البنائيون أن الهوية تتفاعل عبر عمليات اجتماعية (تاريخية)، وأن الخطاب السائد في المجتمع يعكس ويشكل في الوقت ذاته المعتقدات والمصالح، ويؤسس أيضا للسلوكيات التي تحظي بالقبول، فالبنائية تهتم أساسا بمصدر التحول والتغير.

عموما النظرية البنائية حسب Alexandr Wendt تطرح ثلاث اقتراحات أنطولوجية أساسية:

1- أهمية الأفكار إلى جانب القوة المادية في تشكيل البنيات:

يبرز في هذه النقطة الاختلاف في النظرة الأنطولوجية للبنائية مقارنة بالواقعية من حيث تصورها لمفاهيم البنية و المصالح أو السلوك، فعكس العقلانيين ( الواقعيين، التعددين والشموليين)، فإن البنائيون يعتقدون أن الواقع هو ذو طبيعة ذاتية وموجود نتيجة الاتصال الاجتماعي الذي يسمح بتقاسم بعض المعتقدات والقيم، أي أن الواقع المادي والاجتماعي موجود كنتيجة للوظائف التي يعطيها له الفاعلون، فالإدراك أو الفهم الجماعي والمعايير تمنح الأشياء المادية معناً يساعد على تكوين الواقع الحالي.

2- دور الهويات و تأثيرها على سلوكات الوحدات و مصالحها:

يرى البنائيون: أن A.Wendt يرى المصلحة والهوية تتفاعل عبر عمليات اجتماعية (تاريخية) كما يولون أهمية كبيرة للخطاب السائد في المجتمع، لأن الخطاب يعكس ويشكل في الوقت ذاته المعتقدات والمصالح، ويؤسس أيضا لسلوكيات تحظى بالقبول.

-3 التداخل بين البنية Structure والفاعل Agent:

يدور حول حقيقتين بديهيتين، هما:  أن البشر ومنظماتهم هم فاعلون غائيون تساعد أعمالهم على إعادة إنتاج وتحويل المجتمع الذي يعيشون فيه، والأخر أن المجتمع يتكون من علاقات اجتماعية تنظم التفاعلات بين هذه الأعمال الغائية، ولكن المشكلة هنا هو كيف يتصل العامل بالبنية والعكس بالعكس؟ وكيف يتم الجمع بينهما في تفسير واحد ونظرية واحدة ؟!

وقد أصبحت الآن قضية كيفية تصور العامل والبنية وكيفية إدراك علاقتهم من أجل وضع نظرية كاملة للسياسة العالمية، هي الآن في قلب النقاش بين المنظِّرين الدوليين التقليديين

والنقديين.

المنهج البنائي في مجال فهم السياسة الدولية يطرح الأسئلة التالية :

-1 ما هي الديناميكيات التي يكشفها التاريخ و حاضر الأحداث الدولية ؟

-2 ما هي معتقدات و ادراكات الفاعلين ؟

-3 ما هي مواقفهم تبعا لذلك من قضايا التعاون والصراع ؟

-4 ما الذي يمكن القيام به للتأثير على ادراكات الذات والآخرين والمعتقدات

والهويات ؟!

وفي هذا السياق يصبح من المهم جدا معرفة ما إذا كانت الهوية في أوربا ستستمر في التحول من نطاق الدولة-الأمة إلى نطاق محلي أضيق أم إلى نطاق أوسع أي الهوية الأوربية؟؟

وهل سيعتنق الأوروبيون هوية سترفض أن يلعب الأمريكيون دور شرطي العالم؟؟!!

وهل ينسحب الأمر ذاته عما إذا كان الألمان واليابانيون سيعملون على إعادة النظر في ماضيهم، بحيث يتبنون أدوارا خارجية فاعلة في المستقبل القريب؟؟!! خاصة وأن المانيا تقود الاتحاد الأوروبي، واليابان عدلت الدستور ليسمح لها بإمكانية امتلاك أسلحة هجومية؟!

 هل مسألة الهوية في دول الجنوب وخاصة الإسلامية منها بإمكانها أن تشكل ردا فعليا ارتداديا على الهيمنة الفكرية الغربية، وبالتالي التأثير التدريجي على خريطة العالم الثقافية والقيمية ام لا؟؟!!

وقد أُثيرت بعد الحادي عشر من سبتمبر العديد من النقاشات حول أزمة الهوية والخلل الحاصل في الأنماط الفكرية القائمة على العنف والإرهاب، وبهذا الخصوص ليست للواقعية الشيء الكثير لتقدمه في تفسير هذه المواضيع، وصناع القرار قد تشوب نظرتهم الغموض إذا أهملوا هذه الاحتمالات بشكل كلي.

استخلاص:

في الحقيقة، لا يمكن لمقاربة منفردة أن تدعي الإطلاق والصرامة في استيعاب وإدراك أبعاد التعقيد المميز للسياسة العالمية، فنحن إزاء مجموعة كبيرة من الأفكار المتنافسة، وليس إزاء تقليد نظري واحد، وهذا التنافس بين النظريات يساعد على معرفة مواطن القوة والضعف في كل نظرية، ويثير بالتالي التحويرات اللازم إجرائها عليها.

