دراسات سوسيولوجيةدراسات سياسيةدراسات شرق أوسطية

قراءة في كتاب دولة الإمارات العربية المتحدة بين ترسيخ الهوية وتعزيز الانتماء:دراسة سوسيولوجية تحليلية – وليد عبد الحي

قراءة في كتاب دولة الإمارات العربية المتحدة بين ترسيخ الهوية وتعزيز الانتماء:دراسة سوسيولوجية تحليلية
وليد عبد الحي

في كتابها ” دولة الإمارات العربية المتحدة بين ترسيخ الهوية وتعزيز الانتماء:دراسة سوسيولوجية تحليلية” الصادر عام 2017 ، تتناول الباحثة سعاد العريمي موضوعا في مجال علم الاجتماع السياسي حول المجتمع الإماراتي من زاوية ” الهوية والانتماء” وهما بعدان ينتميان للثقافة السياسية، وتتمركز اشكالية الدراسة حول تأثير عدم التوازن الديموغرافي الكبير بين المواطن الإماراتي وبين العمالة الوافدة ( حوالي1: 8) على الهوية الثقافية العربية الاسلامية وعلى مفهوم المواطنة، من ناحبة أخرى تحاول الدراسة رصد عملية التغير(الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي الداخلي ) في المجتمع الاماراتي من ناحية، وآليات التكيف معها في بيئة دولية تشكل العولمة ابرز سماتها من ناحية ثانية، وترى الدراسة ان مسؤولية حماية الهوية وتجذير الانتماء تقع على عاتق الاسرة والمدرسة والاعلام والمجتمع المدني ناهيك عن الدور الرسمي.
وتنبه الدراسة إلى ان الترابط الاقتصادي الذي خلقته العولمة بين مركز رأسمالي صناعي من جهة ومحيط من جهة اخرى، وتساهم فيه الشركات متعددة الجنسية من ناحية وتنامي دور المنظمات الدولية لاسيما ذات الصلة بحقوق الانسان من ناحية ثانية يستدعيا الحذر من الخلط بين مفهوم “العمالة المهاجرة” وبين مفهوم “العمالة المؤقتة” لأن الاول ينطوي على ابعاد سياسية للاستيطان وهو أمر غير منفصل عن الترويج ” لهوية توافقية” تقوم على ” تسكين الوافدين على ارض الامارات وتمكينهم من بعض قنوات الشرعية في صنع القرار” وهو امر تراه “يخدم السوق العالمية وقد يكسر العمود الفقري للبناء الاجتماعي” الإماراتي(ص.261).
لقد وظفت الباحثة نظريات علم الاجتماع بفرعية الثقافي والسياسي( دوركايم، بارسونز، ابن خلدون، جان جاك روسو، هنتينغتون) مع اتكاء أحيانا على الفلسفة لا سيما الوجودية(سارتر) لتحليل الظاهرة موضوع البحث،وتمكنت من الربط بين الابعاد السياسية( الدولة والسلطة والسياسة الخارجية) والاجتماعية( القبيلة والبداوة والأسرة ومنظومة القيم ) والاقتصادية (الاقتصاد الريعي، العولمة وتحويلات العاملين الاجانب) وتأثير هذا التفاعل كما تؤطره النظرية البنائية الاجتماعية لفهم اشكالية الهوية والانتماء في المجتمع الاماراتي.
ويمكنني- كقارئ – الزعم بأن الموضوع بأبعاده المختلفة واتجاهه التحليلي العام موضوع مطروق سواء على مستوى كل دولة خليجية او على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي بدءا من كتاب عبدالملك خلف التميمي” الاستيطان الأجنبي في الوطن العربي:المغرب العربي ،فلسطين والخليج العربي الصادر في الكويت عام 1983( بخاصة الفصل التاسع وعنوانه التأثيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للهجرة الاجنبية في منطقة الخليج(ص.181-215) ، ناهيك عن دراسات بلغات أجنبية تطرقت للموضوع مثل:
1-Zahra R. Babar: The Cost of Belonging: Citizenship Construction in the State of Qatar, MIDDLE EAST JOURNAL .VOLUME 68, NO. 3, SUMMER 2014.
2-Gulf Societies in Transition: National Identity and National Projects in the Arab Gulf States-workshop paper, Arab Gulf States Institute in Washington.no.3,2016
وعليه يمكن القول بأن اشكالية الهوية والانتماء في دولة الامارات قد تكون الأكثر وضوحا نظرا لعدم التناسب بين عدد المواطنين وعدد الاجانب العاملين في الدولة، اما مفردات الاشكالية فيه معروفة ومطروقة( اللغة، الحضر والبداوة، القبيلة ، الخلل الديموغرافي، العولمة، حقوق الانسان، التغير ،التكيف)، وهو ما يجعلني أؤكد ان ميزة الدراسة هذه ليست في جدة معطياتها بل في “التوسع” غير المخل في شرح هذه المفردات وتطبيقها على دولة الامارات العربية المتحدة، كما ان الدراسة حاولت المساهمة ببعض المصطلحات الجديدة مثل ذاكرة الارض والارض الثابتة(212-213) والهوية التوافقية(الفصل الثاني من الباب الرابع”…وغيرها.
في متن من 278 صفحة ، وموزع على أربعة ابواب، تضم مجتمعة 12 فصلا ، يضاف لها مقدمة وخاتمة، تطرح الكاتبة في المقدمة اشكالية الرسالة المركزية المتمثلة في مخاطر التباين بين الحجم السكاني للمواطنين وبين العمالة الأجنبية التي تنتمي لحوالي 200 جنسية، وتشرح وتحلل ابعاد هذه المسالة من زاوية الهوية والانتماء وما يتهددهما، تعرف في الفصل الاول مفهوم الهوية ودور التاريخ والجغرافيا في تشكيلها، مع التفرقة بين معاييرها الثابتة(كالدين مثلا) والمعايير المتغيرة(الموروث الثقافي )،ومحاولة تحديد علاقة ذلك بمفهوم الانتماء معتبرة ان الارث الثقافي العربي الاسلامي هو ” جدار الصد” عن الهوية في الامارات.وفي الفصل الثاني تناقش دور ” الآخر أو الجحيم كما يصفه سارتر” في تحديد الهوية من خلال الثقافة التي تشكل “الوسيط”(ص.38) بين الأنا والآخر،مع الإشارة الى دور الصراع (المنظور الماركسي) في تحديد الهوية. وفي الفصل الثالث تستعرض الباحثة مفهوم الولاء والانتماء عند المفكرين( مثل سارتر،دوركايم،ماكس فيبر،منظري العقد الاجتماعي( خاصة دورها في تحديد مفهوم المواطنة)، لتصل الى التأكيد على ان الانتماء”حاجة نفسية اجتماعية”، وهنا تنبه إلى ان انجاز مشروع الهوية الوطنية في الامارات ما زال مبكرا(65) مع الاشارة الى التناقضات التي ينطوي عليها المجتمع بكامله مثل” التناقض بين الوافد والمواطن، بين القبيلة والاتحاد،الانتماء المحلي(بين كل إمارة والاتحاد)،الى جانب ضعف المجتمع المحلي وشبه المركزية التي تسم الاتحاد وغياب الرمز الوطني.ولتجاوز هذه الجوانب تدعو لتعميق الانتماء من خلال تعميق المعرفة بالذات والآخر،والتعبير الحر، وربط الفردي بالكلي والاختيار المسئول. وعند الانتقال للباب الثاني في فصله الاول تناقش الهوية والتغير الاجتماعي فتتبع الانتقال السريع في الامارات(على ضوء المنظور الخلدوني) لتصل الى تشخيص بعض المؤشرات مثل عدم الاتساق بين الحداثة والانظمة التقليدية وضعف القيم السياسية بسبب الانتقال من التضامن البسيط المباشر الى التضامن المعقد، ثم تحاول الباحثة (وعلى خطى نظرية التطور عند نيوتن وداروين وسبنسر) ان تتبع مراحل التطور في المجتمع الاماراتي باتجاه مراحل التطور المعقدة وما ينجم عنها من تحولات في البنية والوظيفة ودور التدخل الخارجي في تحديد درجة هذا التغير كما تشرحها النظرية البنائية الوظيفية،وهنا تربط الباحثة ذلك كله مع نظرية التحديث لتقول بأن المجتمع لم يمر بمراحل التحديث، ثم عدم التكافؤ في العلاقة بين دول الخليج وبين دول المركز، وهنا تميز الباحثة بين الحداثة(التاسيس المعرفي للتحديث” وبين التحديث”التحولات استجابة لضرورات سياسية واجتماعية واقتصادية..الخ” وهو ما برز في الامارات العربية. في الفصل الثاني تناقش اثر التركيبة السكانية في الهوية الوطنية، حيث الخلل في نسبة المواطنين لمجموع السكان( اقل من مليون مواطن اماراتي مقابل قرابة ثمانية ملايين أجنبي) ، وهنا تثير موضوعات التأثير على الهوية والقيم واحتمال تحول الأجانب لطرح مطالب سياسية لاحقا وهو ما يجد هوى لدى بعض المنظمات الدولية، وفي الفصل الثالث الذي تكرسه الباحثة لدور الاعلام في تعزيز الهوية ،لكنها تنقد عدم وجود ” وجهة” حقيقية للاعلام وانفصاله عن الواقع والتخطيط الرسمي وضعف الرسالة الاعلامية امام قوة الرسالة الاعلامية المنافسة في ظل العولمة والنظام العالمي الذي تشرحه في الفصل الرابع (نظرية والرستاين 141-150) وما تنطوي عليه من مخاطر لا سيما أنها تطرح فكرة ” المواطن العالمي” ذي المصادر الخارجية لثقافته ، فإذا ترافق ذلك مع تزايد ظاهرة التسامح التي قد تصل حد التخلي عن الهوية لاسيما بين الأجيال الشابة(الفصل الاول من الباب الثالث وهي ايضا الفكرة المركزية في الجزء الخاص بالسياسة الخارجية في الفصل الاول من الباب الرابع)). وبعد العودة الى نظريات علم الاجتماع تعود الباحثة لمناقشة دور الاسرة في تعزيز الهوية بخاصة انها ترى تصدع الاسرة الممتدة لصالح الاسرة النووية، في الفصل الثاني(الباب الثالث) تشير الى أن تجدد انماط الحياة في المجتمع لم يرافقه”تحول في الطرح الآيديولوجي الفكري،وهو ما ادى لاستمرار دور القبيلة في هيكل الدولة البنائي نظرا لان العقد بين الدولة والقبيلة لم يكن عقدا اجتماعيا بل عقدا سياسيا.وتعود الباحثة في الفصل الثالث لتاكيد ان المجتمع عرف التحديث دون الحداثة،وهو ما أفرز ميلا نحو نزعة توافقية في الثقافة الاماراتية على غرار النموذج الامريكي.
تعتمد الدراسة منهجا وصفيا(عرض مقومات الهوية وتطورها التاريخي في الامارات العربية وملامح الولاء والانتماء وما اعتراه من تغيرات) ومنهجا تحليليا يرصد أنماط التفاعل بين ثلاث بيئات هي البيئة المحلية(المجتمع الإماراتي) والبيئة المحلية الوافدة( العمالة الوافدة في داخل الامارات) والعولمة( الترابط الثقافي والاقتصادي والتقني والسياسي والاجتماعي بين وحدات المجتمع الدولي المختلفة) ، وارى ان الرصد كان تفصيليا لكنه مترابط بين وحدات الدراسة، ورسم صورة واضحة توضح طبيعة الاشكالية القائمة عليها الدراسة وهي تداعيات الخلل بين مجتمع محلي (قليل السكان) ومجتمع وافد( يفوقه كثيرا في حجمه)، وقد وظفت الباحثة نظريات العقد الاجتماعي ونظرية العصبية واشكال العمران عند ابن خلدون وانماط الترابط العضوي والآلي عند دوركايم والنظرية البنائية الاجتماعية والمنظور الفلسفي لتشكل الأنا في مواجهة الآخر كما عبر عنها الفيلسوف الوجودي سارتر.
لكني لمست بعض الارتباك في التوصيف في الصفحات الأخيرة من الدراسة ، فأحيانا تأتي العبارات وكأنها تنم عن نقيض عبارات أخرى ،ولنتامل العبارات التالية:
-ص.252(السطور الخمس الاخيرة): ” حالة اللاتجانس التي يعيشها مجتمع الإمارات تلعب دورا ايجابيا في حفظ التوازن الداخلي للمجتمع المحلي وهي بمنزلة المحفز الرئيسي لحفظ الذات الفردية والجماعية” ، ولكن الباحثة تعود (ص.253 –السطران الاخيران من الفقرة الاولى) للقول ” يعيش المواطن الإماراتي وضعية فريدة يتجسد فيها التلاحم بين الأنا والآخر حتى الذروة” ، فالفقرة الاولى ترى ان اللاتجانس محفز رئيسي لحفظ الذات الفردية والجماعية..والفقرة الثانية تعني ان هناك “تلاحما بلغ الذروة… ثم تعود للقول (ص.261- الفقرة 3- السطر 4 ) ما يلي” إن التناقض بين الوافد والمواطن واقع ينبض به الشارع الإماراتي ” …قد تكون الصياغة في هذه العبارات غير موفقة؟..لست متأكدا من المعنى؟؟؟؟
لكني ارى ان مثل هذه الدراسات تبقى درجة اليقينية فيها موضع تساؤل، ولو اسعفت الباحثة دراستها بقدر كاف من الدراسات الميدانية حول الهوية والانتماء والصور الذهنية المتبادلة بين الوافد والمواطن ومستويات التزاوج والشراكات التجارية …الخ لكانت أكثر قدرة على تحديد مستويات هذه العلاقة وتأثيراتها على الهوية بخاصة ” اللغة والفن والمعمار والزي…الخ) أو درجة الوعي بين المواطنين لمستوى التهديد لهويتهم أو هل يشعرون فعلا بأنها مهددة وما مدى انتشار هذه الفكرة بين الأجيال (من المواطنين) او بين الذكور والإناث أو بين مستويات التعليم المختلفة او بين مستويات الدخل المختلفة او بين مختلف الشرائح طبقا لدور الدين في المجتمع في أذهانهم…
لذا أرى أن منهجية الدراسة تصلح لموضوعها(رغم ثغرة غياب الدراسات الميدانية) والتزمت الباحثة حدود الموضوع بشكل صارم، ووجدت اتساقا بين التوصيات الواردة في الدراسة(الصفحات 246-248) وبين التحليل الذي مهد لها في الفصول السابقة. كما أني لم المس بشكل دقيق وواضح حدود الأنا والآخر بين المجتمع الإماراتي من ناحية وكل من المجتمع الآسيوي غير العربي الوافد من ناحية ثانية والمجتمع العربي المسلم الوافد للإمارات من ناحية ثالثة ، فقد بدا لي ان الدراسة وضعت الشريحتين الثانية والثالثة في “سلة واحدة” باستثناء اشارات عابرة لا تكفي في هذا المجال.

نبذة عن الكتاب

تواجه الهوية الثقافية الإماراتية الكثير من التحديات نتيجة ما يتعايش في الدولة من ثقافات متعددة، إذ إن وصف الثقافة السائدة في المجتمع بأنها ثقافة عالمية هو أفضل توصيف لواقع المجتمع في دولة الإمارات العربية المتحدة؛ ليس لوجود الزخم الثقافي العالمي على أرضها فحسب، بل لأن المجتمع الإماراتي يتقبل ذلك ويتأقلم معه. ومن هنا يجب أن تكون محددات الهوية الوطنية مستندة إلى الثوابت والمقومات التاريخية المحلية، بالإضافة إلى المعطيات المجتمعية المستحدثة. فالهوية هي نتاج لأيديولوجيا نابعة من تفاعل مجموعة من العوامل الاجتماعية والدينية والسياسية والنفسية. وبذلك فإن قدرة الهوية على الرسوخ رهينة بدرجة التجانس التي تستطيع مقوماتها أن تحققها؛ بالإضافة إلى أن قدرتها على تحفيز الانتماء تخضع لعمق الترابط داخل مكوناتها. وللهوية الإماراتية القدرة على إنجاز هذه الشروط، إذا ما توافرت لها المساحة الكافية في الزمان والمكان. ويستلزم غرس الولاء في نفوس الناشئين من أبناء الإمارات وضع معايير محددة للتنشئة الاجتماعية، ويستوجب روحاً وطنية عالية وفاعلة بعيدة عن المصلحة الفردية الضيقة؛ ويحتاج الإنسان الإماراتي إلى وعي تام بمقتضيات العلاقة بين الذات الفردية والجماعية وبين الآخر المختلف ثقافياً. وهذا الشرط لن يتحقق إلا بإعادة النظر في المناهج والسياسات التربوية، ولا مفر من تبني استراتيجية تعتمد على المساءلة النقدية. إن ما تتطلبه الحال في مجتمع الإمارات الآن هو العمل على ترسيخ هوية وطنية بمكونات جامعة، بحيث يكون قوام هذه الهوية الوطنية مرتكزاً على المقومات العربية ذاتها، على الرغم من تصدع تلك المقومات والحاجة إلى إعادة تعريفها، مع المحافظة على مسافة احترام وتفهم لاختلاف الثقافات الأجنبية الوافدة وتنوعها

 

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا [email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى