وليد عبد الحي

يقع متن الكتاب في 183 صفحة،بما فيها المقدمة والخاتمة وفهرس الكتاب،وهناك 36 صفحة عبارة عن صور ملونة وهي غير متضمنة في ترقيم صفحات الكتاب ال 183.وقسم الباحث الدكتور أيمن فؤاد سيد دراسته لقسمين الاول للتاريخ السياسي والثاني للتاريخ الفكري والعمراني، يعرض الكاتب في مقدمته عددا من الوقائع الكبرى في مرحلة المماليك مثل انتصارهم على الصليبيين، انهاء حكم الأيوبيين في مصر، والتصدي لخطر المغول القادمين من الشرق وصدهم، ثم يستعرض الاهتمام الفرنسي والغربي واليهودي بترجمة الكتابات العربية الخاصة بالمماليك ( الفرنسي اسحق دي ساس وتلاميذه في القرنين 18 و 19) واليهودي(بولياك والياهو آشتر وديفيد أيالون (وهذا يعد من أكثرهم اهمية) بينما بدأ الاهتمام المصري بهذه المرحلة مع فتح الجامعة المصرية 1925. ويبدا الكاتب بتتبع دولة سلاطين المماليك في مصر ويربط بين دور العسكر في صد المغول ودحر الصليبين والتغير الذي اصاب البنية في النظام حيث حل المماليك (العبيد والاسرى) محل الايوبيين ، وبدأ دورهم منذ السلطان الايوبي نجم الدين ايوب حيث ترك لهم المجال مفتوحا من خلال المؤسسة العسكرية. وهنا تبدأ مرحلة المماليك البحرية( سيطرة العنصر التركي) التي تليها المرحلة الثانية “البرجية”(سيطرة الشركس ) وهم الذين حاولوا منع التوريث(باستثناء فترة المنصور قلاوون) ثم بتناول تركيبة الجيش ودور الاقطاعات التي يتقاسمها القادة المماليك مع جنودهم على قاعدة ثلث له وثلثين لهم. وعند تتبع مرحلة الممالك البحرية(1250-1382) يعرض دورهم في هزيمة الصليبيين واسر قائدهم، ثم دور شجرة الدر وزواجها من مملوكي كان هو اول سلاطينهم وحكم سبع سنوات. وقد عرفت هذه المرحلة صراعا على السلطة ( ابرزها قيام بيبرس بقتل قطز- بطل عين جالوت) ودعم الخلافة العباسية لبيبرس الذي يراه البعض مؤسس الدولة المملوكية حيث قام ببعض الاصلاحات الداخلية وأعاد للأزهر دوره ، لكنه حاول نسخ تجربة جنكيز خان في التوريث استنادا للنخبة(الخاصكية) لكنه فشل في مسعاه، غير ان ” قلاوون” نجح في مسعى التوريث واستكمل الحروب ضد المغول، لكن فترته عرفت بدايات التحول من المماليك البحرية الى “المماليك الشركس”. بعد فترة قصيرة من نهاية قلاوون بدأ الصراع الداخلي يحتدم بين الامراء المماليك ، وترافق مع كوارث طبيعية مدمرة(زلزال) وتفشي الامراض (الموت الأسود) واستمرار المناوشات مع الصليبيين. وينتقل الكاتب لمرحلة المماليك الشراكسة(البرجية) مع السلطان الظاهر برقوق التي عرفت بعدها عودة نفوذ الخلافة العباسية في مصر بسبب استغلال الصراعات الداخلية بين الامراء المماليك وعودة الخطر المغولي(تيمورلنك) وتنامي نزعة الانشقاق في الشام وتزايد القوة العثمانية ومجموعة من العوامل الاقتصادية السلبية ( مثل كساد وانهيار النظام النقدي والتضخم وزيادة الضرائب)، ثم ينتقل لتوجهات الدولة نحو السيطرة على ميناء جدة والسيطرة على قبرص (لمواجهة القراصنة) وصراعات السلطان برسباي مع المماليك الجلبان(صراع داخلي). وتنتهي الدولة المملوكية بفعل عوامل حددها الكاتب في : صعود الدولة العثمانية ، تصاعد دور الدولة الصفوية في ايران والصراع الداخلي بين المماليك الشراكسة وتحول الطرق التجارية بعد الاكتشافات الجغرافية على يد البرتغاليين الذين حطموا الاسطول المملوكي. وفي القسم الثاني يستعرض الكاتب التاريخ الفكري والعمراني مشيرا لدور انتقال العلماء من بغداد الى مصر بعد الغزو المغولي ، ويستعرض التطور الفكري من خلال الموسوعات(الدينية غالبا) وكتب التاريخ الاسلامي والتراجم والجغرافيا وبعض الدراسات في الطب والموضوعات الدبلوماسية ثم يستعرض انماط الفنون لاسيما الزخرفة في المساجد وفي كتابة القرآن (وعرض لعدد كبير من الاسماء في كل هذه المجالات)، ثم ينتقل لدور المماليك في تعميم انتشار المكتبات بخاصة في المدارس والمساجد، ثم ينتقل للجانب المعماري في القاهرة ويصف الجوانب الهندسية للمساجد والقصور والتي ساهم فيها زيادة الانتاج الزراعي في تلك الفترة(رغم ان بعض الكتاب الغربيين –ديفيد ىيلون-اعتبر ذلك سببا في تدهور القاهرة لاحقا) ، ثم يتناول تطور المدارس في ثلاثة تطورات: المسجد الجامع –الخان(مكان اقامة الطلبة) ثم مرحلة المدرسة، ويربط الكاتب تزايد المدارس بالرغبة في تأصيل ثقافة لمواجهة المد الشيعي(الفاطميون) واعداد كوادر للدولة ثم لاحكام السيطرة على العلماء، ويصف الكاتب معمار المدارس وتخطيطها وقارنها مع المدارس في ايران ليعرض بعد ذلك لدور المساجد في البعد التعليمي
تقع هذه الدراسة في قلب تخصص التاريخ الاسلامي، وهي تغطي مرحلة الدولة المملوكية(1250 م- 1517م) مع التركيز بشكل رئيسي على مصر في نطاق هذه الدولة مع اشارات للمناطق الاخرى التي خضعت لها، ويمكن ان نحدد ملامح هذه الدولة المملوكية استنادا للدراسة بانها :
أ‌- التركيز على الاصول غير العربية- بشكل شبه تام- لحكام هذه الدولة (سلاطينها) بخاصة من الاتراك والشركس.
ب‌- ان الاصول الاجتماعية لطبقة السلاطين تعود ” لعبيد بيض ” تم شراؤهم او جلبهم بطرق مختلفة منها الأَسْر
ت‌- تغلغل هذه الطبقة في المؤسسة العسكرية للدولة أهَلَها لتشق طريقها نحو السلطة والسيطرة عليها
ث‌- كانت هناك محاولات من بعض السلاطين لتكريس فكرة ” الأسر الحاكمة ” والتوريث لكن هذه المحاولات لم تؤد للنتائج المرغوبة.
ج‌- السمة الرئيسية للدولة هي الخضوع الشكلي للخلافة العباسية واستثمار ذلك لاضفاء الشرعية على سلطتها.
ح‌- كان لهم دور مركزي في صد الصليبيين والمغول .
خ‌- كانت نهاية الدولة لأسباب داخلية(الصراع الداخلي بين السلاطين) واسباب خارجية تركزت حول الضغط العثماني والصفوي.
وبالعودة للمراجع التاريخية المتخصصة والمواقع الالكترونية الأكاديمية للتعرف على مدى تغطية البحث لموضوع الدولة المملوكية تبين لي ان عدد ” الكتب” في هذا الموضوع ليس قليلا ، وعند مراجعة الكتب والرسائل الجامعية وجدت ان هناك مراجع حديثة كثيرة حول كل فصل من فصول هذه الدراسة مثل: (العمارة الاسلامية في عصر المماليك- عفيف البهنسي) و( النظم المالية في مصر والشام زمن سلاطين المماليك-البيومي اسماعيل) و (وليم موير:تاريخ دولة المماليك في مصر) و (المدارس التي انشئت في زمن المماليك-جمال بن فرحان الريمي) و ( دولة المماليك: التاريخ السياسي والعسكري- مجدي عبد الرشيد بحر) و( مصادرة الاملاك في الدولة الاسلامية: عصر السلاطين المماليك- البيومي اسماعيل الشربيني)…الخ ، وكل هذه كتب صدرت حديثا وهي غيض من فيض. ذلك يعني ان الكتاب –بالاطلاع على فهارس هذه الكتب وبعض مضامينها- لم اجد ان البحث فتح بابا موصدا في هذا الموضوع(المماليك)، ولا اراه يضيف لما هو منشور الكثير من الاهمية للموضوع، دون ان يعني ذلك ان الكتاب ليس فيه جهد علمي وتحليل جيد لهذه المرحلة الإسلامية ، لكني ارى ان الوصف والسرد طغى على التحليل ، بخاصة ان احد الابعاد في هذا الموضوع تستحق التامل ومزيد من التحليل ، فكيف يتمكن ” عبيد”(أؤكد على عبيد) تم شراؤهم او أسرهم في المعارك ان يتحولوا حكاما ؟ يبدو لي كقارئ ان تفسير ” انهم تغلغلوا وسيطروا على من حولهم ” امر يحتاج لتفسير اعمق واكثر اقناعا ، فرغم أن المؤسسة العسكرية فتحت لهم باب الالتحاق بها إلا ان البحث بحاجة للمزيد من كشف اعدادهم ومؤهلاتهم وتنظيماتهم لفهم كيفية الانتقال من ” عبيد أو أسرى ” الى الطبقة الحاكمة، بخاصة ان ظاهرة وصول عبد او خادم الى السلطة العليا أمر معروف في التاريخ الروماني والصيني والهندي …الخ ، أما التحول ” لطبقة حاكمة” ولفترة متواصلة (قرابة قرنين) فهو أمر يستحق مزيد من التوضيح وتفسير هذه الظاهرة .
كذلك فان الاطلاع على انتاج الكاتب في هذا الميدان يشير الى ان البعض منه سبق للباحث ان نشر فيه ، فمثلا موضوع العمارة في الدولة المملوكية للباحث فيه دراسة عنوانها ” التطور العمراني لمدينة القاهرة منذ نشأتها( نشر عام 2006) ويغطي المرحلة المملوكية، كما ان الباحث اعتمد على المقريزي في قدر كبير من بحثه هذا علما ان له دراسة متخصصة عنوانها ” المقريزي وكتابه”، كما ان المراحل السابقة مباشرة على الدولة المملوكية (وهي تغطي قدرا لا بأس به من صفحات كتابنا هذا كتوضيح للاوضاع قبل الدولة المملوكية ) للباحث فيها دراسات مثل: الدولة الفاطمية في مصر(2007) ودراسة عنوانها: المدارس في مصر قبل العصر الأيوبي….الخ.
وعليه لا أرى الدراسة ذات اهمية في ظل الكم الكبير للغاية من الدراسات عن مختلف جوانب هذه المرحلة ، وفي ظل ما كتبه الباحث نفسه وأعاد صياغته في هذه الدراسة.
وما ان يشرع القارئ في دراسة هذا الكتاب حتى يستشعر الصلة الوثيقة بين الكاتب وموضوعه،غير ان المقارنة بين عنوان القسم الاول (التاريخ السياسي) ومضمونه وبين القسم الثاني ومضمونه(التاريخ الفكري والعمراني) تشير الى ان الجانبين طغى عليهما المنهج الوصفي الفوتوغرافي( مشاهد متلاحقة) وغاب عن التحليل الربط بين الابعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية وبين الابعاد الخارجية( المغول والعثمانيين والصليبيين والعباسيين –بقدر معين- والصفويين)، وبدا من خلال السرد التاريخي وكأن المسارات الداخلية منفصلة عن الخارجية(الا في بعض الفقرات القليلة للغاية)، واعتقد ان الدرس الذي يمكن ان يجعل من التاريخ مفيدا هو الاستفادة من المناهج الجديدة بخاصة المنهج الكلاني(Holistic) الذي يقوم على افتراض ان الكل أكبر من مجموع اجزائه بدلا من التشبث بالمنهج التجزيئي(Reductionism) ودراسة كل مكون من مكونات الظاهرة منفصلا عن غيره، وهو ما يعني ان الدراسة التي بين ايدبنا ثرية بمعلوماتها وبياناتها لكنها فقيرة في توظيف المناهج الحديثة والمعاصرة لفهم الظواهر المعاصرة وتطبيقاتها.

اضغط على الصورة