شكَّل الوقود الأحفوري عصب الحضارة المعاصرة، خلال قرن ونصف القرن، ولاسيما النفط والغاز، ورغم المخاطر البيئية الكارثية التي قادت إلى الاحتباس الحراري الذي أفضى إلى سلسلة دراماتيكية من الكوارث البيئية شهدتها مختلف بقاع العالم، خلال العقدين الماضيين وزادت وتيرها في السنوات الأربع الأخيرة؛ الأمر الذي قاد تنامي الوعي البيئي حول الكوكب، ونشطت مجموعات حماة البيئة في معظم قارات العالم مما أفضى إلى هبَّة عالمية لإنقاذ الكوكب، ترجمها صنَّاع القرار في مؤتمرات وقمم ماراثونية، اتخذت تعهدات عديدة لعل أبرزها التحول من الاعتماد على الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة، وسادت موجة من التفاؤل لأشهر خلال العام 2021، لكن المؤشرات الراهنة تشي بعكس ذلك تمامًا، حيث تفصح تلك المؤشرات عن أن الاعتماد على الوقود الأحفوري مصدرًا للطاقة سيزداد بأرقام قياسية غير مسبوقة على الأقل حتى أوائل أربعينات القرن الحالي(1).

يوجد في إفريقيا أكبر عدد من الدول المنتجة للنفط، بواقع 21 دولة مقابل 19 في آسيا، و19 في أوروبا، و10 في شمال أميركا. ويبلغ احتياطي إفريقيا من النفط نحو 125 مليار برميل، وهو تقريبًا نصف ما تمتلكه المملكة العربية السعودية (260 مليار برميل). وتتركز الاحتياطيات الكبرى في البلدان التالية: ليبيا ونيجيريا والجزائر وأنجولا والسودان ومصر والكونغو برازفيل وأوغندا والجابون وتشاد.

في السنوات الثلاث الأخيرة، بلغ متوسط إجمالي الإنتاج السنوي في إفريقيا حوالي 372 مليون طن من النفط، وأكثر من نصف هذا الإنتاج جاء من ثلاث دول، هي: نيجيريا وليبيا والجزائر.

في العام 2021، كانت قائمة إنتاج النفط في أهم 10 دول إفريقية على النحو التالي(2):

  • نيجيريا: كانت أكبر منتج للنفط الخام في عام 2021، وبلغ متوسط ​​إنتاج نيجيريا من الخام يوميًّا 1.27 مليون برميل.
  • ليبيا: أنتجت ما معدله 1.21 مليون برميل من النفط الخام يوميًّا.
  • أنغولا: أنتجت 1.11 مليون برميل من النفط الخام يوميًّا.
  • الجزائر: أنتجت ما معدله 959 ألف برميل من النفط الخام يوميًّا.
  • مصر: أنتجت 559 ألف برميل يوميًّا.
  • جمهورية الكونغو: بلغ إنتاج هذا البلد متوسطًا يوميًّا قدره 253 ألف برميل.
  • الغابون: بلغ إنتاج الجابون متوسط ​​188 ألفًا في اليوم.
  • غانا: بلغ الإنتاج 176 ألف برميل يوميًّا.
  • غينيا: بلغ متوسط ​​الإنتاج اليومي لهذا البلد 71 ألف برميل.
  • تشاد: بلغ إنتاجها 70 ألف برميل يوميًّا.

أدَّت عمليات الإغلاق المتعلقة بفيروس كورونا إلى فائض في المعروض من الغاز وأسعار منخفضة للغاية وتحديدًا في النصف الأول من 2020، قبل أن ينقلب الوضع رأسًا على عقب، وتشهد سوق الغاز العالمية ارتفاعًا حادًّا في الأسعار ونقصًا بالإمدادات أواخر 2021، واستمر الوضع -بل ازداد سوءًا- في 2022؛ بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا.

وبحسب تقرير سوق الغاز العالمية الصادر حديثًا عن الاتحاد الدولي للغاز، ارتفع إنتاج العالم من الغاز الطبيعي ليصل إلى 4.028 تريليونات متر مكعب عام 2021، مقارنة بـ3.865 تريليونات متر مكعب في العام 2020(3).

تعتبر الجزائر أكبر مصدِّر للغاز في القارة الإفريقية، وسابع أكبر مصدِّر على مستوى العالم بحصة سنوية بلغت 41.1 مليار متر مكعب (26.1 مليارًا عبر الأنابيب، 15 مليارًا سائلًا)، وتليها نيجيريا الثامنة عالميًّا، بحصة تُقدَّر بـ28.4 مليار متر مكعب كلها سائلة.

أولًا: الاهتمام بالطاقة في إفريقيا

جاء الاهتمام بالطاقة في إفريقيا في سانحتين تاريخيتين، الأولى: بُعَيْد حرب رمضان في أكتوبر/تشرين الأول 1973 بين الدول العربية وإسرائيل، عندما أعلنت ست دول عربية أعضاء في منظمة أوبك عن حظر الصادرات إلى الدول الداعمة لإسرائيل، ولاسيما الولايات المتحدة. وقتها تضاعف سعر النفط أربع مرات إلى 11.65 دولارًا للبرميل؛ مما سبَّب ركودًا في الدول الغربية وتضخمًا حادًّا، وشكَّل صدمة عنيفة للاقتصاد العالمي ظلت تداعياتها لما يزيد على العقد، والثانية في مارس/آذار 2014 بعيد ضم روسيا الاتحادية لشبه جزيرة القرم الأوكرانية إلى أراضيها. في الحالة الأولى، أدركت الدول الغربية ولاسيما الولايات المتحدة الأميركية خطورة الاعتماد على مصدر وحيد للطاقة، وضرورة تنويع وتعدد مصادر الطاقة، فضلًا عن ضرورة إيجاد مخزون إستراتيجي جاهز على الدوام لاستخدامه في حالات الطوارئ أو القوة القاهرة. أما في الحالة الثانية، فقد أدركت الدول الغربية مدى خطورة اعتماد القارة الأوروبية على الغاز الروسي، وشرعوا منذ ثماني سنوات في البحث عن بدائل، سرَّعت من وتيرتها الحرب الروسية مؤخرًا على أوكرانيا.

في الحالتين، كانت إفريقيا الأقرب؛ الأمر الذي جعل كبريات شركات النفط في العالم تنفق 80% من ميزانيات التنقيب لديها في إفريقيا جنوب الصحراء. وحاليًّا، تعتبر منطقة خليج غينيا من أهم مناطق إنتاج النفط في إفريقيا، فضلًا عن الاحتياطي الضخم الذي تحويه (60 مليار برميل) والمخزون الضخم من الغاز الطبيعي (كما يعوم الشمال الإفريقي -وفي القلب منه ليبيا- على مخزون نفطي وغازي ضخم، وأخيرًا تحدَّثت “كوسموس” و”شيفرون” عن اكتشافات مهمة على السواحل الأطلسية للسنغال وموريتانيا، وهو ما يجعل إمدادات النفط الحالية في خليج غينيا والمستقبلية في السنغال وموريتانيا “في موقع مناسب يُؤَهِّلها للتصدير نحو القارة الأميركية الشمالية، وأيضًا نحو أوروبا؛ التي تُعَدُّ -أيضًا- مستهلِكًا كبيرًا للنفط، مع ضمان توفير تكاليف النقل، وهذا بحدِّ ذاته عامل مهمٌّ، إذا ما علمنا أن 40% من نفقات الشحن العالمية يمتصها الناتج النفطي كما أن مناطق الإنتاج بعيدة عن المناطق السكنية وقريبة من البحار(4).

ثانيًا: لعنة الموارد الطبيعية

لا شك أن لعنة الموارد الطبيعية تلاحق معظم الدول الإفريقية ذات موارد الطاقة الكبيرة، مثل: نيجيريا وليبيا والجزائر والسودان؛ حيث يلاحَظ أن النمور الإفريقية التي أجرت إصلاحات جذرية شاملة وتحقق منذ عقدين من الزمن معدلات نمو باهرة جعلتها في ركب الدول النامية السائرة في طريق التطور والتقدم، مثل: رواندا وموريشيوس وكينيا وكوت ديفوار وبوتسوانا وجزر الرأس الأخضر وناميبيا، لا تتوفر على موارد الطاقة الأحفورية، في حين أن الدول الإفريقية التي تتوفر على موارد كبيرة من النفط والغاز تعيش أزمات خانقة وتعرف عدم الاستقرار من عقود، وتشهد الدول النفطية الإفريقية اختلالات بنيوية، لعل أبرزها:

