المقطع أسفله يبين فيه رفيقنا لينين تقنيا كيف تدار الدولة البروليتارية ويوضح الفرق بينها وبين نظيرتها البورجوازية.المقطع طويل نوعا ما ولكن يجب التحلي بالصبر فالمقطع رائع جدا.

الفصل الثالث
خبرة كومونة باريس سنة 1871. تحليل ماركس
2. بم يستعاض عن آلة الدولة المحطمة ؟

لم ينسق ماركس مع الخيال وانتظر من خبرة الحركة الجماهيرية أن تجيب على السؤال: ما هي الأشكال الملموسة التي سيتخذها تنظيم البروليتاريا بوصفها طبقة سائدة وبأية صورة سيقترن هذا التنظيم مع « بالظفر بالديموقراطية » الأتم والأكمل.

وفي كتاب « الحرب الأهلية في فرنسا » يحلل ماركس أدق التحليل خبرة الكومونة على ضآلة هذه الخبرة. فلنورد أهم الفقرات من هذا المؤلف:

في القرن التاسع عشر، تطورت « سلطة الدولة المتمركزة مع أجهزتها المنتشرة في كل مكان: الجيش النظامي والشرطة والبيروقراطية والاكليروس والفئة القضائية »، هذه السلطة المتحدرة من القرون الوسطى. ومع اشتداد التناحر الطبقي بين رأس المال والعمل، « كانت سلطة الدولة تتخذ أكثر فأكثر طابع سلطة عامة لظلم العمل، طابع أداة للسيطرة الطبقية. وبعد كل ثورة تشكل خطوة معينة إلى الأمام خطاها النضال الطبقي يتجلى طابع الاضطهاد المحض لسلطة الدولة على نحو أوضح فأوضح ». وبعد ثورة سنتي 1748-1849، غدت سلطة الدولة « آلة قومية لحرب الرأسمال ضد العمل ». وجاءت الإمبراطورية الثانية توطد ذلك.

« كانت الكومونة النقيض المباشر للإمبراطورية ». « فقد كانت شكلا معينا » « لجمهورية ينبغي لها أن تزيل لا الشكل الملكي للحكم الطبقي فحسب، بل أيضا الحكم الطبقي ذاته… »

بمَ على وجه التدقيق، ظهر هذا الشكل « المعين » للجمهورية البروليتارية، الاشتراكية ؟ وكيف كانت الدولة التي شرعت بتأسيسها ؟

« … كان أول مرسوم أصدرته الكومونة يقضي بإلغاء الجيش النظامي والاستعاضة عنه بالشعب المسلح… »

وهذا المطلب يرد الآن في برامج جميع الأحزاب التي تريد أن تدعي اشتراكية. ولكن تظهر قيمة برامجها بالشكل الأوضح من سلوك الاشتراكيين-الثوريين والمناشفة عندنا، إذ أنهم تخلوا في الواقع عن تنفيذ هذا المطلب عقب ثورة 17 فبراير بالذات !

« … لقد تشكلت الكومونة من نواب البلدية الذين تم انتخابهم عن طريق الاقتراع العام في مختلف دوائر باريس. كانوا مسؤولين وكان يمكن سحبهم في أي وقت كان. وكانت أكثريتهم، بطبيعة الحال، من العمال أو من ممثلي الطبقة العاملة المعترف بهم…

… والشرطة التي كانت حتى ذلك الحين أداة في يد الحكومة المركزية جردت في الحال من جميع وظائفها السياسية وحولت إلى هيئة للكومونة مسؤولة يمكن تبديلها في أي وقت كان… وهكذا كان الحال أيضا بالنسبة لموظفي سائر فروع الإدارة…ومن فوق إلى أسفل، ابتداء من أعضاء الكومونة كان يتعين أداء الخدمة العامة لقاء أجرة تساوي أجرة عامل. وقد أزيلت جميع الامتيازات وعلاوات التمثيل التي كان يتقاضاها كبار موظفي الدولة مع زوال هؤلاء الموظفين… وبعد أن زالت الكومونة الجيش النظامي والشرطة، وهما أداتا الحكم المادي في يد الحكومة القديمة، أخذت في الحال تكسر أداة الاستعباد الروحي، قوة الكهنة… وفقد الموظفون القضائيون استقلالهم الصوري… وأصبح من المترتب عليهم أن يُنتخبوا علنا وأن يكونوا مسؤولين وقابلين للسحب… ».

وهكذا يبدو أن الكومونة لم تستعيض عن آلة الدولة المحطمة « إلاّ » بديموقراطية أتم: القضاء على الجيش النظامي، مبدأ انتخاب وسحب جميع الموظفين. ولكن هذه الـ« الا » تعني في حقيقة الأمر تبديلا هائلا لنوع من مؤسسات بنوع آخر يختلف اختلافا مبدئيا. نحن هنا في الحقيقة أمام حالة من حالات « تحول الكمية إلى كيفية »: فالديموقراطية المطبقة بأتم وأوفى شكل يمكن تصوره عموما تتحول من ديموقراطية برجوازية إلى ديموقراطية بروليتارية، من دولة ( = قوة خاصة لقمع طبقة معينة) إلى شيء ليس الدولة بمفهومها.

إن قمع البرجوازية ومقاومتها كان ما يزال أمرا ضروريا وكانت هذه الضرورة تفرض ذاتها على الكومونة بوجه خاص. فأحد أسباب انهزامها يتلخص في كونها لم تقم بذلك بالحزم المطلوب. ولكن هيئة القمع تغدو في هذه الحالة أغلبية السكان، لا الأقلية كما كان الحال على الدوام في عهد نظام العبودية وفي عهد نظام القنانة وفي عهد عبودية العمل المأجور. وبما أن أغلبية الشعب تمارس بنفسها قمع ظالميها فلا تبقى ثمة حاجة إلى « قوة خاصة » للقمع ! وبهذا المعنى تأخذ الدولة بالإضمحلال. وبدلا من المؤسسات الخاصة العائدة للقيام بذلك بصورة مباشرة؛ وبقدرما يتخذ القيام بوظائف سلطة الدولة طابعا شعبيا أشمل بمقدار ما تقل الحاجة إلى هذه السلطة.

إن التدبير الذي اتخذته الكومونة وأشار إليه ماركس هو رائع جدا بهذا الصدد: إلغاء كل علاوات التمثيل، إلغاء جميع امتيازات الموظفين في الدولة إلى مستوى « أجرة العامل ». وبهذا بالذات يتجلى بأوضح ما يكون الإنعطاف من الديموقراطية البرجوازية إلى الديموقراطية البروليتارية، من ديموقراطية الظالمين إلى ديموقراطية الطبقات المظلومة، من الدولة بوصفها « قوة خاصة » لقمع طبقة معينة إلى قمع الظالمين بمجموع قوة أغلبية الشعب: العمال والفلاحين. وهنا، في هذه النقطة بالذات من مسألة الدولة، التي هي الأبرز ولعلها الأهم بين جميع النقاط، بلغ نسيان دروس ماركس حده الأقصى ! لا ينبسون ببنت شفة عن هذا الأمر فيما ينشرونه من تعليقات مبسطة عديدة لا تحصى. فمن « المألوف » لزوم الصمت عن ذلك كما يلزم الصمت عن « سذاجة » عفا عليها الزمن مثلما « نسي » المسيحيون، عندما غدا دينهم دين الدولة، « سذاجات » مسيحية العهد الأول مع روحها الثورية الديموقراطية.

تخفيض رواتب كبار الموظفين في جهاز الدولة يبدو « مجرد » مطلب من مطالب ديموقراطية ساذجة، بدائية. إن أحد « مؤسسي » الانتهازية الحديثة، الإشتراكي-الديموقراطي سابقا، إد. برنشتين، قد لاك مرارا وكرر التهكمات البرجوازية الحقيرة على الديموقراطية « البدائية ». فهو كشأن جميع الانتهازيين وكشأن الكاوتسكيين الحاليين لم يفهم بتاتا، أولا، أن الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية يستحيل بدون « عودة » ما إلى الديموقراطية « البدائية » (وإلاّ كيف يمكن الانتقال إلى قيام أكثرية السكان والسكان عن آخرهم بوظائف الدولة ؟)، وثانيا، أن « الديموقراطية البدائية » على أساس الرأسمالية والحضارة الرأسمالية تختلف عن الديموقراطية البدائية في العهود البدائية أو عهود ما قبل الرأسمالية. فقد خلقت الحضارة الرأسمالية الإنتاج الضخم، والمعامل والسكك الحديدية والبريد والتلفون وما شاكل ذلك، وعلى هذا الأساس بلغت الأكثرية الكبرى من وظائف « سلطة الدولة » القديمة درجة من البساطة وغدا بالإمكان تحويلها إلى عمليات من التسجيل والتدوين والتثبيت على درجة من السهولة بحيث تصبح تماما في منال جميع الذين يحسنون القراءة والكتابة، بحيث يمكن تماما القيام بهذه الوظائف مقابل « أجرة عامل » المعتادة، ويمكن ويجب تجريد هذه الوظائف من أي ظل لطابع امتياز و« ترؤس ».

انتخاب جميع الموظفين دون استثناء وإمكانية سحبهم في كل لحظة وإنقاص رواتبهم حتى « أجرة العامل » المعتادة، هذه التدابير الديموقراطية البسيطة و« البديهية » التي توحد تماما مصالح العمال وأكثرية الفلاحين هي في الوقت نفسه جسر الإنتقال من لرأسمالية إلى الإشتراكية. وهذه التدابير تتعلق بإعادة تنظيم الدولة، بإعادة تنظيم المجتمع من الناحية السياسية الصرف ولكنها لا تكسب بطبيعة الحال كل مغزاها وأهميتها إلاّ في حالة تحقيق أو تحضير « مصادرة ملكية مغتصبي الملكية »، أي تحويل الملكية الخاصة الرأسمالية لوسائل الإنتاج إلى ملكية إجتماعية.

وقد كتب ماركس:

« لقد جعلت الكومونة من ذلك الشعار الذي نادت به جميع الثورات البرجوازية – الحكومة القليلة النفقات – حقيقة، وذلك بإلغاء أكبر بابين من أبواب النفقات: الجيش النظامي وسلك الموظفين ».

ليس غير نفر ضئيل من الفلاحين والفئات البرجوازية الصغيرة الأخرى يستطيع أن « يترقى » و« يصبح من الناس المحترمين » بالمعنى البرجوازي للكلمة، أي أن يصبح أمّا من الميسورين، البرجوازيين، وأمّا من الموظفين الميسورين المميزين. أمّا الأكثرية الكبرى من الفلاحين في أي بلد رأسمالي يوجد فيه الفلاحون (ومثل هذه البلدان الرأسمالية هي الأكثرية) فهي تلاقي الظلم من الحكومة وهي متعطشة إلى إسقاطها، متعطشة إلى حكومة « رخيصة ». ولا يستطيع تحقيق ذلك غير البروليتاريا، وهي بتحقيقها لذلك تخطو في الوقت نفسه خطوة نحو إعادة تنظيم الدولة على الأساس الاشتراكي.
3. إلغاء البرلمانية

لقد كتب ماركس: « وكان يراد بالكومونة أن تكون لا هيئة برلمانية، بل هيئة عاملة تتمتع بالسلطتين التشريعية والتنفيذية في الوقت عينه
……..
وبدلا من البت مرة كل ثلاث سنوات أو ست في مسألة معرفة أي عضو من الطبقة المسيطرة يجب أن يمثل ويقمع (ver-und zertreten) الشعب في البرلمان، كان يجب على حق الانتخاب العام، بدلا من ذلك، أن يخدم الشعب، المنظم في الكومونة قصد البحث لمؤسسته عن عمال ومراقبين ومحاسبين، كما يخدم حق الانتخاب الفردي لهذا الغرض أياً كان من أرباب العمل ».
…..
البت مرة كل عدة سنوات في مسألة معرفة أي عضو من الطبقة السائدة سيقوم بقمع الشعب في البرلمان، – هذا هو الجوهر الحقيقي للبرلمانية البرجوازية، ليس فقط في المَلكيات البرلمانية الدستورية، بل كذلك في الجمهوريات الأوسع ديموقراطية.
ولكن إذا ما طرحت مسألة الدولة، وإذا ما نظر المرء إلى البرلمانية على أنها مؤسسة من مؤسسات الدولة، من وجهة نظر مهام البروليتاريا في هذا الحقل، فأين المخرج من البرلمانية ؟ وكيف يمكن الاستغناء عنها ؟
لا بد لنا من أن نقول وأن نكرر القول: أن دروس ماركس القائمة على دراسة الكومونة قد نسيت لحد جعل « الاشتراكي-الديموقراطي » الحالي (اقرأ: خائن الاشتراكي الحالي) لا يفهم بتاتا أي انتقاد للبرلمانية غير الانتقاد الفوضوي أو الرجعي.

المخرج من البرلمانية ليس بطبيعة الحال في إلغاء المؤسسات التمثيلية والمبدأ الانتخابي، بل في تحويل المؤسسات التمثيلية من ندوات للثرثرة إلى مؤسسات « عاملة ». « كان يراد بالكومونة أن تكون لا هيئة برلمانية، بل هيئة تتمتع بالسلطتين التشريعية والتنفيذية في الوقت عينه ».

مؤسسة « غير برلمانية، بل مؤسسة عاملة ». ‘ن هذا القول قد فقأ عيون البرلمانيين المعاصرين و« كلاب الصالونات » البرلمانية للاشتراكية-الديموقراطية بالذات ! امعنوا النظر في أي بلد برلماني من أمريكا حتى سويسرا ومن فرنسا حتى انجلترا والنروج وغيرها، تروا أن عمل « الدولة » الحقيقي يجري وراء الكواليس وتنفذه الدواويني والمكاتب وهيئات الأركان. ففي البرلمانات يكتفون بالهذر بقصد معين هو خداع « العامة ». وهذا صحيح لدرجة أن جميع سوآت البرلمانية هذه قد برزت حالا حتى في الجمهورية الروسية، وهي جمهورية برجوازية ديموقراطية، قبل أن يتسنى لها تكوين برلمان حقيقي. فأبطال البرجوازية الصغيرة المتعفنة من أضراب سكوبيليف وتسيريتيلي وتشيرنوف وأفكسنتييف قد استطاعوا تقبيح السوفييتات أيضا على نمط البرلمانية البرجوازية وذلك بجعلها ندوات للهذر الفارغ. إن السادة الوزراء « الاشتراكيين » يخدعون في السوفييتات الفلاحين السريعي التصديق بطنين عباراتهم وقراراتهم. وفي الحكومة تتغير المشاهد دون انقطاع، من جهة، ليجلس بالتناوب على « مائدة » المقاعد المدرارة والمشرفة أكبر عدد ممكن من الاشتراكيين-الثوريين والمناشفة، ومن الجهة الأخرى، بقصد « تحويل أنظار » الشعب. أمّا في الدواوين وفي مقرات الأركان « فينهمكون » في أعمال « الدولة » !
…….
لقد استعاضت الكومونة عن برلمانية المجتمع البرجوازي المرتشية والمتعفنة بمؤسسات لا تنحط فيها حرية الرأي والبحث إلى خداع، لأنه يتوجب على البرلمانيين أن يعملوا هم أنفسهم، أن ينفذوا قوانينهم بأنفسهم، أن يتحققوا بأنفسهم من نتائجها العملية، أن يقدموا الحساب مباشرة لناخبيهم. تبقى المؤسسات التمثيلية، ولكن البرلمانية باعتبارها نظاما خاصا، باعتبارها فصلا للعمل التشريعي عن التنفيذي، باعتبارها وضعا ممتازا للنواب،تنعدم هنا. لا يمكننا أن نتصور الديموقراطية، وحتى الديموقراطية البروليتارية، بدون مؤسسات تمثيلية؛ ولكن يمكنناومن واجبنا أن نتصورها بدون البرلمانية إذا لم يكن انتقاد المجتمع البرجوازي في نظرنا مجرد عبارات فارغة، وإذا كان طموحنا إلى إسقاط سيطرة البرجوازية صادقا وجديا، لا عبارة « انتخابية » لتصيد أصوات العمال كما هو حال المناشفة والاشتراكيين-الثوريين، كما هو حال شيدمان وليغين وسامبا وفانرفيلده، ومن لف لفهم.
والبليغ أبلغ الدلالة أن ماركس، عندما تكلم عن وظائف أولئك الموظفين الذين تحتاج إليهم الكومونة وكذلك الديموقراطية البروليتارية، أخذ للمقارنة المستخدمين عند « أي كان من أرباب العمل »، أي معملا رأسماليا معتادا بما فيه من « عمال ومراقبين ومحاسبين ».

إن ماركس براء كليا من الطوباوية، بمعنى أنه لا يختلق، لا يتخيل مجتمعا « جديدا ». كلا. يدرس، كما يدرس مجرى التاريخ الطبيعي، ولادة المجتمع الجديد من القديم وأشكال الانتقال من هذا إلى ذاك. وهو يأخذ الخبرة العملية للحركة البروليتارية الجماهيرية، ويسعى ليستخلص منها الدروس العملية. وهو « يتعلم » من الكومونة على غرار جميع المفكرين الثوريين العظام الذين لم يتهيبوا التعلم من خبرة الحركات الكبرى التي قامت بها الطبقة المظلومة ولم يلقوا عليها « المواعظ » بعجرفة المتزاهي بعمله (على غرار موعظة بليخانوف: « ما كان ينبغي حمل السلاح » أو موعظة تسيرتيلي: « من واجب الطبقة أن تلزم حدها »).

لا يمكن أن تطرح مسألة القضاء على الدواوينية دفعة واحدة، وفي كل مكان وبصورة تامة. إن هذا من الطوباويات. ولكن تكسير الآلة الدواوينية القديمة دفعة واحدة والشروع دونما إبطاء ببناء آلة جديدة تمكن من القضاء بصورة تدريجية على واجب البروليتاريا الثورية المباشر.

تبسط الرأسمالية وظائف إدارة « الدولة »، وهي تمكن من حصر الأمر كله في منظمة البروليتاريين (بوصفهم الطبقة السائدة)، التي تستأجر باسم المجتمع كله « العمال والمراقبين والمحاسبين »
نحن لسنا طوبويين. نحن لا « نحلم » بالاستغناء دفعة واحدة عن كل إدارة، عم كل خضوع. فهذه الأحلام الفوضوية الناشئة عن عدم فهم مهام ديكتاتورية البروليتاريا هي غريبة تماما عن الماركسية ولا تفعل في الواقع غير تأجيل الثورة الاشتراكية إلى أن يصبح الناس غير ما هم عليه. لا. نحن نريد الثورة الاشتراكية مع الناس على ما هم عليه اليوم، مع هؤلاء الناس الذين لا يستطيعون الاستغناء عن الخضوع، عن المراقبة، عن « المراقبين والمحاسبين ».
ولكن ينبغي الخضوع للطليعة المسلحة، لطليعة جميع المستثثمَرين وجميع الشغيلة، للبروليتاريا. يمكن وينبغي أن يشرع على الفور، بين عشية وضحاها، بالاستعاضة عن « ترؤس » موظفي الدولة المتميز بوظائف « المراقبين والمحاسبين » البسيطة، بوظائف هي منذ اليوم كليا في مستوى تطور سكان المدن بوجه عام ويمكن القيام بها تماما مقابل « أجرة عامل ».
سننظم الإنتاج الكبير انطلاقا مما أنشأته الرأسمالية وسنقوم نحن العمال بأنفسنا، مستندين إلى خبرتنا العمالية وواضعين انضباطا صارما جدا، انضباطا حديديا تدعمه سلطة الدولة للعمال المسلحين، بحصر دور موظفي الدولة في دور مجرد منفذين لما تكلفهم به، في دور « مراقبين ومحاسبين » (طبعا، مع التكنيكيين من جميع الأصناف والأنواع والدرجات) يتحملون المسؤولية ويمكن سحبهم ويتقاضون رواتب متواضعة. هذه هي مهمتنا البروليتارية، هذا ما يمكن وما يجب أن نبدأ به عند القيام بالثورة البروليتارية. وهذه البداية القائمة على الإنتاج الضخم تؤدي بطبيعة الحال إلى « اضمحلال » الدواوينية كلها بصورة تدريجية، تؤدي بصورة تدريجية إلى نشوء نظام – نظام بدون معترضتين، نظام لا يشبه عبودية العمل المأجور – يجري فيه تحقيق وظائف المراقبة والمحاسبة التي تغدو أبسط فأبسط من قبل الجميع بالتناوب ثم تغدو هذه الوظائف عادة لتزول في النهاية باعتبارها وظائف خاصة تقوم بها فئة خاصة من الناس.
ان أحدالاشتراكيين-الديموقراطيين الألمان الأذكياء من تسعينات القرن الماضي قد نعث دائرة البريد بنموذج للمشروع الاشتراكي. وهذا صحيح كل الصحة. فالبريد هو الآن منظم على طراز احتكار رأسمالية الدولة. والإمبريالية تحول بالتدريج جميع التروستات إلى مشاريع من هذا الطراز. فالشغيلة « البسطاء » الغارقون في العمل حتى الآذان والجياع تتربع فوقهم فيها البيروقراطية البرجوازية عينها. ولكن آلية الإدارة الاجتماعية هي في هذه المشاريع جاهزة. فما أن يسقط الرأسماليون وتحطم يد العمال المسلحين الحديدية مقاومة هؤلاء المستثمِرين وتكسر الآلة البيروقراطية للدولة الراهنة حتى نرى أمامنا آلة محررة من « الطفيلي » ومجهزة أحسن تجهيز من الناحية التكنيكية يستطيع العمال المتحدون أنفسهم تشغيلها على خير وجه باستئجار الخبراء الفنيين والمراقبين والمحاسبين مكافئينهم على عملهم جميعهم شأنهم شأن جميع موظفي « الدولة » على العموم بأجرة عامل. هذه هي المهمة العملية الملموسة الممكنة التحقيق على الفور حيال جميع التروستات، المهمة التي تخلص الشغيلة من الاستثمار وتأخذ بعين الاعتبار التجربة التي قد بدأتها الكومونة عمليا (ولا سيما في حقل بناء الدولة).
تنظيم الاقتصاد الوطني برمته على نمط البريد على أن لا تزيد رواتب الخبراء الفنيين والمراقبين المحاسبين، شأنهم شأنجميع الموظفين، على « أجرة العامل »، وذلك تحت رقابة وقيادة البروليتاريا المسلحة، -هذا هو هدفنا المباشر. هذه هي الدولة التي نحتاج إليها. وهذا هو الأساس الاقتصادي الذي ينبغي أن تقوم عليه. وهذا ما سيسفر عنه القضاء على البرلمانية والحفاظ على المؤسسات التمثيلية. وهذا ما سيخلص الطبقات الكادحة من تعهير هذه المؤسسات من قبل البرجوازية.
لينين ، الدولة والثورة ، ص ص 42 – 53

بقلم الهواري بومدين

Print Friendly, PDF & Email