عرض: د. أحمد إبراهيم هلالي

بدأت العلاقات الصينية الأفريقية منذ عقود بعيدة، ترجع إلى القرن السابع الميلادي، على أنها اتخذت في بداية الخمسينيات من القرن العشرين، شكلًا أكثر وضوحًا، بعد إعلان قيام جمهورية الصين الشعبية في العام 1949.

وقد بدأت العلاقات الصينية الأفريقية في تلك الفترة عبر تمويل الصين لمشاريع السكك الحديدية الأفريقية، ثم تطورت بإعلانها عن تقديم قروض واستثمارات بلغت في العام 2015، إلى نحو 60 مليار دولار؛ مما أدى لإثارة حفيظة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية تجاهها.

ومن أهم الملفات المطروح عالميًّا، مناقشة سُبُل ربط مبادرة الحزام والطريق بجدول الأمم المتحدة 2030، للتنمية المُستدامة، وبرنامج التنمية للاتحاد الأفريقي 2063.

وتعتبر الصين أكبر شريك لأفريقيا، فقد ارتفعت اسثتماراتها من نحو 12 مليون دولار في العام 1955، إلى نحو 390 مليار دولار في العام 2017. كما تعتبر مشاريع البنى التحتيّة أهم وأكبر مشاريع الاستثمارات الصينية في أفريقيا، فخلال العقد الماضي شيّدت الصين نحو 3300 كم من الطرق في أفريقيا، وأكثر من مئة مدرسة، ومائتي محطة توليد طاقة.

وبخلاف ذلك، استخدمت الصين وسائل متنوّعة لتوسيع وجودها في أفريقيا خارج إطار تبادل المنافع الاقتصادية، من بينها برامج تدريب القادة العسكريين الأفارقة، وتقديمها مئات الآلاف من المنح الدراسية، وغيرها.

وقد جاء إعلان الصين فتح أول قاعدة عسكرية لها في جيبوتي، في العام 2017، واعتبر هذا من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، شكلًا جديدًا للاستعمار الصيني في أفريقيا؛ بينما تقول الصين أن ما تقدّمه لا يزيد عن 5% من حجم المساعدات الدولية المقدمة لأفريقيا.

وبإدراكٍ من الأستاذ خالد محمد، مؤلف هذا الكتاب -وهو في الأصل دراسة تقدّم بها للحصول على درجة الماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر، من معهد البحوث والدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة- لقضية المعونات كمحدّدٍ للعلاقات الصينية الأفريقية، أفردَ لهذا الموضوع دراسةً متميّزة اختصَّت بالمعونة الصينية لشرق أفريقيا في الفترة (1989-1960)، أوضح فيها أهمية المعونات لكلٍّ من الصين والشرق الأفريقي، وأغراضها، كما أظهر تأثير الأحداث الدولية والداخلية على تغيير سياسة تقديم المعونة الصينية للشرق الأفريقي.

ومن أجل ذلك؛ تابع المؤلف تطور العلاقات الصينية الأفريقية منذ قيام جمهورية الصين الشعبية وحتى نهاية الحرب الباردة. وهو ما أفرزَ، وفقًا للمؤلف، ملاحظات خمس: أما الأولى، فتتعلّق باهتمام الصين بالقارة الأفريقية فيما بين (1971-1945)، والتي شهدت مرحلة تأسيس شرعية الوجود الصيني في المجتمع الدولي، وهو ما كان يعني دعم الفكر الأيديولوجي الماوي والنفوذ السياسي من خلال تقديم المعونات والمنح للقارة الأفريقية، حيث أدركت الصين أهمية نيل أصوات هذه الدول في المنظمات الدولية.

أما الملاحظة الثانية، فتتعلّق بسعي الصين للحصول على المواد الخام، وقد دعمت هذه السياسة بعد انتهاء الثورة الثقافية الصينية، وأخذت تتجه إلى تقديم المعونات والمنح لإقامة المشروعات التي تخدم المنافع المتبادلة من خلال إقامة الطرق، والسكك الحديدية، والموانئ.

وتتعلّق الملاحظة الثالثة باهتمام الصين بالسوق الأفريقية، وخاصة في دول شرقي القارة ذات الكثافة السكانية والقوة الشرائية؛ وهو ما دعا الصين إلى بناء العديد من المصانع، والمزارع، وغيرها؛ لتلبية حاجات الشعوب الأفريقية، وحاجات الصين نفسها.

أما الملاحظة الرابعة، فتتمثل في صراع كلٍّ من الصين، والاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة الأمريكية، وكانت القارة الأفريقية مسرحًا مهمًّا لهذا الصراع؛ إذ سعى كلٌّ منهم إلى كسب العديد من الأصدقاء في أفريقيا؛ وبالتالي كانت الظروف الدولية محدِّدة في مدى تقديم الصين للمعونات لدى دول شرق أفريقيا.

وتتتعلق الملاحظة الخامسة، وفقًا لرؤية المؤلف، بشكل تقديم الصين للمعونات للقارة الأفريقية؛ حيث اتجهت إلى مشاريع البنى التحتية، والتي لم  تكن مرتبطة بمشروطية سياسية، كما كانت فوائد القروض بسيطة، وأحيانًا بدون فوائد، وعلى فترات سداد طويلة إلى حدٍّ ما، على عكس الدول الغربية الأخرى.

وفي تفسيره لاختيار إقليم شرق أفريقيا كمجالٍ لدراسة المعونة الصينية، جاء في مقدمة الكتاب، أنه بصدد تعاون بين دول الجنوب والجنوب، ولأن دول شرق أفريقيا كانت مسرحًا للصراع بين كلٍّ من الصين، والاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة الأمريكية. وقد حرصت الصين على كسب العديد من الأصدقاء الأفارقة لدعمها في الحصول على مقعدها الدائم في الأمم المتحدة، بالإضافة إلى كثرة المواد الخام وتنوُّعها. وكل هذه الأسباب تجعل دراسة هذه القضايا مطلبًا بحثيًّا مهمًّا، دفع الباحث لأن يبدأ دراسته بالعام 1960، الذي يمثّل عام الاستقلال الأفريقي من الاستعمار، وتنتهي بالعام 1989، وهو عام انتهاء الحرب الباردة في أفريقيا.

جاء الكتاب في مقدمة، وخمسة فصول، وخاتمة، وقائمة بأهم الوثائق والمراجع

الفصل التمهيدي: الخلفية التاريخية للعلاقات الصينية مع شرق أفريقيا 

يتناول هذا الفصل بدايات دخول الصين للقارة الأفريقية، وكيف اختلف شكل العلاقات فيما بين الطرفين، صعودًا وهبوطًا؛ بسبب الأحداث السياسية الكبرى آنذاك.

الفصل الأول: سياسة الصين في تقديم المعونة لشرق أفريقيا 

 يحلل المؤلف في هذا الفصل مكانة المعونة في السياسة الخارجية الصينية، واتجاهات تقديمها، وأدوات ووسائل تقديمها، مع تحليل ارتباطها بالأحداث السياسية المحيطة بها؛ سواء داخليًّا أم خارجيًّا.

الفصل الثاني: المعونة الصينية في مجال البنية التحتية 

يرصد هذا الفصل تعزيز الصين لتعاونها مع شرق أفريقيا في مجال بناء المنشآت الأساسية؛ وكيف أنها تنشط في هذا المجال، وتُنشئ بشكلٍ تدريجيّ آلية للتعاون الثنائي والمُتعدِّد الأطراف خاصة في مجالات الطرق، والجسور، والسكك الحديدية، ومشاريع المياه، ومحطات الطاقة؛ وكذلك في مجال المساعدات العسكرية.

الفصل الثالث: المعونة الصينية في المجال الاقتصادي 

يتناول هذا الفصل، باعتبار أن الصين هي الشريك الاقتصادي الأول في أفريقيا، خاصة لدول مثل: السودان، وغانا، وأنجولا، وإثيوبيا، وجيبوتي، وزمبابوي، وكينيا، وأفريقيا الوسطى، ونيجيريا، ولها دور كبير في مسيرة التنمية الوطنية والنهضة الاقتصادية لهذه الدول، فيعرض للمعونة الصينية في مجالات المصانع، ومشاريع الغزل والنسيج، والمزارع، ومشاريع صيد الأسماك، ومناجم الفحم.

الفصل الرابع: المعونة الصينية في مجال التنمية البشرية 

يرصد فيه المؤلف المعونة الصينية لدول شرق أفريقيا في مجالات المباني الحكومية، والمساكن، والمسارح، وفي المجال الرياضي، والطبي، والتعليم، والإعلام. وقد اظهر هذا الفصل كيف أن الصين استخدمت هذه المجالات لنشر أيديولوجيتها الخاصة، واستخدمت القوى الناعمة لديها لنشر هذه الأفكار في مواجهة التطويق الأمريكي والسوفيتي.

الفصل الخامس: تقييم المعونة الصينية  لشرق أفريقيا (1989-1960) 

يعد هذا الفصل بمثابة تحليلٍ وتقييمٍ لما سبق وأن ما قدّمته الصين من معوناتٍ لدول شرق القارة الأفريقية في الفترة المعنية بالدراسة. وقد أظهر المؤلف أثر المعونة في الرؤية المتبادلة بين الصين وأفريقيا، وأثرها في الحياة السياسية، والاقتصادية، والمدّ الشيوعي الصيني لشرق أفريقيا، كما لم يغفل الإخفاقات التي واجهت العلاقات الصينية لشرق أفريقيا.

وفي النهاية، انتهت الدراسة إلى أن مبدأ “المساواة والمنفعة المتبادلة”، جعل الدول الأفريقية أكثر انجذابًا للنموذج الصيني الفريد في تعاملاته الاقتصادية؛ مما جعل كثيرًا من الدول الأفريقية التي تعتمد أكثرها على المساعدات الأوروبية تتجه نحو التنمية المستدامة بشراكةٍ مع الصين.