أ) عدم الاستقرار

أهم الدول النفطية الإفريقية، مثل: نيجيريا وليبيا والجزائر والسودان، تشهد بين الفترة والأخرى قلاقل واضطرابات أمنية جرَّاء العديد من الأسباب أهمها التهميش والفساد وغياب تنمية جهوية عادلة والصراع على الموارد، لعل أطولها عمرًا الصراع الدائر في منطقة أبيي السودانية الحدودية بين شمال وجنوب السودان ومنطقة دلتا النيجر في نيجيريا؛ حيث يزيد عمر هذين الصراعين على نصف قرن دون حل حقيقي يلوح في الأفق القريب! وقد كبَّد هذان الصراعان المزمنان آلاف الضحايا وملايين المشردين، وخسائر مالية بمئات المليارات طيلة هذه العقود. من العام 1991 إلى غاية 2002، عرفت الجزائر عشرية سوداء بين الجيش والإسلام السياسي راح ضحيتها 150.000 قتيل وقرابة نصف مليون جريح. كما عرفت ليبيا منذ ما يزيد على العقد وحتى الآن حربًا أهلية راح ضحيتها 27.871 قتيلًا وقرابة ثلاثة أرباع المليون جريح ومعاق، في شعب لا يتعدى تعداده 6.8 ملايين نسمة، وتكبدت الدولة الليبية خسائر تزيد على نصف تريليون دولار أميركي بسبب توقف إنتاج النفط في العديد من الحقول جرَّاء الاقتتال(5).

ب) الفساد

الفساد في الكثير من الدول الإفريقية أضحى منظومة متكاملة، تطول كافة القطاعات، ويبرز الفساد بشكل جلي وواضح في الدول النفطية والغنية بالقارة، وهو عائق جدي بوجه التنمية في القارة؛ حيث يؤدي الفساد إلى هدر 148 مليار دولار سنويًّا، أي ما يعادل 6.1% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة(6). وبسبب الفساد حُرم العديد من دول القارة -ولاسيما جنوب الصحراء- استثمارات أجنبية ضخمة كانت تروم ولوج المنطقة. مؤخرًا، بدأ الرئيس النيجيري، محمد بخاري، منذ سنوات حملة شرسة ضد الفساد توجته بطلًا إفريقيًّا لمحاربة الفساد، وتبدو الجدية والإصرار واضحين في أكبر اقتصادات إفريقيا لمحاربة هذه الآفة، إلا أن الإرادة السياسية وحدها -على أهميتها- لا تكفي للقضاء على منظومة فساد في بلد صُنِّف طويلًا على أنه الأكثر فسادًا في العالم ولعقود.

ج) غياب الحوكمة الرشيدة

نظرًا لغياب الديمقراطية وكثرة الانقلابات العسكرية، واستشراء الفساد، تكرست الزبونية والمحسوبية، والولاء للهويات الفرعية (القبيلة/العشيرة، وأحيانًا الطائفة الدينية)؛ مما أدى إلى اختفاء كلي لكل مظاهر الحوكمة الرشيدة وما يستتبعها من شفافية ومحاسبة وإعلاء قيم المواطنة، وما في حكمها.

د) الاختلال التنموي

باستثناء ليبيا والجزائر وأنغولا، فإن بقية الدول النفطية، بما فيها عملاق الطاقة الإفريقي، نيجيريا، تعاني من اختلالات بنيوية هيكلية؛ حيث تتركز التنمية في الحواضر الكبرى وعواصم المحافظات والبلديات، وتتناقص كلما ابتعدت المسافة عن العواصم، وتكاد تنعدم في الأطراف البعيدة؛ حيث يسود التهميش والهشاشة، وتنعدم فرص العمل الشريف؛ مما جعل سكان الأطراف وقودًا وأرضية للتجنيد داخل التنظيمات المتطرفة، ومرتعًا للجريمة المنظمة العابرة للقارات، ومعبرًا دوليًّا للتهريب والاتجار بالبشر(7).

هـ) الجريمة المنظمة والإرهاب

منذ سقوط وانهيار تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل والرقة، أصبحت منطقة الساحل وغرب إفريقيا موطنًا للجماعات المتطرفة التابعة للدولة الإسلامية أو القاعدة، وزادت حدة وجودها بعد تنصل طالبان من تنظيم القاعدة، أواخر العام 2015، وأصبحت المنطقة الممتدة من الجزائر وليبيا شمالًا مرورًا بمنطقة الساحل وانتهاء بالمثلث الحدودي النيجري التشادي الكاميروني مرتعًا خصبًا لثلاثي الموت (الإرهاب، المخدرات، التهريب والاتجار بالبشر)، وعُرفت المنطقة في السنوات الأخيرة بأنها فردوس الجريمة المنظمة والإرهاب العابر للقارات(8).

و) سيطرة كارتلات النفط

باستثناء الجزائر، فإن كارتل الأخوات السبع (بريتش بتروليوم، وإكسون موبيل، وشيفرون، وأوكسيدنتال، وإيني، وجولف، وألف) تسيطر على إنتاج وتسويق وبيع النفط الإفريقي، وتعيش هذه الشركات وكأنها دولة داخل الدولة بتصرفاتها التي يطبعها السرية والتكتم حول المداخيل والسياسات المالية المتعلقة بالإيرادات، وقد ساعدها في ذلك استشراء الفساد داخل أوساط النخب الإفريقية الحاكمة، والأخطر هو انخراط هذه الشركات في النزاعات المحلية بدعم هذا الطرف ضد الآخر وإذكاء العداوات، وفي هذا الصدد لعبت الأخوات السبع النفطية دورًا قذرًا لاسيما في منطقة دلتا النيجر وأبيي في السودان؛ حيث ثبت دعم بعض هذه الشركات للحركات الانفصالية والمتمردين، ومحاربة الحكومات المركزية(9).

ثالثًا: التنافس العالمي على إفريقيا

وجود الموارد الطبيعية بكميات كبيرة في القارة الإفريقية، إضافة إلى اكتشاف احتياطيات ضخمة من النفط والغاز في باطنها، جعل القارة محطَّ الأنظار وحلبة للتنافس الدولي خلال العقدين الأخيرين، وقد ظلَّت أسواق القارة الإفريقية، ولعقود طويلة، حكرًا على الدول الغربية التي سبق أن استعمرت دول القارة، وحتى مطلع الألفية كانت الدول الفرنكفونية منطقة نفوذ خالص لفرنسا ولشركاتها، في حين كانت بريطانيا والولايات المتحدة تتنافسان على أسواق الدول الأنجلوفونية، إلا أن دخول منافسين جدد على الساحة، جعل الصراع يحتدم، وقد زاد من حدته وجود المياه بكميات كبيرة، وخصوبة التربة الصالحة للزراعة، وكون القارة مرشحة لتكون أكبر مصدر في العالم للطاقات البديلة والنظيفة في العقود القليلة القادمة.

مع مطلع الألفية، تغلغلت الصين تدريجيًّا لتغدو في بحر عقد من الزمن الشريك التجاري والاقتصادي الأول للقارة الإفريقية بمبادلات تجارية بلغت 107 مليارات دولار في العام 2008، وقد تضاعف هذا الرقم مرة ونصفًا ليصل في العام 2021 إلى ربع تريليون دولار (وتحديدًا 254 مليار دولار)، ومع احتدام الصراع والتنافس بين فرنسا والولايات المتحدة والدول الغربية من جهة وبين الصين، تسلَّلت دول أخرى، مثل: تركيا والبرازيل والهند واليابان وروسيا، لتنتزع حصة سوقية معتبرة. الخاسر الأكبر من احتدام المنافسة على أسواق القارة السمراء هو فرنسا، العاجزة عن المحافظة على مناطق نفوذها التقليدية بالقارة. ويتوقع خبراء الاقتصاد أن تتجه ثلاثة أرباع الاستثمارات العالمية إلى القارة الإفريقية خلال العقدين القادمين(10). أما في مجال سوق الطاقة في إفريقيا، فإن المنافسة بلغت درجات عالية بين الولايات المتحدة -التي لا تزال المسيطر الأكبر- وبين كل من الصين وروسيا وفرنسا، وتقول لغة المؤشرات: إن الصراع على موارد ومصادر الطاقة في إفريقيا سينحصر في السنوات القليلة القادمة على العملاقين، الصين والولايات المتحدة، نظرًا لامتلاك هذين العملاقين كل أدوات المنافسة اللازمة.

رابعًا: سياسات الطاقة في إفريقيا

سياسات الطاقة في إفريقيا تشكِّل ذروة التعقيد والتداخل نظرًا إلى تشابك العامل الخارجي بالعامل الداخلي، الذي تكاد تضيع في خضمِّه السيادة الوطنية، فالمصالح الدولية والبحث عن النفوذ والهيمنة بين اللاعبين الدوليين والإقليميين؛ تتجلى أحيانًا بتدخلات سافرة في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية وأحيانًا بمناصرة حليف أو طرف نزاع ما أو إشعال الحروب إن اقتضى الأمر. ونظرًا إلى أن الوقود الأحفوري بات ومنذ عقود محدِّدًا أساسيًّا للتفاعلات الدولية ومرتكزًا للتفكير الإستراتيجي العالمي، فقد سعت المنظمة الأممية عبر اجتماعات الجمعية العامة منذ ستينات القرن الماضي إلى ضرورة إرساء السيادة على الموارد الطبيعية والثروات، وتكمل السياسات الدولية كأهداف التنمية المستدامة 2030 وأجندة إفريقيا 2063، التشريعات الوطنية؛ إلا أن البون شاسع بين مبدأ السيادة وتطبيقاته المعاصرة. وأدَّت التغيرات الدولية المعقدة بعد انتهاء الحرب الباردة إلى رسم الخارطة الجيوبوليتيكية العالمية وإلى بروز القارة الإفريقية مجددًا على المسرح الدولي لما تزخر به من ثروات ومعادن، واستجابة لصدى التعاون أو التنافس الدولي ثم البحث عن فرص وحلفاء جدد.

تتحكم الشركات الكبرى في قطاع النفط بحكم إمكانياتها الهائلة في مقابل ضعف الدول الإفريقية ماديًّا وعلميًّا، فيما تلعب الشركات الوطنية دورًا محدودًا وثانويًّا، وتمتد أحيانًا عقود تراخيص الشركات النفطية مع الدول الإفريقية إلى أكثر من عشرين سنة، وتوجد عدة أصناف من العقود البترولية(2)، والقطاع مُدِرٌّ للأرباح والثروات الطائلة ومن ثم فلا غرو أن يتحكم عمالقة النفط العالمي في سياسات الطاقة بإفريقيا. يتعدد اللاعبون في المجال من مؤسسات دولية كالبنك الدولي إلى شركات متعددة الجنسيات غربية (أوروبية-أميركية) وآسيوية، إلى دول من مختلف القارات. وتحتل منطقة غرب إفريقيا أهمية حيوية خاصة؛ حيث تسيطر على الاستثمار في هذه المنطقة شركات أميركية كبيرة، مثل: إكسون موبيل Mobil Exxon، وأميرادا هي Hess Amerada، وشيفرون تكساكو Texaco Chevron، وماراثون أويل Oil Maratho(3). وتفتح الواجهة الأطلسية الإفريقية للسياسات الطاقية وتحديدًا مع الولايات المتحدة الأميركية ودول غرب أوروبا آفاقًا واسعة، وتتمركز الولايات المتحدة أطلسيًّا في لواندا وخليج غينيا الاستوائية وتشهد حالة تمدد بنواكشوط من خلال مشروع سفارتها وقاعدتها العسكرية في ظل حسابات جيوبوليتكية مرتبطة بتأمين المحيط الأطلسي وإمدادات الطاقة وتكريس وجودها أمام منافسيها ثم التغلغل بالمستعمرات الفرنسية. وتشكِّل الشواطئ الشرقية ميزة للقوى الآسيوية عمومًا وللأقوى منها خصوصًا (بكين، نيودلهي، طوكيو، طهران، أنقرة)، “وما وجود القاعدة الصينية واليابانية بجيبوتي إلا دليل على الأهمية الإستراتيجية التي تحظى بها هذه المنطقة في إستراتيجية آسيا المتعاظمة بإفريقيا”(11) وستزداد أهمية القارة الإفريقية في السنوات القليلة القادمة بسبب تأهلها لأن تكون موطنًا لسبعين في المئة من الطاقات المتجددة في عالم الغد.

خاتمة

رغم المخزون الضخم من الوقود الأحفوري (النفط والغاز والفحم) الموجود في 21 دولة إفريقية، إلا أن قرابة نصف سكان القارة لا يتمتعون بالكهرباء، ويعيش ثلث سكان القارة تحت خط الفقر، بل إن أفقر دول العالم موجودة بالقارة، والتي من ضمنها دول نفطية مثل تشاد وموريتانيا! الأمر الذي يحتم على صنَّاع القرار ولاسيما بالدول النفطية الإفريقية أن يتخذوا سياسات أكثر حصافة، تمكنهم من الاستفادة من الموارد الناضبة التي حباها الله بها، واستحداث تنمية شاملة عادلة تطول كافة أرجاء البلد، والتنسيق الرأسي والأفقي لضمان قوة تفاوضية إفريقية أمام كارتلات النفط التي تستنزف هذه الثروات بطريقة غير منصفة في غياب الإرادة السياسية واستشراء الفساد داخل أوساط النخب الإفريقية الحاكمة.

المصدر إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية