محمد عبدالرحمن عريف

  هو الديبلوماسي المصري, أول سفير في دولة الكيان “الإسرائيلي” ذهب ليتسلم مهام عمله في 24 شباط/ فبراير 1980، وهو نفس يوم قدوم أول سفير إسرائيلي إلياهو بن إليسار. تم استدعاءه إبان الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982. شغل أيضًا سفيرا لدى الإمارات العربية المتحدة. هو سعد مرتضى الذي ذكر في مذكراته، تحت عنوان “مهمتي في إسرائيل”، أنه يتفهم ما أُطلق عليه من خصوم اتفاقية السلام، بأنه قام بالمهمة الملعونة، مستعرضًا كل أفكار من رفضوا السلام بين مصر وإسرائيل، معلنا تقديره واحترامه لكل الذين استقالوا من عملهم، احتجاجًا على ما قام به السادات منذ زيارته إلى القدس، في تشرين الثاني/ نوفمبر 1977، مثل وزير الخارجية إسماعيل فهمي، مؤكدًا أنه اقتنع بما قام به السادات، وآمن به.

    لفت في مذكراته إلى الترحيب الشديد الذي لقيه في إسرائيل، من كل المسؤولين هناك، حيث تلقى الدعوات من مراكز الأبحاث والصحف، والأحزاب، والكنيست، وقادة إسرائيل، لمقابلته، إلا أنه في أيلول/ سبتمبر 1982، وعقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان، سحبت مصر سفيرها، سعد مرتضى، احتجاجًا على مذابح إسرائيل في صبرا وشاتيلا.

   هنا نتذكر أن مشكلة دير السلطان المملوك للكنيسة المصرية في القدس، هي من أكثر القضايا التي حاول السفير سعد مرتضى حلها، حيث استولى الرهبان الأحباش عليه، عام 1970، ولجأت الكنيسة إلى المحكمة العليا في إسرائيل، حيث حكمت بأحقية كنيسة مصر بالدير، إلا أن الحكومة الإسرائيلية لم تسلمه للكنيسة بدعوى أن ذلك يعد تدخلًا منها في شؤون الأديان داخل تل أبيب.

    يقول المؤلف في مقدّمة كتابه: “لقد أتاحت لي هذه المهمة أن أرى إسرائيل من الداخل، وأن ألتقي بالمسئولين فيها، وأن أعرف الكثير من أهلها في غير نطاق العمل الرسمي، كما تجوّلت في مناطق عديدة وتعرّفت على بعض نواحي الحياة فيها”. ولذلك فهو يحاول في هذا الكتاب نقل الانطباعات والمشاعر التي أحسّ بها أثناء هذه الفترة إلى القارئ المصري والعربي، وأيضاً توضيح صورة المهمة التي أدّاها، وبهذا قد يكون في قراءة تجربته محاولة لإزالة الغموض الذي يحيط بحقيقة الدولة الإسرائيلية.

   يتكوّن الكتاب من 11 فصلاً، تبدأ بردّ على سؤال طالما واجهه المؤلف، وهو: لماذا قَبِل هذه المهمة؟ ثم التمهيد للسفر، كيف وجد إسرائيل؟ والشخصيات الإسرائيلية التي التقاها، ثم فصل عن المؤسسات مثل الكنيست والكيبوتس وغيرهما وعن حياته ورحلاته في إسرائيل، ثم فصل عن مسيرة التطبيع، وآخر عن محادثات الحكم الذاتي الفلسطيني، وفي الفصل الثامن يتحدّث عن وقوف مصر في جانب الشرعية الدولية، ثم إتمام الانسحاب من سيناء، ثم فصل تحت عنوان “السلام والسلام البارد”، وفي الفصل الأخير يتحدّث عن غزو لبنان والذي تزامن مع استدعائه وعودته إلى مصر بسبب تطوّر الأحداث في ذلك الوقت.

   يحكي “سعد مرتضى” عن البداية والتي كانت في 18 كانون الأول/ ديسمبر 1979 فيقول: “استدعاني الدكتور بطرس غالي لمقابلة في مكتبه، وما إن جلست حتى سألني “ما رأيك في إسرائيل؟”، وارتسمت على شفتيه شبه ابتسامة، وأضاف وكأنه يشجّعني على القبول: “إنك ستكون بذلك أول سفير لمصر في إسرائيل.. وستدخل التاريخ”، ولم أكن في حاجة للتشجيع على قبول المهمة، وربما لم يكن مما يهمني كثيراً أن يذكر التاريخ اسمي… إنني سبق أن فكرت في احتمال عرض هذا المنصب عليّ، لكنني عُدت فاستبعدت هذا الاحتمال؛ لاعتقادي أن المهمة سيكلّف بها أحد ممن شارك في محادثات السلام أو عمل في شئون فلسطين.. لذلك فوجئت بالعرض، ومع ذلك فإن اقتناعي المسبق بفكرة السلام مع إسرائيل دفعني إلى قبول المنصب دون تردّد. كان شرط اقتناع السفير “سعد مرتضى” بفكرة السلام مع إسرائيل مهمّاً؛ لكي يستطيع القبول بالمهمة الصعبة، فهو ليس سفيرًا كأي سفير، ولكنه سيتعامل مع شعب يتخيّله معظم العرب كوحوش آدمية ونظام سادي، ولكن “سعد مرتضى” كان يرى شيئاً آخر، فيُؤكّد عبر مذكراته وفي أكثر من موضع “أن المجتمع أو الشعب اليهودي بأسره يودّ أن يعيش في سلام مع الدول العربية المحيطة به.. إنها ليست رغبة، بل هذه أمنيته التي يأمل أن تتحقق ولو بعد سنين طويلة”.

   لقد كان وضع السفير المصري في بداية رحلته مميزاً جداً، فيُؤكّد أنه “كانت الحفاوة والترحيب غير عاديين”.. “لقد أمضيت سنوات طويلة في خدمة السلك الدبلوماسي المصري قبل سفري إلى إسرائيل، ولم أرَ خلالها مثل هذا الترحيب وتلك الحفاوة بأي شخص آخر”. وبهذا الترحيب بدأ في الاندماج في المجتمع الإسرائيلي والذي شبّهه بالبوتقة التي انصهرت فيها العديد من الحضارات والثقافات ورغم تأكيده بأن “الفوارق بين هذه الطوائف واضحة، سواء في ملامح الوجه الأوروبية أو الشرقية، أو في طريقة المعيشة، وحتى في طريقة نطق اللغة العبرية”؛ فقد استطاعوا أن يجتمعوا على كون إسرائيل دولة عبرية يهودية.

    في الأيام الأولى عرف “مرتضى” أن اليهود يشتركون مع المسلمين في تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وأدرك أيضًا عندما سافر إلى إسرائيل “أن نحو 20% فقط من اليهود هناك هم من يتمسكون بكل تعاليم الدين اليهودي، ولكن كل اليهود من شعب إسرائيل يحترمون هذه التقاليد، ويعتبرونها جزءاً من تراثهم وحضارتهم حتى إذا لم يتّبعوها بدقة”.

    عن صفات الشعب الإسرائيلي المميزة قال: “إن شعب إسرائيل يتمتع بالنشاط والحيوية مع القدرة على التخيّل والابتكار، كما يتصف بالمرونة والتكيف السريع على الظروف الجديدة، ولا يلتزم المفكرون فيه بالنظريات والنصوص التي درسونها في الكتب، بل يستخدمون عقولهم وخيالهم. كما أنهم يطوّرون مراكزهم بسرعة، ويستفيدون من الأوراق الرابحة في أيديهم، ولا يقولون “لا” النهائية في البداية، ولكنهم يدفعون خصومهم إلى الرفض؛ لأنهم مفاوضون مهرة وعنيدون، ولا يعتمدون على الحق وحده، ولكنهم يستندون إلى الأمر الواقع والقوة. كما أن الوعي السياسي متقدم في إسرائيل، ويثق الإسرائيلي في إعلامه ومسئوليه؛ لأنهم عادة ما يتحدّثون بحرية وصراحة غير متوفرة في بعض دول المنطقة.. إنهم لا يُخفون الحقائق عن أنفسهم، ويسمّون الأشياء بأسمائها الحقيقية، ويعترفون غالباً بالفشل وبخسائرهم العسكرية. والإسرائيلي لا يسكت على وضع لا يعجبه دون أن يفصح عن رأيه، كما أنهم يتمتعون بروح الدعابة والفكاهة، ويُطلقون النكات حتى على اليهود ورجال الدين اليهودي. وللإنسان الإسرائيلي أحاسيسه ومشاعره وهو يعبّر عنها في مختلف المناسبات، وقد دفعتنا خلافاتنا وحروبنا معهم وما وقع خلالها من مذابح إلى أن نتصوّر أن الإسرائيلي متحجّر القلب. وأن الفرد الإسرائيلي لا يكتفي بكلمة “لا” ولا يقبلها بسهولة كإجابة لطلبه؛ إذ لا بد أن يسأل عن السبب، وأن يناقش ويقدّم الحجج ويلحّ حتى يحصل على طلبه، إن الإسرائيلي لا يعرف معنى “الباب المغلق”؛ فلكل باب طريقة خاصة لفتحه، وإلا فهناك أبواب أخرى يطرقها أو يدور حولها دون يأس أو ملل. أما أسطورة “البخل اليهودي” فهي ليست صحيحة على إطلاقها، فهناك الكريم والبخيل، ولكن الإسرائيلي عادة لا يبذّر المال، ولا ينفقه على المظاهر”. كما تحدث الكتاب عن عرب إسرائيل، وكيف يقلّ مستوى معيشتهم عن اليهود ويعمل معظمهم بالزراعة، وعن اليهود والاحتفال بالأعياد والمحلات التجارية والمكتبات والسينما والمسرح.

   “في صباح الحادي والعشرين من أيلول/ سبتمر ١٩٨٢ اتصل بي الدكتور أسامة الباز مدير مكتب الرئيس للشؤون السياسية، وفهمت علي الفور أن قرار استدعائي قد اتخذ، قبل أن يبلغني به لأن تطور الأحداث كان يستلزم ذلك التصرف، فالرئيس مبارك رفض أن يستسلم للانفعالات الشعبية والمطالبة بقطع العلاقات مع إسرائيل أو إبعاد سفيرها، واتخذ قرارًا مدروسًا بسحب سفيره من إسرائيل، وأعلنت وزارة الخاجية قرار استدعاء السفير من تل أبيب للتشاور وكان ذلك تعبيرًا عن الاستياء البالغ للحكومة المصرية”.

   هكذا وصف سعد مرتضى الدبلوماسي المصري، بداية النهاية لمهمته أول سفير لمصر لدى إسرائيل في أعقاب مذبحة صبرا وشاتيلا، وهي المهمة التي أوكلت إليه في ١٩٨٠ في أعقاب اتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية، كما أنها المهمة التي وصفها له في حينه الرئيس أنور السادات بأنها “فريدة”؛ حيث يكون أول سفير مصري في إسرائيل وذلك في ختام سنوات طويلة من العمل الدبلوماسي. كلمات سعد مرتضى جاءت في الفصل الأخير من كتابه الصادر عن دار الشروق عام ٢٠٠٨ «مهتي في إسرائيل – مذكرات أول سفير مصري في تل أبيب». ويأتي الوصف الذي قدمه «مرتضى» لتفاصيل إبلاغه باستدعائه من إسرائيل التي كان قد وصلها في الأسبوع الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر عام ١٩٨٠ في أعقاب الإعلان عن تكليفه بالمهمة في نهايات عام ١٩٧٩، بعد أيام قليلة من إخبار الدكتور بطرس غالي له بهذا التكليف، يأتي مشابها لحد كبير في الوصف الذي يقدمه السفير المصري في الفصل الأول من الكتاب لتفاصيل استعداده الأول للذهاب الى إسرائيل بدءا بالمشاركة في قمة أسوان التي ضمت السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجين في يناير ١٩٨٠ مرورًا بلقاء العشرين دقيقة الذي جمعه مع السادات في منزل الرئيس بالجيزة حيث أبلغه الرئيس “أنك ستمثلني أنا شخصيًا”.

   ثم استعدادات المهمة من لقاءات هامة وتفاصيل تأمينه وصولًا إلى ركوبه طائرة صغيرة برفقة مجموعة محدودة من وفد أول سفارة مصرية في إسرائيل وما دار بذهنه أثناء الرحلة التي استمرت أكثر قليلًا من ساعة وصوله إلى مطار تل أبيب؛ حيث قابل إلياهو بن اليسار المتجه للقاهرة، ليكون أول سفير لإسرائيل لدى مصر ثم لقائه مع الرئيس الإسرائيل إسحاق نافون بعد تقديم أوراق اعتماده في السادس والعشرين من شباط/ فبراير عام ١٩٨٠.

   في وصفه لساعات المغادرة لإسرائيل بعد مهمة ٣١ شهرًا يتحدث «مرتضى» عن إجراءات أمنية استثنائية ورحلة عودة برية عبر سيناء وانسحاب رجال الأمن الإسرائيليين عند وصول موكب السفير إلى رفح. وفيما بين مشاهد الاستعداد للمهمة ومشاهد الانتهاء منها يقدم كتاب سعد مرتضي الواقع في أكثر من ٣٠٠ صفحة من القطع الكبير، والذي يقول السفير المصري عنه أنه ليس تجميعًا مرتبًا لما حدث وإنما هو سرد مبسط، وجاء خاليًا من الوثائق ومن تفاصيل استدعت المحاذير عدم ذكرها، ما يعتبر شهادة بالغة الأهمية عن فصل كثيف التفاصيل والتعقيدات من العلاقات (المصرية- الإسرائيلية) وأيضًا مسار التفاوض من أجل التسوية بين إسرائيل والعرب.

   شهادة «مرتضى» ليست بالأساس عن تلك المهمة الدبلوماسية التي وقعت في نهاية حكم السادات قبل اغتياله في تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٨٠ وانتهت في السنوات الأولى لحكم حسني مبارك. كذلك فشهادة «مرتضى» تحمل، ربما عن دون قصد، قراءة موثقة لمنهج إسرائيلي واضح لا يبدو في ظل أحداث اليوم قد وقع عليه أي تغيير، إلا من ازدياد في التشدد؛ لصياغة العلاقات (العربية- الإسرائيلية) واختيار الحلفاء، كما وأنها أيضًا تشير ربما عن غير قصد بظلال لمواقف عربية من إقامة علاقات مع إسرائيل لإنهاء الصراع في جمل عابرة مثل إشارته إلى أن «السعودية والأردن» اكتفا بإبداء الدهشة إزاء قرار الرئيس السادات السفر للقدس سعيًا للسلام.

   يحمل الفصل الثامن لكتاب «مرتضى» مقطعًا من أهم المقاطع الكاشفة في هذه الشهادة حول السياسات الإسرائيلية، بل ربما الثوابت الإسرائيلية للتفاوض؛ ففي الفصل المعنون «مصر في جانب الشرعية الدولية» يتحدث الكاتب عن عدد من القرارات التي أصدرتها حكومة «بيجين» في الشهور الأولى للسلام المصري الإسرائيلي وحتى تسببت في توتر العلاقات، مؤكدًا أن «سياسة إقامة المستوطنات اليهودية في الأراضي العربية المحتلة» كانت علي رأس هذه القرارات. وأشار في الوقت نفسه –بلغة لا تخلو من استياء غير معلن– إلى أن «اتفاقية كامب ديفيد لم تنص على عدم شرعية أو وجوب وقف بناء المستوطنات، رغم ادعاء إسرائيل أن الهدف من هذه المستوطنات تأمين أراضيها ورغم ما صرح به المسؤولون الإسرائيليون أنهم يستخدمون الموارد المائية لكل المستوطنات وكل الأراضي المحتلة منذ عام ١٩٦٧ وإن اسرائيل ليست بصدد التفاوض على المياه حتى “عند انضمام” باقي الدول العربي للتفاوض.

   «مرتضى» يتحدث في الفصل ذاته عن قانون ضم القدس الشرقية في تموز/ يوليو ١٩٨٠؛ بناء على مشروع قانون مقدم من عضو الكنيست السيدة جيئولا كوهين عضو حزب “هتيما” المتطرف، واتساقًا مع ما أعلنه المفاوضون الإسرائيليون لنظرائهم من المصريين بشأن أن إسرائيل تصر على أن القدس موحدة “منذ عهد الملك داوود” وليس عليها سيادتان وذلك في سياق الرفض الإسرائيلي للمقترح المصري بأن تبقى القدس موحدة على أن تكون القدس الشرقية واقعة تحت السيادة العربية تحت إشراف مجلس الأمن الدولي. ويقدم هذا الفصل نفسه قراءة في تاريخ حدود المواقف الأمريكية تقليديًا إزاء ما تقوم به إسرائيل في ملف الصراع (العربي- الأسرائيلي)، والتي تمثل تذكيرًا لافتًا باختلاف المواقف الأمريكية القادمة ربما تحت عهدة الرئيس الجديد دونالد ترامب؛ حيث يشير «مرتضى» إلى أنه بعد ضم القدس الشرقية كان بيجين يعتزم نقل مكتبه إلى القدس الشرقية وأن ما أوقفه عن فعل ذلك هي الانتقادات الأمريكية الشديدة التي وصلت لوصف مثل هذاالقرار بأنه «يعرقل» مسيرة السلام، كما يشير أيضًا إلى امتناع الولايات المتحدة عن التصويت ضد أول قرار يصدر عن مجلس الأمن لإدانه إسرائيل اتصالًا بضم القدس الشرقية حيث طالب القرار البلاد التي لها سفارات في المدينة بنقلها إلى مدن أخرى داخل إسرائيل.

   تشمل مذكرات «مرتضى» عن مهمته سفيرًا لمصر في إسرائيل أيضًا إشارات إلى مواقف أمريكية رافضة لتبني إسرائيل قانون ضم الجولان في كانون الأول/ ديسمبر 1981 ومن ذلك قرار واشنطن وقف محادثات التعاون الاستراتيجي مع إسرائيل وهو ما أثار حفيظة بيجين الذي أعلن رفضه أن تتعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع إسرائيل كما لو كانت «من جمهوريات الموز»٫ واستمرار الولايات المتحدة رغم ذلك في دعم قرار صادر عن مجلس الأمن بإجماع الآراء وصف فيه قانون ضم الجولان بأنه غير مشروع.

   سياقات المواقف الأمريكية التقليدية إزاء السياسات الإسرائيلية يعرج عليها أيضًا «مرتضى» في وصفه للتدخل الأمريكي الذي قام به الرئيس رونالد ريجان في عام ١٩٨٢ “بصورة حاسمة” مع إسرائيل أثناء اجتياح بيروت.كما يلفت «مرتضى» في كتابه للمدى الذي يمكن أن تذهب إليه إسرائيل في اتخاذ إقرارات دون أن تعبأ كثيرًا بما قد يعنيه ذلك لحال التفاوض (العربي- الإسرائيلي) ليس فقط من خلال قرارات مثل ضم القدس الشرقية والجولان التي مثلت مفاجاءة للقاهرة حسبما يروي ولكن ايضًا في قرار تدمير المفاعل النووني العراقي في السابع من حزيران/ يونيو بعد ثلاثة ايام علي لقاء الرابع من حزيران/ يونيو الذي جمع الرئيس المصري مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في شرم الشيخ.

   يعد الفصلان السادس «مسيرة التطبيع» والعاشر «السلام والسلام البارد» من أهم فصول كتاب «مرتضى» حيث إنهما يوجزان حديثًا مازال دائرًا اليوم بعد قرابة ٤٠ عامًا عن وصول أول سفير مصري لإسرائيل حول المدى الذي يمكن أن تذهب له الدولة المصرية على صعيد والشعب المصري والمثقفين المصريين على صعيد اخر في قبول علاقات “عادية” مع اسرائيل.

   في حديث التطبيع يذكر «مرتضى» أن جولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل أثناء حرب تشرين الأول/ أكتوبر، كانت تعتبر أن التطبيع يعني ببساطة أن يتمكن الإسرائيليون من الذهاب للقاهرة للتسوق الاعتيادي، كما يلفت إلى أن الرئيس الإسرائيلي اسحاق نافون، كان يرى كما أخبر يومًا مجموعة من الشباب المصري الذين زاروا إسرائيل، أن زيارة المواطنين أهم بكثير من زيارة المسؤولين. كما يشير «مرتضى» في حديثه عن التطبيع إلى أن القاهرة وافقت على التمثيل الدبلوماسي وإرساء الموصلات البحرية، الجوية وأشكال الاتصالات المختلفة ووافقت أيضًا على اشتراك إسرائيل في معرض الكتاب الدولي بل وأقامت معرضًا لأعمال محمود سعيد في أبيب، ولكن الواقع أن الشعب المصري لم يقدم على زيارة الجناح الإسرائيلي في معرض الكتاب كما لم يقدم على السفر لإسرائيل رغم تأسيس شركة طيران؛ لتفادي وقوع مصر للطيران تحت قرار المقاطعة العربية في حال تشغيل رحلات القاهرة تل أبيب.

    رغم أن شهادة «مرتضى» تشير إلى استمرار التعاون (المصري- الإسرائيلي) بعد اغتيال السادات، الذي أثار حزنًا كبيرًا في إسرائيل، في بدايات عهد مبارك على مسارات بيع البترول لإسرائيل والتعاون الزراعي لاستصلاح نصف مليون فدان في شرق الدلتا واستقدام وسائل الزراعة الحديثة من إسرائيل والنظر في إمكانات التعاون الصناعي، إلا أنه يصف مشاركة «بيجين» في جنازة السادات بأنها كانت بداية لما دأب الإسرائيليون على وصفه بالسلام البارد ويعرض أيضًا لرواية لم تتردد كثيرًا عن ترتيبات جرت في أول حكم مبارك لزياره له لإسرائيل تم إلغاؤها على خلفية إصرار مبارك عدم زيارة القدس وإعلان «بيجين» أنه لن يلتقي بالرئيس المصري في تل أبيب.

   الفصل الرابع في الكتاب يضم أهم الساسة الإسرائيليين الذين كان لهم دورًا في صياغة بدايات العلاقات (المصرية- الإسرائيلية) مثل بيجين وشيمون بيريز وإسحاق رابين واسحاق شارون، الذي أصر عند أول زيارة قام بها للرئيس مبارك في بدايات حكمه أن ياتي بالطريق البري عبر سيناء وليس عبر الممر الشمالي الذي كان مقررًا للرحلات البرية الإسرائيلية، وفي خلال استعراضه لقرائته لهذه الشخصيات وغيرها التي تنتمي لحزبي العمل والليكود وغيرهما من الأحزاب السياسية الإسرائيلية يأتي حديث «سعد مرتضى» عن مواقف ثابتة لهم جميعا فيما يتعلق بالقدس الموحدة والمستوطنات كتأمين لإسرائيل والحرص عن البحث عن رفات الجنود الإسرائيلين في سيناء ورفض مناقشة الحقوق المصرية في تعويضات والسعي الحيثث لتوسيع مجالات التعاون المصري الإسرائيلي.

    هكذا يعتبر كتاب “مهمتي في إسرائيل” (من إصدارات دار الشروق) من الكتب القليلة التي تطرّقت إلى تجربة الحياة في قلب إسرائيل، وتحتوي خبرة حقيقية بالمجتمع الإسرائيلي اتفقنا معها أم لا. وشملت مذكرات مرتضى توضيح سبب قبوله هذه المهمة، وكيف وجد إسرائيل؟ وما الشخصيات الإسرائيلية التي التقاها؟ حيث ذكر أن الشعب الإسرائيلي لا يعتمد على الحق وحده، ولكن يستند إلى الأمر الواقع والقوة، كما أن الوعي السياسي يعد متقدما في إسرائيل، ويثق الإسرائيلي في إعلامه ومسؤوليه، ولا يخفون الحقائق عن أنفسهم، ويسمون الأشياء بأسمائها الحقيقية، ويعترفون غالبا بالفشل وبخسائرهم العسكرية.

  في النهاية يبقى كتاب «سعد مرتضى» قراءة سهلة كما أراد لها الدبلوماسي المصري، وهي أيضًا قراءة كاشفة لبدايات مسيرة العلاقات (المصرية- الإسرائيلية) التي أسست لعلاقات عربية إسرائيلية يجري الحديث الرسمي اليوم في العلن قليلًا وخلف الكواليس كثيرًا عن “توسيع كامب ديفيد”.