دراسات سياسية

قراءة في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس

بقلم: أحمد فايق دلول

كان واضحاً حجم الانحياز الأمريكي لدولة الاحتلال الصهيوني منذ مجيء الرئيس الأمريكي الحالي “دونالد ترامب” لسدة الحكم، وهو الرئيس الذي عاش حياته الاقتصادية على “مبدأ الصفقة” التي نقلها إلى حياته السياسية.

في أواخر العام الماضي صرَّح “ترامب” على حسابه في موقع (تويتر) بأنَّ “الولايات المتحدة أزاحت مدينة القدس -الجزء الأصعب- من جدول أعمال المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية”. وهو ما يعني أنَّ القدس لا علاقة لها بالفلسطينيين أو العرب أو المسلمين من وجهة نظر “ترامب”، وهذا ما بدا واضحاً من سلوكه السياسي في وقتٍ لاحقٍ.

في ورقة تقدير موقف أعدَّها كاتب هذه السطور لمجلة البيان تحت عنوان “الشرق الأوسط في العام الأول من عهد ترامب”؛ أكَّد الباحث أنَّ “ترامب” مقبل على تعطيل الدولة الفلسطينية فهو لا يعترف أساساً بوجود قضية فلسطينية، وحل الدولتين ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، حيث لم ينفك “ترامب” من الحديث عن نيته نقل سفارة أمريكا من تل أبيب إلى القدس المحتلة، كخطوة في طريقة إعلان يهودية دولة الاحتلال الصهيوني؛ مع ما يترتب على ذلك من تهجير فلسطينيين 48، والسيطرة على الضفة الغربية وربط أجزاء صغيرة منها بالأردن في سياق فيدرالية أو كونفدرالية بين الجانبين.

لقد قرر “ترامب” مؤخراً نقل سفارة بلاده إلى القدس، مع التأكيد على اعتراف بلاده بالقدس كعاصمةٍ أبديةٍ وموحدةٍ لدولة “إسرائيل”، كما أكَّد أنه أمَرَ ببدء التحضيرات لنقل السفارة من تل أبيب إليها. وجاء ذلك في خطابه المشئوم مساء يوم (6 كانون أول /ديسمبر 2017م)، وبالتالي؛ ضرب بعرض الحائط كل الأصوات التي كانت ترفض نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. وبعدها بدأت الولايات المتحدة بإجراءات نقل سفارتها، فقامت بتجهيز المقر الجديد في حي أرنونا في القدس المحتلة، ووضعت كل الإشارات المرورية اللازمة لذلك، وقامت بتعميم عنوانها على كل المؤسسات الدولية والسفارات الأجنبية العاملة في الأراضي المحتلة.

وبالفعل؛ قامت الإدارة الأمريكية بنقل مقر سفارتها إلى القدس وسط احتفالٍ كبيرٍ في الذكرى الـ70 لإعلان قيام دولة الاحتلال الصهيوني على أشلاء الفلسطينيين، وجرت إزاحة الستار عن المقر الجديد للسفارة يوم (13 أيار/مايو 2018م)، بحضور “إيفانكا ترامب” وزوجها “جاريد كوشنر” كبير مستشاري البيت الأبيض، ووزير الخزانة الأمريكي “ستيفن منوشين”، ونائب وزير الخارجية “جون سوليفان”، وسفير أمريكا في دولة الاحتلال “ديفيد فريدمان”، وعددٍ كبيرٍ من الدبلوماسيين والسياسيين الأجانب الذين يؤيدون سياسات إسرائيل. وقال “جاريد كوشنر”: “نحن اليوم نهدي سفارتنا الأمريكية الجديدة للقدس، وهو وعد قديم للشعب الأمريكي والإسرائيلي”.

خطورة إعلان القدس عاصمةً لإسرائيل

بُعيد الاحتفال بنقل السفارة الأمريكية؛ قالت الرئاسة التشيكية إنَّ التشيك والمجر ورومانيا عطلت تبني إعلان أوروبي ينتقد نقل السفارة الاميركية من تل ابيب الى القدس. وهذا بالطبع يشير إلى أنَّ ثمَّة دولاً غربية مقبلة على نقل سفاراتها إلى القدس من تل أبيب.

بعد أمريكا؛ نقلت غواتيمالا رسمياً سفارتها في دولة الاحتلال من هرتسليا قرب تل أبيب المحتلة إلى مبنى الحديقة التكنولوجية في المالحة غربي القدس المحتلة، بحضور رئيس غواتيمالا “جيمي موراليس” ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ووصف “موراليس” نقل السفارة للقدس المحتلة بأنه يوم تاريخي في العلاقات بين بلاده وإسرائيل، في الوقت الذي أشاد فيه نتنياهو بهذه الخطوة، مشيرا إلى أن غواتيمالا كانت ثاني دولة تعترف بإسرائيل.

أما دولة باراغواي فهي الأخرى أقدمت على نقل سفارتها الى القدس المحتلة كثالث دولة، بحضور رئئسها “هوراسيو كارتيس”، وبذلك تصبح بلاده ثالث دولة تتخذ خطوة مثيرة للجدل بعد الولايات المتحدة وغواتيمالا. وألقى كل من كارتيس و “نتنياهو” كلمة في حفل مراسم الافتتاح في الحديقة التكنولوجية في المالحة بالقدس الغربية. وقال نتنياهو إن باراغواي دعمت الاعتراف بإسرائيل في الأمم المتحدة، وأضاف “نحن لم ننس ذلك، وكانت دائما تقف إلى جانب إسرائيل في المؤسسات الدولية”.

لقد كانت غواتيمالا أولى الدول التي تقرر نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، ضاربة بعرض الحائط مشروع القرار [A/RES/72/15] الذي صوَّتت عليه 128 دولة، وهو ما يشير إلى احتمال نقل الدول ال6 المتبقية سفارتها إلى القدس.

وبحسب موقع “جويش برس”، فإن وسائل الإعلام الرومانية قد أعلنت أن السلطات الرومانية تدرس بجدية نقل سفارتها في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، وذلك بحسب ما صرح به رئيس البرلمان الروماني “ليفيو دراغنا” زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروماني، يوم (24 كانون الأول/ديسمبر 2017م)، أي بعد التصويت على القرار بيومين. وقالت السفارة الرومانية في دولة الاحتلال لصحيفة “إسرائيل هايوم”: “إنَّ الحديث عن نقل السفارة حقيقيًا، على الرغم من الأصوات في مجلس النواب الروماني التي تقول إن العملية يجب أن تتم من خلال وزارة الخارجية”.

وكانت الفلبين قد أعلنت عن نيتها نقل سفارتها إلى القدس بعد قرار ترامب مباشرة، وقالت الإذاعة الصهيونية إنَّ رئيس الفلبين “رودريغو دوتيرتي” أبرق برسالة إلى إسرائيل يعلن فيها أن بلاده عازمة على نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس. صحيح أن الفلبين لم تقم بنقل سفارتها حتى اللحظة؛ لكنها في الوقت نفسه لم تتراجع على قرارها، ومن الملاحظ أن العلاقات القوية التي تربط الفلبين مع أمريكا قوية جداً، والفلبين حليف استراتيجي للولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

أما جمهورية التشيك فلها أكثر من موقف، حيث صرَّح الرئيس التشيكي “ميلوش زيمان” بعد قرار ترامب بيوم تأييدها للقرار وعزمها نقل سفارتها للقدس، وفي اليوم التالي صرَّح رئيس الحكومة التشيكية “أندريه بابيس” برفض حكومته قرار ترامب وعدم نيتها نقل السفارة، وهذا التضارب في التصريحات يجعلنا نفترض الأسوأ من ناحية، وننظر إلى طبيعة العلاقات التي تربط البلدين من ناحية أخرى، لكن من المؤكد أن مصالح التشيك أسمى بالنسبة لها من الوقوف بجانب الفلسطينيين.

ومن الضروري الأخذ بالاعتبار أنَّ نقل سفارة أمريكا للقدس يمهِّد الطريق أمام كل المؤسسات الأجنبية العاملة في الكيان الصهيوني لنقل مقراتها إلى القدس، ويشرعن احتلال القدس بشكلٍ يتعارض مع القوانين والقرارات الدولية.

ماذا بعد؟!

من المؤكد أنَّ اعتراف أمريكا بالقدس عاصمة أبدية وموحَّدة لإسرائيل قد قطع الطريق أمام العملية السلمية وأكَّد على عبثية المفاوضات التي استمرت لأكثر من 3 عقود، وبالتالي؛ قضى على احتمالات التوصل لشكل من أشكال الحل السياسي بالطرق السلمية، ولم يكن أمام الفلسطينيين إلا “القدس أو ديس” وأجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا بالطبع يشكل التفافاً على قرارات الشرعية الدولية وخاصة قرار 181 الخاص بالتقسيم، وقرار 194 الخاص بعودة وتعويض اللاجئين،

صحيح أنَّ القدس هدف للصهاينة والأمريكان، لكنها في نفس الوقت ليست الهدف الأول ولن تكون الهدف الأخير، ومن المؤكد أنَّ بدء الإدارة الأمريكية بملف القدس –كأهم ملف من ملفات الحل النهائي للصراع العربي الصهيوني- يعني بالضرورة أنَّ الأمريكان بدأوا بالملف الأصعب، وإذا سكت العرب عن ذلك سيكون من السهل تصفية الملفات الأخرى، وبالتالي؛ سيكون الأمريكان مقبلون على تصفية ملفات أخرى مثل: اللاجئين والاستيطان وحل الدولتين والحدود وغيرها، ولا يخفى على أحد كيف قلَّص ترامب مساعدات بلاده لمؤسسة (أونروا)، في محاولة منه لتصفية قضية اللاجئين، وطلب في حينه رئيس الوزراء الصهيوني “نتنياهو” بتفكيك الأونروا، أما الاستيطان فقد قطَّع أوصال الضفة الغربية، وأضحى أكثر من 90 % من الأخيرة خاضع للاستيطان، وبالتالي؛ غابت الحدود السياسية، وذهبت العاصمة أدراج الرياح، وفقدت الدولة الفلسطينية الموعودة ركن “الإقليم”، وبالتالي؛ ليس بخافٍ أن القضية الفلسطينية اليوم تخضع للتصفية والذوبان.

حتى دول الجوار العربي ليست بعيدةً عن الأطماع الصهيونية المدعومة أمريكياً. وإذا ما صدقت الإدارة الأمريكية بقرب موعد الإعلان عن صفقة القرن؛ فإنها حتماً ستشتمل على الأجزاء العربية المحتلة صهيونياً، وأقصد هنا “هضبة الجولان”. وصرَّح وزير المخابرات الصهيوني “إسرائيل كاتس” قبل أيام باحتمال قيام الويات المتحدة بالاعتراف بالجولان كجزء من أرض الكيان الصهيوني بعد 51 سنة من احتلالها.

 

 

الوسوم

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

صخري محمد،مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock