دراسات سياسيةدراسات شرق أوسطيةدراسات قانونية

دسترة الدولة المدنية: التعريف الذاتي لمصر وتونس واليمن بعد الانتفاضات العربية

لقلم ليمور لافي - ترجمه يوسف سامي مصري - مركز أسبار

الملخّص:

تقدّم هذه الورقة تحليلاً سياسياً للطريقة التي جاءت بها الدساتير الإسلامية الثلاثة -في مصر (2014/2019) وتونس (2014) واليمن (2015) -لإعلان ذاتي مماثل لـ “الدولة المدنية”، بعد الانتفاضات العربية. هذا الإعلان المعبر عن الذات، الذي لم يكن موجوداً في دساتيرهم السابقة، ولا في أي دستور آخر في جميع أنحاء العالم، هو نتاج الصراعات الداخلية المستمرة للمجتمعات الإسلامية حول تعريف جماعتهم بين المحافظة والحداثة والتديُّن والعلمانية. في مصر، فإن التعريف الذاتي لدولة مدنية يكرّس الرواية من جانب واحد عن نظام تموز/يونيو 2013 والقوات المسلحة التي تنتقل إلى مجال العلاقات بين الدولة والدين، يعكس إضفاء الطابع الدستوري على الدولة المدنية، وفي تونس تسوية بين الإسلاميين وغير الإسلاميين فيما يتعلق بدور الإسلام في السياسة والتشريع. في اليمن، يعبّر عن التطلع إلى نزع القبلية والتحديث ضمن نموذج إسلامي للدولة. تسعى الورقة كذلك إلى تتبع مسار هجرة هذه الفكرة من بلد إلى آخر، والترابط بين هذه الحالات، مع تحديد التداعيات المحتمَلة على صنع الدستور في المستقبل في البلدان الإسلامية الأخرى.

مقدّمة

أدّت الانتفاضات الشعبية التي اندلعت في العالم العربي منذ نهاية عام 2010، والتي غالباً ما يُطلق عليها “الربيع العربي”، إلى خلق حقل خصب من الأبحاث للدراسات الدستورية بشكلٍ عام والسياسة الدستورية المقارَنة بشكلٍ خاص. تمَّ على المستوى العالمي، توثيق الموجة الأخيرة من صياغة الدستور مع انهيار الاتحاد السوفييتي. شهدت أمريكا اللاتينية أيضاً في الوقت نفسه وحتى مطلع الألفية، فترة شديدة من التغيير الدستوري (Elster 1995, p. 369; Uprimny 2011, p. 1587).
تشير البيانات المحدَّثة نسبياً المسترجعة من Comparativeconstitutionsproject.org (تم الوصول إليها في 12 نيسان/أبريل 2021) إلى اضطراب دستوري آخر أحدث: تمَّ من عام 2007 حتى عام 2013، كتابة 25 دستور جديد وأربعة دساتير مؤقتة (والعدّ مستمر)، معظمها في الشرق الأوسط وأفريقيا (Ginsburg et al. 2009؛ Elkins et al. [2005] 2020).
سبقَ هذا التدفق ثلاث موجات أخرى من كتابة الدستور في العالم العربي، بهدف خدمة أغراض مختلفة. كما أظهر براون (2007، pp. 49–54)، لعبت الوثائق الدستورية خلال القرن التاسع عشر، دوراً في جعل الملكية أكثر قابلية للمساءلة واستجابة للاحتياجات المحلية. شُكِّلتْ في النصف الأول من القرن العشرين، مع ظهور دول عربية مستقلة جديدة، دساتير جديدة لإعلان الاستقلال. كانت الدساتير الجديدة خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، بمثابة بيانات أيديولوجية للأنظمة الثورية، وهو ما يفسِّر عقيدتها وتوجهاتها. اقترح براون أن لحظة تأسيس رابعة في تاريخ الدساتير العربية تتطوَّر في تسعينيات القرن الماضي، حيث يسعى قادة الخليج إلى ضمان الانتقال السلس للسلطة إلى أول تجربة دستورية. تمثل الموجة الحالية من الدساتير العربية (الجديدة والمتجدّدة) كما في السابق، “الصفقات الحاكمة الجديدة” بين القوى السياسية المتنافسة ووجهات النظر العالمية، وتحدّد قواعد اللعبة للنظام والسياسة المستقبليين (Arjomand 2014 p. 151).
نظراً لأن الدساتير هي “وثيقة هوية الدولة” (Lerner2011, p. 4)، فإن تركيز هذه الورقة هو الجوانب الرمزية والتأسيسية للدساتير العربية الجديدة. إلى جانب العمل كعقد أو بيان أو برنامج أو قانون أعلى (Frankenberg 2006)، فإن الدساتير لها دور في تحديد ملامح الدولة وإعلان توجهها الأيديولوجي (Brown 2002, pp. 10–11). تُرسي هذه النصوص نوع المجتمع الذي يرغب فيه مؤلفوهم/موضوعاتهم (Murphy 1993, p. 10). بينما يشير المنظِّرون الدستوريون أحياناً إلى هوية الدساتير (Jacobsohn 2006، Alsarghali 2020)، نودُّ أن نتناول هنا هوية الدولة كما تم التعبير عنها في الدستور، مشيرين إلى أجزاء من سيرتها الذاتية أو إلى عناصر من تأكيد الذات للأمة. ونسعى بشكل أكثر تحديداً، إلى دراسة الطريقة التي وصلت بها ثلاث دول عربية مختلفة -تونس (2014) واليمن (2015) ومصر (2014/2019) -إلى تعريف ذاتي مماثل لـ “الدولة المدنية” من خلال صياغة دستور رسمي، وهو تعريف معبِّر عن الذات لم يكن موجوداً في الدساتير السّابقة لهذه البلدان ولا يوجد في أيّ دستور آخر في جميع أنحاء العالم.

إن مفهوم “الدولة المدنية” هو نتاج الجدل الدائر في العديد من الدول العربية حول موقفها من الطيف بين الدولة الدينية والدولة العلمانية. يتعلّق هذا المفهوم المشحون أيديولوجياً بقدرة المجتمعات الإسلامية على تسوية صراعاتها الداخلية حول تعريف جماعيها بين المحافظة والحداثة. أشار راينر غروت وتيلمان جيه رودر، محرِّرا “الدستورية وحقوق الإنسان والإسلام بعد الربيع العربي” (Grote and Röder 2016)، وهو أحد أكثر المجلدات شمولاً حول دساتير ما بعد الربيع العربي، إلى مركزيّة فكرة الدولة المدنية في الجدل السياسي الذي أعقب الانتفاضات (ص 907). وهناك فصل مخصَّص لهذا المصطلح فقط في نفس المجلد يشهد أيضاً على أهميته (Al-Daghili 2016). ومع ذلك، يبدو أنه كتب قبل إضفاء الطابع الدستوري على هذا المفهوم في تونس واليمن ومصر. مع الاعتراف بأهمية هذا المفهوم لدساتير ما بعد الربيع العربي، لا تزال الدراسة تفتقر إلى تحليل المعاني المختلفة لهذه التعريفات الذاتية، ومسارها إلى هذه الدساتير وآثارها على العلاقات بين الدولة والدين.

وبالتالي، فإن القصد من هذه الورقة هو وصف الأنماط المرصودة لتعريف الدولة على أنها دولة مدنية في الدستور، وشرح الدوافع والمعاني الكامنة وراء هذا التعريف وتداعياته المحتمَلة. ويهدف إلى فضح الافتراضات الواقعية والمعيارية تحت هذا الاختيار الدستوري للصياغة في كل من البلدان الثلاثة. كيف وصلت هذه الصياغة إلى هذه الدساتير المختلفة؟ هل يعني نفس الشيء في جميع الحالات الثلاث، وهل تأثر كل منهما بالأخر؟

تشير دراسات النظرية الدستورية إلى أن الأفكار الدستورية تنتقل من مكان إلى آخر، سواء بوعي أو بغير وعي، في اتجاه أحادي الاتجاه أو بطرق أخرى. تقدّم المنحة العديد من الاستعارات لوصف هذه العملية -الاقتراض، والهجرة، والاستيراد/التصدير، والتحويل، والزرع، والتلقيح المتبادَل، والمزيد (Choudhry 2007، Lane 1996، Perju 2012). يصف البعض مثل هذه الأفكار الدستورية التي تعبُر الحدود كما لو كانت منتجاً عابراً لتاجر (Frankenberg 2013 a p 4). يتم تعبئة الفكرة المتحرّكة أثناء الانتقال، كنص مكشوف، وتفقد كل معانيها السابقة المعتمدة على السياق (Walker 2007). يتم إعادة تشكيل المنتج المستورد عند استقباله في بيئة جديدة، من خلال التأثيرات المحلية. يتطوّر نوع من فهرس الحقوق والقيم نتيجة لمثل هذه العمليات، مفردات مشتركة ومتطابقة متاحة لواضعي الدستور للاستفادة منها، خزان عالمي أو سوبر ماركت لهذه المسألة. بعض العناصر “تتحوَّل إلى مواد بناء دستورية تجد سوقاً على الأقل في منطقة جغرافية أو سياسية أو أيديولوجية ذات صلة” (Frankenberg 2013b, p. 18). لا يتم وفقاً لهذا النهج، اختراع الدساتير من العدم، بل يتم إعادة إنتاجها باستخدام “حقيبة المفاهيم” هذه (Tushnet 1999, p. 1286)، وهو ما يشير إلى علاقة معقدة بين الدستورية الوطنية وما فوق الوطنية. ومن ثم، ستدرس هذه الورقة أيضاً ما إذا كانت “الدولة المدنية” تتحوَّل إلى سلعة داخل سوق عربي متطور للأفكار الدستورية،

يمكن لواضعي الدساتير في البلدان الأخرى التسوُّق منها من كتالوج عربي ناشئ للتعابير الدستورية الموحّدة.
سننخرط لمعالجة هذه الأسئلة، في تحليل سياقي لإضفاء الطابع الدستوري على مصطلح “دولة مدنية” في كل دراسة حالة، معتبِرين أنه متأصّل بعمق في السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية لكل مجتمع. على الرغم من أن البلدان الثلاثة تعتبر نفسها دولاً مدنية، إلا أن التحليل التعبيري يمكن أن يستخدم هذه الحالات للمقارَنة والتمييز بين التفاهمات الذاتية الموجودة في الوثائق الدستورية لمصر وتونس واليمن (ushnet 2007, pp. 76–80). كما لاحظ والكر (2007)، لا توجد منهجية متاحة للتحليل المناسب لحالة نقل فكرة دستورية، “متى وأين تتقاطع المسارات الوطنية والعابِرة للوطنية.” نتيجة لذلك، يُترك المرء لمحاولة التقريب (pp. 316, 320–321). لذلك، لن تُنظّم دراسات الحالة الثلاث بالترتيب الزمني لاستكمال دساتيرهم، ولكن وفقاً للمسار الذي يبدو أن المفهوم قد سلكه، من مصر، والسفر إلى تونس ومن هناك إلى اليمن.

مصر: إدامة الرواية المضادة للثورة المناهِضة للإسلاميين
انطلقت فكرة الدولة المدنية بشكلٍ مطوَّل في جميع أنحاء المجتمع المصري قبل أن تتأسّس رسمياً في الدستور. كان مفهوم الدولة المدنية في بداية القرن العشرين، محلّ نقاش علني بين مفتي مصر في ذلك الوقت، محمد عبده، والصحفية المسيحية فرح أنطون، مناظرة أظهرت “ضبابية الدلالة” (Steuer and Blouët 2015, p. 242) أو “limbo” (De Poli 2014, p. 99)) التي تميّز العبارة حتى يومنا هذا. أثناء مناقشة مستقبل مصر عشية زوال الإمبراطورية العثمانية، تصوِّر أنطون، دولة مدنية بمعنى المواطنة غير المتمايزة دينياً داخل دولة علمانية (Ant.¯ un 1903 p. 125). عبده، من جانبه، أيَّد نموذج الحكم المدني، ولكن بطريقة متناقضة، مؤكّداً أن الحكم الإسلامي (السنّي) مدني في الأساس، حيث أن الحاكم مدني وليس عالم ديني أو ممثلاً لله على الأرض (Abduh1938,pp. 60–62;Abduh2004,pp.57–87). لا تشير الحكومة المدنية بالنسبة لعبده والتيارات الإسلامية الوسطية اليوم، إلى الفصل بين الدولة والدين، كما دعت “أنطون” وغيرها من المثقفين التقدّميين، بل إنها تشير إلى حكومة حديثة مكوَّنة من مواطنين وخاضعة للمساءلة أمام المواطنين، ضمن تعاليم الإسلام (Rutherford 2006, p. 730). على الرغم من أن هذا النقاش يمثل المفاهيم المتنوِّعة للدولة المدنية، إلا أنه كان عرضياً. حتى الثمانينيات، كان المفهوم يُعتبر أجنبياً ومستورَداً، وبالتالي كان غير شائع وغير مقبول، خاصة بين الإسلاميين.

فقط بعد الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، نشأت ديناميكية قادت المفكرين الإسلاميين الوسطيين إلى تبني مصطلحات الدولة المدنية تدريجياً في عقيدتهم السياسية، بمعنى دولة إسلامية حديثة غير دينية، على غرار تفسير عبده. رافق ذلك جهود فكرية قام بها مفكّرو الوسط لتطوير تفسيرات نظرية تبرّر التغيير في موقفهم فيما يتعلق بهذا المفهوم، بما في ذلك صيغة “الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية”، والذي يهدف إلى توضيح أن المفهوم لا يشير إلى دولة علمانية ولا إلغاء المطالبة بتشريع مبادئ الشريعة (Warren and Gilmore 2013، pp. 98–101). كانت التيارات المعادية للإسلاميين تستخدم مصطلح “دولة مدنية” في نفس الهجوم المضاد، مدّعية أن الإسلاميين مثل الإخوان المسلمين يسعون لتحويل مصر إلى دولة دينية، وفقاً للنموذج الإيراني، بينما يجب أن تكون مصر ذات طابع مدني، بمعنى تفكيك هيمنة المرجعية الدينية في صنع القرار وفي التشريع (Hatina 2000). بينما يدعم كلا المفهومين الخاصّين بالدول المدنية الأعراف والمؤسّسات والإجراءات الحديثة للحكومة، مثل البرلمان، وتبادُل السلطة المنتظم من خلال انتخابات حرّة، والمجتمع المدني، والحريات، وحقوق الإنسان، والمساواة المدنية، فإنهما مقسّمان بين دولة مدنية يشمل الإسلام فيها الدين والدولة، ودولة مدنية يكون للإسلام فيها دور في الحياة الثقافية والروحية فقط. إن الاستخدام المزدوج لمصطلح الدولة المدنية بالمعنى الإسلامي وغير الإسلامي جعل الأمر يبدو كما لو أن الأحزاب كانت تتحدّث عن بعضها البعض خلال الثمانينيات والتسعينيات (Lavie 2018, pp. 14–27).

تدخّل نظام مبارك منذ أواخر التسعينيات في هذا الجّدل الفكري وقرّره لصالح التفسير غير الإسلامي للدولة المدنية، والذي أصبح جزءاً لا يتجزّأ من خطاب مبارك ومن برنامج الحزب الحاكم، الحزب الوطني الديمقراطي. قام المثقفون العاملون في خدمة النظام بإضفاء الطابع المثالي على نموذج الدولة هذا، وتصويره على أنه مزيج ناجح من الإسلام والحداثة والتقدُّم، الأمر الذي يعزِّز المعايير الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان، وهي بعيدة كل البُعد عن النماذج البديلة مثل الدولة الإسلامية الثيوقراطية والأشكال الغربية العَلمانية للدولة. وقد أقرّها كبار رجال الدين، بمن فيهم شيخ الأزهر، بموافقة دينية. قام الإخوان المسلمون أيضاً منذ أواخر التسعينيات، بمواءمة برنامجهم مع هذه النغمة المهيمِنة والتزموا بمفهوم الدولة المدنية. وهكذا، فإن إضفاء الطابع المؤسّسي على خطاب الدولة المدنية أوجد محتوى اتحادياً رسمياً، وهو ما أدّى إلى ضبابية الانقسام الديموغرافي العميق في المجتمع المصري فيما يتعلّق بالمكانة التي يجب أن يتمتّع بها الإسلام. ظاهرياً، ربما قد فات المراقب الخارجي الذي كان موجوداً في مصر في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين الاختلافات في المبرّرات الكامنة وراء تصوُّرات الدولة المدنية بين الإسلاميين وغير الإسلاميين، وفكَّر خطأً. أن هناك إجماعاً في مصر حول هذه الفكرة (Lavie 2018 , pp. 66–78).

وبهذه الروح، فإن التوقع بأن التعديلات الدستورية لعام 2007 ستجسّد فكرة الدولة المدنية ((Ibrahım 2006)، وهو بيان يشير إلى الالتزام بمسار، حيث لا يسيطر الإسلام على السياسات الداخلية والشؤون الخارجية، ولكن لا يغيب على الإطلاق عن الحياة الاجتماعية. وقد شارك بعض الأفراد في هذا التطلُّع في الأوساط المناهضة للإسلام، حيث كانت التعديلات على الدستور جزءاً من الحملة الرسمية المناهضة للإسلاميين، والرغبة في منع الإخوان المسلمين من اكتساب المزيد من السلطة (Arjomand and Brown 2013, p. 237) ومع ذلك، تبدَّدت هذه الآمال. رسّخ التعديل المتعلَّق بالعلاقات بين الدولة والدين مبدأ المساواة في المواطنة في المادة الأولى فقط. كان القصد من هذا التغيير التقليل من أهمية المادة الثانية، التي تنصّ على أن “الإسلام هو دين الدولة و […] مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع”، من خلال رفع مبدأ المواطنة على مبادئ الشريعة (Hafiz. 2007; Hakım 2008, pp. 147–150). تضمّنت التعديلات أيضاً فرض تأسيس أحزاب دينية (المادة 5)، وهي مادة تهدف إلى استبعاد إمكانية حصول الإخوان المسلمين على اعتراف رسمي كحزب سياسي قانوني (Brown et al. 2007) ومع ذلك، فإن مطالبة الناشطين السياسيين الليبراليين واليساريين بإضفاء الطابع المؤسّسي على الحضارة المصرية لم تفلت تماماً، وعادت إلى الظهور مع سقوط مبارك في انتفاضة كانون الثاني/يناير 2011.

أدّت الإطاحة بمبارك عام 2011 إلى تحرير خطاب الدولة المدنية من القيود التي فرضها النظام المنهار، وأعاد فضح الاستقطاب القديم حول مسألة مكانة الدين في السياسة، وهذه المرة في شكل نقاش حول تعريف الدولة في دستور ما بعد الثورة الجديدة. في بداية الفترة الانتقالية، حيث أصبح من الواضح أن الإسلاميين كانوا يتوقعون نجاحاً غير مسبوق في الانتخابات البرلمانية وأنهم ربما يهيمنون على الجمعية التأسيسية المستقبلية، اتخذ المجلس العسكري -النخبة العسكرية الحاكمة-خطوة أولية لإلزام واضعي الدستور المستقبلي أن يصونوا طبيعته المدنية ومنع أسلمته الصارخة. لهذا الغرض، حدَّد نائب رئيس الوزراء في ذلك الوقت، علي السلمي، وثيقة المبادئ فوق الدستورية، والتي حدّدت مصر في المادة الأولى على أنها دولة مدنية. لكن هذه الخطوة توقفت بسبب معارضة الأزهر والإخوان المسلمين والسلفيين المنخرطين في السياسة ولهم أنصارهم في الشارع المصري.

على الرغم من أن هذه المبادرة الفاشلة قد وضِعَتْ على الرف، إلا أنها تشهد على معارضة الإسلاميين لهذا التحديد الذاتي، على الرغم من دعمهم السابق وإدماجهم لفكرة الدولة المدنية. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه المحاولة الأولى الصريحة من قبل النخبة العسكرية لتأمين المدنية المصرية في الدستور، تشير إلى تصوُّرها الذاتي على أنها الوصي على الطابع غير الإسلامي لمصر. وهكذا، كانت قضية السلمي نذيراً للتطوُّرات السياسية القادمة (Lavie 2018, pp. 66–78). ومع ذلك، مع سيطرة الإسلاميين على صياغة دستور 2012 ، الذي شُكِّلَ في ظل حكم محمد مرسي، لم يَنظر حتى في تحديد مصر من قبل مرسي باستخدام المفهوم المثير للجدل عن الدولة المدنية. حدَّد العديد من الخصوصيات التي تُمكِّن التأسيس الديني (المادة 4) والتشريع الموسَّع في الشريعة (المادة 219) توجهاً إسلامياً للدستور أكثر من توجّهه المدني، رغم أنهم لم يُمثلوا “اضطراباً في الوضع الراهن”. (Scott 2014, p. 52).

كانت صياغة دستور آخر بعد الثورة الشعبية ضد مرسي وإسقاطه عام 2013، نتيجة ضائعة، وعادت إمكانية تعريف مصر كدولة مدنية في المادة الأولى إلى الطاولة. على الرغم من أن الدستور تمّت صياغته في هذه الجولة في جوٍ عام من التخلّي عن جميع علامات الإخوان المسلمين، وفي اتجاه واضح نحو أسلمة المجتمع والسياسة، وعلى الرغم من أن الجمعية التأسيسية المشكّلة حديثاً كان يسيطر عليها غير -الإسلاميين، هذه المرة أيضاً، امتنعوا عن ترسيخ العبارة المحدِّدة الخاصّة بالدولة المدنية. تضمّنت المسوَّدة الأخيرة لدستور 2014 تعريف مصر كدولة مدنية في الديباجة، ومع ذلك، تمَّ الاعتماد في اللحظة الأخيرة لصياغة غامضة تحدِّد مصر على أنها “دولة تكون حكومتها مدنية”. كان هذا بمثابة حلّ وسط لاسترضاء معارضة الإسلاميين، الذين دعموا التغيير ولم يتمكّنوا من تحمُّل فكرة وضع مفهوم الدولة المدنية في الدستور، بسبب دلالاته العَلمانية. ومن ثم، انطلاقاً من الاعتراف بأن أي خيار لا لبس فيه، فيما يتعلّق بهوية الدولة يمكن أن يكون له آثار مزعزِعة للاستقرار، اتُخِذَ “نهج غير حاسم وتدريجي” (Lerner 2011, p. 8)، كما هو الحال في حالات مماثلة للنزاعات التي لم يتم حلها بشأن هوية الدولة في شؤون العلاقات بين الدولة والدين.

وضعت التعديلات الدستورية لعام 2019 حداًّ للمحاولات المتردِّدة والفاشلة لإضفاء الطابع الدستوري على الدولة المدنية. تمّ بمبادرة من 155 نائباً، تعديل المادة 200 من دستور 2014 لتنصّ على أن تحافظ القوات المسلحة على “مدنية الدولة”
ظاهرياً، هذا تناقض، كدولة مدنية تعني أيضاً دولة لا يحكمها حكم عسكري، تضع هذه المقالة القوات المسلحة مسؤولة عن إبعاد نفسها عن السياسة. ومع ذلك، مع الاعتراف بالمحاولات السابقة لبصمة الطابع المدني في الدستور، لا نؤكد على الطابع غير العسكري للحكومة. من السهل أن تكون مصر المدنية والطبيعة الضامنة لتوجهها غير الديني وغير الإسلامي.
أُجري هذا التعديل على الرغم من المعارضة المبدئية لحزب النور السّلفي، وهو التنازل الذي جاء بعد أن أوضح رئيس مجلس النواب المصري علي عبد العال للتسجيل أن مصطلح مدنية الدولة ليس يعني دولة علمانية (Magued 2020). بالإضافة إلى ذلك، تمَّ أيضاً في تمّوز/يوليو 2020، تعديل قانون أمن الدولة لتحديد الإجراءات في حالة تعرض مدنية الدولة للخطر (Al-Ashwal 2020).

النص الفرعي أو النصوص غير المُعلنة لكل من الاصطلاحات غير المنصوص عليها واضفاء الطابع المؤسَّسي للدولة المدنية، هي أنه من واجب الجيش منع عودة القوى الإسلامية للسلطة، بما يتماشى مع أسباب قيام ثورة 30 تمّوز/يونيو 2013، إذ كان حكم الإخوان المسلمين يوجّه مصر نحو دولة دينية. وبهذا المعنى، فإن تعريف مصر الذاتي كدولة مدنية يكرّس السرد الأحادي الجانب لنظام الانقلاب في دستور 2014 المعدَّل، والذي يمثل تحرُّك القوات المسلحة للتدخل في مجال العلاقات بين الدولة والدين. وهكذا، فإن العملية التي بلغت ذروتها في إضفاء الطابع الدستوري على الدولة المدنية في مصر تصفها بأنها “دستورية ثورية”، والتي تمثل قطيعة من الماضي، بدلاً من أن تعكس إجماعاً قائماً ومستقرّاً (“الدستورية الكلاسيكية”) أو تطلُّعاً إلى الوحدة الوطنية (“الدستورية الانتقالية”) (Turner 2015).

على الرغم من أن الدولة المدنية تأسَّست في الدستور المصري فقط في عام 2019، يبدو أن أصل هذا المفهوم في دساتير ما بعد الربيع العربي الأخرى التي تمَّت صياغتها قبل عام 2019 هو الجدل المطوَّل حول هذا المفهوم الذي حدث في مصر طوال القرن العشرين. ومن هناك سافرت الدولة المدنية إلى دول عربية أخرى. وقد حدثَ أنه في تونس، حيث تمَّ الاتفاق على مفهوم الدولة المدنية على نطاق واسع، دخلَ هذا المفهوم المادة الثانية من دستور 2014 حتى قبل أن يُضَع بشكلٍ نهائي في الدستور المصري. عند الانتقال إلى بيئة مختلفة، حتى داخل منطقة جغرافية أو سياسية أو أيديولوجية ذات صلة، فإن الأفكار التي تعبُر الحدود الوطنية وتشقّ طريقها إلى الوثائق الدستورية الأخرى، تمرّ بعملية إزالة السياق وإعادة صياغة السياق (Walker 2007) من خلالها يمكن أن تأخذ تفسيرات أخرى وردود فعل محلية خاصّة بالمجتمع المعني، كما سيتم تفصيله في الأقسام التالية.

تونس: حلّ وسَط بين الإسلاميين وغير الإسلاميين
كان كل دستور ما بعد الربيع العربي في مصر يمثل الشمال الحقيقي لبوصلة الأمة، كما كانت تدركها الطبقات السياسية المهيمنة وقت التصديق عليها وعلى حساب النظرة العالمية المتنافسة. في حين أن صمت دستور 2012 فيما يتعلّق بمفهوم الدولة المدنية كان يُعتبر دليلاً على نية الحكومة رفع الإسلام كسمة أساسية لسياسات الدولة، أصبح التعريف الذاتي للدولة المدنية في دستور 2014 المعدَّل إعلاناً لمناهضة الإسلام. – إعادة توجيه الإسلاميين. تمّت صياغة الدستور التونسي لعام 2014 في عملية امتدت لأكثر من عامين، في ظل الاضطرابات السياسية الدراماتيكية في مصر. لا شكّ أن الاضطرابات المستمرّة الناجمة عن الاستقطاب العميق حول طبيعة الدولة على النحو المحدَّد في الدستور المصري، أثرت بلا شكّ على تشكيل الدولة التونسية. من ناحية أخرى، فإن التعريف الذاتي للدولة المدنية في الدستور التونسي هو شهادة على التفاهم المتبادل بين الإسلاميين وغير الإسلاميين.

جرت المفاوضات بين التيارات الإسلامية وغير الإسلامية في تونس بشأن طبيعة الدولة ومكانة الإسلام فيها قبل فترة طويلة من الانتفاضات العربية، وبلغت ذروتها في اتفاق على نموذج الدولة المدنية قبل سقوط بن علي. (Anderson 1991) بدأت مجموعة صغيرة من المعارضين التونسيين في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2004، إضراباً عن الطعام لمدّة شهر ضد النظام دعماً لتوسيع الحرّيات في البلاد.

بعد ذلك، أُنشِئَتْ مجموعة “18 تشرين الأول/أكتوبر” كتحالف مشترك واسع من مختلف التيارات المعارِضة والنشطاء السياسيون المستقلّون، بمن فيهم إسلاميِّ حركة النهضة وأحزاب يسارية علمانية. بعد سلسلة من الندوات العامة والمناقشات الداخلية من جانبهم، نُشِر العديد من الوثائق الفلسفية التي تعلن عن تصوُّر مشترك للمسائل التأسيسية، في المقام الأول العلاقات بين الدولة والدين، وحقوق المرأة، والشخصية المدنية للدولة. كان القصد من هذه الوثائق إظهار جبهة موحّدة تدعو إلى الديمقراطية الحقيقية.

في هذا الإطار، رفضت وثيقة صدرت في 10 كانون الأول/ديسمبر 2009 تتعلق بهوية الدولة والعلاقات بين الدولة والدين، ثلاثة نماذج محتمَلة لوضع الإسلام في دولة ديمقراطية: إخضاع الإسلام للإرادة السياسية للنظام الاستبدادي، احتكار الإسلام وفرضه على الحياة الخاصة للفرد، وإبعاد الإسلام نهائياً عن المجال العام باسم الحداثة. كان النموذج البديل المتفق عليه المعروض في هذه الوثيقة هو الدولة المدنية، أي دولة تقوم على مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان وعدم التمييز، وبينما يُنسب إلى الإسلام، كونه دين الأغلبية، مكانة خاصّة ولكن ليس له حق احتكاري أو حصري. لم تذكر الوثيقة الشريعة الإسلامية. بل نصّت على سنّ قوانين مدنية، بحيث تمنح أي شخص الحق في اقتراح مشاريع قوانين وفق توجهاته الأيديولوجية. حُل هذا التحالف المناهض للحكومة لاحقاً، جزئيًا على خلفية انعدام الثقة بين حزب النهضة وغير الإسلاميين. ومع ذلك، فإن الوثائق التكوينية التي صِغَتْ تحت رعايتها في محاولة للوصول إلى قاسم مشترك بين التوجهات الأيديولوجية المختلفة السائدة في المجتمع التونسي، والتي كانت معارِضة للنظام الاستبدادي، كانت بمثابة أساس للترتيبات الدستورية المتفاوض عليها بعد الثورة (AlJaıdı 2014).

هذه هي الحالة التي مُرِّر فيها دستور 2014 دون أي نزاع. سعى حزب النهضة في البداية إلى إضفاء الطابع الدستوري على الشريعة، الأمر الذي أثار استياء شركائه السياسيين في الترويكا وغير الإسلاميين عموماً. أصرَّ بن جعفر، رئيس المجلس الوطني التأسيسي، على سبيل المثال، على سحب البند المتعلق بالشريعة، وأشار إلى أن الحكم الخاصّ بتونس قانون مدني “خط أحمر لا يجوز التعدّي عليه” (Suteu2017,p. 79). نظّمت منظّمات المجتمع المدني في 16 آذار/مارس 2012، مظاهرات دعت إلى تطبيق الشريعة الإسلامية. طالب آلاف المحتجّين بتعريف مبادئ الشريعة الإسلامية في الدستور على أنها المصدر الأساسي للتشريع. ومع ذلك، نظّم الآلاف في 20 آذار/مارس 2012، في يوم استقلال تونس، احتجاجاً مضاداً في تونس العاصمة للاحتفال بالتزامهم بالطابع المدني للجمهورية (Lavie 2019). لم يهدأ هذا الخلاف الصاخب إلا بعد أن أعلن حزب النهضة رسمياً التزامه بوعده الانتخابي بالتنازل عن مطلب سن الشريعة في الدستور، وهو تنازُل قُدِّم بعد نقاش داخلي مكثف داخل الحزب. في المقابل، تخلّى غير الإسلاميين عن دسترة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وعُرِّفت الدولة على أنها “وصيّ الدين” في المادة 6، وبذلك رفضت مبدأ الفصل بين الدين والدولة في كثير من الأحيان الذي يُنسب إليه مصطلح الدولة المدنية. هدّأ حزب النهضة مخاوف خصومه، موضحاً أنه لا ينوى ترجمة نجاحه الانتخابي إلى تأسيس ثيوقراطية إسلامية (Dalmasso and Cavatorta 2013, p. 229).

في حين أن زوال حكم الإخوان المسلمين في مصر ساهم بلا شك في قرار حزب النهضة بالسعي إلى حل وسط مع المعارَضة (Pickard 2015)، فإن تمسُّك حزب النهضة بنموذج الدولة المدنية يعود إلى الوراء. كان حزب النهضة قد خفف من برنامجه السياسي وقبِلَ الخطاب السائد للديمقراطية والليبرالية واقتصاد السوق في الثمانينيات. تخلّى زعيم حزب النهضة، راشد الغنوشي منذ ذلك الحين، تدريجياً عن النموذج الأصلي للدولة الإسلامية باعتباره الهدف الأسمى للحركة (Cavatorta and Merone 2013). وبالتالي، يُنظر إلى حزب النهضة على أنه حركة ترغب في الحفاظ على الدين كقيمة ورمز، وليس كمبدأ إرشادي لاتخاذ القرار العام، وهو وجهة نظر مختلفة عن وجهة نظر جماعة الإخوان المسلمين المصرية. كان اعتدال حزب النهضة الأيديولوجي وتمسُّكه بنموذج الدولة المدنية على حساب الجناح السلفي في الحركة، وأدّى إلى تقاعده من الحركة الأم في الثمانينيات. ونتيجة لذلك، ساد النهج المؤيِّد للدولة المدنية في صفوف حزب النهضة. أدّى رفض الغنوشي في وقتٍ لاحق لمطلب دسترة الشريعة، على الرغم من النجاح الانتخابي لحزب النهضة والدعم العام لإدراج الشريعة في الدستور، إلى إزالة عقبة كبيرة أمام بناء الإجماع، وأعطى مصداقية لدعم حزب النهضة للدولة المدنية في نظر الجمهور.

لم تكن النهضة الفاعل الديني الوحيد الذي مكّن من دسترة الدولة المدنية. ففي حين اعترض في مصر، كل من الإخوان المسلمين والأزهر والسلفيين (الممثلين بشكلٍ رئيسي في حزب النور)، لم يشكّل الفاعلون الدينيون التونسيون المقابلون -النهضة ومعهد الزيتونة وحزب جبهة الإصلاح تحدياً لهذا التعريف الذاتي. دعم معهد الزيتونة مثل حزب النهضة، مفهوم الدولة المدنية ولم يعترض على إدراجه في دستور ما بعد الثورة. أما بالنسبة للسلفيين، فلم يلعبوا، بسبب وضعهم الهامشي في المجتمع، دوراً مهيمناً في التحريض على نموذج الدولة المدنية، مقارَنة بالسلفيين في مصر، الأمر الذي ساهم في تكوين الإجماع. وبهذا المعنى، فإن إضفاء الطابع الدستوري على الدولة المدنية في تونس، قد يكون مؤهلًا لفهم كلاسيكي للدستور، من المتوقع أن يرسخ اتفاقاً تفاوضياً قائماً بشأن الهوية الوطنية، أو لبناء مثل هذه التسوية (Turner 2015).

وبالتالي، تنصّ المادة الثانية من دستور 2014 التونسي للمرة الأولى على أن “تونس دولة مدنية”، بعد اتفاق تمَّ التوصُّل إليه في الحوار الوطني المصاحب لعملية صياغة الدستور (Sharqieh 2013). ويكمل هذا الفصل الجديد وغير المتنازَع عليه، المادة الأولى التي تنصّ على أن “تونس دولة حرّة ومستقلة وذات سيادة دينها هو الإسلام “-صياغة غامضة من دستور عام 1959 تُركت على حالها. والجدير بالذكر أن هاتين المادتين، كلاهما يتعلّق بالدستور الجديد للدين في مكان ما، وكلاهما بدون ذكر الشريعة، مُنِحا الآن حصانة من التعديلات المستقبلية، وهي حالة تشير إلى توازن دقيق تمَّ التوصُّل إليه بين هوية دولة مختلفة. كما أوضح Suteu (2017)، فإن استخدام الأحكام غير القابلة للتفاوض (المعروفة أيضًا باسم “الخلود” أو “بنود الترسيخ”) منتشر وسط دساتير ما بعد الصراع وما بعد الاستبداد، ويشير إلى التطلُّع إلى الحفاظ على اتفاق سياسي هشّ وصعب القتال بين الأحزاب المتنافسة. وهكذا، فإن إدامة التعريف الذاتي لتونس كدولة مدنية دينها الإسلام، كان يهدف إلى الحفاظ على الحلّ الوسط الذي مكّن هذه الصياغة، ومنع أيّ محاولة مستقبلية لمراجعة الإعلان الوارد في هذه المواد الحساسة بشكل دائم.

على الرغم من أن دسترة الدولة في تونس كانت بالتراضي، إلا أن التفسير الفعلي للمادة الثانية لا يزال خاضِعاً للمساعي المستقبلية، والتي ستحدِّد آثارها العملية. لقد تم حتى الآن اختبار التفسيرات القانونية لإضفاء الطابع الدستوري على الدولة المدنية. طُلِب من “الهيئة المؤقتة لمراجعة دستورية مشاريع القوانين” في تونس الفصل في قضية التعارض الظاهر بين مادة الدولة المدنية، ومشروع قانون يتعلّق بالنظام المصرفي الإسلامي والمؤسّسات المالية. أعلَن هذا البديل المؤقت للمحكمة الدستورية، في قرارها، أن مدنية الدولة الواردة في المادة الثانية من دستور 2014 لا تمنع الممارسات الناشئة عن الشريعة الإسلامية، طالما أنها تخضع لأنظمة دولية من صنع الإنسان. كما جادلت بأن هذه الممارسة الإسلامية لن تحوِّل تونس إلى دولة دينية، وهو ما يشير إلى أن حضارة الدولة يجب أن تقاس وفقاً لهذا المعيار المراوِغ. بالإضافة إلى ذلك، من الممكن تصوُّر أن التأخير الطويل في إنشاء محكمة دستورية دائمة، يرجع إلى الخلاف البرلماني حول تكوين قُضاتها، الناجم عن التنافس على الميل المهيمِن (إسلامي/غير إسلامي) لهذه المحكمة، والذي سيؤثر على تفسير اللغة الدستورية، وخاصّة بند الدولة المدنية الذي تم تقديمه حديثاً.

شكّل الحوار الشامل الذي جرى في تونس حول صياغة الدستور، والذي خلق تفاهمات متبادَلة بين وجهات نظر عالمية متعدّدة تبدو غير قابلة للتوفيق، نموذجاً نظرَت إليه الدول العربية الأخرى لكنها فشلت في محاكاته. كان شعار “تونس هي الحلّ” شعاراً شائعاً في التظاهرات الجماهيرية ضد الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي، حيث كانت رائدة الربيع العربي، ولكن أيضاً بسبب العملية الديمقراطية نسبياً التي صَاحبت المرحلة الانتقالية. كانت التجربة التونسية في اليمن بعد الربيع العربي على وجه الخصوص، في البداية، مصدر إلهام، الأمر الذي أثر على إجراء حوار وطني كأساس لكتابة الدستور. على الرغم من أن الحوار الوطني اليمني قد قدَّم نتائج مختلفة، إلا أن الحوار الوطني اليمني أوصى أيضاً بإضفاء الطابع الدستوري على الدولة المدنية. سيبحث الفصل التالي في عملية دسترة الدولة المدنية في اليمن، ويتطرّق إلى مسألة ما إذا كانت نتيجة نقاش داخلي طويل الأمد بين الإسلاميين وغير الإسلاميين كما هو الحال في مصر، أو اتفاق تفاوضي بينهم مثل تونس، أو بالأحرى مجرّد تقليد للدستور التونسي لا جذور له في المجتمع المحلّي.

اليمن: تصوُّر دولة إسلامية حديثة ومقتطِعة للقبيلة
يرتبط مفهوم الدولة المدنية في حالة اليمن، أكثر من أي تيار سياسي آخر بشباب الثورة، بما في ذلك المنظمات النسائية التي تروج للمساواة المدنية والجندرية (​​Al-Qadımı 2011; Strzelecka 2018). بالنسبة لمتظاهري ساحة التغيير، كانت الدولة المدنية تمثل البديل عن الدولة اليمنية ما قبل الثورة، وهو نقيض لنموذج الاستبداد القائم على الانتماء القبلي الذي ساد في اليمن لعقود (Al-Suhaylı and al-Zindanı 2011). وكما أشار كلاوسن (2018)، فإن “الدعوة إلى” الدولة المدنية “، قد وحّدت المتظاهرين خلال الانتفاضة”، مضيفاً أن “المصطلح يشير إلى الرغبة في عقد اجتماعي جديد مبني على سيادة القانون، المساءلة السياسية والحكم الرشيد “(ص 566). يمثل مصطلح الدولة المدنية شوقاً لتأسيس مجتمع جديد، قائم على حكم الشعب والعدالة الاجتماعية وحماية الحريات الأساسية، مجتمع يشجّع على حلّ النزاعات والمسؤولية المدنية وتكنوقراطية السياسيين، وليس حكماً عسكرياً أو وراثياً.

