محمد عبدالرحمن عريف

تألف المجتمع العراقي عبر التاريخ من مجموعات عشائرية قبلية كبيرة مثلت الجزء الأكبر من البنية الاجتماعية، فهي حقيقة قائمة بذاتها لا يمكن لأي فرد أن يتجاهلها أو يهملها، وذلك لأهمية الدور التاريخي الذي تقوم به. والعشيرة كلمة تطلق على مجموعة من الأفراد الذين يرجعون في نسبهم إلى أصل واحد تقريبا، وتتألف من أفخاذ وفروع عدة، ولكل عشيرة شيخها. أما مفهوم القبيلة فيختلف عن مفهوم العشيرة، وذلك لأنها تتألف من عدد من العشائر، يتصل بعضها بالبعض الآخر. نزحت إلى العراق عشائر عديدة ولاسيما من الجزيرة العربية، واتخذت من وديانه وسهوله وباديته مرتعا لها، واستقرت على ضفاف أنهاره، لكنها بقيت متمسكة بنظامها القبلي وعاداتها العشائرية، لتحافظ على كيانها كوحدة قائمة تربطها روابط اجتماعية عميقة الجذور.
العشيرة تتميز بالقيم والمروءة والعدل والكرامة والضيافة والشجاعة في الدفاع عن المظلوم وتحقيق السلام أم السلم الاجتماعي بين فئات المجتمع وكذلك تضم العادات والتقاليد متوارثه على قلوب الناس فتراهم يتمسكون بها ويحرصون على الاشهاد بها باعتبارها مثلًا رفيعة في حياتهم ماضيًا وحاضرًا وكذلك تتميز العشير أيضا بالنفوذ والتسلط والهيمنة الذي يمتد تاريخه من الاعتداءات والغزوات، اذ ان للعشائر أهمية بالغة في فض النزاعات بين الافراد او بين الجماعات وبطريقة سلسة ومفهومة للجميع لا يستطيع احد التملص منها وتحاول إعادة الأمور إلى نصابها وضمان حقوق الناس ونشر ثقافة السلام الاجتماعي من خلال القانون الذي يسمونه عادة بـ(السواني) وان هذا القانون يكون بين عدة العشائر تطبقه إلى من يخالف القانون العرفي أو العشائري.
لمعظم العشائر العراقية العربية تقاليد وأعراف سميت بـ«السواني»، وهى بمثابة قوانين تحكم أفراد العشيرة، وأهم ما يميز المجتمع العشائري عن المدني هو مجموعة الواجبات التي تترتب على كل فرد من أفراد العشيرة، والتي هي عبارة عن التزامات تتعلق بالزواج، والثأر، والغزو، والفصل، والنخوة، وغيرها من الالتزامات العشائرية.
يتضح الدور السياسي الإسلامي للعشائر العراقية من خلال دليل آخر هو أنَّ تلك القبائل لم تنقد يوماً لأيِّ زعيم وطني علماني أو قومي أو يساري، كما انقادت لمرجعيتها، مما يكشف عن عمق الثقافة السياسية عاطفياً وعقائديًا لديهم، ولكن ثمّة دلائل لا تكشف عن نضج هذه القبائل سياسياً، وربما السبب يعود إلى البرنامج الذي اتبعه الاستكبار في تفتيت هذه القوة ومصادرتها بمساعدة الخط العلماني القومي العراقي الداخلي لاحقًا.
أما الكرد الذين يقطنون شمال العراق فلهم عشائر مثل العشائر العربية تسمى عندهم بـ«المجتمع الصغير»، وهي متكونة من جملة الأسر المتماثلة ينتسب بعضها إلى أصل واحد أو من أسرة واحدة، ولم تشر التحقيقات الواردة عن الكرد إلى أن العشيرة تنسب إلى جد واحد، بل في الغالب إلى محل أو قرية، وكأنما هي الجد والأصل، مما يدل على الارتباط الوثيق بين الكرد وموطنهم.
كانت الحكومة البريطانية متخوفة بشكل كبير من موقف رجال الدين في المدن المقدسة في العراق وما يسببه من فشل لمشروعها ويبدو إن فشل نتائج الأستفتاء كما أرادها الحكام السياسيون البريطانيون في العراق وعلى رأسهم ولسن آثار غضب السلطة البريطانية وجعلها تطبق الخناق على المعارضين لسياستها الأمر الذي أدى إلى الوقوف بوجه الانتداب وقيام ثورة العشرين بشكل ريادي فيها خاصة في مدن الفرات الأوسط وهذا دليل على فشل هذه السياسة في تلك المرحلة من الأحتلال البريطاني ومحاولة إيجاد بدائل لها.
وعندما اجتمع الحاكم العسكري ولسون في النجف الاشرف في كانون أول/ ديسمبر عام 1918 بسادات النجف ورؤساء العشائر مستفسرًا عن موقفهم فيما إذا يرغبون في احتلال كامل وادارة بريطانية أو في تشكيل دوله تحت الوصاية البريطانية من شمال الموصل إلى الخليج العربي وفيما إذا كانوا يرغبون في رئيس عربي ومن هو الرئيس الذي يريدون؟ اجاب الشيخ عبد الواحد الحاج سكر منتفضاً “لسنا ايرانيين او اتراك، نختار اميرًا عربيًا ويجب أن تكون لنا حكومة عربية مستقلة؛ نحن عرب”. فيما اجاب الشيخ محمد رضا الشبيبي “أن العراقيين يرون أن من حقهم أن تتألف حكومة وطنية مستقلة استقلالًا تامًا وليس منا من يفكر في اختيار حاكم اجنبي وأن الشعب العراقي يرى أن الموصل جزء لا يتجزأ من العراق”.
الشيخ ضاري ظاهر المحمود حلقة وصل جميع الثوار وممولها بالرجال والسلاح الرجل الذي قطع خط الامداد البريطاني من خلال سيطرة عشيرته زوبع على ضفاف الفرات والذي قتل بسيفه مع ولديه مساعد المندوب السامي “لجمن” لمجرد محاولة هذا الضابط استفزازه واهانته وانطلقت بعد هذه الحادثة اهزوجة “هز لندن ضاري وبجاها”. عندما غمد الشيخ ضاري بسيفه لجمن متمماً ما أقدم عليه اولاده بالبنادق هتف “يالثارات صبّار” وصبَّار هذا هو المرحوم صبَّار الكعود احد شيوخ البو نمر كان لجمن قد دبر لقتله بسبب تصديه لقوات الاحتلال وهدد لجمن الشيخ ضاري بان مصيره ان لم يتوقف عن نشاطه المقاوم سيكون كمصير صّبار وذلك قبل دقائق من نهايته المحتومة على ايادي الشيخ واولاده.
السيد الشيخ نور الياسري الميسور والمتنفذ وشمعة المقاومة في بداية احتلال الانجليز للشعيبة صاحب الاهزوجة الشهيرة “جدمنا الله ونور عليه” والذي انفق ثروته وماله وليراته الذهبية لاحقًا لثورة العشرين واسناد أول حكومة عراقية. فلا ينسى التاريخ ان يسجل للشيخ شعلان بن عناد ابوالجون لحاكم بريطانيا في الرميثة “مستر هيات” ردًا على كلام تهديد وتوبيخ قاله هذا الحاكم حين رده ابو الجون “أنتم في العراق وليس بهندستان أن العراقيين غير الهنود”. كذلك مواقف الشيوخ غثيت الحرجان وشعلان ال جبر وهادي الزوين وسعدون الرسن وشعلان ورايح العطيه وعلوان الياسري وقاطع العوادي وعمران الحاج سعدون وعبادي الحسين ومرزوك العواد وباقر الحلي وهادي المكوطر وسلوان العبطان وعبد ال صفوك الظالمي وسرتيب ومجبل ال فرعون وخوام ال عبد العباس وخضير بن عويف الجنابي، بل سجل مواقفهم بأسطر من فخر وصمود. كان محمود رامز يكتب رسائل الشيخ ضاري إلى شيوخ وعلماء الفرات الاوسط ويبعثها مع علوان الشلال شيخ البو محي.
تذكر المس بيل في أحد رسائلها المنشورة وهي الخاتون التي ادارت واشرفت على مكتب المندوب السامي البريطاني ولعبت دورًا سياسيًا رئيسيًا في مرحلة احتلال العراق أن الشيخ عجيل الياور شيخ قبيلة شمَّر في زيارة لها اخبرها ما يلي “خاتون ليس هناك من قوة على وجه الارض تستطيع اقرار المعاهدة في هذا البرلمان تصوري أن بائعًا رثًا اشعثًا يقف على باب داري ليل نهار يقبل يدي وملابسي ويأخذه البكاء والعويل يقول يا والدي ارفض هذه المعاهدة لا تبيعونا للانجليز”. كما تذكر أن أحد اعضاء البرلمان ذكر لها “أن ابنة بائعة الحليب لا تقبل اللعب او الكلام مع ابنته في المدرسة بسبب كون ابيها أحد المصوتين لصالح المعاهدة”. وتذكر المس بيل أن الاكراد لا يعرفون ماذا يريدون وأن الفرنسيين يقومون بتحريضهم على عدم الاصغاء لنداء العراق او الالتحاق به فيما ساهم الشيخ محمود الحفيد بوقفة مشهودة مع اتباعه وبشكل مبكر ضد دخول قوات الاحتلال البريطانية مبكرًا عند دخولهم البصرة. كما أن المسيحيين في الموصل طالبوا عصبة الامم بوحدة العراق وأنهم جزء لا يتجزأ من شعب العراق في حين أن المحتلين تمكنوا من تجييش قوات آثورية تقاتل بجانبهم لقاء وعود كاذبة.
يضيف الدكتور السامرائي في هذا الصدد في مكان آخر من كتابه قائلاً: “ولو كان حبس المظلوم لصرخته فائدة للمجتمع بحيث يصبح التنازل عن حقه في التعويض وقصاص الظالم المعتدي أمراً محبذاً وجالباً للشكر من المجتمع، فهل سيبقى كذلك إذا ما أصبح تكريساً لواقع الظلم الشاذ في المجتمع إلى الوراء عقوداً من الزمن، وصار الظلم يمارس وكأنه حق مكتسب للظالم وأمر مقبول في المجتمع، ومن ثوابته المتعارف عليها؟… وكيف يمكن تصحيح الأوضاع الشاذة في المجتمع إذا لم نضع أيدينا على الجرح وتشخيص الأسباب والواقع والجذور وكل ما يتعلق بالظلم الذي وقع كي نشرع بمحاولة منع حصوله ثانية؟ … وهكذا يصبح من يمارس أبشع أنواع القمع والتمييز الطائفي بريئاً من تهمة الطائفية في حين يصير العراقي الذي يصرخ متظلماً مما حل به طائفياً”.
على أي حال، لقد كلفت الثورة الإنجليز ثمناً باهظاً في الأرواح والأموال مما اضطرهم إلى إعادة النظر في حساباتهم وتغيير مخططاتهم رأساً على عقب، واتخاذ موقف جديد من مستقبل العراق، فبدلوا مخططاتهم من الحكم المباشر الاستيطاني للعراق إلى تشكيل حكومة أهلية فيه، على أن يحكم الإنجليز من وراء الكواليس كمستشارين. لذلك ساهمت ثورة العشرين في عداء الإنجليز ضد الشيعة، والعزم على معاقبتهم والانتقام منهم، وذلك بحرمانهم من حقوق المواطنة الصحيحة في الدولة الوليدة، وعدم مشاركتهم في السلطة استمراراً لما كان متبعاً في العهد العثماني. وقد لاقت هذه السياسة الرضا والترحيب من قبل النخبة العسكرية والمدنية العراقية التي كانت تخدم الحكم الثماني، وبعد انهيار الدولة العثمانية انضمت هذه الجماعة إلى الشريف حسين، وقد لعبوا فيما بعد دوراً مهماً في توجيه سياسة الدولة الفتية ووجهوها وجهة طائفية وساهموا سلباً في مستقبل العلاقة بين مكونات الشعب العراقي.
ننقل هنا مقتطفات من كتاب العلامة علي الوردي حول هذا التقارب الطائفي، إذ قال: “استفحل التقارب الطائفي في النصف الثاني من رمضان بشكل لم يسبق في العراق له مثيلاً من قبل. وقد اتضح ذلك بوجه عام عند مجيء وفد من الكاظمية لحضور حفلات بغداد إذ كان الوفد يأتي إلى بغداد بعربات الترامواي وعلى رأسه السيد محمد الصدر، فإذا قاربت العربات أول الدور من بغداد خرج لاستقبالها أهالي الجعيفر والسوامرة والتكارتة وغيرهم يحملون الشموع ويهللون ويكبرون. وإذا وصلت العربات المحطة كان في استقبالها جمهور غفير من أهل بغداد وفي مقدمتهم أحمد الشيخ داود أو غيره من علماء السنة، فيتعانق الشيخ والسيد عناقاً أخوياً كرمز للتآخي بين الطائفتين، وعند هذا يعج الجمهور بالصلاة على محمد وآل محمد!.
إن العشيرة ما زالت تشكل وحدة اجتماعية قائمة وفاعلة لها شخصيتها المعنوية في المجتمع العراقي الريفي والمدني، وذلك بسبب عدم انتقال البلاد إلى مستوى من التحديث الصناعي يؤهلها إلى تجاوز التجمعات القبلية والعشائرية. إن نفوذ العشائر الاجتماعي وثقلها السياسي، في مراحل تاريخية مختلفة، فرض على الدولة العراقية أن تتعامل مع هذا الواقع، وبطريقة تضمن توظيف العشيرة بشكل براغماتي، وذلك على الرغم من أن تعزيز دور العشيرة يضعف دولة المؤسسات.
إن لجوء الأفراد إلى العشيرة في أوقات الأزمات للحفاظ على حياتهم وممتلكاتهم، ولجوء الدولة للعشيرة لتعزيز سلطتها على المجتمع، يعكس ضعفًا واضحًا في فرض سلطة القانون، وإذا ما كان تطبيق سلطة القانون يواجه عقبات كبيرة تفرض على الدولة التعاون مع العشائر في مرحلة ما، فمن الواجب اللجوء إلى كل ما يدعم تثبيت سلطة الدولة حتى تقف على قدميها. إن الفكر السياسي يتحول إلى سلوك وممارسة سياسية يتبلور بداخلها شكل الحكم وطبيعة النظام السياسي في الدولة، وبما إن قيم العشيرة راسخة في سلوكيات الفرد العراقي ، ولما كانت العشائر العراقية بمجملها لا تحمل في موروثها تجربة سياسية يمكن الاعتداد بها، نتيجة لأسباب ذات منشأ وجذور تاريخية، ولأن العشائر تشكل النسبة الأعظم من مجموع الشعب العراقي، لذا كان انعكاس هذا الواقع يترك بصماته الواضحة ليس على المجتمع المدني فحسب بل على مشروع الدولة برمته، ذلك لأن العشائر لكثرتها ورسوخ تقاليدها هي التي أثرّت في المجتمع المدني الضعيف بدوره سياسياً والمتخلف اقتصاديًا، ولم يحدث العكس كما هو مفترض، وهذا ما ترك بصماته على بنية الأحزاب والتنظيمات العراقية التي تبنت أفكار الحداثة والتطور وسيادة القانون إلا أنها لم تتمكن من تجاوز عقبة العرف العشائري.