تدل القراءة المتأنية لكل المشاريع السياسية لتسوية الصراع العربي الصهيوني منذ اتفاقيات الهدنة عام 1949 وحتى صفقة القرن على الظواهر التالية:
أولا :
ان المشروع الصهيوني يزداد نجاحا ورسوخا بينما فشلت كل المشروعات الوطنية والقومية واليسارية والدينية في تحقيق أي تراجع استراتيجي للمشروع الصهيوني، وكل ما انجزته المقاومات العربية بأشكالها المختلفة لا يزيد عن خروقات تكتيكية تمكن المشروع الصهيوني من استيعابها وإعادة تكييفها لصالحه ، بدءا من معركة الكرامة مرورا بحرب الاستنزاف ثم حرب 1973 وسلسلة معارك جنوب لبنان ، لنصل في خاتمة هذا المطاف الى سلسلة حروب داخلية عربية وانتشار للفوضى والانهيار الاقتصادي وارتفاع حاد في الانفاق الدفاعي العربي ثم تنامي احتجاجات الثقافات الفرعية وبلوغ بعضها حد الاستقلال ويقف بعضها الآخر على أعتابه,
ثانيا:
تزايد الانخراط العربي في نزاعات اقليمية كانت كامنة ، فخلال المرحلة السابقة كان الانقسام العربي قائما على اساس مستويات العلاقة مع القوى الدولية الكبرى وتحديدا الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، لكنه ينخرط الآن في انقسام اضافي يتمثل في ان بعض العرب والقوى السياسية العربية تنخرط في المخطط التركي (سرا او علانية) وبعضها الآخر ينخرط في المخطط الإيراني وبنفس الطريقة، وهذا الانخراط ( الدولي والإقليمي) يترافق مع تآكل الانخراط التقليدي في الصراع مع المشروع الصهيوني ، وهو ما يشكل نصرا استراتيجيا جديدا لهذا المشروع الصهيوني .
ثالثا:
تحويل كل مشروعات التسوية السياسية الى مشروعات تكاملية اقليمية تنخرط فيها اسرائيل طبقا لمشروعها الشرق أوسطي( مشروع البينولوكس-او الشرق الاوسط الجديد- الذي طرحه شيمون بيريز)، فحجم التجارة العربية الاسرائيلية يتراوح حاليا بين 3-4 مليار دولار ، وبدأ الربط بين الدول العربية واسرائيل في النقل الجوي واتفاقات الغاز والسياحة بل والتعاون الامني بخاصة مع السلطة الفلسطينية ناهيك عن تزايد التقارير الخاصة بتعاون شركات انترنت او اتصالات اسرائيلية مع دول عربية للتجسس على بعضها البعض او على شخصيات هنا وهناك، الى جانب الفرق الرياضية وإنشاد النشيد الوطني الاسرائيلي في عاصمة اشهر محطة فضائية عربية.
رابعا:
لو قرأنا الاتفاقات العربية الاسرائيلية( المعاهدات مع مصر والأردن والسلطة الفلسطينية) يتبين وبوضوح أن أغلب الالتزامات الاسرائيلية في هذه الاتفاقيات لم يتم الالتزام بها، بينما الالتزامات العربية تم تنفيذها، ويكفي ان نعطي مثالا على اتفاق اوسلو ، فالقضايا الرئيسية في الاتفاق والتي تم تسميتها قضايا الحل النهائي ( القدس واللاجئين والحدود) تم الغاؤها كليا في صفقة القرن حيث تم ضم القدس وبتعريفها الصهيوني وتم الغاء موضوع اللاجئين ولا حدود للكيان الفلسطيني ولا حتى معابر حدودية.
ماذا يعني ذلك كله؟
1- ان صفقة القرن ليست خاتمة المطاف ، بل الخاتمة هي طرد وتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية والتضييق التدريجي على فلسطيني 1948، وسيتم دمجهم بعد ذلك في تكتل اقليمي اقتصادي يستوعبهم في الدول العربية والدول الاسلامية وبلاد المهجر الغربي، فصفقة القرن هي مرحلة ” فلسطينستان”، أي تجميع الفلسطينيين في أحياء معزولة عن بعضها الا بجسور او طرق برية على غرار بانتوستانات جنوب افريقيا، وإلا ما معنى ان ” سكان ” قرى المثلث(1948) سيتم ربطها بالبانتوستان الفلسطيني طبقا لصفقة القرن ؟…لكن جنوب افريقيا كان فيها حزب يقوده نيلسون مانديلا الذي قضى أكثر من ربع عمره وراء القضبان وليس على كرسي في تونس تحت است شاغله جهاز تنصت للموساد.
2- ان الكثير من العرب سيقولون ان هذه النتيجة المشار لها في الفقرة السابقة هي محض خيال ، ولكن دعوني اسال:
أ‌- لو قال احد عام 1970 لياسر عرفات ان الثورة الفلسطينية ستصل لمرحلة التنسيق الامني مع اسرائيل هل كان يصدقه ؟ ولو قال أحد لجورج حبش ان وزير خارجية حكومة التنسيق الامني سيكون جبهة شعبية هل كان يصدقه؟
ب‌- لو قال أحد لقادة الثورة الجزائرية يوم اعلان الاستقلال انكم ستتصارعون وتقتلون من بعضكم 120 الف قتيل هل كانوا سيصدقون.
ت‌- ولو قال احد لعبد الناصر أن السعودية ستقف ضد الاماميين في اليمن وستحاربهم بقسوة اكثر من قسوتك هل كان يصدق؟
ث‌- لو ان احد قال لصدام حسين وهو يزهو على شواطئ الكويت ان نصرك هذا سينتهي بك الى حبل المشنقة هل كان يصدق؟
ج‌- لو ان أحدا قال للقذافي ان الجماهير التي تتوهم أنها انصارك ستخرجك من نفق المواخير وستدس عصا بدبرك هل كان سيصدق؟
وعليه…
لا يخدعكم صراخ سلطة التنسيق الامني، فهي موافقة وهي اساسا جزء من صفقة القرن بل هي مرحله من مراحل الصفقة(ووثيقة عباس/ بيلين ليست بعيدة) ، كما أن حماس والجهاد الاسلامي وحزب الله همهم الرئيسي الآن ان تحافظ اسرائيل على الهدنة معهم، أي اننا سنعود الى نمط هدنة عام 1949، فكما اعطينا اسرائيل مهلة في تلك السنة لتنظم صفوفها، سنعطيها مهلة لتكمل صفقة القرن، وفي مرحلة ما بعد ” فلسطينستان” سيعود بعض العرب للجعجعة بلا طحن..يومها ستقولون أن احدا قال لنا ذلك لكنا نسينا من هو. لكن مكر التاريخ قد يفاجأ الجميع …