في الواقع، أصبحت الدولة المدنية تعبيرًا يجسد مطالب الانتفاضة. وفقاً لكلاوسن، “سارع العديد من المتظاهرين إلى الإشارة إلى الروابط بين مفهوم الدولة المدنية والرئيس إبراهيم الحمدي، الذي حكم شمال اليمن من عام 1974 حتى اغتياله في عام 1977″، لأنه “أصبح يُنظر إليه على أنه رمز محاولة فاشلة لبناء دولة حديثة “. في الواقع، خطّط الحمدي لتقليص سلطة القبائل وتقوية سلطة الدولة. ومع ذلك، أدّت سياسته في النهاية إلى نتيجة معاكسة (Rabi 2015, pp. 79–80). وهكذا يبدو أن شباب الثورة اليمنية استلهموا من الشباب الثوري في مصر وتونس وشعاراتهم وأفكارهم بما في ذلك المطالبة بدولة مدنية، بينما كانوا يحاولون تجذير هذا المفهوم في التاريخ والثقافة المحلية.

على عكس مصر وتونس، حيث استُخدِمت الدولة المدنية بشكلٍ رئيسي في الخطاب حول مكانة الدين وعلاقاته بالحداثة، في اليمن يتوافق مظهر الدولة الإسلامية الحديثة أيضاً مع تطلُّعات العديد من اليمنيين بأن الانتفاضة لن تؤدّي فقط للتحديث، ولكن أيضاً لقمع القبيلة. بهذا المعنى، على سبيل المثال، نجد “الجنوبيين يتحدّثون كثيراً عن” الدولة المدنية “التي تمتّعوا بها في ظلّ القيادة البريطانية ثم الاشتراكية، و”إخضاعهم “من قبل القبلية والوحشية في الشمال” (Salisbury 2016, p. 35). ومن ثم، غالباً ما تشير الدولة المدنية في السياق اليمني، إلى حالة القانون والنظام على عكس الدولة التي تحكمها “ثقافة السلاح القبلية” (Heinze 2014)، حيث يُملي القانون العرفي والتعبئة السياسية والتعبئة للولاءات القبلية والعرقية والدينية (Mahir2012; Mustafa2012). وفقاً لهذا التفسير للدولة المدنية، يجب أن ينتقل اليمن من كونه غير دولة إلى دولة مدنية ذات سيادة ومستقلّة وقائمة على نفسها دون أي تدخل أجنبي (Al-Arshı 2013). لهذا السبب، بينما كان مفهوم الدولة المدنية متطابقاً في الغالب مع الشباب، تبنّته تيارات سياسية أخرى عن طيب خاطر.

تم التعبير عن موقف الأقلية المعارض لفكرة الدولة المدنية بشكل قاطع وبصوت عالٍ من قبل عبد المجيد الزنداني، أحد مؤسّسي وعضو فرع اليمن من جماعة الإخوان المسلمين، وحزب الإصلاح، وهو جزء من أحزاب اللقاء المشترك (JMP).
في 5 تموز/يوليو 2011، صرح الزنداني علنًا أن مصطلح “الدولة المدنية” هو مصطلح غربي يدعو إلى علمنة المجتمع الإسلامي وقمع النموذج الإسلامي في السياسة والحكومة (Al-Suhaylı 2012)، وبدلاً من ذلك، دعا إلى دولة إسلامية تقوم على مفهوم الشورى، الأمر الذي أثار جدلاً في الأوساط الفكرية والسياسية اليمنية. لم يشارك الزنداني وجهة نظره سوى أعضاء من حزب الرشاد السلفي وحزب التحرير (Khamıs 2019). وكان من بين المستجيبين البارزين عضو بارز في أحزاب اللقاء المشترك، عبد الملك المتوكل، الذي استخدم موقف الأزهر في مصر لصالح دولة مدنية كثقل موازن لموقف الزنداني ضد هذا النموذج. واحتجاجاً على بيان الزنداني، أقيمت صلاة الجمعة الجماعية في 15 تمّوز/يوليو 2011، في أكثر من 17 منطقة في جميع أنحاء اليمن، ورُفع شعار الجمعة “من أجل دولة مدنية ديمقراطية”. رَفض عضو بارز آخر في حزب الإصلاح، عبد الله الساتر في إحدى صلاة الاحتجاج الجماهيرية في شارع الستين في صنعاء، موقف الزنداني باعتباره لا يعكس الموقف الرسمي للحزب، بل موقفه الخاص (Al-Qadımı 2011; Al-Sufı 2011). وفقاً لـ Bonnefoy and Poirier (2012)، أراد حزب الإصلاح أن يُنظر إليه على أنه موالي لمشروع الدولة المدنية، الذي حدّد قواعد اللعبة الجديدة، وبالتالي دعم هذا النموذج التوافقي خلال مؤتمر الحوار الوطني، على غرار حزب النهضة التونسي، وعلى عكس جماعة الإخوان المسلمين المصرية.

انطلق في آذار/مارس 2013، مؤتمر الحوار الوطني بمشاركة 565 ممثلاً عن مختلف الفصائل السياسية (Alley 2013) ووُصِفَ بأنه النقاش الأكثر حرّية وشمولاً من نوعه في المنطقة العربية (Al-Ali 2016b p. 394). يهدف هذا المؤتمر إلى الوصول إلى تفاهمات حول القضايا الأساسية المتعلّقة بمستقبل اليمن (بما في ذلك مشكلة الجنوب، ونظام الحكم، وإصلاح الأجهزة الأمنية، الحقوق والحريات والتنمية والعدالة الانتقالية)، عُيين مؤتمر الحوار الوطني أيضاً لإنشاء الجمعية التأسيسية لصياغة دستور جديد، بما يتماشى مع هذه التفاهمات، ووفقاً لتوصيات مؤتمر الحوار الوطني.

عندما أُطلِقَ مؤتمر الحوار الوطني، كان تشكيل دولة مدنية قد حُدِّدَ بالفعل كمبدأ إرشادي له وكهدف أسمى. وفي جلسته الافتتاحية يوم 18 آذار/مارس 2013، أعلن الرئيس هادي، الذي ترأس المؤتمر، أن مؤتمر الحوار الوطني يجب أن يلتزم بالقيم التي أظهرها الناشطون اليمنيون الشباب في الساحات للتعبير عن رغبتهم الصادقة في إقامة دولة مدنية حديثة. وأضاف أن الدولة المدنية الحديثة، القائمة على أسس الحكم الرشيد ومبادئ الشورى والديمقراطية الحديثة والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون، هي طموح مشترك “فشلنا في تحقيقه لعقود طويلة، دولة مدنية تحكمها أنظمة وقوانين مستمدَّة من شريعتنا الإسلامية المجيدة التي تعارض التطرُّف وتتوافق مع حاجات الزمن كما تلتزم بحقوق الإنسان”.

وبهذه الروح، يسود مفهوم الدولة المدنية في وثيقة نتائج مؤتمر الحوار الوطني، والتي صدرت في 24 كانون الثاني/يناير 2014، مع أكثر من 1800 توصية للجمعية التأسيسية. تنصّ الوثيقة بالفعل في الديباجة على أن مؤتمر الحوار الوطني سعى لإيجاد “حلّ مستدَام لمشكلة الجنوب داخل دولة موحّدة، تتضمّن تقسيماً عادلاً للسلطة والموارد، ودولة مدنية حديثة تقوم على أساس المواطنة المتساوية، وإقامة الخير. الحكم الذي يضمن التنمية المستدامة في جميع المجالات وزيادة الحقوق والحريات”. إن التمسُّك بالدولة المدنية واضح ليس فقط في الديباجة، ولكن أيضاً في متن الوثيقة. فعلى سبيل المثال، وتحت عنوان “بناء الدولة” الخاص بهوية الدولة وصورتها ودينها ولغتها وتوجهها الحكومي، يَرد ذِكر الدولة المدنية مرّة أخرى على أنها تمثل أمل اليمنيين في إقامة دولة ديمقراطية بمؤسّسات حديثة. يتوافق هذا الوصف لدولة مدنية مع المعنى السائد للدولة المدنية في العالم العربي، دولة إسلامية حديثة وغير علمانية وغير دينية في نفس الوقت، وهي نموذج يدعم الأعراف والمؤسَّسات والأعراف الحديثة وإجراءات الحكومة، مع التخلّي عن النماذج الأوَّلية الأخرى للدولة الإسلامية التي ترفض الحداثة وتحافظ على أو تقدِّم فهماً أصولياً وكتابياً للإسلام.

يلقي النقاش الذي دار في مؤتمر الحوار الوطني حول مقال الشريعة، الضوء على الطريقة التي ترى بها مجموعات مختلفة في المجتمع اليمني مصطلح الدولة المدنية. نص الدستور اليمني لعام 1991/2001 (المادة 2) على أن “الإسلام دين الدولة. . . “وأن (المادة 3)” الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات”. وصوَّتت العديد من المجموعات ضد الإبقاء على هذه الصيغة، بما في ذلك بناء الدولة، وجماعة الحوثي، والحراك الجنوبي، والحزب الاشتراكي، وحزب المؤتمر، والتنظيم الوحدوي الناصري وحزب الحق الشيعي. وصوَّت حزب الإصلاح وحزب الرشاد السلفي لصالح بند دين الدولة. كان تفضيل الأحزاب السابقة هو تعريف الإسلام على أنه دين الشعب (وليس دين الدولة) والشريعة كمصدر أساسي للتشريع (وليس كمصدر للتشريع). لأنه وفقاً لهذا النهج، فإن تعريف دين الدولة يجعل اليمن دولة دينية، وهو ما يتعارض مع التعريف الذاتي للدولة المدنية. من ناحية أخرى، فإن تعريف الشريعة كمصدر أساسي للتشريع، يجعل التشريع ينشأ في الشعب من خلال ممثليه في البرلمان، وبالتالي فإن سيادة الشعب على التشريع تحافظ على الطابع المدني غير الديني للدولة. من جهته، رأى الشيخ عبد الوهاب الحميقاني، الأمين العام لحزب الرشاد السلفي، عدم وجود تناقض بين الدولة المدنية وبين تعريف الشريعة بأنها مصدر لكل التشريعات.

تماشياً مع إعلانات التعريف الذاتي هذه، كانت التوصية الأولى لوثيقة نتائج مؤتمر الحوار الوطني إلى الجمعية التأسيسية، هي أن تنصّ في ديباجة الدستور اليمني المستقبلي على أنه “سيضمن مبادئ المساواة في المواطنة وكرامة وحقوق المواطنين في اليمن والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون في ظلّ دولة مدنية ديمقراطية “. توصي الوثيقة الجمعية التأسيسية تحت قسم “القرارات المتعلقة بهوية الدولة”، بالصياغة التالية، بجانب المادة التي تعرِّف الإسلام على أنه دين الدولة: “اليمن دولة اتحادية ومدنية وديمقراطية، دولة مستقلة ذات سيادة، تقوم على أساس المواطنة المتساوية وإرادة الشعب وسيادة القانون، وهي جزء من الأمة العربية والإسلامية”. بالإضافة إلى ذلك، فإن مفهوم الدولة المدنية مذكور كمبدأ إرشادي لإعادة التنظيم الموصي به للقضاء والنيابة العامة، ولصياغة القواعد والأسُس القانونية التي تمنع هيمنة القبلية وتدخُّلها في سلطات الدولة. قسْم بعنوان “دولة مدنية حديثة” يرسم الخطوط العريضة لدولة إسلامية لامركزية وتعدّدية وديمقراطية ذات مؤسّسات مستقلة محايدة، وتَقسيم السلطات والمشاركة الشعبية الواسعة في صنع القرار والمواطنة المتساوية.

أصدر الرئيس هادي مرسوماً رئاسياً في أوائل آذار/مارس 2014، بتشكيل لجنة صياغة الدستور المكوَّنة من 17 عضواً والتي تتألف من دبلوماسيين ومحامين وقضاة وغيرهم من المهنيين الذين يعكسون التنوُّع الجغرافي والعرقي والسياسي في اليمن. نصّت المادة الأولى من مشروع الدستور اليمني لعام 2015، تماشياً مع توصيات مؤتمر الحوار الوطني، وبما أنه لم يكن هناك اعتراض على فكرة الدولة المدنية، الذي يرسِّخ “طبيعة الجمهورية اليمنية الاتحادية”، على أن “جمهورية اليمن الاتحادية اليمن دولة اتحادية، مدنية، ديمقراطية، عربية إسلامية، مستقلة وذات سيادة، على أساس إرادة الشعب والمواطنة المتساوية وسيادة القانون. تنصّ المادة 134 على أن “الحقوق والحرّيات المنصوص عليها في هذا الدستور، لا يجوز تعطيلها أو تقييدها. . . لا يجوز تحديد القيود إلا عند الضرورة بهدف حماية حقوق الآخرين أو النظام العام أو الآداب العامة وإلى الحد الأدنى اللازم لهذه الأغراض على النحو الذي تقتضيه أسُس الدولة الديمقراطية المدنية. . . هذه المادة مماثلة من حيث الجوهر والصياغة للمادة 49 من الدستور التونسي لعام 2014، باستثناء أن الدستور التونسي نصّ عليها بشرط الخلود، كما ذكر. وبقي شرط دين الدولة ساري المفعول لصالح التيار السلفي، لكن تنّص المادة 4، مما يثير استياء السلفيين، على أن “الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع يجب أن يتم إسناد تفسير تدوين أحكام الشريعة حصرياً إلى السلطة التشريعية”.
كانت عملية صياغة الدستور اليمني عملية وضع دستور وسط صراع عسكري انعكس في الصراعات الداخلية، بين مؤيّدي هادي وممثلي الحوثي (Johnson 2017). وفي حين اعتُبر مؤتمر الحوار الوطني نموذجاً إيجابياً للمفاوضات المثمرة، تمّت صياغة مسودة دستور 2015 في بيئة من التوتر المتزايد والشكوك المتبادلة بين الأطراف، فضلاً عن مزاعم الظلم والتهميش، كما أثرت التغيرات في ميزان القوى في ميدان المعركة على المواقف داخل اللجنة.

رفضت حركة الحوثي في نهاية كانون الأول/ديسمبر 2014، قبل ثلاثة أسابيع من نشر المسودة الرسمية للدستور، صياغة مسودة الدستور، بناءً على معارضتها لنيّة تقسيم اليمن إلى ست دوائر اتحادية، معتبرةً ذلك انتهاكاً لوثيقة مخرجات مؤتمر الحوار الوطني (Mujais 2017). في 15 كانون الثاني/يناير 2015، اختطف الحوثيون رئيس أركان هادي، أحمد عود بن مبارك، الذي كان في طريقه لتسليم المسودة النهائية للدستور إلى الهيئة الوطنية في صنعاء. أدّت المحاولة الفاشلة للإفراج عنه إلى استقالة هادي ورئيس الوزراء والحكومة، واندلاع الفوضى الحكومية. ونتيجة لذلك، لم تصل مسودة الدستور إلى الاستفتاء، وانحدر اليمن إلى حرب شاملة بين مجموعة متنوِّعة من القوى العسكرية والقبلية والدينية.

إن إضفاء الطابع الدستوري على الدولة المدنية، إذا تمَّ التصديق عليه، سيكون “عنصراً سياقياً ومشروطاً للدستورية الانتقالية، حيث يلعب الدستور دوراً في تحويل إرث الماضي” (Turner 2015 p.280). كان سيعبِّر عن رغبته في الابتعاد عمّا حدث من قبل، وإعادة تشكيل السياسة من خلال التصميم الدستوري. نظراً لعدم وجود دليل في اليمن على نقاش محلّي مطوَّل حول نموذج الدولة المدنية، على عكس مصر، ولا يوجد سجل لفهم ما قبل الثورة، فيما يتعلّق بهذا المفهوم بين التيارات السياسية، كما هو الحال في تونس، فمن المعقول افتراض أن وصلت فكرة الدولة المدنية إلى اليمن كنسخة من المطالب التي طرحها الثوار في تونس. تمّت صياغة فكرة الدولة المدنية دستورياً، بعد الاندماج في المجتمع اليمني واكتساب التفسيرات المحلية بالإضافة إلى معانيها الأصلية، باستخدام صيغ مماثلة للدستور التونسي لعام 2014. نظراً للتشابه في صياغة بنود الدولة المدنية في تونس واليمن، لا يسع المرء إلا أن يتساءل عمّا إذا كانت الدولة المدنية أصبحت -بغضّ النظر عن تقاليدها وخبراتها المحلية الخاصة بالسياق -عنصراً دستورياً وقابلاً للتسويق في خزان إقليمي، ستواصل عبور الحدود وتشق طريقها إلى الوثائق الدستورية الأخرى في المنطقة (Frankenberg 2013a,p. 4).

الاستنتاجات
اكتسب نموذج الدولة المدنية منذ اندلاع انتفاضات الربيع العربي، موطئ قدم في العديد من الدول العربية كنموذج مثالي، واكتسب مجموعة من المعاني المتأثرة بالتعقيدات المختلفة للبيئات السياسية والمعتقدات الدّينية المختلفة. سَعت هذه الورقة إلى فحص المسار الذي سلكته في السنوات الأخيرة فكرة الدولة المدنية، حتى الوصول إلى الدساتير التي تمّت صياغتها في ثلاث دول في أعقاب الانتفاضات العربية. كما سَعت إلى توسيع المعاني الرمزية والعملية لهذا المفهوم في كل حالة على حدة، وفقاً لسياقها الخاص، ولتقييم الآثار المحتمَلة لمثل هذه التعريفات الذاتية للدول الإسلامية الحديثة. يُشير فحص الحالات الثلاث، إلى أنَّ التعريف الذاتي المعاصِر للدولة المدنية في مختلف دساتير الدول الإسلامية، له مغزى إعلاني في مسائل الهوية والتوجّه، فضلاً عن الآثار العملية على مسائل الحكم والتشريع والدين. يعكس تعريف الدولة على أنها مدنية، على مستوى الهوية التعبيرية للبلد، الالتزام بنموذج الدولة الذي ليس دينياً ثيوقراطياً ولا علمانياً.

 

يمثل هذا البيان الرسمي ما بعد العلماني، أجندة وحدوية، تسعى جاهدة إلى الجمع بين الإسلام والحداثة، بينما تستنكر الفهم الكتابي للنصوص المقدّسة والمقاربات الأصولية الرجعية للنظرية السياسية الإسلامية. في جميع الحالات الثلاث التي تم فحصها، فإن إدامة الدولة كدولة مدنية في الدستور، يعني الرفض المشترك للنماذج الإسلامية البديلة للدولة، مثل النموذج الإيراني أو نموذج داعش، جنباً إلى جنب، مع الإدانة المشتركة لنماذج الحكم الأجنبية، مثل العلمانية والديمقراطيات الغربية. ُيشير نموذج الدولة المدنية إلى الرغبة في تبنّي الأعراف والأنماط الحديثة للحكم، دون تجاوُز حدود الإجماع العام، الذي يَعتبر الإسلام قيمة عليا في إدارة شؤون الدولة والحياة الاجتماعية. يترك غموض مصطلح الدولة المدنية للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على المستوى التوجيهي، مجالًا كبيراً للمناورة بين السياسات القائمة على المنطق الديني والاعتبارات العقلانية. ونظراً لأن جميع التشريعات يجب أن تتوافق مع التعريف الذاتي للدولة المدنية الراسخ في الدستور، يمكن أن يكون بند المدنية بمثابة أساس لإلغاء أو تعديل القوانين، على أساس المبادئ والممارَسات الدينية أو لرفض مثل هذا فواتير جديدة. ومع ذلك، وكما أثبتت الحالة التونسية حتى الآن، يمكن تفسير بند المدنية بطريقة تسمح بصياغة قوانين جديدة تستند إلى الممارسات والتقاليد الإسلامية. ومن ثم، فإن إضفاء الطابع الدستوري على الدولة المدنية، لا يستلزم إصلاحاً جذرياً وفورياً لوضع الدين في الدولة.

يَحمل مفهوم الدولة المدنية إلى جانب هذا القاسم المشترَك للحالات الثلاث التي تمَّ فحصها، معاني مختلفة تعتمد على السياق وفقاً للتاريخ والشخصية المميِّزة لكل دولة. تجسِّد حضارة الدولة الراسخة في المادة 200 من دستور مصر المُعدَّل لعام 2014 نقاشاً دام عقوداً حول مكانة الإسلام في السياسة والتوجه الديني/غير الديني للبلاد. يَعكس إضفاء الطابع الدستوري على الدولة المدنية، محاولة لرفع وتأييد وتأكيد الرواية المعادية للإسلاميين لانقلاب 30 تمّوز/يونيو 2013 ضد مرسي والإخوان المسلمين. ويُقصَد به منع عودة ظهور التيارات السياسية الداعية إلى مفهوم الإسلام بكامله، وتفويض الجيش بالتدخل لإحباط أي احتمال من هذا القبيل في المستقبل. انطلاقاً من التجربة المصرية، حيث تسبَّب الاستقطاب حول فكرة الدولة المدنية في اضطرابات متكرِّرة، فإن دسترتها في الدستور التونسي لعام 2014 يعكس استعداد التيارات السياسية المتنافِسة، إسلامية وغير إسلامية، للتنازُل عن مبادئها الأيديولوجية في أمور العلاقات بين الدولة والدين. ساعد التصوُّر المشترك للإسلام على أنه قيمة وحضارة، بدلاً من دولة وقانون، في صياغة مواد الهوية في الدستور كعقد اجتماعي مقبول، من خلال جهد جماعي لتأمين المرحلة الانتقالية ونجاح عملية الدمقرطة. لم تكن دسترة الدولة المدنية في الحالة اليمنية، التي بقيت مجرَّد مسودة، صدى لواقع قائم أو نقاش طويل الأمد حول دور الإسلام في السياسة، بل بالأحرى تفكير بالتمني. وعبَّر عن رغبة المحتجّين في ساحة التغيير في أن تشبه الدول الإسلامية الأخرى التي تم إصلاحها، مثل تونس، ونبذ الأنماط البدائية للدولة والحكم. إن مجرّد هجرة فكرة الدولة المدنية إلى اليمن، يشير إلى انتقال هذا المفهوم، ليس فقط من خطاب فكري وشعبي في بلد إلى آخر، ولكن أيضاً انتقاله من دول حديثة إلى مجتمعات قبلية. بالإضافة إلى ذلك، فإن انتقال فكرة الدولة المدنية بين الحالات الثلاث يعكس انتقالها إلى المجال الدستوري، الأمر الذي أدّى إلى إقرارها كحلٍ مرضٍ لقضايا الهوية والتوافق بين الإسلام والحداثة.

تثبت الحالة اليمنية أيضاً، أن مفهوم الدولة المدنية قد ترسَّخ في المجتمعات العربية بعيداً عن قضية التديّن والعلمانية. من المحتمَل أن يتغلغَل مفهوم الدولة المدنية في المستقبل أيضاً في الخطاب التشريعي، حيث سَيُطلَب من هذه الدول، ترجمة مواد الدستور إلى قوانين أكثر تفصيلاً، ويتعيّن على المحاكم الدستورية تفسير القوانين ومسودة القوانين بما يتوافق مع المواد الدستورية للدولة المدنية. بالنسبة لنا سيكون من الأسهل مع مرور الوقت، تقدير الآثار العملية لإضفاء الطابع الدستوري على هذا المفهوم. سيكون من المثير للاهتمام، معرفة ما إذا كان التفاعُل بين حالات الاختبار الثلاث سيستمر، من حيث التفسير القانوني المقدم لهذه المواد ذات الصّلة. ومع دخول دول عربية أخرى في دسترة الدولة المدنية، فإننا سندرك بشكلٍ أفضل، مدى انتشار المفهوم في العالم الإسلامي، والتصوُّرات المحلّية الخاصة بالسياق الذي يحمله المفهوم، ومعانيه العابرة للحدود. في مصر، تعود جذور هذا المفهوم إلى 100 عام، وفي تونس، استمرّ الجدل الفكري حول الدولة المدنية لعدة عقود، بينما في اليمن من الواضح أنه قد تمَّ استيعاب المفهوم بشكلٍ أساسي حول الانتفاضات العربية وتحت تأثير كل من مصر وتونس. لا يمكن إلا أن نفترض من الآن فصاعداً، أن عملية استقباله في الدول الإسلامية الأخرى ستكون قصيرة، كما في الحالة اليمنية. إذا استمرّ مفهوم الدولة المدنية في اختراق الدساتير الإسلامية، فإنه سيؤكّد وظيفته كسلعة دستورية متاحة في السوق الحرّة للأفكار الدستورية. ستساهم الدراسات المقارَنة المستقبلية للمصطلحات الفريدة الأخرى الشائعة، في دساتير ما بعد الربيع العربي، في فهمنا لما إذا كان يتم أيضاً، بالتوازي مع الكتالوج العالمي للمفاهيم الدستورية، تكوين كتالوج إقليمي فريد من نوعه للبلدان الإسلامية.

الرابط الأصلي:

https://www.mdpi.com/2077-1444/12/4/269

5/5 - (1 صوت واحد)
Print Friendly, PDF & Email

(Read more)  الامارات وبداية إعادة التموضع في الشرق الاوسط وليس اليمن فقط

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا contact@politics-dz.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى