مصطفى فاضل كريم الخفاجي
مجلة مركز بابل للدراسات الانسانية
2020, المجلد 10, العدد 3, الصفحات 303-332
إن فلسفة إسبينوزا الدينية والسياسية ذات اهمية خاصة اليوم لإنها تربط قبول العلم الحديث بالتصور التقليدي لوظيفة الفلسفة المعيارية ، إذ انه فهم طبيعة الانسان بصورة صحيحة وان تحليله للموقف السياسي هو بالتالي تعليم سياسي صحيح ، كما بنى مذهبه الفلسفي واتجاهاته الفكرية التي اصدرها عن مبدأ خلقي بطريقة تمكن بها من تحرير العقل من البدع وخرافة المعتقدات القديمة من خلال حرية الفكر في الموضوعات الدينية وضرورة فصل الدين عن سياسة الدولة ونبذ كل حكم سياسي يدعي بانه يستمد سلطته من مصدر الهي وهذا ما تناوله اسبينوزا في (البحث اللاهوتي السياسي) . يعتبر سبينوزا من أكبر المدافعين عن ” عدم المزج بين الدين والدولة ” بوصفها الضامنة لحرية الفكر والعقيدة، وهو ما نلفيه في العنوان الثاني لرسالة في اللاهوت والسياسة الذي يعتبر فيه سبينوزا أن الحرية لا تشكل تهديدا على سلامة الدولة. وتتمثل في حرية تأويل النص الديني حيث ليس لأحد الحق دون غيره في احتكار فعل التأويل؛ أي أن العمل الذي قام به سبينوزا موجه أساسا نحو كل سلطة كهنوتية. ويتجلى دفاعه عن حرية الفكر والعقيدة في إعماله تأويلا جديدا للكتاب المقدس لا يخرج ولا يشذ عن الانطولوجيا كما توضحت معالمها في الجزء الأول من كتاب “الإتيقا”؛ لذلك كان دفاعه عن الديمقراطية من منطلق البحث عن النظام الذي يوفر ضمانة كبرى للحرية، وهو ما يفسره عمله المتمثل في الدفاع عن ” العلمانية ” ونقد النظام الثيوقراطي. وينطلق نقد سبينوزا، بداءة، من أن الكتاب المقدس كلام الله الذي يستهدف تعليم الناس السعادة الحقيقية، غير أن تفسيرات الناس ابتعدت عن الجوهر الحقيقي للدين، لذلك فإن النقد التاريخي لأسفار الكتاب يستهدف إظهار هذا الكنه الحقيقي وليس الشبيه لإلجام كل من ينظر إليه على أنه علم أو فلسفة، وعدم قبول ما لا يكون واضحا؛ أي علامة على صحته، وهو ما يصرح به سبينوزا في بداية الكتاب، حيث يقول: ” عزمت بجدية وبدون ادعاء، على أن أعيد من جديد، بحرية فكرية، فحص الكتاب المقدس، وألا أثبت أو أقبل شيئا من تعاليمه لم استخلصه منه بوضوح تام، وعلى أساس هذه القاعدة كونت طريقة لتفسير الكتب المقدسة ” ، وهو منهج ” لا يختلف عن ذاك المعتمد في تفسير الطبيعة، بل يتفق معها كليا ” ، الذي يعتبر الطبيعة جوهرا قائما بذاته لا يعتمد في وجوده إلا على ذاته، ولا يخضع إلا لقوانينه الداخلية التي يمكن معرفتها بالعقل، مثلما يستنتج كل شيء من الكتاب المقدس، يُفهم فقط من خلال قوانينه الداخلية في استقلالية تامة عن أي شيء لا ينتمي إلى النص .