فالواقعية تبدو أنها المقترب الأكثر فعالية ، ضمن نسيج البراديغمات التي انبرت في تحليل العلاقات الدولية، كما تعد من المفاتيح الفكرية الضرورية لفهم الظواهر الدولية، ومع ذلك يمكن اعتبار أن الواقعية وحدها لا تستطيع أن تفسر كل شيء، وأي قائد أو صاحب قرار سياسي متمرس، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار التفسيرات والإيضاحات التي تمده بها المنظورات الأخرى.

 فالنظرية الليبرالية مثلا تحدد الإمكانيات والوسائل التي يمكن للدولة استعمالها لتحقيق مصالح مشتركة، كما تحدد أهم القوى الاقتصادية التي تساعدها على فهم سبب اختلاف الدول في خياراتها الأساسية، إضافة إلى ذلك، فان التوجهات الليبرالية تعتقد أن الحماية والهيمنة الأمريكية، ستقلص من مخاطر الصراعات الإقليمية وستعزز لا محالة فرص السلام الليبرالي الديمقراطي، لذا فان الوصفة الليبرالية تصبح أكثر أهمية طالما أن الولايات المتحدة الأمريكية ستستمر في توفير الأمن والاستقرار للعديد من المناطق.

النظريات البنائية تعد الأكثر نجاحا وفعالية في تحليل كيفية تغير الهويات والمصالح بمرور الزمن، بحيث ينتح عن ذلك تغير في سلوك الدول، وفي حالات معينة تفجر تحولات غير متوقعة في الشؤون الدولية.

وعلى مستوى التحليل وفق المعطيات من الواقع العملي لتفاعلات الوحدات والفواعل داخل النظام الدولي، حاولت البنائية تقدم تفسيرات وتحليلات مقبولة تنبثق من خلالها دور الأفكار وأهميتها في تحديد طبيعة الواقع وصياغته، والتأثير على ممارسات الفاعلين فيه(التغير السلمي داخل الإتحاد السوفيتي بفعل تغيرالأفكار و قيم النخب الحاكمة)، لذا يرى البنائيين أن الحرب الباردة هي تذاتانية أكثر منها مادية.

اعتناق جورباتشوف للأفكار جديدة التي حولت الغرب من عدو يجب القضاء عليه إلى طرف قابل للتعايش وهذا بفعل الأفكار والقيم التي تبنتها النخبة الحاكمة آنذاك مع غورباتشوف وسياسته الانفتاحية على الغرب والنموذج الرأسمالي الذي تبلورت معالمه في البيروسترويكا الجديدة وإعادة صياغة السياسات العامة داخل الاتحاد السوفييتي.

إن الجديد الذي جاءت به البنائية على المستوى الابستيمولوجي هو الجمع بين الجانب الصلب و الجانب اللين من الظاهرة، أي بالجمع بين بين القوة والثقافة، وبين الهوية والمصلحة، فحسب البنائية لم تعد النظرة التقليدية الصلبة للظاهرة تسيطر، فلا وجود لمفهوم القوة بعيدا عن تأثيرات العامل الثقافي، كما لا يمكن تجاهل الصراع بين المصلحة والهوية في تحديد إدراكات و تصورات الدولة و مواقفها ( الأردن – الاتحاد السوفيتي – السعودية)

انتقادات البنائية:

1- انتقدت البنائية من جانب عدم الانسجام في الأفكار، حيث أشار كينيث والتز إلى أن البنائية جاءت على أساس جمع الأفكار وانتقائها من دون إقصاء، ووقعت في فخ فوضى الأفكار، ولم تستطع أن تقدم أفكارها في شكل منسجم ومترابط، فالبنائية ماهي إلا جمع للأفكار.

2- من الجانب المنهجي لا توجد طريقة لإثبات صحة أو خطأ أفكار البنائية، حيث أنها تؤكد على أن كل شيء يحدث في أذهان الناس، وهذا ما يجعل من المستحيل ملاحظة وتقييم هذه التصورات.

3- قيمة التحليل تكمن في البساطة ، فليس العبرة في تعقيد التحليل ، فوظيفة النظرية إذن تبسيط الواقع المعقد وتفسيره، لكن البنائية ماهي إلا تعقيدا من حيث الطرح الإبستمولوجي (المعرفي) والسعي وراء المتغيرات النفسية( تحليل الخطاب المجتمعي) التي يعتبرها البعض بأنها متغيرات غير عقلانية في التحليل، وسط كل تلك التعقيدات.

4-  في حين أننا نأمل أن يكون لدينا زعماء مثل جورباتشوف في السلطة ، فكيف

نمنع زعماء مثل ستالين وهتلر من الصعود إلى القمة ؟ وكيف نمنع المبادئ والمعايير وتلك المفاهيم الفاسدة للسياسة العالمية من الانتشار ؟

فلا يحتاج أصحاب الحركة البنائية فقط للإشارة إلى اهتمامهم بكل من المعايير والتفاهم

المتبادل والممارسات الشائعة، ولكن من المفترض الاهتمام أيضًا بمعرفة كيف تشكلت الأفكار والمفاهيم ، وكيف يمكن تغيير مسارها، وأخيرًا، ما هو سلوك السياسة الخارجية الذي لا يمكن أن نتوقعه نتيجة لظروف معين ؟!

ملحوظة:

كتاب” الهوية والسياسة الخارجية في الشرق الأوسط” لمجموعة من المؤلفين، حاولوا دراسة وتحليل السياسة الخارجية لدول الشرق الأوسط على المقاربة البنائية في العلاقات الدولية، هو كتاب هام لمن استطاع الحصول عليه.

بقلم أرشد فاروق

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock