يتحدث الدكتور عثمان عثمانية، الأستاذ المحاضر بقسم الاقتصاد في جامعة العربي التبسي بتبسة، عن كتابه الصادر عن منشورات “ميم” بعنوان “عالم ما بعد جائحة كوفيد-19: مآلات الأيديولوجيا والاقتصاد”، وقال  إن الجائحة ستخلق تحولات اقتصادية عميقة عبر العالم، حيث أدت إلى بروز سلوكيات مغايرة، ورسمت تغيرات جذرية على مستوى العالم، إذ ستتغير كثير من الأفكار التي كانت تؤمن بالعولمة والنيوليبرالية والديمقراطية كعقائد راسخة.

في خضم هذه الصدمة الرهيبة التي أصبح يعرفها العالم بعد جائحة كورونا، ما الذي سيتغير، وما الذي سيبقى على حاله؟

لا شك في أنّ جائحة كوفيد-19، التي انطلقت من الصين في ديسمبر 2019، حدث بارز في القرن الحادي والعشرين، إذ لا يكاد بلد أو منطقة تخلو من الإصابات والوفيات جرّاء الإصابة بهذا الفيروس، الذي لا يُعرف مصدره إلى حد الآن. ومن المؤكد أنّ هذه الجائحة التي أثرت على حياة الجميع خلال الأشهر الماضية، ستكون لها العديد من التبعات على أوجه الحياة الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية والثقافية.

لذلك، ليس من الغريب القول اليوم إنّ الجائحة تخلق “وضعا عاديا” جديدا، يخضع لمعايير ومفاهيم، بعضها كان سائدا قبل الجائحة، وما فعلته هذه الجائحة هو أنّها سرّعته وجعلته يطفو على السطح، وبعضها الآخر أصبح موجودا بحكم الظرف الصحي القاهر.

العالم كما كان سابقا يصعب تصوره، لذلك من الهام اليوم التفكير في ملامح عالم ما بعد جائحة كوفيد-19، ومن الهام أيضا أن نكون جزءا من النقاش الدائر حول المسائل التي تشغل الإنسانية في مجموعها.

التغيرات ستطال كل شيء، الدول، المجتمعات والأفراد. على مستوى الدول؛ ستكون هناك تغيرات اقتصادية، إذ أنّ بعض البلدان واجهت الأزمة بشكل أفضل من غيرها، لذلك سنشهد تراجعا لاقتصادات ونموا استثنائيا لأخرى. وستكون الدول الريعية (التي تعتمد على صادرات المواد الأولية أو السياحة) الأكثر تضررا، كما ستزيد ديون الدول الأكثر هشاشة، ما سيخلق وضعا اقتصاديا صعبا، إضافة إلى الكثير من التغيرات السياسية والجيو- سياسية.

على مستوى المجتمع، كانت البداية بارتفاع معدلات البطالة، ومن الواقعي أنّ العودة إلى مستويات ما قبل الجائحة سيأخذ وقتا طويلا. سترتفع معدلات الفقر، وسيتفاقم التفاوت في الدخل والثروة داخل وبين الدول.

على المستوى الفردي، سنعيش في وضع مختلف عن الذي كنا فيه سابقا، سنتجنب أكثر ملاقاة الأصدقاء وأفراد العائلة ما أمكن، سنتجنب المصافحة والاقتراب من بعضنا البعض، وقد تؤدي درجة اللايقين العالية بالبعض إلى وضع نفسي قد يضطره إلى العلاج بعد الجائحة. سنُقدر أكثر حياتنا وعلاقاتنا، وسنثمن ما نمتلكه أكثر من ذي قبل.

هل ستؤدي الصدمة إلى سقوط أيديولوجيات وصعود أخرى كما تشهد الدورة التاريخية؟

ستتغير الكثير من الأيديولوجيات والمسلمات. النيوليبرالية التي طالما اعتقد مناصروها أنّها سبب نجاح إقتصادات بريطانيا والولايات المتحدة للأربعين سنة الماضية، اتضح أنّها هي السبب كذلك في هشاشة النُظم الاجتماعية والصحية لكثير من دول الغرب، حيث لم تكن المستشفيات قادرة على استيعاب المرضى، لم تكن التجهيزات والمستلزمات الطبية كافية، ولم تستطع مخابر ومؤسسات البحث المرتبطة بالربح اكتشاف دواء أو لقاح يقي الناس من هذا الفيروس القاتل حتى بعد حوالي السنة من ظهوره.

ولا ننسى أن عائلة الفيروس التاجي معروفة لدينا منذ أكثر من ستة عقود، وما منع بحث لقاحات جدية لها، هو أن عدد المصابين لم يكن “ليغطي تكلفة اكتشاف اللقاح” الذي كان ليقينا من فيروس كوفيد-19، أو على الأقل يشكل قاعدة صلبة لتحقيق ذلك.

وخلافا لما حدث عند بداية الأزمة المالية لسنة 2008، سارعت الحكومات لتقديم إعانات وإنقاذ المؤسسات المفلسة، كما حدث في ألمانيا التي قدمت تسعة مليار أورو لشركة النقل الجوي لوفثانزا، وهذا يفتح الباب للحكومات للتدخل في تلك الشركات بعد الجائحة بما يخالف أسس النيوليبرالية. بناء على ذلك، أعتقد أن النيوليبرالية قد عفا عنها الزمن، والأقرب للتصور هو العودة إلى الليبرالية التي كانت سائدة قبل الركود التضخمي الذي أصاب الكثير من الدول المتقدمة سبعينيات القرن الماضي.

ستتراجع العولمة أيضا بفعل الجائحة، فإضافة إلى إغلاق الحدود وتوقف النقل بين الدول، لم تعد سلاسل القيمة العالمية جذّابة بعد الآن، إذ أن الشركات التي كانت تعتمد عليها توقفت عن العمل بتعطل تلك السلاسل، وهذا أفقد الأعمال الثقة في وعود العولمة، ما سيدفعها إلى التخلي عن تلك السلاسل أو الاعتماد على سلاسل أقصر وأقرب جغرافيا، لتكمل الجائحة ما بدأته أزمة الديون السيادية الأوروبية (2009-2014)، خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، وسياسة ترامب المناهضة للعولمة.

وربما يعد التحول الأيديولوجي الأسوأ، بالنسبة للغرب ونخبه السياسية، هو أنّ الديمقراطيات الغربية كان أداؤها في مواجهة الجائحة أسوأ بكثير من ديكتاتورية تشي جنبنغ، التي كانت أفضل في التحكم في الفيروس، باستخدام أساليب مثل الرقابة الشاملة، والتي قد تعتبر في الغرب تعديا على القيم الديمقراطية، كما أنّ سيرورة القرارات فيها أسرع لغياب المؤسسات الديمقراطية التي قد يتطلبها وقت لمناقشة تلك القرارات. ومع ذلك، فتغلب الصين على الفيروس في فترة قصيرة نسبيا والعودة للنمو، يروج للنموذج الصيني على أنّه قادر على الاستجابة لانشغالات شعبها أفضل من أكثر النظم ديمقراطية في العالم.

إذن، هذه المرة مثل كل مرة، سيشهد العالم تغيرات على مستوى الأيديولوجيا والخطاب المصاحب لها، فسيتخلى عن النيوليبرالية، يُشاهد العولمة تتراجع ويفكر في إصلاح الديمقراطية.

هل سنشهد تغيرا راديكاليا في النظام العالمي وحوكمته كالذي شهدناه بعد الحرب العالمية الثانية؟

النظام العالمي القائم اليوم، هو ناتج عن الترتيبات والتسويات التي اتفق عليها قادة دول العالم الأقوى بعد الحرب العالمية الثانية، وبقيادة الولايات المتحدة التي هيمنت عليه تماما بعد سقوط جدار برلين (1989) وانهيار الاتحاد السوفييتي (1991)، لتصبح القطب الأوحد المهيمن سياسيا واقتصاديا وعسكريا. لكن التطورات الاقتصادية والجيو- سياسية التي شهدها العالم مطلع القرن الحادي والعشرين، لم تفضل هذه المرة أوروبا وشمال أمريكا فحسب، بل كان فيها نصيب لدول شرق آسيا وجنوب أمريكا، فنتج عن ذلك عودة روسيا كقوة إقليمية وعالمية، وصعود الصين كثاني أقوى بلد اقتصاديا وعسكريا، وكأكبر منافس للولايات المتحدة.

جائحة كوفيد-19 دفعت بتلك المنافسة لصالح محور الصين – موسكو، وهو المحور الذي سينهي هيمنة أمريكا على العالم. لذلك، نحن نتجه نحو نظام عالمي جديد، سيكون متعدد الأقطاب.

كما أنّ الحوكمة العالمية الحالية، وهي الأخرى قائمة على موازين القوى التي كانت قائمة خلال العقود الماضية، لن تكون مناسبة للعالم الناتج عن جائحة كورونا. منظمة الصحة العالمية مثلا، وعلى الرغم من استجابتها السريعة لهذه الجائحة، بينت هذه الأخيرة أنها تخضع لأباطرة المال والنفوذ هي الأخرى، وقد تتحيز إلى أطراف دون أخرى. كما أنّها لم توفق في أداء مهمتها في تنسيق الجهود لمواجهة الجائحة.

والأمر نفسه ينطبق على المؤسسات الدولية الأخرى، التي كان يُفترض أن تؤدي دورا أكبر في تنسيق الجهود لإيجاد لقاح أو دواء، ولمساعدة الدول والمناطق الأكثر تضررا. ومع أنّ الدعوات لإصلاح المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي، ليست وليدة الجائحة، إلّا أنّ هذه الأخيرة ستزيد من شرعية تلك الدعوات ومصداقيتها.

هل ستعود الدول القومية لتحل محل العولمة؟

لقيت العولمة خلال نصف القرن الماضي جدلا واسعا بين الأكاديميين، السياسيين، وحتى بين الشعوب، بين مناصر ومناهض. وقد كانت وعود العولمة تتراوح بين تحسين حياة الناس ورفع مستويات معيشتهم، إلى تغيير أسلوب حياتهم وفرض قيم الغرب المنتصر حضاريا عليهم.

وعلى الرغم من أنّ الخطاب المصاحب للعولمة كان يقدم أرقاما عن مئات الملايين من الناس الذين رفعتهم العولمة فوق خط الفقر انتصارا لها، إلّا أنّ في الجهة المقابلة كان وجهها القاتم يبرز بفعل الإرهاب الدولي، الأزمات المالية والعالمية، والتفاوت الدولي الذي لا مثيل له في التاريخ.

ومع أنّ العولمة أبرزت كتلا، على غرار الاتحاد الأوروبي، تدلل على الأثر الإيجابي لفتح الحدود وحرية الأفراد، المال والتجارة، إلّا أنّ الجائحة جعلت من ذلك مدعاة للسخرية. فما إن انتشر فيروس كورونا في دول الاتحاد، حتى أضحى دولا منفصلة! فمع تزايد الإصابات، كان يبدو أنّ التقوقع داخل الحدود الوطنية هو الحل، فلم تلق دعوات إيطاليا وإسبانيا الأكثر تضررا أي استجابة من دول الاتحاد ومؤسساته. وهنا أعتبر تظاهر الإيطاليين في خضم الأزمة وحرق رايات الاتحاد الأوروبي، إنّما هي إشارة واضحة لما ينتظر هذا الأخير بعد جائحة كوفيد-19.

إضافة إلى أنّ الأداء السيئ للحكومات الديمقراطية عبر العالم، سيدفع بالشعوب لاختيار حكومات شعوبية أكثر فأكثر. ولا يخف على الجميع أنّ الشعوبيين، على شاكلة ترامب وبولزونارو (الرئيس البرازيلي)، كُلُهم يعملون على إعادة الدولة القومية إلى الواجهة من جديد. وبالتالي من وجهة نظر واقعية، الجائحة لن تقضي تماما على العولمة، لكنّها أبرزت سلبياتها من جهة، وبيّنت مزايا الدولة القومية التي كانت خفية.

هل ستغير الحكومات سياساتها وأولوياتها؟

لقد كانت تكلفة الجائحة على العالم هائلة، حيث يقدر البعض الخسائر المادية بحوالي 11 تريليون دولار أمريكي، وهو مبلغ كبير جدا ليضيع في أشهر قليلة. كما أن البعض يقدر المبلغ الكافي لمواجهة جائحة مماثلة في المستقبل بـ 1.2 تريليون دولار، وتسهل ملاحظة الفارق الشاسع بين الرقمين، لذلك الوقاية خير من العلاج، كما يقول المثل الشائع.

ستتغير نظرة كثير من الدول إلى النظم الاجتماعية والصحية والبحثية، ولن تراها تكلفة يجب ترشيدها، أو أعباء غير ضرورية تبحث تقليصها. ستقدر أكثر العلماء والأطباء، وستعد لهم بيئة العمل التي تليق بهم.

التكنولوجيا أيضا، وعلى الرغم من أنّها لم تحل دون حدوث الجائحة، إلّا أنّها قادرة على الإسهام في إجراءات الوقاية منها من جهة، عن طريق تسهيل المعاملات عن بعد، وخاصة في تقديم خدمات التعليم والطب، ومن خلال المساعدة على تقديم الخدمات الصحية بالروبوتات، واستخدام أنظمة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في معالجة البيانات وبحث اللقاحات الممكنة من جهة ثانية، لذلك جعلت الجائحة من التكنولوجيا حتمية لا خيارا.

الاقتصاد الأخضر سيكون حلا معقولا تلجأ إليه الدول لخلق القيمة، ومع أنّ الجائحة تشكل تحديا هاما في هذا المجال، من خلال الكم الهائل لمخلفات الوقاية والمستشفيات من جانب، وتوقف المفاوضات والاتفاقيات حول المناخ فترة الجائحة من جانب آخر.

وفي الوقت نفسه، هناك عدة دراسات أشارت إلى أن المناطق الأكثر تلوثا هي المناطق الأكثر تأثرا بالفيروس، مثل مقاطعة لومباردي الإيطالية، وبالتالي فالاهتمام بالاقتصاد الأخضر والمستدام سيحقق القيمة ويحمي الكوكب وسكانه، وسيلقى اهتماما أكبر بعد الجائحة.