Print Friendly, PDF & Email

د.محمد عبدالرحمن عريف

هي شبه جزيره سيناء المصريه تعد من أقدم الأراضي التي وطأها الانسان على مر التاريخ والتي قدسها “الله” سبحانه وتعالي عندما تجلي “جل جلاله” وكلم نبيه موسي من فوق جبلها وكانت أيضًا معبر للأنبياء عبروا من خلاله إلى أرض مصر.. كانت وما زالت وستظل دومًا ممر الغزاه إلى احتلال مصر. هي سيناء الأمس واليوم وغدًا بوابه مصر الشرقيه. في كثير من مراحل التاريخ فقدت مصر سيناء بالاحتلال. وكان أخر احتلال في العصر الحديث هو الاحتلال الاسرائيلي والذي انتهي بانتصار أكتوبر وتم تحرير واسترداد سيناء ثانيه ثم عقدت معاهده السلام بين مصر واسرائيل.

دائمًا ما يرتبط أسم أرض الفيروز في الأخبار بسيرة العنف لكن صورة أخري لسيناء تتجلي في كتاب يحمل عنوان “سيناء وأنا – نظام حياة وقصة كفاح من سيناء” لمؤلفه شيخ العرب “عودة عطية غُديف” من أبناء سيناء ومقيم بها، الكتاب أقرب إلي السيرة الذاتية ولا تتخلله الكثير من أحاديث السياسة ولكنه يرسم صورة صادقة لنمط العيش في سيناء قبل عقود من الآن، في حوار لمؤلف الكتاب مع راديو هيئة الإذاعة البريطانية قبل سنوات، أفاد بأن نمط الحياة القديم في سيناء صعب  للغاية من ناحية  الجدي والمياه  والخدمات عمومًا، ولكن ما جد على سيناء من إرهاب وحروب إرهابية جديد على أهل سيناء وعلى سيناء ولا أعرف له مصدرًا، وأضاف أيضاً بإنه كشخص من سيناء عاش عمره كله الثمانين عامًا بين أهل سيناء ويعرف كل طباعهم ليس منهم من هذا أسلوبه في الحياة أو في العمل.

الواقع أنه لما لكتاب “سيناء وأنا” من أهمية في رسم صورة صادقة عن سيناء كان طلبي من عائلة الشيخ الكبير والمؤرخ القدير الحاج “عودة غديف” وإن تربطني بهم صداقة طفولة وتعليم، طلبت نسخة من الكتاب، فكانت التلبية، على وجه السرعة، ليكون ما نحن بصدده، حيث أنه من خلالكم سيتم إلقاء الضوء على الكتاب الذي يجب أن يقرأه جميع من يعملون على تنمية سيناء ويحيطون بما جاء به من حقائق ومعلومات صادقة عن سيناء.

نعم تم عرض كتاب “سيناء وأنا” لأول مرة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2017 في دورته 48، هَذَا الْكِتَابِ عبارة عن سيرة ذاتية روائية للمؤلف كواحد من أبناء سيناء، يعرف خبايا العادات والتقاليد والأحكام التي يستحيل على غريب أن يعرفها ويلم بها، يعرض الكتاب سيناء من الداخل حيث يهتم بسيناء ونظم حياة سكانها، متناولاً أهل بادية سيناء ومعارفهم في سياق قصة كفاح المؤلف وكيف شق طريقه، من راع يتجول بحثاً عن الماء والكلأ لدوابه إلى نائب عن سيناء يتفقد أحوال أهلها ويدافع عن قضاياهم.

الحقيقة أن المؤلف هنا يُبين، في هذا الكتاب ما واجهه من إحداث مُثيرة ومواقف إنسانية، كما قدم الكتاب معلومات جديدة عن سيناء وما يعتمل داخل النفس البشرية من صراعات وتوجهات، كما يعني الكتاب عناية خاصة بالشعر والرعي والبداوة، كما يبين الكتاب معاني الكثير من الكلمات البدوية التي يجهلها البعض منا وتحول دون التواصل الفعال بين أبناء الوطن الواحد.

ينتقل بنا الكتاب والكاتب ليحدثنا عن سيناء وما تحتويه من خيرات والتراث الثقافي المتوارث حول الأنشطة البشرية وتنمية الموارد الطبيعية، ويبين القبائل التي تسكنها ويعرض القضاء العرفي الذي يحتكمون إليه وينتقده في بعض الأحوال، ويقدم نماذج لأهل سيناء الذين عاصرهم ويحكي عن طباعهم، كما يوضح ما شهد علي أرض سيناء من حروب ويبين أهميتها للأمن القومي المصري من وجهة نظر أبنائها. وقد ذيل كتابه هذا بقصائد شعرية، من نظمه وبلهجة أهل سيناء “البدوية” الخالصة، في الوطنية والقومية والحكم الإنسانية، كما قدم رؤية أهل سيناء للخروج من الوضع الراهن والوصول إلى أفاق أرحب لتنمية شبه جزيرة سيناء والتي لها وضع خاص في وجدان الشعب المصري حيث إنها خط الدفاع الأول ضد أي عدوان يهدد أمن مصر.

يقينًا أن سيناء لا تقتصر أهميتها على الشق العسكري فحسب بل تمتد إلى الأهمية الاقتصادية لما تحتويه أرض الفيروز من ثروات طبيعية لا تنتهي سواء معادن ومياه وتربة وغيره إلا أن ذلك لا يمنع وجود تحديات كبيرة أمام استغلال كل ما تزخر به سيناء. فعلي سبيل المثال تتمتع سيناء بمخزون وافر من المياه الجوفيه مما يتيح فرص الاستثمار في المجالين الزراعي والصناعي وما يتبعهم من تعمير وأنشطة أخري. ومن المعادن المهمة التي تحويها أرض سيناء “الكبريت” حيث يوجد بين العريش ورفح ويستخدم في الصناعات الكيميائية.

كذلك فسيناء يوجد فيها أيضًا الفحم، حيث يوجد بكثرة في منطقة المغارة في وسط وشمال سيناء علي بعد 70 كيلومترًا جنوب مدينة العريش. وتزخر أيضًا بالرخام وأحجار الزينة، حيث توجد في جبلي يلق والمنشرح ومنطقتي المغارة والختمية، ورخام سيناء يتميز بلونه المميز ونسيجه الخلاب مما يجعل الإقبال عليه شديدًا في الأسواق العالمية. ويوجد أيضًا الحجر الجيري في جبل لبني والحلال وريسان وعنيزة والمنشرح وغرب جبل لبني والمغارة والجفجافة وأم شيحان، ويستخدم في صناعة الأسمنت والبويات وإنشاء الطرق. والرمال السوداء تزخر بها شواطئ العريش وتحتوي علي معادن ثقيلة تستخدم في صناعات الورق والبويات والسبائك والحديد والزجاج ومساحيق التجميل والطوب الحراري والأدوات الكهربائية وحتي الصناعات النووية.

تحتوي سيناء على كلوريد الصوديوم ويوجد في بحيرة البردويل والعجزة والصافية والقطرات وملاحة سبيكة ويستخدم في الصناعات الغذائية والكيميائية وحفر آبار البترول. ومربط الفرس أنه علي الرغم من وجود تلك الثروات فإن هناك بعض التحديات والمعوقات مازالت تقف حائلًا دون الوصول بهذا الجزء من الوطن إلى مرتبة عالية من حسن الاستغلال والتعمير. فعلي سبيل المثال حتي تتحول سيناء إلى مركز صناعي مهم لابد من التعاون بين مراكز البحوث مع مراكز التصنيع من أجل الوصول إلى حسن استغلال خامات سيناء.

يبقى في النهاية أن سيناء كنز يعتبره شيخنا “عودة غُديف” أنه مازال يحتاج إلى استغلال امثل وهذا الاستغلال لن يتأتي إلا من خلال تضافر مزيد من الجهود في سبيل تعمير هذا الجزء الغالي من أرض الوطن بدلًا من الاهتمام بإنشاء القرى السياحية فحسب، فسيناء ليست مجرد منتجعات سياحية بل هي أرض عامرة بالخيرات التي لم تستغل بعد. في النهاية يبقى أن أنقل نصيحة نجل الشيخ وهو البروفيسور “كمال عودة غُديف” خبير المياه في الشرق الأوسط، يقو: (أتمني أن يقرأ هذا الكتاب جيل الشباب وكذلك سكان البوادي العربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا).