اعداد الباحث: ماهر لطيف – دراسات حضارية اختصاص حضارة حديثة – صفاقس – تونس

  • المركز الديمقراطي العربي 

مُلخّص:

يهتمّ هذا البحث بعملية الانتقال الديمقراطي في تونس باكورة الثورات العربية، كما يسعى إلى فهم الأسباب التي تعيق الديمقراطية الناشئة في هذا البلد من خلال دراسة أسباب فشل الحكومات السابقة من 2011 إلى يومنا هذا والذي بلغ عددها 11 حكومة، هذا العدد من الحكومات يدل على أن الحراك الديمقراطي بعد الثورة لم يستقر بعد، وأن تونس بلد لا تُعمّر فيها الحكومات حتى الائتلافية منها.

وقد سلطنا الضوء على أسباب فشل حكومة الحبيب الجملي في نيل ثقة البرلمان لنمرّ إلى حكومة الرئيس قيس سعيد حسب الآلية الدستورية، من خلال طرح الأوليات والتحديات التي تواجه الحكومة الحالية ومدى نجاحها في احداث تغييرات اقتصادية واجتماعية تعيد للشعب ثقته بالسياسة التي بدأ بالعزوف عنها كما تدل على ذلك مؤشرات الإقبال الانتخابي، ومن ثمة أشرنا إلى جملة من الاصلاحات حتى تستطيع تونس انجاح المسار الديمقراطي وبناء دولة المواطنة الحديثة بتضافر جهود المواطنين والأحزاب والمجتمع المدني.

ولمعالجة هذه القضايا اعتمدنا المنهج التاريخي والنقدي لدراسة الأفكار وتشكلها وتطورها تاريخيا، قصد ربط الفكر بالواقع.

وقد اعتمدنا ثلاثة عناصر فضلا عن مُقدّمة وخاتمة:

1ـ استحقاقات الثورة التونسية بين وعي المواطن والتزامه بالهوية الوطنية وأزمة الأحزاب:

           أـ تمسك التونسي بالهوية الوطنية:

          ب ـ الأحزاب التونسية: بين أزمة الخطاب والمُمارسة:

2ـ المناداة بحُكومة الرّئيس كحل للأزمة السياسية:

أـ الدولة الفاضلة القائمة على المعايير الأخلاقية عند الرئيس قيس سعيد:

ب ـ حكومة إلياس الفخفاخّ: الأولويات والتحدّيات:

3 ـ الإصلاحات الضرورية لاستكمال المسار الديمقراطي وبناء دولة المواطنة الحديثة:

الكلمات المفتاحية: تونس/ الانتقال الديمقراطي/دولة المواطنة/ حكومة الحبيب الجملي/ حكومة إلياس الفخفاخ

تقديم:

أحيت تونس يوم 14 جانفي 2020 الذكرى التاسعة للثورة التّي أطاحت بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي في ظلّ أجواء اجتماعية وسياسية تتّسم بـالاحتقان ووضع اقتصادي يصفُه المُراقبون بأنّه صعب وهشّ.

مرّت تسع سنوات على “ثورة الياسمين” أو “ثورة الحُريّة والكرامة” كما يُسمّيها التونسي التّي أنهت 23 عاما من حُكم الرئيس زين العابدين بن علي، ومنحت التُونسييّن مساحة كبيرة من الحُريّة والتعبير بعد احتجاجات شعبية انطلقت شرارتها من سيدي بُوزيد في كانون الأول/ديسمبر 2010.

ففي حين ينعم المُواطن التُونسي بحُريّة التعبير بعد أنّ أُلجمت الأفواه لعُقود، يطول انتظاره لتحسين مُستوى معيشته. حيث أنّ إحياء الذكرى التاسعة للثورة التونسية يأتي في ظلّ أجواء اجتماعية مشحونة، لا سيما مع تواتر الاحتجاجات في الفترة الأخيرة المُطالبة بالتنمية والتشغيل في عدّة مدن من البلاد.

ولا يزال التوتّر قائما خُصوصا مع تزايد الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية وغياب توافقات سياسية لتزيد الوضع سوءا وحدّة ولتُدخل البلاد في نفق ضبابي ومجهول. بداية الصراع السياسي تظهر مع تركيبة مجلس النُوّاب التّي غلب عليها الطابع الأيديولوجي والمُحاصصة السياسية الضيّقة، إذ أسقط مجلس نُوّاب الشعب في تونس خلال جلسة عُقدت يوم 10 جانفي 2020 حُكومة الحبيب الجملي المُفوّض من قبل الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية الماضية وهي حركة النهضة، ليُعيد التساؤل من جديد حول مُستقبل الانتقال الديمقراطي في تونس في ظلّ أزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية وفي ظلّ التحدّيات الاقليمية والدُوليّة الراهنة، ورغم المرور إلى حكومة الرئيس إلا أنّ ذلك لا يُعتبر مؤشر كاف ومُطمئن للمُواطن التونسي الذّي فقد الثقة في من يسوسه نتيجة فشل استحقاقات الثورة وفشل جميع الحُكومات المتعاقبة على حكمه.

حيث تُثير الصُعوبات المُستمرّة التّي تُواجهها تونس بعض التساؤلات لدى التونسيين حول مُستقبل التحوّل الديمقراطي في بلادهم.

1ـ استحقاقات الثورة التونسية بين وعي المواطن والتزامه بالهوية الوطنية وأزمة الأحزاب:

أـ تمسك التونسي بالهوية الوطنية:

تُعتبر تونس وبشهادة أغلب المُراقبين والمُحلّلين المثال الوحيد في المنطقة العربية الذّي حقّق نجاحا في عملية الانتقال الديمقراطي ولو نسبيا. حيث أثبتت المحطّات الانتخابية الرئاسية والتشريعية المتتالية منذ 2011 مرورا بعملية صياغة دستور جديد للبلاد وصولا إلى انتخابات 2019 أنّ البلاد تسير بخُطى حثيثة نحو برّ الأمان واستكمال بناء دولة المواطنة المنشودة، كما أثبتت أيضا مدى التزام وتمسّك التُونسي بالهُويّة الوطنية، فرغم حجم الخلافات السياسية والأيديولوجية لم تنزلق البلاد نحو العنف والحرب الأهلية وذلك بفضل وجود هُويّة مُتجانسة عكس المجتمعات الأخرى.

يقول عزمي بشارة مادحا الثورة التونسية المجيدة ” في المجتمعات غير المُتجانسة التّي يُراهن فيها النظام الاستبدادي على التفرقة الاجتماعية، يجد الذّين يقودون الصراع ضدّ النظام في كثير من الحالات أنهم قد تحوّلوا إلى صراع ضدّ جماعات مُتماهية مع النظام يربطها به الانتماء إلى جماعة أهليّة مُعيّنة. والمجتمع التونسي مُجتمع ُمتجانس على مستوى الهُويّة الوطنية، ولا تتحوّل فيه الصراعات الطبقية والسياسية إلى صراعات على مُستوى الهُويّات الجزئية، وتُخطئ القُوى التونسية العلمانية والدّينية السياسية حين تُحوّل النقاش بينهما إلى نقاش هُوّياتي”(1)

وصمد الالتزام الهُوياتي حتّى في أحلك الظروف وأصعبها خاصّة مع تتالي الأحداث الإرهابية وتحوّلها من الجبال إلى مراكز المُدن الحسّاسة ذات الصبغة الرمزية ( الهجوم على مجلس النُوّاب على سبيل المثال)، ولم يكتف المواطن التونسي بمُتابعة العمليّات الإرهابية بل شارك فيها جنبا إلى جنب مع القُوّات الأمنية والعسكرية في أكثر من مناسبة خاصّة في أحداث بنقردان سنة 2016 والتّي أثبتت للعالم مدى  تمسّك التُونسي بالرّاية الوطنية ورفضه التنازل عنها أو حتّى المساومة بها، يظهر ذلك من خلال رفعه لشعارات من قبيل”وطني قبل بطني”  و”بلادي قبل أولادي”.

أيضا يعود نجاح الثورة التُونسية إلى صلابة ومتانة مُؤسّسات المجتمع المدني وهذا يرجع إلى عدّة أسباب أهمّها تطوّر درجة الوعي السياسي مع تشكّل ثقافة سياسية وطنية منذ دولة الاستقلال مع الحزب الحر الدستوري التونسي، وفاعليّة المُنظّمات الوطنية ومُساهمتها في الأحداث على غرار الاتّحاد العام التونسي للشغل والإتحاد العام لطلبة تونس وجمعيات أخرى، والتّي أنتجت نُخب سياسية ونقابية مُدافعة عن الحُرّية والعدالة والكرامة ساهمت في الارتقاء بالعمل السياسي رغم المُضايقات الشديدة من نظام بن علي، وفي عملية التعبئة السياسية والاجتماعية أيضا.عملت هذه القوى بعد ذلك على المُساهمة في الثورة الشعبية يظهر ذلك من خلال الدعم المُبكّر للاتحاد العام التونسي للشغل لمطالب المُحتجّين. هذا الدعم شجع باقي الجمعيات والمُنظّمات الوطنية مثل مُنظّمة المُحامين و مُنظّمة حقوق الإنسان على إعلان تأييدها بل وانخراطها في الثورة لإسقاط النظام الذّي كان هاجس كلّ التونسيين بمُختلف أيديولوجياتهم وتوجّهاتهم.

صحيح أنّ الشباب المُعطّل عن العمل والرافض للظُلم هو الذّي صنع الثورة التونسية لكن التفاف مُنظّمات المجتمع المدني ساهم في توسيع نطاق الثورة طبقيا ومناطقيا ممّا أدّى إلى زعزعة نظام بن علي عبر شكل مُغاير من النضال باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي “فايسبوك” و”تويتر” اللّذان صنعا مُجتمعا مدنيا افتراضيا مُوازيا للمجتمع الواقعي بل ومتكاملا معه، وحّد جميع التٌونسيين شمالا وجنوبا وخلق لُحمة بينهم وحثّهم على استرجاع حُقوقهم المسلوبة من خلال شعارات “الشعب يريد إسقاط النّظام” و”إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بُدّ أنّ يستجيب القدر”، وقد جرت عمليّة التحوّل الديمقراطي في تونس بشكل سلس وتدريجي من خلال احداث مجلس تأسيسي وصياغة دستور جديد وإحداث آليّة العدالة الانتقالية.”وبناء على ذلك فإنّ الثورة لا تعني مجرد إسقاط نظام سياسي واستبداله بنظام آخر، وإنما تعني بعد إسقاط هذا النّظام عملية تنظيم المُجتمع والسُلطة معّا بشكل مُختلف تماما عن سابقه، وبالتّالي فإنّ الثورة من أبرز تعاريفها تُعتبر وسيلة من وسائل التغيير الجذري والشامل، تستهدف المجالات المُتعدّدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية يسقط على إثرها النظام الحاكم والدُستور القائم”(2).

ويُمكننا القول أنّ هذا الانتقال التدريجي هو الذّي أنجح الثورة التونسية وجنّب البلاد بحرا من الدّماء، إضافة إلى تحييد المُؤسستين الأمنية والعسكرية ومنعهما من التدخّل في العمل السياسي أو عسكرة الدّولة، رافقه وعي قُوى المعارضة وقدرتها على التوافق حتّى مع رموز النظام القديمة.

ولكن كلّ ما قيل لم يكن كافيا لتسريع عملية الانتقال الديمقراطي، فإذا كانت البلاد اليوم تعيش حالة ديمقراطية فريدة وريادة إقليمية ثابتة من خلال تتالي نجاحات الاستحقاقات الانتخابية والتداول السلمي على السُلطة، فلا يمكن أن نُخفي قطعاً بوادر أزمة كامنة منذ 9سنوات، فشلت عبرها كلّ الحُكومات الُمُتعاقبة في إحداث تغيير اقتصادي واجتماعي، بل حافظت على ميكانيزمات تسيير وإدارة البلاد بفكر ما قبل سنوات 2011. في مُواصلة لسياسة التطبيع مع الفساد وحماية مصالح اللُوبيات والتخطيط المركزي الذّي جعل من الجهات الداخلية مناطق مُنفِّرة ومُقصاة، وتُعاني الطبقات الاجتماعية المُهمَّشة والمُفقَّرة تكلفة الخيارات الحُكومية اللاّوطنية واللاّشعبية.

هذه الحالة من الضُعف والوهن والفشل وغياب الشجاعة لتغيير منوال التنمية، تعود لضُعف الأداء السياسي للأحزاب الحاكمة منذ سنة 2012، وفيما تستند عليه في برامجها واستراتيجياتها من منطق إقصاء الكفاءات والأفكار والمطالب الثورية الإصلاحية والمُعقلنة، والاعتماد على ما تسوسه من اتفاقات زعامات هَرِمة مُهترئة تقليديّة، لا تُمثل مُثلاً إصلاحية ولا تملك مُقوّمات الزّعامة الوطنية، بقدر ما تملك سُلطةً تقاسمتها مع المنظومة السابقة وفَّرت لها على مدى السنوات الماضية مواقع بيروقراطية”(3)

هكذا ورغم اعتبار التجربة التونسية تجربة فريدة ونموذجية ومُلهمة لباقي شعوب المنطقة إلاّ أنّها تصطدم بعراقيل وإشكاليات اقتصادية واجتماعية كبيرة تُعطّل استكمال الانتقال الديمقراطي، إضافة إلى غياب منوال تنموي واضح وتحقيق جزئي لمشروع العدالة الانتقالية وتأخّر تأسيس المحكمة الدستورية، وما يرافق مسارها من تجاذب سياسي وحزبي ومُحاصصة سياسية منعت تأسيس حكومة وحدة وطنية تظُم حزاما سياسيا واسعا.

ب ـ الأحزاب التونسية: بين أزمة الخطاب والمُمارسة:

إنّ نظام الحُكم الهجين الذّي يقوم على سُلطة تنفيذية برأسين، والقانون الانتخابي الذّي أفرز برلمانا يتكوّن من كُتل مُعطّلة لبعضها البعض، لم يسمح للحزب الفائز بالانتخابات أن يحكُم بمُفرده بل فرض عليه الدُخول في سياسة توافقية حتّى يستطيع تشكيل حُكومة، وهي آلية من آليات الديمقراطية، لكنّها آلية لم تُساعد البتّة على سنّ قوانين إصلاحية وتكوين حُكومة مُتجانسة ومُنسجمة في الأهداف والتوجّهات ومعبّرة عن تطلّعات عموم الشعب التونسي، بل أدّت إلى المُحاصصة الحزبية وملء المناصب بمسؤولين تنقصهم الكفاءة اللاّزمة والوعي السياسي المطلوب، ويفتقرون إلى التجربة في إدارة شؤون البلاد، وهو ما فتح الباب على مصرعيه لتفشّي الفساد والمحسوبية والزبونية وسياسة التعيين بالولاءات وسوء التصرّف (4)، ما تسبّب في اضعاف سُلطة الدولة والمسّ من هيبتها (من خلال كثرة الإضرابات وتعطيل سير العمل) في ظلّ غياب دور فاعل للبرلمان الذّي اختار نُوّابه الرُكوب على الشُعبوية إلى حد بُلوغ  مرحلة كبيرة من الانحطاط في الخطاب السياسي.

إنّ مثل هذه الصُورة السيّئة جعلت الناخبين التُونسيين وخاصّة فئة الشباب منهم تنفر وتقاطع العمل السياسي، وهي قطيعة لها انعكاسات جدّ سلبية على الانتقال الديمقراطي وعلى نجاح التجربة التونسية برُمّتها.”إنّ الشّباب التونسي لا يختلف عن غيره من شباب العالم وعزوفه عن المُشاركة في العمل السياسي ليس وليد السّاعة بل يعود إلى ما قبل ثورة 14 جانفي 2011، إذ أنّ الاحصائيات الصادرة عن المرصد الوطني للشّباب والتّي تمّت على هامش الاستشارة الوطنية حول الشباب لسنة 2008 تُشير إلى أنّ 83 بالمائة من شبابنا لا يهتم بالسياسة وأنّ نسبة 64 بالمائة منه لا تعنيها الانتخابات ولا يستهويها الانخراط في الجمعيات الوطنية، ماهو مُلفت للانتباه هو أنّ هذه الإحصائيات لم تتغيّر نحو الأفضل بعد الثورة إذ أنّ نسبة انخراط الشباب في الحياة السياسية لم يتجاوز 3 بالمائة فيما لم تتجاوز نسبة مُشاركته في الانتخابات التشريعية نسبة 11بالمائة.

إنّ عُزوف الشباب عن الشأن السياسي في عهد النظام السابق كان بسبب تقييد الحُرّيات وعدم احترام هذا النظام لحقوق الإنسان، غير أنّ هذه الأسباب لم تعد قائمة في ظلّ دُستور الجمهورية الثانية الذّي خصّص أكبر باب من أبوابه إلى هذه الحقوق والحُرّيات، وهو ما يجعل تفسير هذا العُزوف لا يتعلّق بالتشريع وإنما بأسباب وعوامل أخرى (5) تخصّ الجانب السياسي والعمل الحزبي والنشاط التربوي والثقافي والجانب الإعلامي.

قّرّرت فئة الشباب مُعاقبة الأحزاب على تقصيرها وتراخيها في مُعالجة المشاكل الكبرى التّي تتخبّط فيها البلاد منذ الثورة ـ والتّي تقوم في جانب منها على البعد الاجتماعي ـ وعلى رأسها البطالة والتهميش والفقر والتفاوت الجهوي، شباب مُتشائم من المُستقبل، شباب لا يرى آفاق حقيقية للتنمية ولا للتشغيل خُصوصا ذلك الشباب الثائر في المناطق المُهمّشة والمحرومة (القصرين ..سيدي بُوزيد ..قفصة…).

تجلـّت هذه السياسة العقابية في ضُعف نسبة الاقبال على الانتخابات التشريعية 2019 (أقلّ من 42 بالمائة)، وقد أفرزت الانتخابات التشريعية خارطة سياسية مُتنوّعة يغلُب عليها التشتّت بمزيج من التوجّهات الإسلامية (ائتلاف الكرامة و حزب حركة النهضة وحزب الرحمة)  والعروبية القومية(حركة الشعب) ومُستقلون وحتى شُعبويون، كما شهدت تراجعا آخر للحزب الإسلامي (حركة النهضة) في عدد المقاعد حوالي 52 نائبا مُقارنة ب 89 نائبا في 2012 و67 نائبا في 2014، ويُفسّر هذا التراجع عدم رضا التونسي على سياسة حركة النهضة وفشلها في تحقيق أهداف الثورة، فالمواقف الحداثية للنهضة جلبت لها كثيرًا من الانتقادات حتّى من داخل اليمين الإسلامي الذّي يعتبر أنّ حركة النهضة حركة علمانية فرّطت بشكل مُتواصل في أهداف الثورة وفي كثير من قضايا الإسلام، خُصوصًا قضايا الأحوال الشخصية وحُقوق المرأة والإرث.تلك القضايا مثّلت ميدان جدال واسع بين النهضة وزعامات مُتعدّدة من اليمين واليسار، وخصوصًا اليسار التونسي الذّي يرى في النهضة إسلامًا مُتطرفًا رغم ما تدّعيه من حداثة وتفتّح.

أيضا طال السخط الشعبي اليسار التونسي بدرجة أولى، وهو ما تسبّب في اندثاره وغيابه عن الساحة السياسية التونسية، ويُمكن تفسير ذلك على النّحو التالي:

ـ أزمة الخطاب: حيث ظلّ اليسار التونسي يُكرّر ويُعيد في كل مرّة نفس خطاباته الكلاسيكية (خصوصا موقفه من قضايا الهُويّة والدّين) دون أن يعي أنّ هذه النوعية من الخطابات قد تجاوزها الزّمن وثبت فشلها في التأثير على الناخب التونسي.

ـ كما تعود أزمة اليسار التونسي إلى الطابع العُدواني والإقصائي حيث يتبنّى خطاب ماركسي مُنغلق يرفض المُراجعة والتجديد في المضمون، ويتبنّى أيضا نمط مُتشدّد من العلمانية التّي تدعو إلى اقصاء الدّين تماما وبصفة كُليّة عن الحياة السياسية.

ـ أيضا أزمة اليسار تكمن في نوعية الممارسة وفي غياب الثقافة الديمقراطية وعدم وعيه بمنطق الاختلاف والتعدّد، وهذا ما جعل الخطاب اليساري غارقا في الانغلاق والنخبوية المُفرطة. “تتميّز القُوى الحزبية المُشكّلة لليسار التونسي بطبيعتها الاحتجاجية وبحُضورها الواضح في النقابات وفي المُنظّمات الحُقوقية، ورغم هذا الحضور النشيط فإنها تفتقر إلى الكادر التقني القادر على إدارة شُؤون الدولة؛ لأنّ تسجيل المواقف والاحتجاج على الحُكم يختلف عن مُمارسة السلطة وتقديم الخدمة العامّة للناس. ـ فشلت قُوى اليسار التونسي في أن تتحوّل إلى قُوّة شعبية فعلية، حيث ظلّت في غالبها مُجرّد قٌوى نخبوية تُمارس عملاً نضالياً دون قُدرة على تنزيل برامجها إلى الشارع وإلى المواطن البسيط، وهو ما يُفسّر تدنّي نسبة التصويت لقوائمها في الانتخابات الماضية “(6) إضافة إلى الصراع الداخلي حول الزعامة، الشيء الذي عجّل بانقسامه وباضمحلاله في ما بعد.

أظهرت جلسة اسقاط حُكومة الحبيب الجملي شدّة العداء الايديولوجي القائمة بين المُكوّنات المُختلفة للمشهد السياسي التونسي، بين القوميين واليسار والتيّار الإسلامي، وعجز الأحزاب الفائزة والمُتصدّرة للمشهد السياسي عن تشكيل حزام سياسي وإقرار توافق وطني من أجل تشكيل حُكومة مُشتركة ومُوسّعة( فشل كلّ من حركة النهضة وحركة الشعب وحزب التيّار الديمقراطي وحركة تحيا تونس وائتلاف الكرامة) في تشكيل حكومة وطنية قويّة قادرة على مُواجهة التحدّيات الراهنة والوُصول بتونس إلى برّ الأمان، ولم تُفلح مُبادرة تقدّم بها نُشطاء عن المجتمع المدني( مُبادرة الحبيب بوعجيلة وجوهر مبارك) ولا حتُى مُحاولة الرئيس قيس سعيد في تقريب وجهات النظر بين الفُرقاء من خلال دعوتهم إلى قصر قرطاج، وبيّنت أنّ البعض لا يزالوا سُجناء لدى الأيديولوجيا أكثر من مُمارستهم للعمل السياسي، وأنّ الديمقراطية لا تزال محدودة في منظومتهم الفكرية بحيث أنّ البعض ميّال إلى نفي الطرف الآخر ومُصادرة آرائه ومواقفه، يتجلّى ذلك بوُضوح في ارتفاع مُستوى العنف اللفظي تحت قُبّة البرلمان، والتشنّج والانفعال الذّي تتعامل به الأحزاب مع بعضها البعض، وهنا أستحضر ما قاله محمد الكيلاني زعيم الحزب الاشتراكي اليساري التونسي حينما قال بأنّه لا حلّ ولا مخرج للأحزاب سوى التباين مع هذه العقلية، ودُخول مدرسة الديمقراطية من بابها العريض والتواضع والقُبول بالعودة إلى المدارس الابتدائية لتلقي الدروس الأولى للعمل السياسي،وهذا ما غاب عن مجلس نواب الشعب في تونس.

كما أظهرت جلسة اسقاط حُكومة الحبيب الجملي هشاشة العمل السياسي بل وأظهرت أيضا غياب الثقافة السياسية اللازمة فبعد عدّة دورات انتخابية ظلّت تونس حبيسة لأزماتها المُتتالية بسبب شكل التوافقات والتحالفات السياسية الضيّقة، وأنانية البعض ورغبتهم في الاستئثار بالحكم، وهذا ما عطّل عملية الانتقال الديمقراطي وبناء دولة المواطنة الحديثة.

لم تتعلّم الأحزاب كقُوى سياسية أن تُحبّ وأن تحترم بعضها البعض، بل ولم تتعلّم حتّى أن تحب هذه البلاد أو أنّ تُفكّر في مُستقبل أجيال ضاعت وتضيع، وشباب رمته تحت براثن الجريمة والبطالة، لعلّها لم تفكّر أيضا في التاريخ العريق لتونس ولا في الحضارات التي تعاقبت على حكمه، فشتّتت ومزّقت ما بقي من جسد هذا الوطن المُنهك من الفساد والمحسوبية والزبونية. يُحدّثنا شق في مجلس الشعب عن الحداثة والمدنية وكأنّنا جهلة وأمّيون لم ندرس آلاف الكتب، ويُحدّثنا شق آخر عن مشروع إسلامي جديد بالعودة إلى سلفية لم نفهم معناها بعد هل هي سلفية جهادية أم سلفية علمية؟، وكأنّ تونس لازالت أرض فتح وجهاد لا أرضا إسلامية. ويُطالعنا الآخر بالحديث والتغني بالقومية وبدولة الزعامات القديمة وآخر بالفرنكفونية.

لم يتكلُم أحد منهم عن أزمة تونس الموجودة في نُخبها ومُثقفيها، لم يتكلّم أحد عن ارتفاع حجم المديونية التّي تجاوزت 100 ألف مليار من الدّيون الخارجية، وانهيار مُستوى الدينار أمام اليورو والدولار، وعجز الميزان التجاري الذّي بلغ 20مليار دينار واحتياطي العملة الصعبة الذي لا يتجاوز 60 أو 70 يوما على أقصى تقدير، كما لم يتحدّث أحد عن بطالة تجاوزت نسبة 15بالمائة وعن 50 ألف خرّيج سنويّا يلتحقون بالبطالة، وعن هجرة الأدمغة التّي ظلّت تتزايد عاما بعد عام وعن ارتفاع مُعدّلات الهجرة الغير شرعية.

لم يتكلّم أحد عن إصلاح المنظومة الجبائية ولا عن عدالة اجتماعية أو مُقاومة الفساد الذي ينخر جميع القطاعات دون استثناء، ولا عن ترشيد التوريد العشوائي والرّيعي الذي انجرّ عنه ضرب الانتاج الوطني وإضعاف القُدرة الشرائية للمُواطن التونسي بسبب غلاء أسعار المواد الأساسية ورفع الدعم عن بعضها الآخر رغم تضخم كتلة الأجور، وإغلاق للمؤسسات والمصانع نتيجة لتقليص الانتاج مع اغراق الأسواق التونسية بالبضائع الأجنبية.

لم يُكلّف أحد نفسه عناء الحديث عن أسباب الارهاب وعن بارونات التهريب وعن العائلات والطبقات المُتنفّذة، وعن الدواء المفقود في الصيدليات وضعف الخدمات في قطاع الصحة وعن ارتفاع نسبة الفقر في تونس التّي وصلت إلى مليوني عائلة فقيرة، وعن الجائعين وعن الأوئبة التي ظهرت من جديد(كداء الكلب والقمل وفيروس الكبد والكوليرا) وكأنّنا لازلنا نعيش في زمن الجاهلية، لم يتكلّم أحد عن ضُعف الخدمات العامّة وعن تردّي البنية التّحتية وعن تردّي نظام التعليم الذّي أضحى لعُبة بين النّقابات والحُكومة، لم يتكلّم أحد عن المُؤامرات التّي تُحاك لإفشال التجربة الدّيمقراطية في تونس(فرنسا مثلا التي ترفض انجاح التجربة التونسية) والتّي تُعتبر نموذج فريد ومُغاير من الثورات العربية.

“ومع ذلك لا يتحمل حزب النهضة وحده كل اللّوم على تلك السياسة الهزلية، حيث أنّ جميع الحكومات المُتعاقبة على حكم تونس بعد الثورة هي في حقيقة الأمر حُكومات خالية من أي برنامج سياسي أو اقتصادي، وخالية من تصور عام لشؤون البلاد أو استشراف للمستقبل، فهي فقط حُكومات لتصريف الأعمال اليومية دُون رُؤية واضحة أو استراتيجية في الحكم.وقد تجلّى ذلك الأداء في ارتفاع حجم الديون وعجز الميزان التجاري وانهيار سعر الدينار. ونتيجة لذلك فُقدت الثقة بين تلك الحكومات وبين الشعب، وفشلت القُوى والأحزاب السياسية في أن تتحوّل إلى قُوّة شعبية فعّالة. حيث ظلّت في غالبها مُجرّد قُوى نُخبوية تُمارس عملا نضاليا دون القُدرة على تفعيل التواصل مع الشارع أو تقديم برامج ملموسة تصُب في مصلحة المُواطن”(7)وهو ما يُفسّر تدنّي نسبة التصويت لقوائمها في الانتخابات التشريعية والرئاسية الماضيتين، إضافة إلى اختيار رئيس للبلاد (قيس سعيد) من خارج الأحزاب.

لقد ضربت الكورونا السياسية تونس منذ سنوات الأولى للثورة حيث عرفت البلاد اغتيالات لشخصيات وطنية وشهدت البرلمانات المُتعاقبة مظاهر كثيرة من السياحة الحزبية واستقالات وانشقاقات كبيرة، كما تفتّتت الأحزاب التي دخلت في تحالف مع حركة النهضة كحزب “المؤتمر من أجل الجمهورية” و”حزب التكتل من أجل العمل والحريات” و”حزب نداء تونس” والآن جاء الدور على “حزب قلب تونس” صاحب الكتلة الثانية في البرلمان من خلال استقالة أكثر من 12 نائب. و رغم ثوريّة بعض الأحزاب ورفعها سقف مطالبها إلى حدّ المطالبة بإلغاء الدّيون الخارجية، وتأميم الثروات والدعوة إلى توحيد التوجّهات لإنقاذ البلاد من أزمتها الخانقة، إلاّ أنّها في مواقفها اليومية وفي بعض تحالفاتها نجدها تتورّط في التقارب مع بعض القُوى التّي كانت من بقايا النظام السابق، أو تجد دعماً من بعض وُجوه رجال الأعمال الفاسدة، وهو ما يُثير الرّيبة لدى بعض الفئات الشعبية من التناقض بين الشّعارات والمُمارسة.في حين تشهد مواقف بعض الأحزاب الأخرى حالة من التذبذب تنمُّ عن افتقادها الرؤية الاستراتيجية والسياسية الواضحة وسط تنامي ظاهرة السياحة الحزبية بين النُوّاب.

لعلّ الشّمعة المُضيئة التّي تبعث على الأمل وسط هذا اليأس والفشل والإحباط هي النجاحات الأمنية والعسكرية المُتتالية في مُقاومة الجريمة والمُخدّرات والتهريب، وخاصّة نجاحاتها في عملياتها الاستباقية للقضاء على الإرهاب رغم قلة الامكانيات وغياب قانون يحميهم، ولكنّ رغم  صدق ونجاعة الأجهزة الأمنية والعسكرية إلاّ أنّها تظلّ وحيدة غير مسنودة بحزام سياسي طالما أنّ نُخبتنا مُشتّتة، وتميل إلى تغليب الإملاءات الخارجية على حساب المصلحة الوطنية.

2ـ المناداة بحُكومة الرّئيس كحل للأزمة السياسية:

أـ الدولة الفاضلة القائمة على المعايير الأخلاقية عند الرئيس قيس سعيد:

لم يكن فوز أستاذ القانون الدُستوري قيس سعيد بالرئاسة والطريقة التي أدار بها حملته الانتخابية وحدها المُفاجأة، بل كانت المُفاجأة أيضا في حُصوله على النسبة الساحقة من الأصوات (نسبة تجاوزت 72 بالمائة)مُقارنة بمُنافسه رئيس حزب قلب تونس نبيل القروي، نسبة لم يصل إليها أي رئيس بعد الثّورة.وقد عُدّت هذه النسبة بمثابة استفتاء شعبي.

ومن مُفارقات المشهد السياسي الذّي أفرزته الانتخابات التشريعية والرئاسية 2019 أنّ الشعب التونسي الذّي عاقب النُخب والأحزاب السياسية في الانتخابات التشريعية، صوّت بكثافة لاختيار الرئيس قيس سعيد الذّي رأى فيه كفاءة ونزاهة وثورية في إطار تصحيح مسار الثورة التونسية، وهو ما جعل مكانة الرئيس من الناحية الرّمزية (في النظام السياسي الجديد بعد الثورة)تتجاوز بكثير الصلاحيات التّي يمنحها له الدُستور التونسي، والتُي حصرها أساسا في السياسة الخارجية وشؤون الدفاع ومجلس الأمن القومي، مُقابل منح صلاحيات واسعة لرئيس الحُكومة الذي يستمدّ شرعيته من ثقة البرلمان.

وقد نجح الرئيس قيس سعيد في استثمار مناخ انعدام الثقة في الأحزاب ورجال السياسة لتقديم نفسه كبديل لاسيما مع ما تشهده الساحة السياسية من فساد جراء انهيار كلّ المُقوّمات المُتعارف عليها في الحد الأدنى من الأخلاق المطلوبة لمُمارسة العمل السياسي “وتحمل تصريحات سعيد عادة مواقف أخلاقية، تجلّت طوال فترة الحملة الانتخابية. ويدعم في تصريحاته الثورة، ويُؤكّد على نزاهة إدارته للحملة، وانحيازه للمُواطنين، وزهده في المميّزات التّي يحملها المنصب الذّي يسعى إليه. هذا بالإضافة إلى التزامه الكتابة باللّغة العربية، وانتباهه إلى الصياغة السليمة. ويُثير عدد من مواقف سعيد دهشة البعض، لعلّ أبرزها هو قراره بعدم المشاركة في حملته في الجولة الثانية للانتخابات لدواع أخلاقية، وضمانا لتجنّب الغموض حول تكافؤ الفرص. ويرجع ذلك إلى أنّ مُنافسه نبيل القروي كان في السجن قيد المُحاكمة في قضايا فساد”(8)

ويُقدّم الرئيس قيس سعيد القادم من مدرسة القانون الدستوري نفسه كشخصية مُستّقلة عن الأحزاب، وهذا أمر طبيعي وبديهي لتولّي منصب الرئاسة الذّي يخصّ كلّ التونسيين، “وهو مافتئ يذكر الجميع بمناسبة أو دونها بفُصول الدستور وعُلويته. لكن سعيّد لم يُعرّج في خطاب التنصيب على أيّ من عناصر هُويّة الدّولة ورموز الفكر والإصلاح والمُؤسّسين الأوائل.لا شيء من تاريخ الدولة فهل هي جُمهورية ثالثة يتوجّب أن تطبع بحقبة سعيد أم هي كما سمّاها “ثورة ثقافية” بمنهج القطع وإعمال المعاول على منوال ثورة ماوتسي تونغ”(9).لعلّها الدّولة اليتيمة أو إن صحّ القول الدولة الفاضلة حسب التعبير الأرسطي التي يُحاول قيس سعيد بنائها من جديد وفق معايير أخلاقية ثورية عبر القفز على المقوّمات التاريخية للدولة والقطع مع ماضيها الثقافي والسياسي والحضاري.

ورغم مركزية الطابع البرلماني في النظام السياسي التونسي، فقد نادت عديد الأصوات حتّى منذ صدور نتائج الانتخابات التشريعية بتأسيس “حُكومة الرئيس”، وهي أصوات تُحرّكها دوافع مُختلفة وأحيانا مُتعارضة تماما، بعضها يستندُ على الشرعية الكاسحة أو القاعدة الشعبية التّي يحظى بها الرئيس، مُقابل تشتّت وضبابية الخارطة السياسية والشّروط التعجيزية التي فرضتها عديد الأحزاب للدّخول في نقاش حول تشكيل الحُكومة، وبعضها الآخر يرى في الوضع الحالي فُرصة مُواتية لتغيير طبيعة النظام السياسي ليُصبح نظاما رئاسيا بالأمر الواقع إلى حين تعديل الدستور .

وهناك  فئة أخرى يُراودها الحنين إلى عودة صيغة النّظام القديم (الحزب الدستوري وغيره من الأحزاب الدستورية الوسطية المُتكونة من بقايا رموز نظام بن علي)، وهؤلاء لهم من يُمثلهم داخل أسوار البرلمان وفي جُذور مُؤسّسات الدّولة العميقة التّي يقال أنّها تحكم من وراء ستار.

لقد أكدّ الرئيس قيس سعيد أثناء خطاب ألقاه في البرلمان بمُناسبة تنصيبه رئيسا للجمهورية بأنّه “لا مجال للعودة إلى الوراء” سواء حين يتعلّق الأمر بمجال الحُرّيات أو بعملية الانتقال الدّيمقراطي، لكنّ الصُعوبات التّي يُتوقع أن تُواجه تشكيل الحكومة الجديدة قد تضع التونسيين ورئيسهم الجديد أمام واحد من أشدّ الاختبارات التّي يُمكن أن تواجهها الديمقراطية الناشئة في هذا البلد.

تعزّزت هذه الصعوبات أكثر بعد فشل حركة النهضة في تشكيل الحُكومة وفي منحها الثقة في مجلس الشعب ورمت بالكُرة في ميدان الرئيس الجديد، الذّي تنتظره خيارات صعبة في الحقيقة:

ـأحدهما، تعيين شخصية مُستقلّة من خارج الأحزاب تحظى بالقُبول من طرف مُناوئي فكرة حُكومة يهيمن فيها حزب النهضة، وفي هذه الحالة الأولى سيكون رئيس الوزراء مدينا لرئيس الجمهورية في المقام الأوّل، كما سيحمل ذلك مؤشرا على مُنعرج في الحياة السياسية التونسية، باتجاه التمهيد إلى تغيير في طبيعة النظام السياسي وتغيير مراكز القرار السياسي من محور القصبة (مقر الحُكومة) ـ باردو (مقر البرلمان)، إلى قصر قرطاج (مقر الرئيس).

أما الخيار الثاني فسيكون اللجوء إلى تنظيم انتخابات جديدة، وهو خيار سيكون مُرهقا للتونسيين الذين توجهوا إلى صناديق الاقتراع ثلاث مرات خلال شهر واحد .كما أن انتخابات تشريعية قد لا تحمل بالضرورة تغييرا في الخارطة السياسية، أو على الأقل لن تؤدي إلى تفادي حالة التشتت، بحكم التمثيل النسبي الذي يستند إليه القانون الانتخابي.(10)

وإذا ما قرّر قيس سعيد المُضي قُدما في خطّته بتغيير نمط النظام السياسي الحالي( مُناداته بتغيير نظام الحُكم البرلماني وتوسيع صلاحيات الرئيس خلال زيارته لولاية سيدي بوزيد معقل الثورة التونسية) فسيعني ذلك إدخال الحياة السياسية في مُسلسل تغييرات مُؤسّساتية وقانونية بما فيها تغيير الدُستور نفسه، وهو أمر سيتطلّب منه خوض مشوار طويل من الشدّ والجذب مع القُوى السياسية في البرلمان وخارجه بما فيها مُؤسّسات الدّولة العميقة، وهو مشوار لا يُمكن لأحد حتّى أولئك العالمين بخفايا اللعبة السياسية أن يتكهّن بمآلاته القادمة، خُصوصا وأنّ الوضع الحالي لتونس لا يسمح بمزيد من المُغامرات أو التهوّر السياسي الغير مدروس.

صحيح أنّ الرئيس قيس سعيد وصل إلى الحُكم بتصويت شعبي كبير لم تشهد له الدولة التونسية مثيلا بعد الثورة، ولكن المُفارق في الأمر أن لا يحترم هذا الرئيس إرادة الناخبين ولا نص الدستور الذّي يعهد للحزب الفائز في الانتخابات التشريعية باختيار رئيس الحكومة من داخل الحزب أو شخصية مستقلة عنه يختارها. وقد اختار قيس سعيد إلياس الفخفاخ الذي رفض التونسيون التصويت له في الانتخابات الرئاسية كما رفضوا التصويت لحزبه “التكتل من أحل العمل والحُريات” في الانتخابات التشريعية، أبرزت التجربة التونسية أن من يحكم البلاد فعلا هم أصحاب الصفر فاصل الذين رفضهم الشعب ولم يُصوّت لهم ولم يمنحهم ثقته، وذلك يعود لامتلاك اصحاب الصفر فاصل لرصيد معرفي كبير بدواليب وشؤون الدولة وطريقة تسييرها وبما يمتلكه من شبكات علاقات كبيرة قائمة على الزبونية والطبقات المُتنفّذة (مراكز صنع القرار) في المُجتمع والأسر الحاكمة وعلاقات مع أكبر مُنظّمات المجتمع المدني التّي لها جذور ضاربة في القدم ومُمتدّة في تاريخ البلاد تُوفّر له المشروعية والحماية، علاقات تمتدّ في الداخل والخارج خصوصا وأنّ تونس لا تُحكم من الدّاخل فقط بل من الخارج أيضا.وهذا يتناقض مع جوهر العملية الديمقراطية القائمة على حُكم الأغلبية الحاصلة عبر الانتخابات لا الأقلّية.

ربما يُعيدنا هذا الطرح إلى تلك الثنائية الموجودة في التاريخ الإسلامي القديم والمعركة القائمة بين الصفوة والعوام أي بين النُخبوية والشُعبوية، ثُنائية لازالت مطروحة إلى اليوم وهي من الأشياء الغريبة في التجربة التونسية، تُبين كيفية تنظيم الأدوار والشبكة العلائقية القائمة بينها، نأخذ مثالا على ذلك اتحاد الشُغل المُنظمة النقابية التّي تُدافع عن العُمّال يملك جريدة اسمها “الشعب” ولكنّها جريدة نُخبوية، وفي المُقابل الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة الذي يدافع عن رجال الأعمال يملك جريدة شعبية وهي “البيان”.

ب ـ حكومة إلياس الفخفاخّ: الأولويات والتحدّيات:

بعد فشل رئيس الحكومة الحبيب الجملي المُقترح من حزب النهضة في نيل ثقة البرلمان باعتراض 134 نائب وبعد مُشاورات عميقة بين مُختلف الكُتل النيابية المُكوّنة للمشهد السياسي، وبعد انتقال ملف تعيين رئيس الحُكومة إلى مكتب رئيس الجمهورية حسب الدستور التونسي طبقا للمادة 89 “فإنّ الفعل الدستوري بعد إعلان نتيجة الانتخابات يكون كالآتي: في أجل أسبوع من الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات، يُكلّف رئيس الجُمهورية مُرشّح الحزب أو الائتلاف الانتخابي المُتحصّل على أكبر عدد من المقاعد بمجلس نُوّاب الشعب بتكوين الحكومة خلال شهر يُجدّد مرة واحدة، وفي صورة التساوي في عدد المقاعد يعتمد للتكليف عدد الأصوات المُتحصّل عليها. عند تجاوز الأجل المُحدّد دون تكوين الحكومة، أو في حالة عدم الحصول على ثقة مجلس نواب الشعب، يقوم رئيس الجمهورية في أجل عشرة أيام بإجراء مُشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر من أجل تكوين حُكومة في أجل أقصاه شهر.(11)

وهذا ما حدث فعلا باختيار الرئيس قيس سعيد لوزير المالية الأسبق في عهد الترويكا إلياس الفخفاخ الذّي كان بمثابة الفُرصة الأخيرة أمام الأحزاب التونسية لتدارك خلافاتها قبل حلّ البرلمان والدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة لا يُمكن لأحد التنبؤ بنتيجتها.

وبعد جلسة ماراثونية دامت 15 ساعة صوّت مجلس النواب بأغلبية كبيرة (129 نائب من أصل 217) لصالح حُكومة ائتلافية بقيادة الفخفاخ بعد أشهر طويلة من الجدل السياسي حول طبيعة الحكومة المُقترحة ونوع حزامها السياسي وتركيبة وزرائها.وتظم هذه الحكومة 32 عضوا مابين وزير وكاتب دولة من أطياف سياسية مُختلفة، شملت حركة النهضة والتيار الديمقراطي وحركة الشعب وحركة تحيا تونس إضافة إلى وزراء مستقلين.

وتُعتبر حُكومة إلياس الفخفاخ الحكومة رقم 11 منذ نجاح الثورة التُونسية بعد حُكومة محمد الغنوشي وحكومة الباجي قايد السبسي وحكومة حمادي الجبالي وحكومة علي العريض وحكومة مهدي جمعة وحكومة الحبيب الصيد وحكومة يوسف الشاهد.”هذا العدد من الحُكومات يدلّ ربّما على أنّ الحراك الديمقراطي بعد الثورة لم يستقرّ بعد، وأنّ تونس بلد لا تُعمّر فيها حكومات ما بعد الثورة حتّى الائتلافية منها، وقد مرّت أغلب حكومات ما بعد الثورة بظروف استثنائية، لكنها استطاعت العبور، ولعلّ الوضع السياسي في تونس يفرض ديمقراطية توافقية غير مُعلنة تضمن نجاح عملية التداول السلمي للسلطة، وتُؤدّي إلى استقرار جزئي يأخذ مداه الزمني، حتّى تتمكّن من خلاله الحكومة من إحداث تغييرات اقتصادية تُعيد للشعب ثقته بالسياسة التّي بدأ بالعزوف عنها، كما يظهر في مُؤشّرات الإقبال الانتخابي(12).

ولكنّ رغم أهمية سياسة التوافق كخُطوة أولى نحو استكمال المسار الديمقراطي أملتها الظروف الغير مُستقرة للبلاد التونسية قبل الوصول إلى عملية الحسم الديمقراطي، إلا أنّها لا تخلو من سلبيات عديدة أهمّها غياب المسائلة القانونية بين الأحزاب وناخبيها وتشارك السلطة وفق معيار المُحاصصة السياسية عوضا عن المصلحة الوطنية إضافة إلى اعتماد سياسة الاستقطاب التّي تدلّ جميعها على أنّ أسس الديمقراطية هشّة ولم تكتمل بعد. “حكومات التوافق يكون لها مكان مُؤقت في المراحل المُبكّرة من التحوّلات الديمقراطية، ولكن بمُرور الوقت، فإنّ استخدامها وإعادة استخدامها يمكن أن يطمس خُطوط المساءلة الديمقراطية والمسؤولية بين الأحزاب وناخبيهم، وبين الحُكومات والناس الذّين ينتخبونها. وتعني الائتلافات غير العملية أنه لا يمكن للناخبين أن يكونوا مُتأكدين تماما من المسؤول عن الفشل في الائتلاف، كما أنّ هذه الائتلافات من المُؤكّد لها أن تُواجه خطر الشلل السياسي، فبدلا من تشكيل ائتلافات كبرى عبر الأيديولوجيا تحاشيا للاستقطاب، يمكن أن تخدم الديمقراطية تحالفات أضيق وأكثر تشابها من الناحية الأيديولوجية تحكم وحدها، عندئذ يمكن للناخبين تمييز أداء الحزب بشكل أوضح، والابتعاد عن التوافق يعني أنه يمكن للأحزاب أن تتطوّر إلى مُؤسّسات أقوى وأكثر فاعلية وتماسكا.”(13)

وإذا كانت تونس تعيش حالة ديمقراطية فريدة من نوعها في العالم العربي ونجاحا مُتتاليا في المحطّات الانتخابية وتداولا سلميا على السلطة،فإنّ ذلك لا يمكنه أن يخفي أزمة كامنة منذ السنوات الأولى للثورة أزمة تتمحور حول التحدّيات الاقتصادية والاجتماعية التّي ثار من أجلها التونسي. وهنا يرى الدكتور عبد الجليل البدوي الخبير في الاقتصاد ” أنّ التجربة التونسية لا يُمكن أن تنجح دون تقديم خطّة اقتصادية واجتماعية طويلة المدى قادرة على القضاء على منابع الإرهاب المُتمثلة في البطالة والتهميش والإقصاء والفقر والجهل والحيف الاجتماعي والفوارق الجهويّة(14).

وقد عبّر رئيس الحكومة الجديد منذ اليوم الأوّل من اقتراحه على رأس السلطة السياسية عن رغبته في احداث تغيير جذري وعن ضرورة إعادة الأمل للتونسيين و”لخّص أولويات حكومته في ثماني نقاط أساسية هي مُقاومة الجريمة والعبث بالقانون ومقاومة غلاء الأسعار والغش، وتوفير متطلّبات العيش الكريم والتصدّي للمُحتكرين، وإنعاش الاقتصاد وتشجيع الاستثمار وحماية المؤسسات الصغرى والمتوسطة وتفكيك منظومة الفساد، وستكون تعبئة الموارد المالية الضرورية للدولة لسنة2020، والمُحافظة على قيمة العملة الوطنية والحدّ من نسبة التضخّم المُستورد، والاهتمام بملف الحوض المنجمي والفوسفاط، وتسوية ملفات شُغلية عالقة تتعلق بفئات عمال الحضائر والأساتذة والمُعلّمين النواب من بين أولويات الحكومة الجديدة”(15)

ويُسلّط نجاح إلياس الفخفاخ في نيل ثقة مجلس النواب الضوء على مدى إمكانية نجاحه في تحقيق وعوده وإخراج البلاد من أزماتها، ولا يمكن لهذه الوعود أن تتفعّل على أرض الواقع دون التزام جدّي بالقضاء على الفساد السياسي وبعث رسائل إيجابية وتطمينية للمُستثمرين ورجال الأعمال لتحفيزهم على التنمية والنهوض بالاقتصاد الوطني إضافة إلى العمل على إرساء مناخ سياسي مُستقر يضمن نجاح شعاره الذّي سمّاه “حكومة الوضوح وإعادة الثقة”. وفي هذا السياق قال الكاتب زياد كريشان في مقال له بصحيفة المغرب التونسية “إنّ على الفخفاخ مُعالجة حالات اجتماعية صعبة والتركيز على الفئات الاكثر هشاشة ويستدرك قائلا:”في المقابل يجب على الحكومة القادمة أن تُبرهن لأهمّ مُموّلي اقتصاد البلاد أنّها جادة في وقف نزيف الإنفاق العمومي الذّي ميّز هذه العُشرية وأن التحسين الجوهري لظروف عيش المُواطنات والمُواطنين لا بُدّ أن يكون نتيجة تحسّن أداء الآلة الإنتاجية كمّا وكيفا.

وأشار الكاتب إلى صنفين من الحُلول، أوّلهما الحلول المبدعة والغير المُستهلكة للموارد العمومية، والثاني الحلول الاضطرارية الوقتية المتمثلة في إيجاد موارد إضافية للدولة خارج مواردها العادية من جباية وعائدات وهبات واقتراض، أي بوضوح التفريط في بعض ممتلكات الدولة كلّيا أو جزئيا”(16)

وفي هذه المرحلة الانتقالية الحسّاسة يُطرح تساؤل عريض حول فُرص تحقيق إصلاحات اقتصادية واجتماعية ومدى قدرة النُخب الجديدة على تحقيق تطلّعات الشعب التونسي، في بلد يغرق في المديونية وعجز كبير في موازنته، ويتّسم بمناخ سياسي مُتذبذب وغير مُستقرّ على حال، وبمقدرة شرائية ضعيفة إضافة إلى غياب العدالة الاجتماعية، وتشتّد الصراعات فيه بين أجنحة الدولة وبعض رجال الأعمال(المُمثّلين في اتّحاد الأعراف واتّحاد الصناعة والتجارة) ومراكز النُفوذ المالي ومركزية الاتحاد التونسي للشُغل المُؤسّسة النقابية النافذة. وهو بلد مُحاط بجوار إقليمي غير مُستقر هو الآخر(الأوضاع في الجارتين ليبيا والجزائر).

3 ـ الإصلاحات الضرورية لاستكمال المسار الديمقراطي وبناء دولة المواطنة الحديثة:

أمام هذه الظروف يستوجب على الأحزاب تغيير نوعية خطابها السياسي من حيث الهيكلة والتنظيم والتوجّهات والرُؤى العامّة بما يُعطي للشباب الذي صنع الثورة فُرصة لأن يجد مكانه فيها، وبلورة سياسة اتّصالية جديدة قادرة على تبليغ هذا الخطاب إلى هذه الفئة من الشعب.أيضا  ضرورة المُصالحة بين المُثقف والسُلطة وإشراكه في القرارات الكُبرى لما له من دراية كبيرة بمشاكل المُجتمع ونقاط الضعف فيه.”واللاّفت للنظر أنّ المُثقفين لم يُؤدّوا دورا أساسيا كفئة في عملية الاحتجاج الكبرى التّي عمّت العالم العربي وانتشرت مثل النار في الهشيم وإذا ما استثنينا مُثقفي الأنظمة، وهم كثر، فقد انقسم الباقون إلى من غلب على موقفهم العجز والإحباط والتشكيك. فمنهم من شكّك بوجود دور للأيدي الخارجية مُحوّلا الثورة إلى مُؤامرة، ومنهم من خاف وخوّف من التيّار الإسلامي. ولكنّ الحراك الثوري العربي الحالي كان له مثقفوه، خلافا للادعاء السائد الذّي يُروّج في الغرب وكأنّه لم تكن للثورة رموزها الثقافية. وهو ادّعاء عُنصري، يرغب في التعامل مع الثورات العربية كمادّة خام، وكظاهرة عفوية تحتاج إلى تشكيل.ولا بُدّ من إعادة الاعتبار وبقُوّة لمُثقفي الثورة العربية الذين نظّروا لها ورافقوها”(17).

ولكن رغم ذلك لا تستقيم الحياة السياسية الديمقراطية بالتعويل فقط على المُستقلين والمجتمع المدني في التغيير وإيجاد حلول للأزمات المتتالية التّي تمرّ بها البلاد، حيث أثبت التاريخ أنّ الأحزاب هي من تُغيّر وتُنظم المشهد السياسي وليس المُجتمع المدني بما في ذلك النقابات والمُنظّمات الأخرى، ويُؤكّد هذا الرأي أستاذ التاريخ المعاصر عبد اللطيف الحنّاشي الذّي يرى أنّ”في تونس مُنظّمات مجتمع مدني عريقة تاريخيا لكن دائما ما كان دورها محدود والمجتمع المدني عادة ما يكون رديفا يساند بخلفية نقدية، وله دور ولكن لا يُغيّر المشهد السياسي بعُمق(18)

فلا أهميّة ولا وظيفة للمجتمع المدني من دون دولة قوية وأحزاب مُنخرطة في العملية السياسية. إذ يجب تفعيل دور المُجتمع المدني حتى يكون قادرا على تأطير الشعب من أجل خدمة القضايا الوطنية والاجتماعية العادلة والانفتاح على العمل السياسي، وهذه هي الميزة التي أنجحت عملية الانتقال الديمقراطي في تونس عكس باقي دول الربيع العربي بفضل شبكة مُؤسساتها الصّلبة والمُتماسكة، وبفضل تمسك التونسي بالهُويّة الوطنية وعدم سقوطه في مُستنقع العنف والحرب الأهلية، جعلته محلّ احترام من باقي شُعوب المنطقة.” وقد شهدنا رد فعل شبه فطري يُرحّب بدور الدولة كحامية للثورة حين تُميّز هذه الدولة نفسها عن النظام بصُورة الجيش الوطني، ومن يفهم نظرية المجتمع المدني يُدرك أنّ المجتمع من دون دولة ليس مجتمعا مدنيا، بل قد ينهار إلى جماعات.(19)

وبالتوازي مع ذلك يجب علينا التأكيد على دور التكوين والتدريب السياسي داخل الأحزاب في استقطاب الشباب وتكوينه من أجل اعداده لتحمّل المسؤولية، ومن ثمّة تقديم برامج واقعية ومعقولة تمسّ كافّة شرائح الشعب تلتحم مع قضاياه وتتبنّى حلولا عاجلة لمشاكله، باعتماد سياسة التشبيب في المناصب الحُكومية والوزارية الرفيعة.والمُلاحظ أنّ الشباب العازف يوما بعد يوم عن العمل الحزبي والسياسي يجد ضالته في العمل الجمعياتي بعد أن فشلت الأحزاب وبرامجها وتوجهاتها في استمالته” فمن بين أسباب فشل الأحزاب بعد الثورة في استقطاب الشباب الراغب في التغيير نحو الأفضل هو وُجود أمراض مستفحلة داخل الأحزاب في تونس، لم تستطع هذه الأخيرة تجاوزها ومن بينها النرجسية المضخمة لقياداتها وغياب الديمقراطية داخلها وعدم اهتمامها بمتطلبات العمل الحزبي المهيكل والديمقراطي والعصري المُنفتح، فلا توجد مراكز بحوث خاصّة بالأحزاب ولا يوجد اهتمام بعلم الاجتماع الانتخابي. كما لا تحرص هذه الأحزاب على الانفتاح على الخبراء والباحثين والمختصين في مختلف المجالات لتعزيز قدراتها ومهارات قياداتها على فهم الواقع والمجتمع، والبحث عن مقترحات حلول وبرامج واقعية قادرة على الاقناع والتغيير.

وما لم تستوعب الأحزاب في تونس مُتطلبات المرحلة والواقع ستظلّ عاجزة عن استقطاب تلك القُوى الحية القادرة على التغيير نحو الأفضل والتي تنفر اليوم العمل الحزبي والسياسي وتبحث عن بدائل صلب المنظمات والجمعيات، لكنّها قطعا لن تكون قادرة على تغيير المشهد السياسي إلاّ من داخل الأحزاب نفسها، فتلك مقتضيات الديمقراطية التي ننشدها جميعا.”(20)

وفي المقابل يتوجّب على الدّولة اتخاذ بعض التدابير العاجلة لإعادة الأمل للشعب التونسي وبعث رسائل تطمينية له ولمستقبله وترسيخ مناخ من الثقة المتبادلة، ومن بين هذه التدابير ماهو اقتصادي واجتماعي كمُحاربة الفساد وبعث مشاريع تنموية تنهض بالبلاد والجهات الدّاخلية المحرومة، وتشجيع الاستثمار والشراكة بين القطاعين العام والخاصّ، ومنها ماهو تشريعي كتنقيح الدستور وخاصّة في بابه المُتعلق بنظام الحُكم ومُراجعة القانون الانتخابي وإصدار قانون يمنع السياحة الحزبية التّي أضرّت بصُورة المشهد السياسي كثيرا في الآونة الأخيرة، وتفعيل القوانين التّي تُجرّم التلاعب بالانتخابات والتمويلات المشبوهة للأحزاب والجمعيات، وهنا يجب أن نُشدّد على ضرورة الفصل بين العمل الحزبي والعمل الجمعياتي حيث لمسنا في الآونة الأخيرة استغلال البعض للعمل الجمعياتي من أجل تحصيل مكاسب سياسية ضيّقة (مُنظمة عيش تونس التّي تحولت إلى حزب سياسي، ونبيل القروي الذي استغلّ العمل الخيري ومُساعدة الفقراء ليُصبح رئيس حزب قلب تونس صاحب المرتبة الثانية في الانتخابات التشريعية ).

أيضا على الدّولة التُونسيّة أن تضطلع بدورها الرئيسي الذي تخلّت عنه لفائدة القطاع الخاص وللُوبيات الاقتصادية الكُبرى الطامحة للربح والتغوّل والثراء الفاحش على حساب منظوريها وتغليب المصلحة العامة. وتوسيع المشاركة السياسية وتقليص الهُوّة القائمة بين هياكل الدولة والأحزاب والمُجتمع المدني بمزيد اشراك الشعب في القرارات التنموية التّي تهمّه. وقد أثبت الواقع التونسي أنّ الحلّ ليس بمركزية القرار بل بمزيد توسيع القرار وإشراك الجميع دون استثناء لأحد خُصوصا في هذه المرحلة الحسّاسة والانتقالية.

أظهر الشعب التونسي عكس نُخبته السياسية التزاما كبيرا بالهُويّة الوطنية ووعيا كبيرا بمُشكلات الوطن والتحدّيات التّي تنتظر على حُدوده مثل الأزمة الليبية والحراك الشعبي في الجزائر، شعب تجاوز الانتماءات الأيديولوجية فلم تعد تهمّه تسميات من قبيل (إسلامي، اشتراكي، علماني، أو إخواني) وما تعجز الأنظمة العربية على استيعابه أنّ غالبية الشُعوب المُنتفضة هي من جيل الشباب (أعمارهم ما بين 16 سنة و30 سنة) الذين وُلدوا وعليهم أن يستمرّوا في العيش تحت حكم أشخاص لا علاقة لهم بهم ولا بمنظومتهم أو بمرجعياتهم السياسية والأخلاقية والقيمية. فلم يعد يُطالبون لا بإسلام ولا بإقامة دولة الخلافة ولا بمشروع أيديولوجي، عصرنا اليوم هو عصر تجاوز الأيديولوجيات وموتها، وقد كشفت الانتخابات التشريعية في تونس 2019 عن تراجع للحركة الإسلامية أي حركة النهضة واليسار التونسي على حدّ السواء.

اكتشف المواطن أخيرا أنّ الأيديولوجيا وهم، لذلك أصبح يُطالب بدولة المُواطنة بعيدا عن المُحاصصة الحزبية الضيّقة ولسان حاله يقول “الشعب يُريد دولة المُواطنة لا دولة العبيد”، يُريد تطبيق القانون، يُريد تفعيل الحقوق والحرّيات، يُريد فصل السُلط، يُريد مُكافحة الفساد، يُريد تشغيل وتنمية، يُريد استرجاع الثروات الوطنية والسيادة المفقودة لتحقيق نهضة فعليّة تُخرجه من مرحلة المفعول به تاريخيا إلى مرحلة الفاعل كغيره من مُواطني الدول المتقدّمة بشعارات وطنية ما فوق الأيديولوجية، شعارات خارجة عن مركزية الهُويّة الدينية نحو مركزية الهُويّة الوطنية الجامعة، وهذا هو البعد الاجتماعي للثورة في العصر الحديث المُتمثل في مكافحة الفقر والفساد والبطالة وظهور مفهوم المُواطنة وحُقوقها وواجباتها، وما يلزم من الحرّيات العامّة والخاصّة، كلّ هذه المطالب والتعبيرات لا تُوجد إلاّ في دولة المُواطنة فقط.

خاتمة:

لن يتحقّق التحرّر السياسي ولن تُستكمل عملية الانتقال الديمقراطي في تونس دون أن يتوافق الجميع على إقرار السيادة الوطنية وإحياء المصلحة العامّة على حساب مصالحهم الضيّقة والترفّع عن المُحاصصة السياسية، ودون وعي ذاتي بمشاكل الشعب وهُمومه وقضاياه التّي تؤرّقه (من فقر وجهل ومرض وبطالة) لأنّ الوحدة الداخلية وتنظيم الصفوف هما أساسا التحرّر من التدّخل الأجنبي الذّي يتربص بتونس لوئد باكورة الثورات العربية.

كما لا يمكن استكمال المسار الديمقراطي والوصول بالدّولة إلى برّ الأمان دون تحطيم الطبقات المحلية المُتسلّطة والعائلات النافذة التّي تُمثل أقليّة حاكمة ومُتحكّمة في مصير شُعوبها ،والتي لن تقبل أن تتخلّى بسهولة عن امتيازاتها وحُدودها الإقطاعية، ولا يمكن أيضا انجاح الفترة الانتقالية دون  توفر ثقافة سياسية و دون بناء مشروع ديمقراطي داخلي عماده نُخبة محليّة واعية ومُثقّفة يكون ولائها لتونس فقط، ويكون فيها المشروع الديمقراطي وطنيا بامتياز وغير مُسقط أو مُستورد من الخارج.

أمام التُونسيون أشهر ساخنة من الأحداث والتجاذبات السياسية بعد أن اختارت الأحزاب والقُوى الفاعلة في المشهد السياسي المُرور لحُكومة الرئيس بعد رفضها لمرشح حركة النهضة الفائزة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، فهل سيستخلصون الدروس الماضية أمّ أنّهم سيُعيدون التجارب الانتخابية وفق نفس المعايير؟ وهل ستنجح حكومة الرئيس الجديدة في تحقيق الاستقرار السياسي المطلوب منذ السنوات الأولى للثورة؟

تواجه حكومة إلياس الفخفاخ مُهمّة شاقة تتمثل في إعادة الأمل للشعب التونسي وتقديم رسائل مطمئنة حول المستقبل، وبالتالي تهيئة مناخ من الثقة المتبادلة باعتبارها عناصر حيوية وضرورية لأي ديمقراطية ناشئة، كما أنه هناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق النخب السياسية التونسية تتمثل في الحفاظ على تراث الثورة خلال عقدها الأوّل وإلاّ ستسقط الحكومة كحال الحكومات السابقة.لدى حكومة الرئيس إلياس الفخفاخ فرصة للنجاح فقط إذا استطاعت أن تعالج الانقسامات الداخلية وأن تواجه التحديات السياسية والاجتماعية الراهنة التي عصفت بالحكومات السابقة. في ظلّ الجدل الدائر حول قانون الانتخابات، إضافة إلى الوضع الاقتصادي الهشّ، والسياسي المُتأزم، والمُحيط المُلتهب.

ربما أكون قد أطلت أو أسهبت في الحديث عن مفهوم الدّولة الوطنية المواطنية لكنّي ورغم ذلك مازلت أتسائل اليوم ما الذّي تعنيه الدولة الوطنية في مُجتمعاتنا العربية الحالية ونحن نراها تتفكّك وتُسلب منها كلّ سيادة وتُفرض عليها الإملاءات الخارجية بالقوّة؟ ولازلت أتسائل أيضا هل الديمقراطية شرط واقعي أم مطلب فكري؟

لعلّ الانتماء في أيّامنا حسب المفكر المغربي عبد الله العروي هو للعرق والمذهب والقبيلة وليس للدّولة كما نُشاهد في لبنان والعراق وليبيا واليمن وسوريا وغيرها من البُلدان الأخرى ويبدو أنّ المُستقبل هو لسُلطة القبائل أو العشائر أو للفدرالية وللحُكم المحلّي الهشّ.

الهوامش:

1ـ عزمي بشارة، “الثورة التونسية المجيدة، بنية ثورة وصيرورتها من خلال يومياتها“، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، الدوحة، 2012، ص 32.

2ـ علي جبلي “الاحتجاجات العربية بين الإصرار الشعبي وتحديات المرحلة“، مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات، تركيا، ص 9.

3ـ عصام الدّين الراجحي “في سيناريوهات الحكم والمعارضة: الديمقراطية وحدها لا تكفي، لماذا تحتاج تونس مشروع اصلاح وطني حقيقي“، عربي بوست، 29 جانفي 2020.

4ـ الأسعد بوعزّي، “في أسباب عزوف الشباب التونسي عن المشاركة السياسية والانتخابات وكيفية معالجتها“، أنباء تونس، 29 أفريل 2019.

5ـ مرجع سابق.

6ـ سمير حمدي، “اليسار التونسي: أزمة الخطاب وأزمة الممارسة”، زوم تونيزيا، أفريل 2014.

7ـ ماهر القدارات، “السياسة التوافقية والديمقراطية في تونس: تحدّيات الاصلاح السياسي”، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، بتاريخ 2 مارس 2020.

8ـ bbc arabic   “قيس سعيد الأستاذ الجامعي الذي فاجأ الساحة السياسية في تونس“، أكتوبر 2019.

9ـ طارق القيزاني، “الدولة اليتيمة في جمهورية قيس سعيد”، مجلة حفريات، بتاريخ 17 نوفمبر 2019.

10ـ منصف السليمي، “تونس إلى أين تقودها ثورتها الجديدة؟”، المهاجر نيوز، ألمانيا، بتاريخ 24 أكتوبر 2019

11ـ ورقة تقدير موقف بعنوان “تونس: هل ينجح إلياس الفخفاخ في تشكيل الحكومة وكسب ثقة البرلمان”، مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات، تركيا بتاريخ 25 فيفري 2020.

12ـ مرجع سابق

13ـ ساسة بوست، “الديمقراطية في تونس، الجانب المظلم للتوافق السياسي المستمر من “2015، بتاريخ 19 فيفري 2020.

14ـ مسعود الرمضاني، “تونس: الانتقال الديمقراطي العسير”، مركز القاهرة لدراسة حقوق الإنسان، مصر، 2017، ص11.

15ـ تي ـ أر تي عربي“تونس حكومة الفخفاخ بين الأولويات والتحديات”، بتاريخ 27 فيفري 2020.

16ـ مرجع سابق

17ـ عزمي بشارة “المجتمع المدني: دراسة نقدية”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط6، الدوحة، 2012، ص 13.

18ـ منى يحياوي، “مقابل فشل الأحزاب والنخب السياسية، المجتمع المدني نقطة الضوء في مسار الانتقال الديمقراطي.. لكن؟”، جريدة الصباح، بتاريخ 25 أكتوبر 2018.

19 عزمي بشارة، مرجع سابق، ص 11.

20ـ منى يحياوي، مرجع سابق.