عرض: د. أحمد إبراهيم هلالي

موضوع هذا الكتاب هو باكورة سلسلة بحوث أفريقية، ولم يكن هناك هو ما أغلى من نهر النيل في حياة المصريين، والأشقاء الأفارقة على ضفتيه، حتى تبدأ به مثل هذه السلسلة، والتي كان تأسيسها بمثابة عودة إلى الكيان الأفريقي فكريًّا وثقافيًّا.

وقد جاء عنوان هذه الدراسة بعنوانها الأصلي: (نهر النيل في العلاقات المصرية الإثيوبية “1974-1952”)، الذي تقدّمت به الدكتور شيرين مبارك -مدرس التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الدراسات الأفريقية العليا- لنيل درجة الماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر من معهد البحوث والدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة.

ومما جاء في مقدمة الكتاب، بقلم الدكتورة شيرين مبارك

النيل هو الرابطة الجغرافية التي تجمع بين مصر وإثيوبيا، وهو الذي يشكل علاقة كل منهما بالأخرى سلبًا أو إيجابًا، ومن هنا تنبع أهمية دراسة طبيعة هذه العلاقة بين البلدين، والتي يشكل النهر جوهرها الأهم والأخطر، كون النيل هو المصدر الأول للمياه في مصر قديمًا وحديثًا، فلا يوجد مصدر آخر يمكن مقارنته به، حيث سيطر هذا النهر سيطرة كاملة علي اقتصاد وحياة الدولة الأكبر من بين الدول الواقعة في حوضه، وصار اعتمادها عليه كاملًا، وعلى الرغم من ذلك لا يوجد علي أرضها أي من منابعه، مما حتم علي مصر أن تكون دائمًا علي علاقة خاصة بالدول التي توجد بها هذه المنابع، التي يمر بها النهر لمسافات طويلة قبل أن يدخل الحدود المصرية.

وتُعـد إثيوبيا بالنسبة لمصر واحدة من أهم دول حوض النيل من حيث الأهمية الاستراتيجية نظرًا لكون 85% من مياه النيل تأتي من المرتفعات الإثيوبية، التي تتجمع مياهها في عدد من الأنهار؛ هي نهر السوباط ونهر العطبرة والنيل الأزرق، بالإضافة إلى أهمية إثيوبيا الإقليمية سواء في مجالها الأفريقي بوجه عام، أو محيطها النيلي علي وجه الخصوص، فهي تعد من أكبر القوى الإقليمية المؤثرة في منطقة شرقي أفريقيا والقرن الأفريقي. كل هذا بلا شك كان له تأثيره علي المصالح الاستراتيجية لمصر وعلي الأمن القومي المصري خاصة الأمن المائي، لكل ما سبق، مثَّلَ موضوع تنظيم الاستفادة من مياه النيل أهمية كبرى في علاقات البلدين.

وكثيرًا ما دب الخلاف بين مصر وإثيوبيا حول ثنائية المنبع والمصب، وادعاءات إثيوبيا بحقوق دول المنبع علي كامل أراضيها، خاصة في ظل ما تعتبره إثيوبيا ضعف العدالة في توزيع المياه في حوض النيل، وذلك على الرغم من أن إثيوبيا لا تعاني من مشكلة نقص المياه، فإثيوبيا كما يصفها بعض الجغرافيين تعتبر نافورة المياه في أفريقيا، وهي بلا شك واحدة من أغنى بلاد حوض النيل في مصادر المياه. كما تشتكي إثيوبيا من اعتماد مصر علي مجموعة من المعاهدات التي ترجع لعهد الاستعمار، ولا تخدم غير وجهة النظر المصرية فيما يتعلق بمياه النيل، والواقع أن إثيوبيا هي آخر دولة يمكن أن تتحدث عن تأثير الاستعمار علي اتفاقيات مياه النيل، ذلك لأنها الدولة الأفريقية الوحيدة التي حافظت علي استقلالها خلال فترة استعمار أفريقيا، فلم يتم استعمارها ما عدا فترة الاحتلال الإيطالي (1941-1936).

والواقع أن إثيوبيا كانت تهتم اهتمامًا خاصًا بمياه النيل، بشكل يكاد يختلف عن أي بلد آخر في حوض النيل، فقد ظلت مياه المنابع الإثيوبية اختصاصًا ينفرد به الإمبراطور، على الرغم من وجود وزارة للموارد المائية في الحكومة الإثيوبية. في المقابل شكّلت مسألة مياه النيل أحد الثوابت الأساسية في سياسة مصر الخارجية عبر العصور، وفي هذا الإطار حرصت مصر علي اتباع سياسة متوازنة تجاه دول الحوض، حيث دعمت فكرة إقامة تعاون وثيق بين دول حوض نهر النيل بما يخدم مصالح الدول المطلة عليه، انطلاقًا من أن المصالح المشتركة وليس التنافس أو الصراع هو أحد مفاتيح تلك السياسة.

ولكن كثيرًا ما اعترضت تلك السياسة العقبات، وخاصة من الجانب الإثيوبي، وهو ما يمكن ربطه بالتنافس التاريخي بين البلدين في منطقة القرن الأفريقي. تبعًا لذلك لا تعترف إثيوبيا بأية اتفاقيات قائمة أو التزامات يمكن أن تمنعها من التصرف كما تشاء في مياه النيل، ولا تقر أيضًا بالالتزام بشرط الإخطار المسبق الذي التزمت به في اتفاقية 1902، وعلى الرغم من محاولات مصر والسودان تقديم نموذج للتعاون الإقليمي باتفاقية مياه النيل المعقودة في العام 1959، إلا أن إثيوبيا رفضت هذه الاتفاقية، وأعلنت هذا الرفض في الساحات الدولية والإقليمية.

لهذا حاولت مصر احتواء الرفض الإثيوبي لاتفاقية 1959، ودحض الشكوك التي أثارتها بريطانيا نائبة عن مستعمراتها في منطقة حوض النيل. وتبنت مصر مفهومًا وظيفيًا أساسه التعاون الحكومي الفني في إطار توسيع النطاق الاقليمي لعمل اللجنة الفنية الدائمة المشتركة المصرية- السودانية، والتي أنشئت بموجب اتفاقية 1959، وعقدت هذه اللجنة عدة اجتماعات مع ممثلي تنزانيا، وأوغندا، وكينيا. وقد أثمرت هذه المباحثات الفنية عن قرار العام 1967، بإنشاء لجنة فنية موسعة تضم دول حوض النيل الأخرى، ولكن إثيوبيا امتنعت عن الاشتراك بصفة فعالة في أي تجمع لدول الحوض تدعو إليه مصر، وذلك انطلاقًا من رؤيتها الخاصة لمثل هذه التجمعات والتي ترى فيها أنها تخدم في المقام الأول المصالح المصرية. وهكذا، ظلت إثيوبيا تعلن رفضها للاتفاقيات المنظمة لمياه النيل، وتتحفظ علي الانضمام لأي تجمع يضم دول الحوض، وذلك على الرغم من حرص مصر علي دعوتها مرارًا للانضمام لأي تجمع تعاوني بين دول الحوض في محاولة لاحتواء  ومعالجة موقفها المتشكك تجاه مصر.

ظلت مسألة مياه النيل واختلاف وجهات النظر حولها من أهم العوامل المؤثرة في العلاقات بين البلدين عبر التاريخ، وهذا ما تحاول الدراسة رصده من خلال تتبع العلاقات المصرية الإثيوبية في الفترة (1974-1952)، ومكانة نهر النيل فيها، والوقوف علي مدى قدرة إثيوبيا علي التأثير علي سريان مياه الروافد الإثيوبية إلى نهر النيل، وهل يمكن لإثيوبيا إذا توفر لديها الدعم المادي والتكنولوجي لإقامة مجموعة من السدود علي النيل الأزرق وبحيرة تانا أن تؤثر علي حصة مصر من مياه النيل؟ وهل تتوفر لها الإرادة السياسية لهذا الفعل؟

وتبحث الدراسة مدى تأثير اختلاف التوجهات الأيديولوجية لكل من مصر وإثيوبيا أثناء فترة الدراسة علي قضية مياه النيل، حيث كانت إثيوبيا في تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت تناصب مصر العداء وقتها، في المقابل اتجهت مصر للاتحاد السوفيتي الذي ساهم في تمويل مشروع السد العالي. وتبحث الدراسة أيضًا عن الدور الذي لعبته الولايات المتحدة وبريطانيا من خلال علاقتهما الوطيدة مع النظام الإثيوبي في محاولة التأثير علي العلاقات المصرية الإثيوبية فيما يخص مياه النيل، ومدى نجاحهما في التأثير علي أمن مياه النيل من خلال تحريض إثيوبيا  للضغط علي مصر من أجل إجراء تعديلات علي اتفاقيات مياه النيل التاريخية، بما يسمح لها إقامة مشروعات علي منابع النيل تنال من حصة مصر والسودان، ومدى نجاح سياسة الدول الغربية في  تسييس قضية المياه من أجل تهديد مصر والنَيْل من حصتها من المياه.

وفي النهاية تناقش الدراسة مدى نجاح الدبلوماسية المصرية في إدارة الحوار المصري الإثيوبي فيما يخص مياه النيل، وفي المقابل مدى استعداد إثيوبيا لقبول الدعوات التعاونية التي أطلقتها مصر.

جاء الكتاب في مقدمة، وأربعة فصول، وخاتمة، وقائمة بأهم الوثائق والمراجع

الفصل الأول: النيل محددًا للعلاقات المصرية الإثيوبية بعد قيام ثورة يوليو 1952

 تناول هذا الفصل مسألة النيل كمحدد للعلاقات المصرية الإثيوبية بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952، سواء بالنسبة لمصر أو بالنسبة لإثيوبيا. كما تناول النيل كمحدد اقتصادي لكلا البلدين، وفيه توضح الباحثة مدى اعتماد مصر على مياه النيل، وفى المقابل مدى اعتماد إثيوبيا على مياه النيل. كما استعرض الفصل أيضًا النيل كمحدد إنساني، ونفسي، وثقافي، لكل من مصر وإثيوبيا، وكيفية رؤية مصر لمياه النيل، وفى المقابل المنظور الإثيوبي لفيضان النيل.

الفصل الثاني: السياستان المائيتان المصرية والإثيوبية (1974-1952)

يتناول هذا الفصل بحث وتحليل سياسة كل من مصر وإثيوبيا المائية، ونقاط التلاقي والاختلاف في سياسة الدولتين، خاصة وقد سارت مصر بعد ثورة يوليو 1952، في برامج تنموية كبيرة خطتها لتطوير الاقتصاد المصري، وكان بناء السد العالي داخل الحدود المصرية على رأس أولويات هذه البرامج، وفي المقابل سعت إثيوبيا هي الأخرى إلى الاستفادة من مياه النيل وبناء مجموعة من السدود بغرض الري، والحصول على الطاقة الكهرومائية، كما قامت بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية بعمل دراسة لحوض النيل الأزرق؛ بهدف إنشاء مشروعات للتنمية تتضمن إقامة مجموعة من السدود على النيل الأزرق، وذلك بعد إعلان مصر عن بناء السد العالي بالتعاون مع الاتحاد السوفيتي.

الفصل الثالث: النيل في علاقات مصر وإثيوبيا بالقوتين العظميين (1974-1952)

يتناول الفصل علاقات كل من مصر وإثيوبيا بالقوى العظمى خلال الحرب الباردة وأثرها على قضية مياه النيل، وأثر تنافس كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي على خطط مصر المائية فيما يتعلق ببناء السد العالي. كما يناقش كيف عملت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا كقوتين خارجتين على شد أطراف الدولة المصرية في نطاق محيطها النيلي، وكيف استخدمتا إثيوبيا كمخلب قط وكسلاح يُشهَرا في وجه مصر متى زينت لهما مصالحهما الخاصة ذلك، بما يؤدى إلى تحفيز الصراع المائي بين مصر وإثيوبيا؛ وذلك في إطار  تفاعلات الموقفين المصري والإثيوبي من المشروعات النيلية.

الفصل الرابع: مصر وإثيوبيا والتعاون المائي في حوض النيل (1974-1952)

يتناول هذا الفصل الإطار القانوني للحقوق المائية في مياه النيل، ويشمل الأسس التي تبني عليها مصر حقوقها في مياه النيل، وفي المقابل الأسس والركائز التي تبني عليها إثيوبيا حقوقها في نهر النيل، ويناقش الفصل أيضًا موقف إثيوبيا من التنظيم الاتفاقي لنهر للنيل، الذي ترسخ عبر سلسلة من المعاهدات والمذكرات المتبادلة والاتفاقيات؛ وذلك كمدخل في غاية الأهمية لمسألة التعاون في حوض النيل، وشرح محددات ومعوقات التعاون المائي بين مصر وإثيوبيا، ومدى حرص مصر على وجود إثيوبيا في أي تجمع يضم دول حوض النيل، ورد فعل إثيوبيا على دعوات مصر التعاونية، وحدود التنافس المصري والإثيوبي في حوض النيل.

في حقيقة الأمر إذا ما كانت هناك حاجة ماسة لإعادة قراءة تاريخنا وهويتنا، فما أحوجنا لقراءة ما يتعلقه منه بنهرنا، نهر النيل. وإذا ما كانت القراءة مفتاحًا للمعرفة وطريقًا للوعي، فإن الحفاظ على الحياة نفسها يكمن في الحفاظ على مياه النيل، فهي ليست فقط حق الحياة، وإنما حق الوجود بأكمله، لنا، مثلما هو لأشقائنا في حوض النيل.

شيرين مبارك فضل الله: نهر النيل في العلاقات المصرية الإثيوبية (1874-1952)، سلسلة بحوث أفريقية، العدد (1)، الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، 2014، 292 صفحة.