– كاتب المقال: صحراوي نوفل .

          يعتبر مفهوم الحرية أكثر تعقيدة لمحاولات فهم الوقع وطبيعة المجتمع فعندما نتحدث عن الحرية كأننا نتحدث عن الديمقراطية كنظام سائد لتفسير حرية المجتمع كتيار سياسي، في نسق اجتماعي معين، لذا لا بد من الإشارة إلى أن موضوع الديمقراطية عندنا والذي يعني إعادة الخلط  بين العدل والمساواة الاجتماعية، لسوء توظيف السلطة والمجتمع لها وفق الأيديولوجيات المتبعة للأفراد و الجماعات، بما يخدم إعادة إنتاج الهيمنة كالعنصرية أو التحيز للجنس معين من خلال خطابات (نحن. هم). بمعنى مديح من هم معنا والانتقاص ونقد وتشويه من قيمة و قدر من لا ينتمون إلى جماعتنا، لذا تكمن الفكرة الأساسية التي وراء هذا المقترح في أن السياقات ليست نوعا من الحالة الاجتماعية الموضوعية كما هو معروف، ضمن المنظور المهيمن للسياق في النظم والاديولوجيات السياسية المعترف بها بما يخدم الفئوية، وهنا تجب الإشارة إلى أن الجانب الإدراكي يمثل الجسر النظري والتجريبي أو العنصر الوسيط الضروري بين الأوضاع والبنية الاجتماعية دخل السياق من جهة، والطبيعة الشخصية الضرورية لحتمية الذت الانسانية وعلاقتها بجماعة، وهذا يعني أن السياق يمكن إظهار ارتباطه بحرية الجماعة ويظهر مثل هذا الارتباط عندما يشعر المشتركون أنفسهم (منفردين) بأنهم كذلك، وأن مثل هذا الارتباط السياقي بالفرد والجماعة لا يمكن تطبيقه وتعميمه بنحو مباشر على أعلى مستويات التفاعل بين الجماعات أو البنية الاجتماعية لافراد دخل السياق الاجتماعي.

      لكن هناك الكثير من المفكرین ذهبوا إلى أن تحقيق الحرية هي بوضع تنظيم يسمى الديموقراطية، أي أن يكفل للجميع من المواطنيين حرية اختيار ممثليهم وحكامهم، إلا أن آخرين، في محاولات فهم الديموقراطية و منهم کارل مارکس الذي توصل لمفهوم أن الناس لا يدركون مصالحهم الحقيقية، ولذا وجب أن تقوم، طبقة (تمثل الجماعة اومجتمع مدني يمثل المجتمع) لها وعي ناضج بقيادة المجتمع الطبقة العاملة، ولكن وعلى الرغم من أن مثل هذه النظرية وجدت من يسويقها لنا إلا أن الفكرة العامة هي هل يستطيع جميع الأفراد في المجتمع تحقیق مصالحهم، طبعا لا فهذا يساهم في بناء اعتقادات باطلة عن الديمقراطية التي تؤادي الى “التهكم بالحرية” فهي في تفسير محدودي الفكر والمستبدين، تؤدي إلى التحرر، والفتنة، والفوضى، فلو أن الناس عبرت بحريتها، أو كتبت بحريتها، فإنهم سیدعون إلى الخلخلة للصف والتمرد والادعاء والغوص في الملذات، وإشاعة الاضطراب، والدعوة للانقسام، كما يزعم هذا الاتجاه، في حين لا يجرؤون أن يعلقوا على الفساد، والاستبداد، فهؤلاء لا يتحدثون عن المال العام، والحق العام، والمكتسبات العامة.

– ذلك فإن علاقتنا في محاولة فهم الحرية والديمقراطية  مازالت رهينة قدرتنا العقلية، في محاولة الفهم الصحيح لما يعنيه المفهومين على تأمین الانتقال الصعب من ثقافة التأصلية لمفهوم الديمقراطية كمساواة بين جميع افراد المجتمع، وحرية في كل شئ إلى ثقافة الديمقراطية كعدل بين افراد المجتمع. لذا إن السؤال عندنا هو متى نكف وننتهي عن تأويل سياق ومفهوم ديمقراطية اللا حدود ولا قيد في الحرية، واننا احرار نستطيع فعل اي شئ دون الاخذ بإعتبار حرية الاخر وتكريس مبدأ تعالي الذات على ذات الأخر.

لذا ومن خلال الرجوع الى المجتمعات العربية ومن خلال الأنظمة الديموقراطية الحديثة السائدة فيها يمكن تضليل الجمهور العام، ويمكن أن تصادر الأغلبية حقوق الأقلية، بل لا زال مفهوم وعي الناخب بمصالحته محدودآ، حيث يمكن إغراؤه أو تضليله تحت شعارات قومية أو وطنية أو حتى دينية أو فئوية  فالناس يمكن أن يقعوا بسهولة ضحية الأحاسيسهم وتحيزاتهم وعواطفهم، حتى إنهم يمكن أن يقعوا بسهولة في خداع الحديث أو خداع الوعود، أي إنهم أو أكثرهم، في النهاية، تحكم تصرفاتهم مصالحهم الشخصية.  وهنا تعوم الديموقراطيات تحت مصلحة المصالح وتختزل دخلها مفهوم الحرية والموطنة لينتج عنها تحيز وكبت الحرية بمصلحة الموطنة، لكن يبدو أن رهان الديمقراطية  الخفي هو: إلى أي حد يمكن لفرد أن يفكر في ذاته خارج الجماعة ؟ وعلى ذلك يمكن ان نسأل:إلى أي مدى استطاعت الديمقراطيات المعاصرة تحقيق سعيها الدائب إلى التحرر من براديغم الانا والذات؟.بمعني أن تتحرر من صناعة زيف الحرية التي تعني اللا محدود والتعالي لذا كي نحاول، مرة أخرى العود إلى ترتیب علاقتنا بحرية والديمقراطية، نجد من المؤسف حقا الذي يصدمنا آننا لم نملك الشجاعة بعد، أن نطرح بعض الأسئلة المسكوت عنها ولا أن نمشي في بعض الطرق  المغلقة إلى حد الآن، ولكن ماذا يمكن أن يعني بالنسبة إلينا أن نكون نحن من اختار ولم نجبر على ذلك بسبب تحيز أو سياق اجتماعي معين أو الخوف من ضياع وخسارة مصلحة، لتحتم علينا الخضوع لجهة معينة، لكي لانفقد ذلك الشئ لكن فقدنا جزاء من حريتنا لتحقيق تلك الغاية أو المصلحة، أليس هذا السؤال غامضا إلا بقدر ما نعتاد على المرادفة بين حريتنا ومصلحتنا وجماعتنا، ولكن هذا لايصدق والحال أن ثمة فرقا جوهريا يفصل بين هذين الشكلين من الانتماء إلى أنفسنا، وبعبارة حادة إن الحرية هي اليوم أضعف انفعالاتنا الوجودية حول أنفسنا لنصل لطرح السؤال (هل نحن احرار)، ما علاقة حريتنا بحرية الاخرين وما علاقة الأشياء بإختيارتنا وتغيرها هل نحن مقيدون بفعل أشياء لانستطيع التخلي عنها.

   لذا هل نجد الديمقراطية التي تسوق لنا عبر كتب ما تزال مطلبا حيويا وتأويليا لم نتعلم بعد حتى كيف نسلك إليها طريق الرشاد، ومن أجل رفع الالتباس الملحق بديمقراطية  وبيان أصالة اتساقها باندماج الاجتماعي والتشارك والانهمام

كأساس قبلي للبناء مجتمعي ديمقراطي، أو كهدف بعدي تسعى السياسات القائمة على تحقيقه لتكريس مبدأ عاقم مرقع وغير مستدام للتنمية البشرية المتسقة في بلداننا العربية، ليخلص بذلك إلى ضرورة التوفيق بين المساواة والحرية داخل أي نمط مستدام، أكان عبر جعل المساواة أرضية عملية وعلمية ومهنية، والحرية مطلبا فرعيا في اللاحق البعدي. وهنا أليس صحيحا ما كتبه” اللورد آکتون” أن الشغف بالمساواة يجعل الأمل بالحرية بلا جدوى.

وأليس صحيحا ما كتبه “عبد العزيز لبيب” أن إقرار الحرية يفقد المساواة، بل على العكس يظل اتساق الأولى بالثانية المطلب الأساس وسبب وجود الأنظمة الديمقراطية  الاجتماعية الغير المتوازنة التي تبتعد عن الرؤی الأحادية وتنبثق من الموازنة بين الحرية والمساواة وانعدام  مبدأ الفارق بين الناس الذي يكرس العدل بمعنى آخر، إن المساواة الاجتماعية، بمفهوم توزيع مجموعة من الأصول على قدم المساواة، غير مجدية على الإطلاق فمن جهة، يبدو أن إدماج المساواة الاجتماعية دون العدل داخل الديمقراطية يؤادي  حتما الى غياب المحفزات الفردية على العمل وتوليد القيمة مادام الكل على حد السواء، أي إن السياسات المساواتية المحضة تتمخض عن “تأثیر مثبط بالنسبة إلى من هم أكثر إنتاجية، وأكثر إبداعا في الانتاج مثلا المعرفة والعمل والقدرة على التحكم في المجتمع” وهو ما يترتب عليه تقلص الحافز على بذل أقصى الجهد والكد والمثابرة، وبالتالي تقلص القيمة الإجمالية المنتجة، الأمر الذي يعني تفاقم وضعية جميع فئات المجتمع، مدام هناك تشارك و مساواة وكل الافراد على حد السواء.

      لذلك فمهوم الديمقراطية و الحرية ليس ألا مفهوم سائل يساهم في تعويم فروق الافراد وميزتهم وقدرتهم على الانتاج بما يخدم الاكثرية على حساب حق الاقلية المتميزة القادرة على الانتاج فلو تم النظر إلى واقعنا لوجدناه بئسا بتبني مفاهيم تساهم في تخلفنا لا ازدهارنا لذي يجب التخلى عن هذه الأفاق، وأن نسعى إلى تعويمها وملاءمتها مع خصوصياتنا العربية، بدرجة خاصة بترابط قمة العدل دخل المجتمع ولا يجوز لفرد التعدي على حق الاخر او اخذه، وذلك عبر تفكيك سلسلة قيمة الاندماج الاجتماعي بين الافراد وفكره الاندماج فكرة بالية تساهم في تخلف العقل وتخربه من الانتاج والتفكير، لذ وجب تحديد مقتضياته العملية المرخصة بتفعيل نظرية العدالة في واقعنا العربي الراهن لنتخلص من هيمنة المفاهيم الزائفة التي تؤادي الى تخلف المجتمع العربي وجعله لا يفكر ولا ينتج مادام لا يحصل على تقدير.

 المراجع المعتمدة في كتابة المقال:

1) إيتيان دي لابويسيه: مقالة في العبودية المختارة: ترجمة مصطفى صفوان، وزارة الثقافة والفنون والتراث، قطر، 2014.

2) توين فان دايك: الخطاب والسلطة: ترجمة عيداء العلى، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2014.

3) علي بن حمزة العمري: افاق الحرية، الامة للنشر والتوزيع، جدة، 2014.

4) عزمي بشارة: المجتمع المدني دراسة نقدية، المركز العربي لابحاث ودراسة السياسات، قطر، ط6، 2012.

5) فتحي المسكيني: الهوية والحرية نحو انوار جديدة، جداول للنشر والتوزيع، لبنان، 2011.

6) محمد أحمد علي مفتي: مفهوم المجتمع المدني والدولة المدنية دراسة تحليلية نقدية، مكتبة فهد الوطنية، الرياض، 2013.

7) مراد دياني: حرية مساواة اندماج اجتماعي، المركز العربي لابحاث ودراسة السياسات، قطر، 2014.