روسيا بوتين والجغرافيا السياسية ،منشورات منظمة الطليعة العربية في تونس ،العدد 179 ، 2019 .

ملخص: تسعى هذه الدراسة إلى قياس علاقة الأثر والتأثير بين “عالم الأفكار الجيوبوليتيكية” و”العالم الميداني الصناع القرار” في روسيا منذ مطلع الألفية الجديدة للقرن الحادي والعشرين؛ أي مناقشة تلك العلاقة الجدلية بين رجل الأكاديميا الروسي وصانع القرار في الكرملين، وحدود تأثير الأول في الثاني، أو توجیه الثاني للأول، واستخدامه وفقا للمصالح العليا للبلاد، وذلك من خلال مناقشة أهم الأطروحات النظرية الجيوبوليتيكية المتباينة للعلماء الروس منذ الفترة السوفيتية إلى الوقت الراهن، مرکزة الاهتمام أساشا على النظرية الأوراسية الجديدة، بصفتها أحد أكثر الفلسفات الجيوبوليتيكية تأثيرا في صانع القرار الروسي

المعاصر.

منذ مطلع القرن العشرين، أنجبت المدرسة السوفيتية الروسية في مجال الدراسات العسكرية والجيوبوليتيكية شخصيات أكاديمية ذات صيت عالمي أسهمت بنظرياتها في صياغة التوجهات الإستراتيجية الكبرى للبلد في أذهان صناع القرار الروس، ولعل أشهرها وأهمها تلك النظريات المحاججة بقدرة وقوة البر الروسي (التيلوروكراتيا) على مواجهة قوى البحر الغربية المناوئة (التالاسوكراتيال ثم قوی الجو والفضاء لاحقا: الآيروکراتیا والأثير وكراتيا)، وهزيمتها في معركة السيطرة العالمية، إذ طالما اختصر تاريخ الجيوبوليتيك الكلاسيكية في ذلك الصراع الثنائي بين قوى البر وقوى البحر على السيادة العالمية. ولعل شخصية البروفيسور ألكسندر دوغين قد أكثر الشخصيات الجيوبوليتيكية الروسية المعاصرة شهرة، وهو الذي وصفته أوساط عالمية كثيرة بأنه العقل الجيوبوليتيكي الأول الذي يقف وراء التوجهات الإستراتيجية الكبرى لروسيا المعاصرة، كما يعبر عنها الرئيس فلاديمير بوتين في سلوكات بليره الخارجية منذ وصوله إلى الكرملين سنة 1999. بعد أن تعطي هذه الدراسة فكرة شاملة عن أثر أبرز المراكز البحثية الروسية والتيارات الفكرية النظرية

في مجال الجيوبوليتيك والدراسات الدولية في صانع القرار السوفيتي والروسي على حد سواء – تسعی بشكل مرگز إلى استخلاص علاقة الأثر والتأثير بين “عالم دوغين النظري” و”عالم بوتين الميداني” منذ مطلع الألفية الجديدة للقرن الحادي والعشرين؛ أي مناقشة تلك العلاقة الجدلية بين رجل الأكاديميا الروسي وصانع القرار في الكرملين، وحدود تأثير الأول في الثاني، أو توجيه الثاني للأول، استخدامه وفقا للمصالح العليا للبلاد، مناقشة الإشكالية الآتية…