المواطنة فى جوهرها هى نمط من العلاقة ذات الاتجاه المزدوج بين المواطن والوطن الذى ينتمى إليه. وفى إطار هذه العلاقة التفاعلية يترتب للطرفين وعليهما مجموعة من الحقوق والواجبات التى يحددها الدستور والقانون. لذلك، فإن المواطنة ليست مفهومًا جامدًا، وإنما هى مفهوم متجدد طرأت عليه تاريخيًا تحولات عميقة فى مضمونه. فعلى الرغم من أن هذا المفهوم يمتد بجذوره إلى الأصول اليونانية والرومانية، فإن المضمون المعاصر لكلمة مواطن قد جاء بالأساس مع نشأة الدولة القومية الحديثة فى أوروبا بموجب صلح وستفاليا للدول ذات السيادة عام 1648، والتى تعد الحاضن الرئيسى له(1). ومنذ ذلك التاريخ، تطورت طائفة الحقوق التى تندرج فى إطار هذه المواطنة من حقوق مدنية فى القرن الثامن عشر، ثم سياسية فى القرن التاسع عشر، إلى حقوق اقتصادية واجتماعية فى النصف الأول من القرن العشرين، وأخيرًا، ثقافية فى النصف الثانى من القرن العشرين، وإن كان هذا الترتيب لم يسر على وتيرة واحدة فى كل المجتمعات. ففى ألمانيا على سبيل المثال، جاءت المواطنة الاجتماعية أسبق من المواطنة السياسية. كما أن هذه الحقوق للمواطنة كانت، ولا تزال، محل عدم اتفاق، سواء فى بلدان الشمال والجنوب أو فى داخل المجتمعات الغربية ذاتها، حيث تتباين بشأنها الرؤى بين التيارات السياسية والفكرية. إذ إنه، خلافًا للتوافق حول الحقوق المدنية والسياسية فى هذه المجتمعات الغربية، فإن الجدل بها لا يزال قائمًا حول الاعتراف بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية كحقوق للمواطنة، وتزداد حدة هذا الجدل فى حالة حقوق التعددية الثقافية للمواطنين فيها من ذوى الأصول المهاجرة(2).
و تهدف هذه الدراسة إلى تحليل موقف تيارى اليمين – خاصة اليمين الجديد منه من المحافظين والليبراليين الجدد – والديمقراطيين الاجتماعيين إزاء قضية المواطنة باعتبارهما من أهم التيارات السياسية والفكرية اللذين ساهما ــ ولا يزالان يساهمان ــ فى بلورة مفهوم المواطنة فى البلدان الغربية. كما أن رؤيتهما لمفهوم المواطنة كان لها انعكاساتها فى هذا الشأن على كثير من بلدان العالم الأخرى.
مشكلة وتساؤلات الدراسة:
تتمحور مشكلة الدراسة فى النظر إلى مفهوم المواطنة باعتباره ليس مفهومًا جامدًا، وإنما أعيد تعريفه مرات عديدة فى ضوء طبيعة المجتمعات وتطورها، وفى مقدمتها المجتمعات الغربية التى جاء هذا المفهوم لصيقًا بنشأة الدولة القومية بها منذ النصف الثانى من القرن السابع عشر. فمفهوم المواطنة شأنه شأن كل اختراعات الإنسان – كما ذهب بعض الباحثين – هو بنيان هش ومهدد دوما وفى حاجة دائمة للحماية، وذلك ما لم تنجح المجتمعات فى تحقيق قدر من التوازن النسبى لمكوناته المختلفة من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتى يشعر معها المواطن بالانتماء والعدالة وعدم التهميش أو الاستبعاد(3). لذلك، فإن عملية بناء المواطنة يجب أن تكون عملية مستمرة، بما يسمح لمفهوم المواطنة باستيعاب التحولات التى تطرأ  على المجتمع داخليًا وخارجيًا. فبدون وبدون الانتماء الذى يمثل جوهر المواطنة من جانب الفرد لبقية المجتمع، فإنه سوف يكون من المستحيل على المجتمع التصدى بشكل جماعى للتحديات التى تواجهه. وقضية الهجرة فى البلدان الأوروبية خير مثال على ذلك حيث باتت التحدى الأهم الذى يواجه هذه الدول فى ميدان بلورة مفهوم متكامل للمواطنة بها، وما إذا كانت ستعترف بحقوق التعددية الثقافية لمواطنيها من ذوى الأصول المهاجرة من عدمه.
ويتمثل التساؤل الرئيسى للدراسة فى: ما رؤية كل من تيارى اليمين الجديد والديمقراطيين الاجتماعيين لمفهوم ومضمون حقوق المواطنة؟ وما أوجه الاتفاق والاختلاف بينهما فى هذا الشأن؟ وكيف تعاطى كل من هذين التيارين مع الظواهر المستجدة على واقع المواطنة فى البلدان الغربية، وأبرزها قضية الهجرة، والأزمات الاقتصادية والوبائية العالمية، وآخرها أزمة فيروس كورونا؟ وإلى أى مدى سوف ينعكس ذلك على المفهوم الغربى للمواطنة مستقبلًا؟
أولًا ــ مفهوم المواطنة بين اليمين الجديد والديمقراطيين الاجتماعيين:
ينصرف مفهوم المواطنة ــ ابتداء ــ إلى علاقة الفرد بالدولة، وهى العلاقة التى يرتبط من خلالها الطرفان بمجموعة من الحقوق والالتزامات المتبادلة. بهذا المعنى، فإن المواطنة ليست مجرد مساواة قانونية بين الأفراد فى الحقوق أو الواجبات، إنما هى فى جوهرها ترتبط بالقدرة على تمتع الفرد بحقوقه المنصوص عليها فى الوثائق القانونية والدستورية. ولعل هذا ما يفسر استمرار شعور بعض الفئات فى مجتمعات عديدة بالتهميش والاغتراب، وأنهم مواطنون من الدرجة الثانية بسبب عدم تمتعهم على أرض الواقع بذات حقوق المواطنة التى يتمتع بها غيرهم من فئات المجتمع الأخرى، برغم المساواة القانونية بينهم، وذلك بفعل أسباب عديدة، عرقية أو دينية، أو حتى بسبب سياسات وتوجهات النظام الحاكم ذاته(4).
وتحقق المواطنة بهذا المعنى ليس بالأمر الهين لأى مجتمع، لما تتطلبه من قدر مرتفع من التطور السياسى والاقتصادى والاجتماعى للدولة. وليس أدل على ذلك من أن البلدان الغربية ذاتها، التى ارتبط ظهور مفهوم المواطنة بمعناه الحديث بنشأة الدولة القومية فيها، وبرغم ما أنجزته من تطورات مهمة فى عملية بناء المواطنة بها، فإن الجدل السياسى والفكرى لا يزال محتدما فيها بشأن طبيعة حقوق المواطنة، وما إذا كان ينبغى أن تقتصر على الحقوق المدنية والسياسية فقط، أم تمتد لتشمل أيضًا الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد برز هذا الجدل بصفة، خاصة مع إصدار ت. اتش. مارشال كتابه عام 1963 «المواطنة والطبقات الاجتماعية»، والذى نظر إلى المواطنة بوصفها وضعًا اجتماعيًا، ينبغى أن يتحرر فيه المواطنون من الفقر والجهل واليأس إذا ما كان عليهم المشاركة بالكامل فى شئون المجتمع الذى ينتمون إليه. إذ ذهب الاشتراكيون والديمقراطيون الاجتماعيون، فى هذا الخصوص، إلى أن المواطنة لا ينبغى أن تقتصر على الحقوق المدنية والسياسية، وإنما يجب أن تمتد لتشمل الجيل الثانى من هذه الحقوق وهى الحقوق، الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها الأساس الحقيقى للحياة المتمدنة بتدعيمها لحقوق المواطن فى العمل، والرعاية الصحية، والتعليم، وغيرها، بما يجعله يشعر بأنه يتمتع بنصيب ذى شأن من ثروة المجتمع. بينما يذهب تيار اليمين الجديد من الليبراليين والمحافظين الجدد ــ فى المقابل ــ  إلى ضرورة استبعاد هذه الحقوق الاقتصادية والاجتماعية من طائفة حقوق المواطنة، وذلك حتى لا يتكون لدى المواطنين رؤية غير واقعية لقدرات الحكومة، وتقويض عنصر المبادرة الفردية، والمشروع الحر لديهم، مقترحين فى هذا الشأن ما أطلقوا عليه مفهوم المواطنة النشطة.
ومفهوم المواطنة النشطة هذا من وجهة نظرهم، هو بمثابة إعادة تأكيد لمقولات الليبراليين التقليديين بخصوص حرية الفرد، وأن هذه الحرية لا يمكن أن تتم فى ظل تدخل الدولة أو احتضانها للفرد اقتصاديًا واجتماعيًا، وإنما من خلال تحرره من هذا التدخل للدولة فى حياته عبر اعتماده على نفسه فى الوفاء باحتياجاته من العمل والصحة والتعليم وغيرها، وهو ما يدعم لدى المواطنين فى المجتمع فكرة العمل الشاق والمخاطرة والمشروع الحر بعيدًا عن الدولة وتخفيف العبء عن كاهل الموازنة العامة لها. ويرى أندرو هيوود أن المواطنة النشطة بهذا المعنى لليمين المحافظ الجديد إنما تؤكد على الالتزامات المدنية، وليس على فكرة الحقوق فى علاقة المواطن بالدولة. وعلى الرغم مما اكتسبه هذا المفهوم للمواطنة النشطة من قوة دفع، مع صعود ذلك اليمين المحافظ الجديد للسلطة فى الولايات المتحدة وبريطانيا منذ أوائل الثمانينيات (ريجان – تاتشر)، فإنه تعرض لانتقادات عديدة، خاصة فيما يمكن أن يقود إليه من تعميق لعدم المساواة القائمة فى المجتمع(5).
وقد أثار هذا الجدل الفكرى والسياسى فى المجتمعات الغربية حول طبيعة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنة قضية المواطنة الاجتماعية، أو علاقة المواطنة بدولة الرفاه أو الضمان الاجتماعى.
ثانيًا: المواطنة ودولة الرفاه الاجتماعى بين اليمين والديمقراطيين الاجتماعيين:
إن البواكير الأولى لدولة الرفاه الاجتماعى قد انبثقت فى هذا الشأن من فكر اليمين المحافظ التقليدى، خاصة فى بريطانيا من جانب إدموند بيرك، الأب المؤسس لذلك الفكر أواخر القرن الثامن. فعلى الرغم من معارضته للثورة الفرنسية ومبادئها فى الحرية والمساواة والإخاء، فإنه ألقى بالمسئولية عما حدث فى فرنسا على المؤسسة الملكية بها لجمودها ورفضها التغيير من أجل البقاء. فى هذا يقول بيرك «إن الدولة التى تفتقر إلى وسائل التغيير، تفتقر إلى وسائل للحفاظ على ذاتها». وقد مثلت هذه الآراء من جانب بيرك التغيير الطبيعى والحذر من أجل المحافظة على البقاء الأساسى الذى انطلق منه رئيس الوزراء البريطانى، بنيامين دزرائيلى، عام 1867 لتبنى بعض أشكال الرفاه الاجتماعى ذات الصلة بتحسين ظروف الإسكان والصحة العامة للطبقة العاملة، وذلك تجنبًا لما ارتآه من مخاطر انقسام بريطانيا إلى أمتين إحداهما غنية والأخرى فقيرة. إذ كان من رأيه أن عدم المساواة فى الثروة أو المكانة الاجتماعية يفترض حتما عدم المساواة فى المسئوليات، وهو ما يعنى التزام الطبقة الارستقراطية بعبء المسئولية الاجتماعية تجاه الفقراء بالمجتمع، من خلال ما عرف ــ آنذاك ــ بمبدأ «النبالة تقتضى»(6). أما التحول الأهم إلى دولة الرفاه الاجتماعى فى المجتمعات الغربية، فقد جاء مع توحيد الدولة الألمانية عام 1871. إذ قامت فى عهد المستشار بسمارك بتطبيق أول نظام للتأمين الصحى فى العالم عام 1883، ونظام التأمين ضد الحوادث فى عام 1884، ثم نظام التأمين ضد العجز ومعاشات لكبار السن عام 1889. وقد تم النظر إلى هذه البرامج الاجتماعية الرائدة عالميًا فى ذلك الوقت من جانب الحكومة الألمانية باعتبارها أداة، ليس فقط لمواجهة التيار الاشتراكى، أو ما كان يصفه بسمارك بالتهديد الأحمر، وإنما أيضًا لتعزيز عملية بناء الدولة الألمانية الموحدة وجمع ولاياتها ومناطقها المختلفة ذات الحكم الذاتى واسع النطاق فى أمة واحدة، فى إطار نظام ملكى دستورى(7). إذ كان من وجهة نظر بسمارك أن الدولة لم تنشأ فقط من أجل خدمة وحماية الطبقات ذات الوضع الأفضل، وإنما وجدت كذلك من أجل خدمة وحماية احتياجات ومصالح الطبقات العاملة الأقل دخلًا وأقل تعليما، وأنه من الأهمية بمكان غرس هذه الفكرة فى أذهان هذه الطبقات العاملة بأن الدولة للجميع(8). ويرى بول كروجمان أن أهمية نموذج دولة الرفاه الذى أرساه بسمارك فى ألمانيا، تنبع من أنه أثبت أن وجود حكومة أكثر رحمة هو أمر ممكن على أرض الواقع(9).
فقد أيقن العديد من الدول الأوروبية، وفى مقدمتها بريطانيا، أن تبنى مثل هذه البرامج للرفاه الاجتماعى لم يعد مجرد ضرورة أخلاقية واجتماعية، وإنما بالقدر ذاته ضرورة أمنية لدعم قدراتها الشاملة على المدى الطويل، خاصة فى ضوء ما كشفت عنه حرب البوير عام 1899 إلى 1902 من وجود نسبة كبيرة بين الطبقة العاملة المجندة لديها غير صالحة للخدمة العسكرية(10). وقد تمثلت مظاهر هذا التوجه بإقرار لبعض هذه البرامج للرفاه الاجتماعى حتى وإن كانت فى ذلك الوقت محدودة فى طبيعتها. مثل نظام الضمان الاجتماعى، عام 1908، والتأمين الصحى عام 1911(11). وعقب صدور تقرير بفريدرج عام 1942، ووصفه للضمان الاجتماعى بأنه الحرب التى يجب خوضها لحماية المواطنين من الأمراض الخمسة: العوز أو الحاجة، والجهل، والمرض، والفساد، والبطالة. فقد تحولت بريطانيا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى نموذج كامل لدولة الرفاه الاجتماعى، وهو النموذج الذى تبنته أيضًا بعد هذه  الحرب غالبية بلدان أوروبا الغربية(12).
 أما الولايات المتحدة، فقد ظلت طوال تلك الفترة وحتى حدوث أزمة الكساد العظيم عام 1929 تفتقر إلى أية سياسات جادة يعتد بها للرفاه الاجتماعى على المستوى القومى(13). ولم يقم سوى عدد قليل من حكومات الولايات بها على الصعيد المحلى، منذ عام 1911، بإقرار بعض برامج الرفاه الأولية، والتى تراوحت بين تعويضات للعمال أو تقديم مساعدة أولية للأمهات الأرامل والأطفال، أو شكل من أشكال معاشات التقاعد لكبار السن(14). وهذا مرده – بحسب بول كروجمان – إلى عاملين يتعلق أحدهما بهيمنة عقلية المشروع الحر لدى النخبة السياسية الأمريكية ــ آنذاك ــ من الحزبين الجمهورى والديمقراطى على حد سواء، مما جعلها لا تعبأ كثيرًا بالتطور الذى شهدته برامج الرفاه الاجتماعى ببعض البلدان الأوروبية، مثل ألمانيا وبريطانيا(15). فى حين يتعلق العامل الآخر بالتنافر أو العداء العرقى فى المجتمع الأمريكى، جراء رفض الجنوبيين البيض، على وجه الخصوص، لأية سياسات اجتماعية من شأنها إعادة توزيع الدخل باعتبارها تصب فى مصلحة العرقيات الأخرى من السود واللاتين، أو إلغاء الفصل العنصرى القائم بين السود والبيض فى الجنوب(16). ولم يطرأ تحول ذى شأن إزاء هذا الموقف من دولة الرفاه فى الولايات المتحدة إلا بعد وصول الرئيس روزفلت للسلطة عقب فوزه فى انتخابات عام 1932 وتبنيه ما عرف بسياسة الصفقة الجديدة، والتى تضمنت طائفة واسعة من برامج الرفاه مثل الضمان الاجتماعى، وإعانات البطالة، وكهربة الريف، وغيرها(17).
وأصبحت بنهاية الحرب العالمية الثانية دولة الرفاه الاجتماعى حقيقة قائمة فى الولايات المتحدة والبلدان الغربية بصفة عامة، وذلك إلى الحد الذى وصف فيه الرئيس أيزنهاور عام 1954 المعارضين لها من بعض كبار رجال الصناعة والنفط بالغباء. بل أشار إلى أن أى حزب يسعى إلى إلغاء ما تحقق من هذه البرامج للرفاه الاجتماعى لن يكتب له البقاء فى التاريخ السياسى الأمريكى(18). لذلك، ساد، خلال تلك الفترة من النصف الأول من القرن العشرين، شعار «المحافظة الرحيمة» لدى تيار اليمين المحافظ، كما انبثق من بين التيار الليبرالى التقليدى الليبراليون الاجتماعيون – ومنهم جون رولز – الذين كانوا من الداعمين لدولة الرفاه الاجتماعى(19). الأمر الذى جعل انتونى جيدنز يقول بأن دولة الرفاه الاجتماعى، فى غالبية البلدان الغربية، كانت ثمرة لسياسات اليمين بذات القدر الذى كانت به ثمرة لسياسات اليسار، وذلك فى إشارة بالغة إلى ما كانت تحظى به ـمن قبول لدى كل التيارات السياسية على اختلافها بتلك البلدان(20).
وإذا ما أضفنا إلى هذا النموذج الغربى لدولة الرفاه ما كان قائمًا من نموذج شمولى لها من المهد إلى اللحد فى الاتحاد السوفيتى السابق بعد الثورة البلشفية عام 1917، ثم فى بلدان الكتلة الشرقية الدائرة فى فلكه فى مرحلة ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فضلًا عن تبنى كثير من بلدان العالم الثالث بعد استقلالها لشكل أو آخر من برامج الرفاه الاجتماعى لمواطنيها.أصبح نموذج دولة الرفاه الاجتماعى يلقى قبولًا دوليًا متزايدًا فى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإن كانت تطبيقاته قد تفاوتت فعاليتها من حيث نطاقها وشمولها فيما بين هذه الدول بحسب مستوى نموها الاقتصادى وتطورها الاجتماعى (21). فعلى سبيل المثال، وفى أمريكا اللاتينية وبرغم مرور زهاء قرنين من الزمان على حصول دولها على الاستقلال من الاستعمار الإسبانى والبرتغالى، والفرنسى فى القرن التاسع عشر، فإن 50 ٪ من سكانها ممن هم فى سن العمل لا يزالون خارج شبكات الضمان أو الأمان الاجتماعى(22).
ثالثًا ــ تصاعد اليمين الجديد والنكوص عن مبدأ المواطنة الاجتماعية:
سبقت الإشارة إلى أن دولة الرفاه الاجتماعى وما تضمنته من برامج عديدة لمبدأ المواطنة الاجتماعية كانت ثمرة لسياسات تيارى اليمين واليسار معًا. إلا أن هذا التوافق لم يستمر طويلًا، جراء ظهور تيار جديد من اليمين المحافظ أوائل الستينيات من القرن الماضى، معلنًا رفضه لسياسة الصفقة الجديدة التى دشنت لدولة الرفاه بالولايات المتحدة، إبان حكم الرئيس روزفلت. ومع ذلك، فإن هذا التيار ظل حتى منتصف السبعينيات لا يتمتع بنفوذ ذى شأن، ليس فقط فى الولايات المتحدة وإنما فى البلدان الغربية بصفة عامة. وليس أدل على ذلك من أن الرئيس نيكسون رفض أطروحاته، واستمر على نهج سابقيه من الرؤساء الأمريكيين فى التقيد بدولة الرفاه الاجتماعى التى أقرها روزفلت، بل ووصل الأمر إلى إعلانه عام 1974 أن الوقت قد حان لتطبيق فكرة التأمين الصحى الشامل، وإن كان مشروعه لم ير النور بسبب عزله بعد فضيحة ووترجيت(23). لكن الفرصة واتت هذا التيار من اليمين المحافظ الجديد والليبراليين الجدد لدعم نفوذهم وأطروحاتهم، مع تعرض دولة الرفاه الاجتماعى فى الولايات المتحدة، والعديد من البلدان الأوروبية، منذ منتصف السبعينيات، لأزمة شديدة، جراء معاناة اقتصاداتها من صعوبات جمة، مثل ارتفاع معدلات التضخم والبطالة (24).
ويرجع بعض الباحثين هذه الأزمة لدولة الرفاه الاجتماعى فى المجتمعات الغربية بصفة، خاصة إلى تغير الظروف أو الأسس التى قامت عليها. إذ تم تصميمها فى البداية على أساس وجود مجتمع متجانس نسبيًا وآخذ فى النمو، كما أن غالبية سكانه يعملون بشكل دائم، ولكن هذه الأسس تغيرت إلى حد ما مع الأزمة الاقتصادية والتحول من اقتصاد الصناعة إلى اقتصاد المعرفة والتدويل فى عمليات الإنتاج. إذ أصبح هناك عدد متزايد من العاطلين عن العمل، فضلًا عن السيدات الأمهات غير المتزوجات، ومن ليس لهم أى روابط اجتماعية، مثل المشردين وغيرهم، وكذلك الذين لا يدفعون أى ضرائب والمعتمدين بشكل أكبر، سواء على السلطات المحلية أو عمليات البر والإحسان، فضلا عن عمليات النزوح للاجئين والهجرة المتزايدة من مناطق مختلفة بالعالم إلى البلدان الغربية(25).
لذلك، فإن الاعتراف بضرورة معالجة هذه الأزمة لدولة الرفاه لم يكن أمرًا قاصرًا على هؤلاء الليبراليين والمحافظين الجدد دون غيرهم. ففى خطابه أمام البرلمان الاوربى عام 2005، أكد تونى بلير، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، أن أنظمة الرعاية الاجتماعية فى أوروبا بحاجة إلى إصلاح جذرى، وهو الرأى الذى أقر به أنتونى جيدنز نفسه من رواد تيار الديمقراطيين الاجتماعيين، حيث قال إن هذا النموذج التقليدى لدولة الرفاه قد ولى زمانه، أو على الأقل فى حاجة إلى إعادة نظر جذرية(26). إلا أن الاختلاف فيما بين هذه التيارات كان ــ ولا يزال ــ حول مداخل معالجتها ما بين تيار يمينى متشدد رافض لوجودها، أو أن تكون ــ على الأقل ــ فى حدها الأدنى، وآخر داعم لاستمرارها مع ترشيد فاعليتها وكفاءتها، ويضم، ليس فقط الديمقراطيين الاجتماعيين، وإنما أيضًا فريق من التيار الليبرالى ذاته وهم الليبراليون الاجتماعيون.
فقد  ذهب أنصار هذا التيار من اليمين المحافظ الجديد والليبراليين الجدد إلى أن قيام الدولة بإعادة توزيع الثروة، وتخصيص جزء من موارد الأغنياء للفقراء المحتاجين إنما يخلق لدى هؤلاء الفقراء عقلية الاعتماد التى تستعبدهم بشكل كبير. ويعد الفيلسوف الأمريكى روبرت نوزيك من أشد مؤيدى هذا التيار فى نقده لدولة الرفاه الاجتماعى والمواطنة الاجتماعية. إذ كان من رأيه أن الملكية الخاصة هى بالكامل نتاج للعمل الفردى، وليس للبنيــــــة الاجتماعيــــــة التى يوجد فيها الفرد، مما يجعل إجبار الدولة للفرد بالتخلى عن جزء من المنافع التى اكتسبها من عمله من أجل دعم الفقراء إجراء غير مشروع أخلاقيًا. وبدلًا من ذلك، شجع هذا اليمين المحافظ الجديد والليبراليون الجدد إحلال التبرعات الشخصية الاختيارية محل الإعانات التى تمولها الضرائب(27).
وفى مواجهة هذه الرؤية لأولئك الليبراليين والمحافظين الجدد فقد جاء الدعم لاستمرار دولة الرفاه، ليس فقط من جانب الديمقراطيين الاجتماعيين، وإنما من داخل التيار الليبرالى ذاته من جانب الليبراليين الاجتماعيين، وهو ما جسده جون رولز فى مؤلفه ذائع الصيت «نظرية فى العدالة». وفى دفاعه عن دولة الرفاه، أكد رولز فى هذا الشأن على ما يمثله المجتمع من مشروع تعاونى من أجل المنفعة المشتركة. ورأى أن ما يحصل عليه الأفراد من ثروة هو نتاج لعضويتهم فى ذلك المجتمع، وليس فقط نتاجًا لعملهم أو جهدهم، كما ذهب الفيلسوف نوزيك، فليس لهم حق حصرى أو آلى فى هذه الثروة، وهو ما يتطلب توزيع المنافع بين أفراد المجتمع كافة، فى إطار من مبادئ العدالة. وذهب رولز إلى أنه لا يمكن تبرير التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية فى المجتمع، والسماح للأثرياء بكسب المزيد والاحتفاظ ببعض ما يكسبونه ما لم يكن ذلك فى إطار توافر المبدأين التاليين(28):
< مبدأ تكافؤ الفرص العادل للوظائف الحكومية المتاحة بعيدًا عن أية اعتبارات – مثل المكانة الاجتماعية والأسرة – يمكن أن تخل بذلك المبدأ. أشار رولز إلى أن تحقيق مثل ذلك التكافؤ فى الفرص يتطلب من الدولة دعم المناطق الأكثر فقرًا فى خدمات التعليم، والمنح التعليمية ورعاية المتفوقين من أبنائها.
< مبدأ تحقيق أكبر فائدة لأفراد المجتمع الأكثر فقرًا. إذ كان من رأيه أن مستويات الكسب المرتفعة لبعض أفراد المجتمع من الأثرياء هى مقبولة أو مبررة فقط إلى الحد الذى تسهم فيه فرض الضرائب عليها فى تحسين أوضاع هذه الفئات الأكثر فقرًا، حتى وإن كان كسب هذه الثروات جاء فى إطار من تكافؤ الفرص العادل.
أما التيار الديمقراطى الاجتماعى، فقد جاءت رؤيته لإصلاح دولة الرفاه، من خلال أحد أبرز رواده، وهو أنتونى جيدنز، والذى ينظر إليه باعتباره الأب الروحى لتونى بلير. إذ تبنى جيدنز من خلال ما سماه بالطريق الثالث حلًا وسطًا للتوفيق بين آراء كل من الديمقراطيين الاجتماعيين التقليديين والليبراليين والمحافظين الجدد، وهو ما عبر عنه بشعار «لا حقوق دون مسئوليات». هذا يعنى أن تقديم الدولة لإعانات بطالة للأفراد ينبغى أن يصاحبها التزامهم بالسعى للبحث عن عمل، ليحول دون ايجاد ثقافة التواكل لدى هؤلاء الأفراد المتلقين لمساعدات الضمان الاجتماعى. وعلى ذلك، فإن الهدف الرئيسى لبرامج الرفاه الاجتماعى ينبغى أن يكون موجهًا لمساعدة الأفراد على مساعدة أنفسهم، وليس الاستمرار فى تلقى هذه الإعانات إلى ما لا نهاية. ولتحقيق مثل هذه الكفاءة والفاعلية للتدخل الحكومى فى المجال الاجتماعى، اقترح جيدنز الانتقال مما سماه بسياسات الإنعاش السلبى التقليدية للرفاه الاجتماعى، والقائمة بالأساس على دور رئيسى أو مهيمن للدولة، إلى الإنعاش الإيجابى الذى يسهم فيه الأفراد أنفسهم والهيئات الحكومية وغير الحكومية. وفى هذا الخصوص، أشار جيدنز إلى نقطتين مهمتين لإصلاح دولة الرفاه، وتعزيز مبدأ المواطنة الاجتماعية بالمجتمع، هما(29):
الأول: إحلال مجتمع الرفاهية الإيجابية محل دولة الرفاه الاجتماعى،ويتأتى هذا من وجهة نظره، من خلال الاعتماد بدرجة أكبر على الهيئات غير الهادفة للربح، مثل الجمعيات الخيرية والتطوعية وغيرها للقيام بتقديم خدمات الرفاه بمجتمعاتها المحلية من الاعتماد على نظم التوزيع الحكومية من أعلى إلى أسفل.
الثانى : الاستثمار فى رأس المال البشرى:  يتأتى هذا من خلال التركيز على برامج التدريب والتأهيل النفسى والتعليم المستمر مدى الحياة. ويعد هذا الاستثمار من وجهة نظره هو المدخل الأهم الذى يتعين على الدولة التركيز عليه كلما كان ذلك ممكنا، وليس توفير المساعدات الاقتصادية بشكل مباشر للأفراد. وقد أشار جيدنز فى هذا الشأن إلى أهمية إيلاء المساعدات النفسية للأفراد باعتبار أن الرفاهية ليست فى جوهرها مفهومًا اقتصاديًا فحسب بقدر ما هى مفهوم نفسى أيضًا يتعلق بالحياة الطيبة، حيث إن النصيحة أحيانًا قد تكون أكثر فائدة للشخص من مساعدته اقتصاديًا.
 وبحسب الدراسات التى تناولت دولة الرفاه بالمجتمعات الغربية، فقد سعى كل من هذين التيارين، اليمين الليبرالى الجديد، والديمقراطى الاجتماعى خلال فترة وجوده بالسلطة على مدى العقود الماضية، منذ أوائل الثمانينيات، إلى فرض رؤيته الخاصة السابق ذكرها بهذا الشأن (30). فإذا كان الرئيس أوباما نجح فيما فشل فيه كلينتون من قبل عام 1993 فى إقرار قانون التأمين الصحى الشامل، والمعروف إعلاميًا بنظام «أوباما كير» عام 2010، ودخوله حيز النفاذ عام 2013، فإن الرئيس ترامب منذ فوزه فى انتخابات عام 2016 لم يفتأ يكرر رفضه له وسعيه إلى إلغائه مدعومًا فى ذلك بتأييد هؤلاء الليبراليين والمحافظين الجدد، أو ما يسمى تجمع الحرية داخل الكونجرس. ولم يكد يمر بالفعل أشهر معدودة على ممارسته لمهام منصبه حتى قام فى مارس 2017 بتقديم مشروع قانون للكونجرس يقضى باستبدال أوباما كير بآخر جديد أطلق عليه نظام ترامب للرعاية الصحيــــة. وهذا المسعى من جانب ترامب باء بالفشل، جراء رفض مجلس الشيوخ له، إلا أن مجلــــس النواب الذى كانت تسيطر عليه أغلبية من الجمهوريين قد ألغى الغرامة المفروضة فى نظام أوباما كير على الأشخاص الرافضين للدخول فيه، وقد كان هذا الإلغاء هو ما استند إليه ترامب فى طلبه للمحكمة العليا بالولايات المتحدة فى يونيو 2020، لإلغاء قانون أوباما كير، باعتبار أنه لا يمكن فصل التكليف الفردى عن باقى القانون، ومن المتوقع أن تقوم المحكمة بالبت فيه أواخر هذا العام 2020(31).
 هذا التباين الكبير الذى كشفت عنه الحملة الانتخابية للرئيس ترامب وبايدن إزاء هذه القضية، قد يمثل نقطة تحول فارقة لمستقبل ما يجسدانه من أطروحات هذين التيارين، صعودًا وهبوطًا، ليس فقط فى الولايات المتحدة، وإنما فى كثير من البلدان الغربية الأخرى، فإن اليمين الجديد من الليبراليين والمحافظين الجدد سوف يقوم على الأرجح، خاصة بعد خسارة ترامب وفوز بايدن بإعادة صياغة لأطروحاته بشأن دولة الرفاه ومبدأ المواطنة النشطة، بحيث يقترب بدرجة أكبر من مفهوم المواطنة الاجتماعية للديمقراطيين الاجتماعيين على غرار ما قام به اليمين التقليدى فى أعقاب خسارة مرشحه توماس ديوى أمام الرئيس ترومان فى انتخابات عام 1948(32). وهذا مرده لأسباب عديدة، يتعلق بعضها بما كشفت عنه دراسات اقتصادية حديثة لعلماء بارزين بجامعة هارفارد من نتائج داحضة لمقولات اليمين الجديد بخصوص برامج الرفاه الاجتماعى، والعلاقة بين النمو الاقتصادى والمساواة داخل المجتمع. فخلافا لمقولة اليمين الجديد بأن برامج الرفاه الاجتماعى، مثل كوبونات الغذاء، وإعانات البطالة، وغيرها تخلق السلبية والإتكالية والعزوف عن العمل لدى الفقراء المتلقين لها، فقد أوضحت هذه الدراسات، التى أجريت عامى 2013 و2019، أن الشعور بعدم الأمن لدى الفقراء، جراء تفكيرهم المستمر فيما يعانونه من فقر يخلق لديهم ضغوطًا عصبية تعوق وظائفهم الإدراكية، وتعمق لديهم الشعور بالعجز، وفقدانهم الأمل فى الخروج من ظروفهم السيئة، الأمر الذى قد يقود بدوره إلى إعادة إنتاج الفقر وضعف الحافز لديهم على العمل. ويرى نوح سميث أن تبنى هذه النظرية التى تربط سلوك الفقراء بالضغط العصبى من شأنه تغيير أسلوب تفكير الحكومات لجهود الحد من الفقر بمجتمعاتها، وذلك بأن تصبح إعانات الرفاه الاجتماعى للفقراء بها غير مشروطة، مما يقلل من الضغط العصبى لديهم، ويجعل تركيزهم منصبًا بدرجة أكبر على كيفية الخروج من الفقر بدلًا من الاهتمام بكيفية ضمان مجرد البقاء من يوم لآخر(33). كما أوضحت دراسات أخرى أن انتشار عدم المساواة الاجتماعية داخل الدول سوف يجعلها عرضة، للسخط الاجتماعى، ويحد من معدلات نموها الاقتصادى، أى أن تعزيز المواطنة الاجتماعية فى المجتمع من شأنه دعم السلام الاجتماعى والازدهار الاقتصادى معا(34) .أما البعض الآخر من هذه الأسباب، فيتعلق بما كشفت عنه أزمة كورونا من دروس مستفادة فى هذا الشأن على صعيد قضية دور الدولة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنة، وهو ما ستتناوله النقطة التالية.
رابعًا ــ أزمة كورونا وأهمية دور الدولة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنة:
الدروس المستفادة فى هذا الشأن ما يلى:
أ- إعادة التأكيد على دور الدولة :  أثبتت استجابات دول العالم لأزمة فيروس كورونا أن الدولة هى مركز العمل العام فى مواجهة الأوبئة وحماية مواطنيها(35). إذ قامت هذه الدول على اختلاف أنظمة حكمها وأيديولوجياتها السياسية والاقتصادية من إجراءات شاملة للعزل والإغلاق للمدارس والجامعات والطيران، وكثير من الأنشطة الاقتصادية للحد من انتشار ذلك الفيروس واحتوائه(36). كما تبنت الكثير منها حزما مالية تحفيزية لدعم مواطنيها وقطاعاتها الاقتصادية الأشد تضررا من ذلك الإغلاق، وفى مقدمتها قطاعا السياحة والطيران. فعلى سبيل المثال، تبنت الولايات المتحدة خطة إنقاذ اقتصادى بلغت 1٫8 تريليون دولار لمساعدة كل من العاطلين عن العمل والأسر المتضررة والشركات للحيلولة دون إفلاسها أو إغلاق أبوابها  أمام العمال بها (37). فإن دور الدولة، فى ظل أزمة كورونا وما بعد انتهائها، لن يكون هو ذاته الذى كان قائمًا قبلها، خاصة فى ضوء ما أكدت عليه – كما يرى محمود محيى الدين – من أهمية توطين التنمية، وتقليل اعتماد الدول على الخارج فى السلع الأساسية (38 ). ولذلك، لم يكن غريبا أن تبدأ  المطالبات داخل المجتمعات الغربية بتوطين الصناعات الحيوية لصحة وأمن المجتمع  جراء ما عانته من نقص فى الإمكانات الطبية من كمامات، وأجهزة تنفس صناعى، ودواء، وغيرها لمواجهة ذلك الفيروس ــ خاصة فى مراحل انتشاره الأولى- وعدم الاعتماد فى هذا الشأن على بلدان الجنوب فى إمدادها بها، من خلال ما كان يعرف بسلاسل القيمة أو الإمداد العالمية، خاصة فى الصين والهند (39).  وعلى هذا فإن استجابات الدول فى هذه الأزمة، قد أثبتت أن الحكومة هى الحل، وليست المشكلة، كما ينادى بذلك أنصار ذلك اليمين الجديد.
ب- الانتصار لمفهوم المواطنة الاجتماعية: عندما أصاب فيروس كورونا العالم كانت ظروف عدم المساواة هى السمة السائدة فى كثير من الدول الغربية وغير الغربية على حد سواء. وبحسب دراسة لبعض الباحثين الاقتصاديين – مثل ستيجليتز، زوكمان، وتوكر – فإن نسبة 1 ٪ من السكان بالولايات المتحدة قد زادت حصتهم من الثروة القومية من 22 ٪ فى عام 1979 إلى 37 ٪ عام 2018، بينما تناقصت نسبة الــــ 90 ٪ من السكان خلال تلك الفترة من 40 ٪ إلى 27 ٪(40). أما الطبقة المتوسطة فقد انخفض دخل نحو  50  ٪ منها ليس فقط فى الولايات المتحدة وإنما فى كثير من البلدان الغربية على حد قول فوكوياما(41)، الأمر الذى دعا جيروم باول، رئيس الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى، إلى التحذير أكثر من مرة خلال عامى 2019 و 2020 من التراجع المطرد للطبقة المتوسطة، والبطء الشديد فى عملية الحراك الاجتماعى بالولايات المتحدة منذ أواخر السبعينيات، وأن تفاوت الدخول أصبح مشكلة حرجة وخطيرة للمجتمع الأمريكى(42). وإذا كان هذا هو حال أوضاع عدم المساواة والتفاوت الاجتماعى بالمجتمعات الغربية، فمن المتوقع أن تكون أكثر سوءًا فى غيرها من مجتمعات الجنوب. ففى دراسة لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية، أشار 70  ٪ من مواطنى دول المنطقة إلى أن حكوماتهم خادمة لمصالح الأقلية، وأنها – باستثناء أوروجواى – قد فشلت فى إرساء سياسات اقتصادية وبرامج تنموية تقلص الفوارق الاجتماعية الصارخة فى مجتمعاتها وتفى بالحقوق الاجتماعية الأساسية لمواطنيها من تعليم وصحة وأجور مناسبة وغيرها( 43 ). فقد غطت الاحتجاجات الاجتماعية المناهضة لتلك الظروف من عدم المساواة – والتى قدرها البعض بنحو 100 احتجاج جماهيرى كبير منذ عام 2017 – مناطق كثيرة من العالم فى أوروبا، والأمريكتين، وآسيا، وإفريقيا، وكان أبرزها أصحاب السترات الصفراء فى فرنسا، والعديد من البلدان الأوروبية(44). وقد أفرزت تلك الظروف من عدم المساواة والتفاوتات فى الدخل ما يتعلق بنشوء طبقة جديدة باتت تضم ملايين الأفراد، خاصة فى البلدان الغربية وشرق آسيا، أطلق عليها «طبقة البريكاريا» ThePrecariat، وهى الطبقة التى تشير إلى أولئك الأفراد الذين يعملون سواء بعقود عمل مؤقتة، أو بنظام الساعة أو اليوم أو الأسبوع، ويفتقرون، إلى الحقوق الملازمة لعقود العمل الرسمية من تأمينات ورعاية اجتماعية وغيرها. ويرى الباحثون الذين تصدوا لدراسة هذه الطبقة ومخاطر صعودها – وأبرزهم جاى ستاندينج، وأليكس فوتى –  أن أفرادها فاقدون ــ إلى حد كبير ــ للثقة فى كل من الاتحادات العمالية التقليدية والنخب الحاكمة. كما أنها قد تشكل الخطر الأكبر فى المستقبل على استمرار هذه النخب، جراء ما يتمتع به أفرادها من مستويات تعليمية أفضل واطلاع عبر الإنترنت على مجريات الأحداث اليومية، مما يجعلهم قادرين على ابتداع أساليب مقاومة غير تقليدية ضد أنظمة الحكم القائمة، مثلما كشفت عنه حركة أصحاب السترات الصفراء فى فرنسا(45).
قد انعكست فى المجتمعات الغربية وبلدان الجنوب على أساليب مواجهة المواطنين لفيروس كورونا والتكيف مع آثاره المختلفة اقتصاديًا، واجتماعيًا، ونفسيًا. من أخطر النتائج فى هذا الشأن أن ذلك الفيروس، وبما كشف عنه من ضعف شديد من جانب الفئات الفقيرة فى مواجهته مقارنة بغيرها الأكثر ثراء بالمجتمع، قد أذكى من الشعور لديها بالتمايز والتهميش الاجتماعى، وهو ما قد يحمل فى طياته مخاطر تحول المشاعر المكبوتة لتلك الفئات الفقيرة إلى حركات راديكالية معادية لمجتمعاتها (46) .
ففيروس كورونا لا يعدو أن يكون إنذارًا للحكومات فى كثير من المجتمعات الغربية وبلدان الجنوب بضرورة معالجة مشكلات عدم المساواة والتفاوتات الصارخة فى الدخل فى مجتمعاتها. وهو ما يعنى الانتصار لمنطق المواطنة الاجتماعية، ودولة الرفاه الاجتماعى، وليس المواطنة النشطة لذلك اليمين الجديد.
خامسًا ــ اليمين الجديد والديمقراطيون الاجتماعيون والحقوق الثقافية:
تتضمن هذه الطائفة من الحقوق، وفقًا لرائد دراسات التعددية الثقافية، ويل كيمليكا، ثلاثة أنواع، يتعلق الأول منها بحقوق السكان الأصليين فى الاعتراف بلغاتهم المحلية، وسندات ملكيتهم للأرض، وحقهم فى الحكم الذاتى، وممارستهم للصيد البرى والبحرى وغيرها، بما يحافظ عليهم كمجتمعات متميزة.فى حين يتعلق النوع الثانى بحقوق الأقليات القومية فى الاعتراف بلغاتهم الرسمية والحكم الذاتى، بل وحتى الحق فى الاستقلال ذاته. أما النوع الثالث والأخير من هذه الحقوق، فيتعلق بحقوق الجماعات المهاجرة والعرقية فى التعبير عن هويتهم الثقافية ورموزهم الدينية من شعائر وملبس ومأكل وغيرها، مما تتضمنه معتقداتهم الدينية،مثلما هو الحال بالنسبة للمسلمين واليهود والسيخ وغيرهم. ويرى كميليكا أنه بخلاف هذا النوع الأخير من حقوق المهاجرين والجماعات العرقية، والذى  تتباين بشأنه الرؤى والجهود تباينًا كبيرًا فيما بين البلدان الغربية، مما جعلها لا تولى اهتمامًا ذى شأن من أجل تقنينها دوليًا، فإنها أحرزت تقدمًا كبيرًا ومطردًا مقارنة بغيرها من بلدان العالم الأخرى فى ميدان الاعتراف بحقوق السكان الأصليين والأقليات القومية بها ودفع المجتمع الدولى لاحترام ودعم هذه الحقوق(47).
لا تزال الحقوق الثقافية للمواطنة ذات الصلة بالتعددية الإثنية والعرقية، خاصة لدى الجماعات من ذوى الأصول المهاجرة، هى الركن الأكثر ضعفًا فى جهود إرساء بناء متكامل للمواطنة فى البلدان الغربية. إذ اقتصر الاعتراف بهذه الحقوق على بلدان المهجر فقط فى العالم الجديد فى كل من كندا، واستراليا، والولايات المتحدة، ونيوزيلندا. وتبرز كندا، فى هذا الخصوص، كأول دولة فى العالم تبنت بشكل رسمى الاعتراف بحقوق التعددية الثقافية للمواطنة منذ صدور البيان البرلمانى بها حول التعددية الثقافية عام 1971، ثم قانون التعددية الثقافية عام 1988، حيث نظرت إليها كونها جزءًا متكاملا من ثورة حقوق الإنسان، وامتدادًا لليبرالية الحقوق المدنية، وليست عائقًا لها، وهو ما يعنى الاعتراف بالمساواة العرقية، واحترام حق الفرد فى اختيار طريقة الحياة التى يريد أن يعيشها ويقدر عليها. ومن كندا انتقل الاعتراف بهذه الحقوق الثقافية للمواطنة إلى استراليا، من خلال الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية واليسار الليبرالى(48). ويفسر ويل كيمليكا هذا التباين فى وضعية حقوق التعددية الثقافية للمواطنة فى البلدان الغربية ما بين بلدان المهجر والبلدان الأوروبية إلى نظرتها الحاكمة لوضعية المهاجرين بها. ففى حين أن بلدان المهجر كانت لديها سياسة واضحة للهجرة، واعترفت قانونًا بالمهاجرين بوصفهم مقيمين دائمين بها ومواطنين لديها فى المستقبل، فإن البلدان الأوروبية افتقرت إلى هذه السياسة الواضحة منذ البداية، حيث لم تنظر إلى المهاجرين لديها فى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية بوصفهم مقيمين دائمين بها، ولا على أنهم مواطنون لديها فى المستقبل. إذ كان التصور الحاكم لها إزاء، هؤلاء المهاجرين من العرب والمسلمين وغيرهم، أنهم مؤقتون وسوف يعودون إلى بلدانهم الأصلية بمجرد انتفاء حاجتها إليهم فى سوق العمل، وهو التصَّور الذى ثبت خطؤه ولم يصمد فى مواجهة ما خلقه هؤلاء المهاجرون من حقائق على أرض الواقع من استقرار فعلى، وتزاوج، وغيرها(49).
ويرى أنتونى جيدنز أن هذا الواقع الجديد، الذى فرضه هؤلاء المهاجرون بالبلدان الأوروبية، خاصة المسلمين منهم، قد أثار قضايا كان ينظر إليها باعتبارها قضايا تم حلها تمامًا وصارت من الماضى، مثل قضية حرية التعبير. لكن هذه القضايا عادت تطرح نفسها من جديد على أجندة النقاش السياسى والمجتمعى الأوروبية جراء عودة المقدس الدينى مرة أخرى، فضلًا عن التهديد باللجوء للعنف أو اللجوء إليه فعلًا كلما ظهر إدعاء بتدنيس معتقد أو رمز دينى، مثل الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للنبى محمد (صل الله عليه وسلم) فى بعض دور الصحافة الأوروبية. إذ لم تقتصر الأفعال الرافضة لهذه الرسوم على المسلمين داخل المجتمعات الأوروبية، وإنما امتدت إلى البلدان العربية والإسلامية، وتسببت فى مقتل العديد من الأشخاص. لذلك، كان من رأيه أن ممارسة حق الحرية فى التعبير ينبغى أن يتم فى إطار التوازن بين الحقوق والمسئوليات، وأنه ليس من الحكمة نشر أو إعادة نشر تلك الرسوم المسيئة للمشاعر الدينية للمسلمين (50).
وقد تباينت الرؤى بين تيارى اليمين الجديد والديمقراطيين الاجتماعيين إزاء الاعتراف بحقوق التعددية الثقافية للمواطنة. فقد سبقت الإشارة إلى ما ذكره ويل كيمليكا من أن الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية هى التى اضطلعت بعبء الاعتراف بهذه الحقوق فى بلدان المهجر، خاصة فى كندا واستراليا خلال عقدى السبعينيات والثمانينيات. وفى أوروبا يمكن الاستدلال على هذا الموقف الداعم لتلك الحقوق الثقافية للمواطنة من كتابات انتونى جيدنز، والذى ناقشها باستفاضة فى كتابه أوروبا فى عصر العولمة. إذ انطلق فى تحليله فى هذا الشأن إلى بيان التحول الجذرى الذى طرأ على كل من إدراك أجيال المهاجرين، خاصة المسلمين منهم، لوضعيتهم فى الدول الأوروبية، وإدراك الرأى العام الأوروبى لهؤلاء المهاجرين. فخلافًا للجيل الأول من هؤلاء المهاجرين، الذين كانوا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم مجرد مقيمين، ولا يرتبطون بانتماء كامل للبلاد المقيمين بها، فإن الجيل الثانى منهم، الذى ولد أو نشأ فى تلك الدول لديه إحساس قوى بالمواطنة لها، وينظرون إلى أى أعمال عدائية ضدهم من جانب اليمين المتطرف باعتبارها تعديًا على حقوقهم كمواطنين لا على هويتهم كعرب أو آسيويين وغيرهم. فشعار هذا الجيل هو «نحن مواطنون». إلا أنه بالتوازى مع ذلك، فقد حدث تحول جذرى أيضًا فى موقف الرأى الأوروبى من النظر إلى هؤلاء المهاجرين باعتبارهم ضرورة اقتصادية استدعتها ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية لسد العجز فى سوق العمل إلى اعتبارهم عالة عليهم ومزاحمين لهم فى سوق العمل وفى التمتع بمزايا دولة الرفاه الاجتماعى. من ثم، خلص جيدنز إلى أن المدخل الأنسب للتعامل مع هذه المشكلة، ليس فى رفض الاعتراف بحقوق التعددية الثقافية للمواطنة لهؤلاء المهاجرين، وإنما ينبغى أن يكون تأكيد هذه الحقوق من جانب الحكومات الأوروبية ونشر الوعى بها على المستوى الشعبى، بما يجعل هؤلاء المواطنين من ذوى الأصول المهاجرة أكثر قبولًا داخل المجتمعات الأوروبية، وما عدا ذلك فإن الاستقطاب والشك المتبادل سوف يظل السمة السائدة بين هؤلاء المواطنين من ذوى الأصول المهاجرة والمواطنين الأوروبيين(51).
أما تيار اليمين الجديد من الليبراليين والمحافظين الجدد، وإن كان يتلاقى مع الديمقراطيين الاجتماعيين فى القبول بحقوق التعددية الثقافية ذات الصلة بالحكم الذاتى، وحق التمثيل للأقليات القومية والسكان الأصليين، فإنه يرفض بشدة الاعتراف بحقوق الجماعات الإثنية والعرقية من المهاجرين فى التعبير عن تميزها الثقافى. لما تتسم به بعض الممارسات الثقافية لهذه الجماعات العرقية من تناقض أو عدم توافق مع القيم الليبرالية السائدة فى المجتمعات الأوروبية، حيث لا يمكن التسامح ــ مثلًا ــ مع عادات ختان الإناث، أو الزواج بالإكراه، أو القتل بدافع الشرف. كما أن الاعتراف بالتميز الثقافى لهذه الجماعات المهاجرة لا بد أن يتطلب تعديل القوانين القائمة لكى تتوافق مع معتقداتهم بشأن قضايا الميراث بين الرجل والمرأة، والحجاب، وذبح الحيوانات، وغيرها لدى المسلمين، وهو ما سوف يقود ــ حال حدوثه ــ إلى ترسيخ الشعور لديهم بالهوية الذاتية والإعلاء من انتماءاتهم الأولية على حساب منظومة القيم المدنية والسياسية الموحدة فى المجتمعات الأوروبية(52). وتكمن خطورة ذلك، من وجهة نظر دومينيك شنابر، وكريستيان باشولييه ــ فى مؤلفهما «ما المواطنة» فيما يمكن أن يقود إليه من النظر إلى هذه الجماعات المهاجرة باعتبارها جماعات أبدية، وليست نتاجًا لبنية تاريخية، ينبغى أن يتمتع أفرادها بحرية الانسحاب منها دون قيود، وهو ما سوف يؤدى ــ حال الاعتراف العلنى بحقوقها ــ إلى تجزئة المجتمع وتهديد وحدته والتفاعل الخلاق بين مختلف مكوناته(53). وبرغم وجاهة هذه الحجج، التى ساقها اليمين الجديد لتبرير رفضه الاعتراف بالحقوق الثقافية للمهاجرين، حيث لا يمكن إنكار خطورة ما يمثله التقوقع حول هويات ضيقة من تهديد للسلام والاستقرار السياسى والمجتمعى، فإن ويل كيمليكا قام بدحض هذه التبريرات، مبينًا أن السبب الأهم لرفض ذلك التيار للتعددية الثقافية للمهاجرين يظل كامنًا فى كون المستفيد الرئيسى منها هم المهاجرين من المسلمين(54). ولعل ما يدعم هذا الرأى الذى ساقه ويل كيمليكا ما تموج به المجتمعات الغربية عامة من شعارات وتيارات يمينية متطرفة معادية للمهاجرين، خاصة المسلمين منهم. ففى فرنسا عام 2011، ظهرت نظرية الاستبدال الكبير لرينو كامو، ومؤداها أن ما يحدث فى فرنسا هو استبدال للفرنسيين الأصليين بالمهاجرين، وأن هؤلاء المهاجرين هم محاربون غزاة هدفهم الوحيد هو تدمير الشعب الفرنسى وحضارته واستبدالهما بالإسلام، وأن هذا الخطر يسرى على كل البلدان الأوروبية(55). تأسست فى الولايات المتحدة عام 2008 جماعة اليمين البديل رافعة شعار «العرق هو أساس هويتنا». وقد مثلت داعمًا رئيسًيا لترامب فى انتخابات عام 2016، وخلال احتفالها بذلك الفوز عبّر أحد قادتها عن أيديولوجيتها تلك الرافضة للمساواة والتعددية الثقافية بالمجتمع الأمريكى بقوله «أمريكا حتى الجيل الماضى كانت بلادًا بيضاء، صممت من أجلنا ومن أجل أجيالنا القادمة. فلنجعل أمريكا بيضاء مجددًا(56).
وتكشف نتائج الانتخابات البرلمانية، التى أجريت خلال السنوات العشر الماضية فى كثير من البلدان الأوروبية – مثل هولندا، وإيطاليا، والمجر، والنمسا، وألمانيا، وفرنسا، عما باتت تحظى به هذه التيارات الشعبوية واليمينية المتطرفة من قبول لدى قطاعات مهمة من المجتمع. بل إنها قد وصلت إلى سدة الحكم فى كل من النمسا، والمجر، وإيطاليا بعد فوزها فى الانتخابات التى أجريت بتلك البلدان، عام 2018، كما جاء بعضها فى المرتبة الثانية فى الانتخابات البرلمانية، مثل حزب الحرية فى هولندا فى انتخابات عام 2017، أو فى المرتبة الثالثة، مثل حزب البديل من أجل ألمانيا فى انتخابات عام 2018. وقد كانت قضية وقف ما سمته هذه التيارات اليمينية ظاهرة أسلمة أوروبا والمحافظة على القيم الثقافية والدينية الأوروبية من الغزو الإسلامى المنظم للبلدان الأوروبية عبر الهجرة هى القاسم المشترك فى الحملات الانتخابات لكل تلك الأحزاب. إذ لم تخلو أى من هذه الحملات من شعارات منع الحجاب، ومنع تداول القرآن الكريم، وإغلاق أو منع بناء المساجد، وغيرها من الشعارات الرافضة للتعددية الثقافية وحقوق المواطنة الكاملة لمسلمى أوروبا(57).
وبحسب الدراسات الصادرة عن المتخصصين والمراكز البحثية الغربية المرموقة، فقد تفاعل العديد من الأسباب السياسية والاقتصادية فى تمهيد الطريق أمام هذا الصعود لتلك التيارات الشعبوية واليمينية المتطرفة، وهى:
أ – تراجع ثقة المواطنين بالمجتمعات الغربية فى أداء المؤسسات الديمقراطية منذ انتهاء الحرب الباردة عام 1991 على وجه الخصوص(58)، والذى وصل وفقًا للدراسة الصادرة عن مركز مستقبل الديمقراطية، التابع لجامعة كمبريدج ــ  إلى 57 %  بحلول عام 2020 مقارنة بنسبة  39  ٪ فى عام1995.  ويرى روبرتو فوا، المشرف على هذه الدراسة، أنه لإعادة الثقة بالديمقراطية الغربية، لا بد من تغيير فى أداء السياسيين والمؤسسات الديمقراطية(59).
ب – النظر إلى الأزمات المالية من جانب المواطنين بحسبانها نتاجا لسياسات وقرارات فاشلة للنخب الحاكمة.  ووفقا للدراسة الصادرة عام 2016 لمجموعة من الخبراء الاقتصاديين الألمان بشأن التداعيات السياسية للأزمات المالية- وتم الاعتماد فيها على جمع وتحليل بيانات، خاصة بـــ 800 انتخاب داخل 20 اقتصادًا متقدمًا خلال الفترة من (1870 إلى 2014)- فإن أحزاب اليمين المتطرف كانت تشهد زيادة بنسبة 30  ٪ فى تصويت الناخبين لصالحها بالانتخابات التى تجرى خلال السنوات الخمس التالية لوقوع أزمة مالية، وهذا ما حدث بالفعل فى عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008، حيث تضاعفت نسبة الأصوات التى حصلت عليها تلك الأحزاب فى كل من فرنسا، وبريطانيا، وهولندا وفنلندا، والسويد، والبرتغال. كما خلصت الدراسة أيضًا إلى أنه منذ عام 1950 كانت برلمانات هذه الدول محل الدراسة تشهد دخول حزب واحد جديد إليها على الأقل من تلك الأحزاب اليمينية المتطرفة خلال السنوات الخمس التالية لوقوع أزمة مالية (60).
ومع ذلك وبرغم التسليم بوجاهة هذه التفسيرات المشار إليها آنفًا، فإنها لا تنهض ــ من وجهة نظر الباحث ــ أسبابًا كافية فى هذا الشأن، حيث إنها تغفل، ربما عن عمد أو غير عمد، الإشارة إلى العامل الثقافى فى تفسير استمرارية عملية المد والجزر لهذه التيارات. ذلك أن استعادة المجتمعات الغربية لحيويتها الديمقراطية، وازدهارها الاقتصادى لا يعنى بالضرورة – كما تكشف خبرتها التاريخية – استئصال آفة تلك التيارات من تربتها. وهذا مرده إلى أن هذا الرفض للتعددية الثقافية وحقوق المواطنة الكاملة للمواطنين من ذوى الأصول المهاجرة بالمجتمعات الغربية بصفة عامة ربما يعكس فى بعض جوانبه، ليس فقط مجرد تعصب من جانب تلك التيارات الشعبوية واليمينية المتطرفة للجنس الأبيض، وإنما الأهم والأخطر ما قد يتضمنه ذلك الرفض من استمرارية الاعتقاد الدفين الذى ساد لفترة تاريخية طويلة لمفهوم الإنسان الكامل فى العقلية الأوروبية(61).
نخلص من التحليل السابق لرؤية تيارى اليمين الجديد والديمقراطيين الاجتماعيين للأبعاد المختلفة لمفهوم وحقوق المواطنة إلى مايلى:
1 -أن دولة الرفاه الاجتماعى ودعم المواطنة الاجتماعية كان ثمرة لسياسات اليمين التقليدى والديمقراطيين الاجتماعيين على حد سواء، حتى إن كان تيار اليمين ــ بشقيه التقليدى والجديــــد ــ لا يــــــزال ينظر إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنة على أنها أهداف أو غايات أكثر منه حقوق. وكما أوضحت الدراسة، فقد كانت مسائل الأمن القومى، ودعم الاستقرار السياسى، والسلام الاجتماعى هى الدوافع الأهم لهذا التلاقى من جانب اليمين المحافظ التقليدى، خاصة فى الولايات المتحدة، مع الديمقراطيين الاجتماعيين فى تدشين دولة الرفاه فى مرحلة ما بعد أزمة الكساد العظيم عام 1929، عرف بالصفقة الجديدة للرئيس روزفلت، وصارت حقيقة يصعب تجاهلها فى البلدان الغربية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
2 -أن حقوق التعددية الثقافية للمواطنة لا تزال هى الركن الأكثر ضعفًا فى جهود إرساء بناء متكامل للمواطنة فى البلدان الأوروبية، جراء تزايد العداء للمهاجرين بها، خاصة المسلمين منهم، واستمرار الاعتقاد الدفين لدى البعض بتفوق العرق الأبيض على غيره من الأعراق الأخرى. وقد أوضحت الدراسة أن المدخل الأنسب لذلك هو تبنى هذه البلدان لإرادة جادة داعمة لإدماج هؤلاء المواطنين من ذوى الأصول المهاجرة فى نسيجها المجتمعى، وزيادة الوعى الشعبى لديها باحترام الحقوق الثقافية لهؤلاء المهاجرين، أسوة بما قامت به بعض الدول فى هذا الشأن، مثل كندا، والتى تعد رائدة فى هذا المجال.
 أخيرًا، وفيما يتعلق بمستقبل المفهوم الغربى للمواطنة، فــــــإن اليمين الجديد من الأرجح أن يقوم -، خاصة بعد خسارة ترامب وفوز بايدن برئاسة الولايات المتحدة – بإعادة صياغة أطروحاته بشأن دولة الرفاه ومبدأ المواطنة النشطة ليقترب بدرجة أكبر فى هذا الشأن من رؤية الديمقراطيين الاجتماعيين لدولة الرفاه والمواطنة الاجتماعية، لأمور عديدة مماثلة لتلك التى استدعت هذا التوافق من قبل، عقب خسارة مرشح اليمين التقليدى توماس ديوى أمام الرئيس ترومان فى انتخابات عام 1948. إذ مثلت أزمة كورونا مرآة كاشفة لظروف عدم المساواة والفوارق الحادة فى الدخل، والتى كان من أخطر نتائجها نشوء طبقة من البريكاريا أو العمالة المؤقتة والموسمية الفاقدة فى النخب الحاكمة الغربية، مما قد يشكل تهديدًا حقيقيًا فى المستقبل للاستقرار والأمن السياسى والمجتمعى، فقد أكدت الدراسات الاقتصادية الحديثة لعلماء بارزين من جامعة هارفارد من أن دعم الأمان النفسى للفقراء، والمساواة داخل المجتمع سوف يعزز من السلام الاجتماعى والنمو الاقتصادى معا والعكس صحيح. أما بالنسبة لحقوق التعددية الثقافية العرقية والإثنية للمواطنين من ذوى الأصول المهاجرة، فإن التباين بين هذين التيارين سوف يظل قائمًا على الأرجح فى المستقبل المنظور. وهذا مرده لاعتبارات تتعلق بما تمثله هذه القضية من ورقة سياسية لا تزال تتمحور حولها الأحزاب اليمينية المتطرفة لحشد التأييد الشعبى لها فى الانتخابات البرلمانية الأوروبية، خاصة فى ظل تزايد العداء الشعبى فى لهؤلاء المهاجرين،  لما قد يمثلونه من تهديد مستقبلى لهويتهم الأوروبية المسيحية وتركيبتهم السكانية.
 الهوامش:
1 – عديلة كورتينا، مواطنون فى العالم: نحو نظرية للمواطنة، ترجمة على المنوفى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2015، ص ص 38 – 47، ص ص 68 – 70.
2 – دومينيك شنابر، كريستيان باشولييه، ما المواطنة، ترجمة سونيا محمود، المركز القومى للترجمة، القاهرة، 2016، ص ص 123 – 132، ص ص 290 – 297.
3 – المرجع السابق، ص ص 368 – 372.
4 – أنــــــــدرو هيـــــــود، مقدمة فى النظريـــــــــة السياسيـــــــــــة، ترجمــــــــــة لبنـــــــــــــى الريــــــــــــــدى، المركـــــــــــز القومى للترجمة، القاهرة، 2013، ص ص 348 – 349.
5 – المرجع السابق، ص ص 353 – 362.
6 – أندرو هيود، مدخل إلى الأيديولوجيات السياسية، ترجمة محمد صفــــــــــار، المركز القومى للترجمة، القاهرة، 2012، ص ص 102 – 103.
7 – بريجيت ه. شولتز، العولمة والوحدة ودولة الرفاهية فى ألمانيا، ترجمة سعاد الطويل، المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية، اليونسكو، العدد 163، مارس 2000، ص 56.
8 – بول كروجمان، ضمير شخص ليبرالى، ترجمة مجدى صبحى، المركز القومى للترجمة، مركز المحروسة للنشر، القاهرة، 2018، ص ص 60 – 61.
9 – المرجع السابق، ص 41.
10 – أندرو هيود، مقدمة فى النظرية السياسية، ترجمة لبنى الريدى، مرجع سابق، ص ص 518 – 519.
11– بول كروجمان، ضمير شخص ليبرالى، ترجمة مجدى صبحى، مرجع سابق، ص 61.
12 – أنــــــدرو هيـــــود، مقدمـــة فى النظرية السياسية، ترجمة لبنى الريدى، مرجع سابق، ص ص 514 – 515، ص 525.
13 – بول كروجمان، ضمير شخص ليبرالى، ترجمة مجدى صبحى، مرجع سابق، ص 40.
14– المرجع السابق، ص 63.
15– المرجع السابق، ص ص 61 – 62.
16– المرجع السابق، ص ص 223 – 225.
17– المرجع السابق، ص 98.
18– المرجع السابق، ص 89.
19- أنـــــــدرو هيــــــــود، مدخل إلى الأيديولوجيات السياسية، ترجمة محمد صفار، مرجع سابق، ص ص 104 – 105، ص ص 75 – 76.
20– انتونى جيدنز، الطريق الثالث: تجديد الديمقراطية الاجتماعية، ترجمة أحمد زايد، ومحمد محيى الدين، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ،2010، ص 38.
21 – انظر على سبيل المثال :
  –  أولايولا ارينوشو، تصور عن نظم الرفاهة الافريقية، ترجمة سحر الماوردى، المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية ،اليونسكو، العدد 140، يونيو 1994، ص ص 99-104.
 – أدموند فنوك ليبنسكى، تقلبات مبدأ السوق، ترجمة حمدى الزيات، المرجع السابق، ص ص 46-47
22 – ماك مارغوليس، كوفيد- 19 يفاقم أزمات أميركا اللاتينية، الشرق الأوسط، 25/8/2020.
23 – بول كروجمان، ضمير شخص ليبرالى، ترجمة مجدى صبحى، مرجع سابق، ص ص 159 – 160، ص 202.
24 – ماتى دوجاك، أزمة الضمان الاجتماعى فى أكثر الأقطار ثراء، المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية، اليونسكو،العدد 62، ص ص 51-66 .
25 – انظر فى هذا الشأن:
فرانسوا. زافييه مريين، السلطة ودول الرفاهية الحديثة، ترجمة حسن شكرى، المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية، اليونسكو، العدد 155، 1998، ص ص 88 – 89.
بريجيـــــت ه. شولتـــــز، العولمـــــة والوحـــــــــدة ودولــــــة الرفاهيــــــــة فـــــــــى ألمانيـــــــا، ترجمة سعاد الطويل، مرجع سابق، ص ص 54 – 55.
لويس باييك، النص والسياق فى تأصيل التنمية، ترجمة حسن شكرى، مجلة مستقبليات، اليونسكو، المجلد 29، العدد 4، ديسمبر 1999، ص ص 510 – 527.
26 – انطونى جيدنـــــز، أوروبا فى عصر العولمة، ترجمة عبدالوهاب علوب، المركز القومى للترجمة، القاهرة، 2015، ص 9، ص 146.
27 – كاثرين سميتس، تطبيق النظرية السياسية، ترجمة أحمد محمود،المركز القومى للترجمة ،القاهرة ،2013، ص ص 55 – 63.
28 –   لمزيد من التفصيلات حول آراء رولز فى العدالة، انظر:
بول رييكورد، حول نظرية العدالة لجون رولز، ترجمة سعاد الطويل، المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية، اليونسكو، العدد 126، نوفمبر 1990، ص ص 133 – 145.
ريتشارد د. ك. باير، عن نظرية العدالة لجون رولز، ترجمة أسعد حليم، المرجع السابق، ص ص 147 – 159.
29 – اعتمد الباحث فى هذا الشأن على كتابات أنتونى جيدنز حول فكرة الطريق الثالث ومقترحاته لإصلاح دولة الرفاه، والواردة فى:
أنتونى جيدنز، الطريق الثالث: تجديد الديمقراطية الاجتماعية، ترجمة أحمد زايد ومحمد محيى الدين، مرجع سابق، صفحات متفرقة، ص ص 102 – 103، ص ص 156 – 170.
أنتونى جيدنز، أوروبا فى عصر العولمة، ترجمة عبدالوهاب علوب، مرجع سابق، ص ص 141 – 167.
30– لمزيد من التفصيلات انظر :
– بول كروجمان، ضمير شخص ليبرالى، ترجمة مجدى صبحى، مرجع سابق، ص ص 201 – 206، ص ص 274 – 282 .
– كاثرين سميتس، تطبيق النظرية السياسية، ترجمة أحمد محمود، مرجع سابق، ص ص 50 – 53.
31 – لمزيد من التفصيلات حول قانون أوباما كير للرعاية الصحية وموقف الجمهوريين منه، انظر:
الشرق الأوسط، فشل مشروع قانون إصلاح الرعاية الصحية ونظام أوباما كير باق، 26/3/2017.
الوطن، 10 معلومات عن نظام أوباما كير الذى فشل ترامب فى إلغائه، 28/7/2017.
سكاى نيوز العربية، رغم كورونا إدارة ترامب تطلب إلغاء نظام أوباما كير الصحى، 26/6/2020.
32 – بول كروجمان، ضمير شخص ليبرالى، ترجمة مجدى صبحى، مرجع سابق، ص ص 88 – 89.
33 – نوح سميث، خبراء اقتصاديون يقبضون على أسباب الفقر، الشرق الأوسط، 24/2/2020.
34– نوح سميث، هل العنصرية سبب ضعف شبكة الامان الامريكية، الشرق الأوسط ،1/6/2020 .
35 ــ مأمون فندى، كورونا والسياسة، الشرق الأوسط، 16/3/2020.
36– عبدالمنعم سعيد، حالة الجائحة اليوم، العين الإخبارية الإماراتية، 18/4/2020.
37 – مايكل سترين ،عن خطة الاغاثة الاقتصادية الأمريكية، الشرق الأوسط ،1/10/2020.
38 – الشروق، 2/4/2020 .
39 – سيلفى كوفمان، العالم يواجه أزمة كورونا بلا قيادة، جريدة الجرائد العالمية، 3/5/2020، نقلًا عن لوموند الفرنسية.
 40 – جوزيف ستيغلتز، تود تاكر، جابرييل زوكمان، الدولة الجائعة: لماذا يعتمد خلاص الرأسمالية على جمع الضرائب، مجلة السياسة الخارجية، ترجمة علاء الدين أبو زينه، جريدة الغد، 18/2/2020.
 تاريخ الدخول للموقع 22/8/2020.
http://alghad.com.
 41 – محمد عبدالستار البدرى، هل الثقافة الليبرالية فى خطر، الشرق الأوسط، 4/6/2019.
42 – انظر فى هذا الشأن تصريحات جيروم باول رئيس الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى فى:
سكاى نيوز العربية، 10/5/2019.
الشروق، 29/7/2020.
43 – شوقى الريس، تحولات واحتجاجات على امتداد أمريكا اللاتينية، الشرق الأوسط، 2/11/2019.
44 – أندرياس كلوث، دعوة للاستيقاظ، الشرق الأوسط، 21/4/2020.
45– ندى حطيط ،البريكاريا : الطبقة الجديدة الخطرة، الشرق الاوسط ،10/1/2019
46 – انظر مقالى :
  – آمال موسى، التمايز الطبقى فى مواجهة كورونا، الشرق الأوسط، 22/5/2020.
  – اندرياس كلوث، دعوة للاستيقاظ، الشرق الاوسط ،21/4/2020
47 – ويل كيمليكا، أوديسا التعددية الثقافية، ترجمة إمام عبدالفتاح إمام، عالم المعرفة، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 377، يونيو 2011، ص ص 88 – 96، ص ص 152 – 155.
48 – المرجع السابق، ص ص 134 – 136.
49 – المرجع السابق، ص ص 95 – 99.
50 – أنطونى جيدنز، أوروبا فى عصر العولمة، ترجمة عبدالوهاب علوب، مرجع سابق، ص ص 184 – 188
51 – المرجع السابق، ص ص 168 – 178، ص ص 188 – 189.
52 – أندرو هيوود، مقدمة فى النظرية السياسية، ترجمة لبنى الريدى، مرجع سابق، ص ص 370 – 371.
53 – دومينيك شنابر، كريستيان باشولييه، ما المواطنة، ترجمة سونيا محمود، مرجع سابق، ص 289.
54 – ويل كيمليكا، أوديسا التعددية الثقافية، ترجمة إمام عبدالفتاح إمام، مرجع سابق، ص ص 156 – 158.
55– انظر فى هذا الشأن:
نداء أبو على، الولايات المتحدة وتأزم اليمين المتطرف، الشرق الأوسط، 5/8/2019.
إميل أمين، أميركا وزمن الإرهاب الأبيض، الشرق الأوسط، 12/8/2019.
56 – رياض طبارة، الانتفاضة البيضاء فى الغرب إلى أين، جريدة الشروق نقلًا عن الحياة اللندنية، 21/4/2017.
57– لمزيد من التفصيلات حول نتائج أحزاب اليمين المتطرف فى الانتخابات البرلمانية الاوربية فى عامى 2017 و 2018 ،انظر:
متابعات الكاتب إميل أمين للانتخابات البرلمانية فى كل من النمسا وإيطاليا والمجر بجريدة الشرق الأوسط بتاريخ: 22/1/2018، 26/3/2018، 16/4/2018.
عبدالله مصطفى، اليمين الهولندى المتشدد جزر بعد مد، الشرق الأوسط، 18/3/2017.
راغدة بهنام، ألمانيا صعود اليمين المتطرف، الشرق الأوسط، 2/3/2020.
58– إميل أمين، تبعات صعود اليمين القومى الإيطالى، الشرق الأوسط، 26/3/2018.
59– عثمان ميرغنى، الإحباط من الديمقراطية، الشرق الأوسط، 13/2/2020.
60 – مايكل سترين، ربما ستختفى الشعبوية قريبًا… اهدأوا، الشرق الأوسط، 19/9/2019.
61 – لمزيد من التفصيلات انظر للباحث أطروحته للدكتوراه : عبدالرحمن عبدالعال، «مبدأ التدخل الإنسانى فى ضوء التغير فى هيكل النظام الدولى»، رسالة دكتوراه، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2008، ص ص 164 – 171.