عمل بطولي نفذته مجموعة من أشجع الجنود في الحرب العالمية الثانية، وقد يسمع الكثيرون، بمن فيهم فرنسيون وألمان، بقصة إحدى أكثر عمليات الفرار من السجن بطولية في حرب عالمية للمرة الأولى.

وقعت أحداث هذه القصة أثناء الحرب العالمية الثانية، نفذتها مجموعة من أسرى الحرب أغلبهم جزائريون. أحداث وتفاصيل القصة قدمها أسرى جزائريون وقعوا في عام 1940 في قبضة الجيش الألماني، وبقوا في الأسر طيلة 4 سنوات بين عامي 1940 و1944. أحد أبطال القصة كان برتبة عريف أول في الفوج الأول للرماة الجزائريين، اسمه أحمد بن عيسى، ومعه آخرون.

السينما وتزوير التاريخ

عندما تطّلع على بعض أسرار وتفاصيل الحرب العالمية الثانية، في الجبهة الغربية، تدرك تماما كم الخداع التاريخي، وكيف تم تجاهل تضحيات آلاف القتلى من الجزائريين ومثلهم من أبناء المستعمرات.. شركات السينما العالمية أنتجت منذ عام 1945 مئات الأفلام، كلها روجت لبطولات جنود أمريكيين، روس، بريطانيين وفرنسيين، ساهموا في تخليص العالم من النازية وفقا لرواية المعسكر المنتصر، لكنها تجاهلت بطولات “جنود مجهولين” بأتم معنى الكلمة. إنهم جنود المستعمرات.. هنود وسنغاليون وجزائريون، بعضهم فاقت بطولاته قصة الأيقونة الروسي القناص فاسيلي زايتسيف. إنه ملف آخر من ملفات الذاكرة الجزائرية المنسية التي تستحق البحث، ويبدو هذا التجاهل مقصودا بالنسبة للدول الغربية التي تحاول أن تنسب الانتصار الكبير على النازية لمواطنيها من غير أبناء المستعمرات.

وقد أسقط المؤرخون الجزائريون عن حسن نية، والفرنسيون عن عمد، ربما، إحدى أهم مراحل التاريخ الجزائري من الذاكرة. هذا الجزء يتعلق بالأبطال الجزائريين الذين ساهم عشرات الألوف منهم في منع انهيار فرنسا في الحرب العالمية الأولى، وفي تحرير فرنسا من الاحتلال الألماني عام 1944. آلاف الشباب الجزائريين جُنِّدوا بالقوة وتم نقلهم إلى فرنسا في الحربين العالميتين.

تُقَدّم قصة المجندين السابقين الذين غادروا الجيش الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية، ونجحوا في الفرار من معسكر اعتقال ألماني نازي في عام 1944، في حادثة فرار بقيت حبيسة سجلات الجيش الفرنسي، دون أن يتذكرها أحد، ودون أن تتحدث كتب التاريخ مع أسرى جزائريين وفرنسيين في قصة هروب بطولية، تحتاج لاستذكار بطولات من نوع آخر لجزائريين فرضت عليهم الظروف القتال في حرب عالمية لا ناقة لهم فيها ولا جمل. هذه القصة ليست الوحيدة حول بطولات مقاتلين جزائريين في الحرب التي انتهت بالقضاء على النازية، وساهم فيها الجزائريون منذ البداية، وعاش المئات منهم مآسي معسكرات احتجاز الأسرى الرهيبة.

رصاصة في الرأس!

 “رصاصة الخلاص هي الرصاصة التي يطلقها المقاتلون أثناء الاشتباك على جندي جريح من جنود العدو، أو أحيانا لجندي من نفس الجيش تكون إصابته شديدة ويكون أمله في الحياة شبه منعدم. مجند جزائري سابق في الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الثانية يقول “إن جرحى يتوسلون تحت الألم لزملائهم من أجل إنهاء حياتهم برصاصة الخلاص، لكن الفكرة في هذه الرصاصة التي تُطلق على الرأس مباشرة هي أن المقاتلين الألمان، وحتى الحلفاء، كانوا يبادرون بإطلاق رصاصات الخلاص على قتلى أو جرحى بعد انتهاء المعركة، لسبب بسيط هو أن بعض الجنود الأحياء كانوا يختبئون بين جثث القتلى”.

هذا ما يقوله سواق مزيان في شهادة تاريخية حُررت عام 1997 لمجندين سابقين في الجيش الفرنسي أثناء الحرب العالمية الثانية بين عامي 1939 و1945.. كل من عاش الحرب مع ألمانيا يعرف أن كل يوم جديد من عمره بعد هذه الحرب هو “فايدة”، لأن النجاة في هذه الحرب، وبشكل خاص بالنسبة للذين التحقوا بالحرب في بدايتها عامي 1939 و1940، كانت شبه مستحيلة، يضيف المتحدث الذي وثق شهادته في مجموعة أوراق حول قصص مجندين جزائريين في الحرب العالمية الثانية. بكل صدق كان الجندي الحي بعد بعض المعارك يبادر للتخفي تحت جثة قتيل من زملائه، لكن هذه الحيلة لم تكن تنطلي على جنود العدو الذين كانوا يبادرون للإجهاز على الجثث بعد القتال، بإطلاق الرصاص على الجثث حتى يتأكدوا بأن الجميع قتلى، وكان هذا مشهدا شديد المأساوية، خاصة أن بعض القتلى الجنود كانوا لا يتجاوزون 18 سنة.

 “الحلاقة 0”

تبدأ حكاية المجند الجزائري السابق في الجيش الفرنسي أحمد بن عيسى بداية عام 1940، عندما تم نقله مع مجموعة كبيرة من المجندين الجزائريين بالشاحنات من مدينة الأغواط التي تم فيها تجميع مئات المجندين إجباريا من عدة مناطق في الجنوب الجزائري.

تقول الشهادة التاريخية الموجودة في مخطوط بخط اليد لباحث تاريخي جمع شهادات جزائريين حاربوا في الحربين العالميتين، على لسان المجند أحمد بن عيسى: “في البداية تم جمعُنا في ثُكنة وسط مدينة الأغواط.. كلنا شباب، بعضنا لم يزد سنه عن 16 سنة، وأكبرنا كان يبلغ من العمر 20 سنة، الجميع كان يلبس عباءات ويعتمر الشاش أو العمامة، ملابس رثة متسخة، بعض المجندين نُقلوا من مدن بعيدة في الجنوب الجزائري، بعضنا كانت ملابسه رثة ورائحته كريهة، بعد 3 أيام تم نقلنا في شاحنة إلى الجلفة، ومنها عبر القطار إلى البليدة، ورغم قسوة الظروف كان بعضنا في حالة فرح غريب رغم الغربة ومغادرة الديار، ربما لأنه لا أحد منا توفرت له فرصة مغادرة مدينته أو الصحراء، منذ أن ولدنا كان أغلبنا يعتقد أنه سيجند ويبقى في الجزائر، غير بعيد عن وطنه.. لا أحد منا كان يعرف أننا سنكون وقودا لحرب عالمية طاحنة في أوروبا، وأننا سنقاتل جنودا ألمانا على أعلى درجات التدريب والاحترافية.

في ثكنة البليدة نُقلنا إلى ساحة كان بها عدد من الجنود القدامى كانوا عبارة عن حلاقين مكلفين بالحلاقة لكل مجند جديد حلاقة 0.. بعدها تم تجريدنا جميعا من الثياب القديمة وأُجبرنا على التوجه إلى مغسل جماعي ونحن عراة بالكامل، وسط سوء معاملة وسب وشتم من قبل ضباط صف جزائريين كانوا يعملون في الجيش الفرنسي.. بعد الاستحمام، وُزعت علينا ملابس عسكرية جديدة، وألقى علينا ضابط صف جزائري أول درسا، كان درس نظافة، وشدد على العقوبات التي قد نتعرض لها في حالة مخالفة قواعد النظافة الصارمة، ومنها أن الأظافر يجب أن تبقى نقية، وأن ياقات الملابس يجب أن تبقى نظيفة تماما تحت طائلة عقوبات جسدية مشددة، بعد مدة فهمنا أن التشدد في مسائل النظافة من قبل الجيش الفرنسي كان هدفه حماية الوحدات من الأمراض المعدية التي كانت شائعة في تلك الفترة”، ويضيف المتحدث “خضعنا لتدريب مدته 7 أسابيع تقريبا.. تدربنا على الرماية بالبنادق والرشاشات، واستعمال القنابل اليدوية، والسير ضمن مجموعة، وتم تعليمنا كلمات بالفرنسية، فأغلبنا لم يكن يتقن اللغة الفرنسية”.

“لادجودان” رضوان

 “أثناء التدريب، كان المساعد (لادجودان) رضوان، وهو رجل ضخم الجثة تعود أصوله إلى ولاية تبسة، يشرف على تدريبنا. كان في نهاية العقد الرابع أو بداية العقد الخامس من العمر، كان عسكريا محترفا، قضى في الجيش الفرنسي أكثر من 25 سنة. كان رجلا ودودا مختلفا عن باقي ضباط الصف الفرنسيين والجزائريين والسنغاليين، وساهم بعض الشيء في التخفيف من حالتنا النفسية السيئة”، يضيف صاحب الشهادة، “قبل نهاية الشهر الأول في معسكر التدريب بالبليدة، أبلغنا الضباط المدربون بأننا سنُنقل قريبا إلى فرنسا للمشاركة في الحرب، وكان هذا في شهر فيفري 1940، كنا واقفين في مجموعة صفوف، ولم يظهر على أي منا ردة فعل في تلك اللحظة، لكن عندما عدنا إلى القاعات المخصصة للمبيت أجهش أغلبنا بالبكاء، شباب أغلبهم لا يبلغون 20 سنة، الكثير منهم لا يعرف التحدث بالفرنسية بسبب أصوله البدوية والريفية، سيذهبون للقتال في فرنسا”.

ويتابع المتحدث “منذ هذه اللحظة بدأ عدد من الجنود في التقرب من المساعد رضوان، بدأنا في سؤاله عن الحرب وعن فرنسا، وكيف يمكننا تحمل أهوال الحرب، وقد ندم أغلبنا على سؤاله، لأن ما سمعناه من العسكري المحترف في الجيش الفرنسي كان مرعبا، لقد قص علينا قصصا مرعبة فعلا عن الحرب العالمية الأولى، وعن الخنادق وعن الغاز السام، وعن شجاعة وجرأة الجنود الألمان، وعن قسوة البرد في الخنادق، ومآس أخرى عن الجنود الذين فقدوا أطرافهم، في حرب 1914-1918، يمكن القول إن سماع خبر قرار نقلنا إلى فرنسا كان مختلفا بعدها”.

 “يمكنكم القفز من السفينة في البحر”..

يقول أحمد بن عيسى في حكايته الموثقة في شهادة تاريخية: “مرت الأيام بسرعة وجاء موعد نقلنا إلى فرنسا، وتم حملنا على متن القطار من البليدة إلى محطة الجزائر، ومنها مباشرة تم سوقنا إلى ميناء الجزائر العسكري. بالنسبة لأغلبنا كانت هذه المرة الأولى التي نشاهد فيها مدينة الجزائر، كانت مفاجئة بالنسبة لأغلبنا، بعضنا كان قبل أسابيع ليست كثيرة يسرح بالغنم، أو يعمل باليومية عند الكولون في الفيرمة بالريف.. كانت مشاهد السيارات الجديدة والعمارات شيئا مثيرا بالنسبة لي ولأغلب رفاقي.

وصلنا إلى ميناء الجزائر العسكري (الأميرالية حاليا) في الساعة العاشرة صباحا، ومكثنا جالسين على الأرض في مجموعات ضخمة طيلة نهار ذلك اليوم، إلى غاية الساعة الخامسة مساء، وفي هذه الأثناء توالى وصول مجندين جزائريين من الشرق ومن الغرب.. وجوه بائسة لشباب نحيلي الأجسام يساقون في صفوف متراصة، ويُجبَرون على الجلوس أرضا طيلة ساعات، في هذه الأثناء كان أغلبنا قد أخفى بعض الطعام معه في حقيبة الكتف العسكرية التي سُلمت لنا، والتي كانت تضم غطاء وفراشا وبعض أواني الطعام، كنا نأكل بين الحين والآخر ونتبادل الحديث بصوت منخفض، لأن رفع الصوت كان ممنوعا، كما مُنعنا من تغيير الأماكن، لأن المجموعات كانت في شكل سرايا وكتائب، كل جندي قبل المغادرة تم تلقينه كلمات بالفرنسية يجب أن يحفظها، هي بالعربي الجندي فلان الكتيبة العاشرة للرماة رقم التسجيل.. ويتم تحفيظ كل جندي رقم تسجيله ورقم كتيبته، وهذا الرقم كان موجودا في قلادة حديدية مُنحت لاحقا لكل جندي في جبهة القتال. في تمام الساعة الخامسة مساء بدأ تحميلنا فوق السفينة، نزلنا إلى داخل السفينة في قاعات واسعة بدا واضحا أنها مخصصة لنقل الجنود أو ربما المواشي أو الأبقار، كانت سفينة كبيرة، وما زلتُ بعد 60 سنة تقريبا أتذكر تماما العبارات التي قالها لنا ضابط بالفرنسية، لم أفهمها في البداية، لكن المرافقين شرحوها لي لاحقا، فبعد انطلاق السفينة بنصف ساعة قال الضابط الفرنسي: يمكنكم الآن العودة للجزائر! أثناء الرحلة التي تواصلت حتى الفجر، فهم بعضنا كلام الضابط على أنه استهزاء بنا، خاصة بعد محاولة بعض المجندين الفرار، بينما بكى آخرون بعد أن سمعوا تفسيرا مفاده أن لا أحد منا سيعود إلى الجزائر حيا، خاصة مع بدء تداول الحكايات حول قوة الجيش الألماني في الحرب العالمية الأولى، وبشاعة الحرب السابقة، بل إن بعض الجنود فقدوا أعماما وأخوالا في هذه الحرب دُفنوا في فرنسا ولا أحد يعرف قبورهم إلى اليوم”.

رفقاء السلاح

تتواصل الرواية الطويلة للحرب العالمية الثانية على لسان المجندين الجزائريين الثلاثة، أحمد بن عيسى المتوفى عام 1999، درقاوي الطيب المتوفى عام 2002، وسواق مزيان المتوفى في عام 2005، الآن على لسان درقاوي الطيب: “وصلنا ميناء مرسيليا فجرا في يوم بارد، وتم إنزالنا من الباخرة بسرعة، ونُقلنا عبر القطار في ذات اليوم إلى منطقة سارجومين القريبة من الحدود الفرنسية الألمانية، ومكثنا في الطريق يوما ونصفا، حيث توقف القطار مرتين على الأقل، كان القطار يعج بالمئات من الجنود الجزائريين والتونسيين والمغاربة والسنغاليين، والقادمين من دول إفريقية، كنا في حالة تعب شديد، فمنذ 3 أيام تقريبا ونحن في حالة سفر، منذ أن غادر بعضنا الثكنات التي تم تدريبنا فيها، قبل الركوب في القطار قام جنود فرنسيون بتسليمنا معاطف جديدة، لأن الجو كان باردا في فرنسا في هذه الفترة، وكان في القطار عناصر من الفوجين الأول والثالث من الرماة الجزائريين، وهي وحدات أنشأها الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الأولى. بدأت القيادة في توزيع سرايا الرماة الجزائريين على مواقع في الجبهة ضمن حصون عسكرية سُميت ماجينو، وكان هذا قبل بداية شهر مارس 1940.. مرت الأسابيع رتيبة في المواقع، وطيلة شهرين تقريبا أحسسنا بحالة من الملل، حتى اعتقد الجميع بأن الحرب لن تقع أبدا، كنا نشاهد الجنود الألمان على الجانب الآخر من الحدود وهم يتحركون ويُحصّنون المواقع ويحشدون القوات، وفي شهر ماي 1940 بدأت الحرب الفعلية”.

في قبضة الجيش الألماني

 “صورة الجيش الألماني بالنسبة لنا كجنود جزائريين في الجيش الفرنسي كانت مرعبة، لكن ليس بالقدر الذي اكتشفناه في معارك ماي 1940″، يعود أحمد بن عيسى إلى سرد روايته للأحداث في هذه الشهادة التاريخية، ويقول: “شاهدنا الجيش الفرنسي وهو ينهار أمام أعيننا، في شهر ماي 1940، وشاهدنا فرار قادة وجنود فرنسيين، وفرار الآلاف من المدنيين، وشاهدنا طائرات الألمان وهي تدك مواقعنا بالقنابل، والجنود الألمان المسلحين جيدا بملابسهم العسكرية الأنيقة في ذلك الوقت.. في ماي 1940 لم يكن أحد من الجزائريين قد فهم ما حدث في هذه الأثناء، التموين انقطع عن الوحدات الموجودة في الحدود في المواقع المحصنة، وفي هذه المرحلة العصيبة انقسم الجزائريون في مواقعهم ووحداتهم العسكرية، بعض الجزائريين قرروا الفرار من المواقع، على أساس أنه يمكنهم الفرار ثم العودة لاحقا إلى الجزائر، وكانوا قد شاهدوا فرار جنود فرنسيين من مواقعهم في الأسبوع الأخير من شهر ماي 1940، كان الجميع في حالة رعب، فالفرار من المواقع يعني التعرض لاحقا لمحاكمة عسكرية، وعقوبة الفرار تعني الإعدام رميا بالرصاص أثناء الحرب، أما البقاء دون تموين وطعام وانتظار قدوم القوات الألمانية فكان يعني الموت أيضا.

في هذه الأثناء قرر عدد من المجندين الجزائريين الالتحاق بمجموعة من الجنود الفرنسيين بقيادة عقيد في الجيش الفرنسي توجه إلى باريس، ضمن وحدة عسكرية كانت تضم مئات الجنود من عدة وحدات، وكنت أنا ضمن هذه المجموعة، كانت الفكرة أن تنطلق هذه الوحدة أسوة بوحدات أخرى نحو العاصمة باريس لدعم القوات الموجودة فيها، في الأيام الأخيرة قبل استسلام فرنسا، بدأنا في السير على الأقدام على حافة طريق معبد كان مزدحما بالمدنيين الفارين، وقد تعذر استعمال أي وسيلة نقل في أثناء تنقلنا عبر هذا الطريق، كانت الخطة تتضمن الوصول إلى محطة قطار في مدينة قريبة، ولكننا وقعنا بعد يومين اثنين من المسير، أطلقت علينا طائرات ألمانية قنابل ووابلا من الرصاص، وقُتل في الغارة عدد كبير، وأصيب آخرون تركناهم في عهدة مدنيين تعهدوا بعلاجهم، أما في اليوم الثالث فقد حاصرتنا قوة دبابات ألمانية، وللأمانة فقد قاومنا بشدة إلى أن أطبق الحصار، واضطررنا للاستسلام في يوم 29 ماي 1940، في هذا اليوم تم إجبارنا على المسير يوما كاملا من طرف قوة ألمانية، ووُضعنا في مبنى قديم كان مستودعا لتخزين الحبوب، أغلق المستودع علينا من الخارج، وبقينا في هذا المكان دون طعام ولا شراب لمدة 5 أيام كاملة، كنا نصرخ من الجوع، كان بيننا بعض الجرحى. في اليوم الرابع، دخل علينا ضابط ألماني يتحدث الفرنسية، ووعدَنا بإحضار الطعام، وحذرنا من أي تمرد أو محاولة فرار، وانتظرنا إلى اليوم الخامس عندما جلب إلينا الألمان كمية قليلة من الطعام، لكنهم اشترطوا قبل تسليمه لنا الوشاية بهوية الضباط الموجودين، خاصة أن الضباط يتنكرون لرتبهم العسكرية بعد الوقوع في الأسر، في اليوم الخامس توفي 4 من الجرحى من أصل نحو 89 أسيرا فرنسيا وجزائريا، كلهم ماتوا متأثرين بجراحهم، منهم جزائري يُدعى حجام عبد الباقي من ولاية المسيلة، كان قد أصيب في ذراعه الأيمن ونزف الكثير من الدم، وأوصى قبل وفاته بإبلاغ أسرته. وهنا بدأت المأساة الحقيقية، ففي يوم 4 جوان 1940 جاءنا ضابط ألماني وأخبرنا بأننا أسرى حرب لدى الرايخ الألماني، وأننا سنُنقل إلى ألمانيا”.

في معسكر اعتقال ألماني

يواصل الأسير السابق شهادته التاريخية: “لم نفهم أي شيء.. بعض الفرنسيين الذين كانوا معنا أخبرونا بأن الحكومة الفرنسية بصدد توقيع الاستسلام، وأن الألمان سيفرجون عنا على أساس شروط وقف إطلاق النار في بداية شهر جوان، لكن رقيبا فرنسيا اسمه ديلون لوران قال بنبرة الواثق إن الألمان يحتاجون للأسرى من أجل استغلالهم في الأشغال الشاقة والسخرية، وهذا ما وقع لاحقا”، يقول أحمد بن عيسى في الشهادة التاريخية التي قدمها عام 1997 “تم إخراجنا من المستودع، وبدأ الألمان في تسجيل أسمائنا ورتبنا العسكرية، وكانوا يبحثون عن الضباط بشكل خاص، ومباشرة في يوم 11 جوان 1940 بدأنا في المسير، كان مشهدا مرعبا لجنود أسرى يسيرون في شوارع مدينة سارجومين غرب فرنسا، وكان المدنيون الفرنسيون يبكون في صمت وهم يشاهدون مسيرنا برؤوس مكشوفة في شارع المدينة الرئيسي، وقربنا عدد من الخيالة الألمان. سرنا 3 أيام، وكان مسموحا لنا بالاستراحة 4 ساعات كل ليلة، في اليوم الأول بعد مغادرة المدينة قُدم لنا بعض الطعام، أقل من 100 غرام لكل أسير، العاجز عن المشي أو الذي يسقط بفعل الإجهاد كان يتعرض للضرب المبرح حتى يقوم زملاؤه بحمله، وبسبب الحرارة حاول بعضنا التخلص من جزء من ملابسه الثقيلة، لكن رقيبا أول في الجيش الفرنسي نصحنا بالقول إن الجو بارد جدا في ألمانيا.. وصلنا إلى بلدة أوفنبرغ القريبة من بادن بادن، وانتظرنا يوما كاملا إلى أن جاءت شاحنات نقلتنا إلى محطة قطار على مسافة سير ساعة ونصف بالشاحنة، في محطة القطار تم تحميلنا في العربات، ووجدنا في هذه المحطة آلاف الأسرى، من بينهم فرنسيون وبريطانيون، دامت الرحلة المتعبة جدا بالقطار حوالي 8 ساعات، وصلنا بعدها إلى مدينة ألمانية عرفت اسمها لاحقا، وهي مدينة كوتبوس شرق ألمانيا، طيلة الرحلة وقبلها لم يُقدم لنا أي طعام، كان بعضنا قد قضى حوالي 3 أيام دون أكل، بعض الجنود من أصحاب الحظ السيء جدا كانوا يُخفون بعض الخبز اليابس في ملابسهم، ولكنهم تعرضوا للضرب من قبل زملائهم أصحاب العضلات المفتولة، ونُزع منهم الخبز اليابس بالقوة، شاهدت بعيني جنودا جزائريين وفرنسيين يتقاتلون على قطعة خبز صغيرة انتُزعت من أسير فرنسي، سُحق تحت الأقدام وكاد يموت”.

الإعدام رميا بالرصاص

تتواصل شهادة أحمد بن عيسى “كان الألمان بارعين في إذلال غيرهم في هذه الحرب، فقد وصلنا إلى مدينة كوتبوس حوالي الساعة السادسة صباحا، وتعمد الألمان تركنا قرب محطة القطار حتى العاشرة، حتى نشارك في مسيرة جديدة للأسرى في شوارع مدينة كوتبوس، ويشاهدنا المدنيون الألمان، وهو ما حدث بالفعل، فقد سرنا في شارع مدينة كوتبوس وكنا بالمئات، والمدنيون الألمان ينظرون إلينا باستغراب، خاصة أن بيننا جنودا سودا وسُمر البشرة. في أثناء المسيرة كان بعضنا يهمس لبعض، وينطق في نفسه بالشهادتين، فقد تيقنا بأننا سنعدم رميا بالرصاص.. كانت لحظات عصيبة، خاصة أن جنودا بريطانيين وفرنسيين كانوا يصرخون بالبكاء ويتوسلون الألمان كي لا يقتلوهم. وصلنا إلى محتشد محاط بالأسلاك الشائكة بعد أن تم تحميلنا من جديد في شاحنات نقلتنا على دفعات في رحلة جديدة، وفور الوصول طُلب من مجموعة أولى من الأسرى الوقوف صفا قرب الأسلاك الشائكة، وهنا أحسسنا بأنها لحظة تنفيذ الإعدام في الأسرى، لكن الألمان كانوا بصدد تفتيش الأسرى من جديد، قبل توزيعهم على مستودعات خشبية كانت قرب مقلع حجارة كبير. في البداية قام الألمان بفصل البريطانيين عن الفرنسيين، ثم فصلوا الضباط، وكان بيننا ضابطان برتبة عقيد، وعدد من صغار الضباط كلهم فرنسيون، وُضعوا أيضا في موقع خاص بهم، ثم نُقل باقي الأسرى إلى المستودعات، منحَنا الألمان بطانية واحدة لكل جندي أو ضابط، ووزعوا علينا أول وجبة طعام حقيقية أكلناها منذ حوالي 11 يوما، وكانت عبارة عن حساء خضر و100 غرام لكل جندي، وفي مساء هذا اليوم جمعنا ضابط ألماني في ساحة المعسكر، وكان معه مترجم يتكلم الفرنسية والإنجليزية، وألقى علينا كلمة قال فيها إن الحرب قد انتهت، وإن المانيا انتصرت، وقال بالحرف: كل عصيان عقوبته القتل بالرصاص، وقال إننا سنعمل لصالح ألمانيا لتعويضها عن خسائر الحرب، فهمنا لاحقا أن مهمتنا هي أن ننقل الحجارة إلى خط سكة حديدية صغير ينقل حجارة البناء إلى مواقع أخرى في ألمانيا، تم استغلالنا لاحقا في بناء تحصينات وحفر أنفاق تحت الأرض في عمل سخرة قاسٍ”.

 “كيفاش طاح العربي على النصراني”

ويقول الأسير السابق درقاوي الطيب في جزء من شهادته الطويلة: “بعد عام ونصف من الأسر صار أغلبنا يتقن اللغة الألمانية، ورغم أن أغلبنا كان يجهل اللغة الفرنسية لأننا جئنا من مناطق ريفية، إلا أننا تعلمنا الفرنسية أيضا، بعضنا تعلم الكتابة بعد أن تطوع فرنسيون لتعليم الجنود الأميين، وصلنا في مرحلة ما من سنوات الأسر الطويلة إلى قناعة بأننا سنبقى هنا إلى أن نموت، كان مسموحا للفرنسيين بمراسلة أسرهم عبر الصليب الأحمر، لكن بالنسبة لأغلب الجنود وصف الضباط الجزائريين لا يوجد عنوان واضح لعائلاتهم، فإن الرسالة لا يمكن أن تصل، كنا مزيجا غريبا من الجزائريين: قبايل، أبناء الصحراء، عاصميون، شباب من وهران، سيدي بلعباس، عين الدفلى والبليدة، أتذكر زميلا من سيدي بلعباس كان يردد باستمرار مقطع قصيدة مصطفى بن إبراهيم: كيفاش طاح العربي على النصراني.. للسخرية من هذه الحرب بين الأوروبيين التي تم الزج بنا فيها، أتذكر أيضا عبارة قالها لي ضابط ألماني: أنتم من إفريقيا، لماذا تقاتلون ألمانيا مع الدولة التي استعمرت بلادكم؟ أغلبنا فهم في هذه الحرب أن المشكلة لم تكن في الحرب بل في الاستعمار الفرنسي الذي ساقنا إلى هذه المطحنة، كانت عبارة الشاعر مصطفى بن إبراهيم شعارا يوميا بالنسبة للجزائريين.. في غضون سنوات الأسر كانت المكافأة الأكبر بالنسبة لأي أسير أن يُنقل للخدمة في ثُكنة قريبة من المعسكر، لأنه سيحصل على الطعام الجيد وغالبا ما يعود بملابس يمنحها له الجنود الألمان، أغلبنا كانت ملابسنا مقطعة وقديمة جدا”.

4 متر مكعب من الحجارة يوميا

يواصل أحمد بن عيسى سرد روايته التاريخية: “كان المحتشد عبارة عن مجموعة من المستودعات الخشبية أو المبنية بالحجارة سقوفها من الخشب، وكان محاطا بسياج من الأسلاك الشائكة، أضيف له سياج ثانٍ لاحقا قام الأسرى ببنائه، وكان المعسكر يضم مجموعة من الكلاب المدربة يفوق عددها 100، كانت مرعبة، الحراس الألمان تم تغييرهم في عام 1942، وجيء بمجموعة من الحرس الشباب أغلبهم لا يزيد سنه عن 18 سنة، لكنهم كانوا شديدي الشراسة. في نهاية 1942، كُلفنا بالعمل في بناء تحصينات عسكرية في موقع قريب من نهر شبير في ألمانيا، غير بعيد عن مدينة كوتبوس، وتم تقسيمنا إلى عمال مهَرة في البناء وآخرين يعملون في نقل الصخور، وكان كل أسير مطالَبا بنقل الحجارة بكمية 4 متر مكعب يوميا، بعربات الجر الصغيرة، كان الأسير يتلقى يوميا ما بين 100 إلى 150 غرام خبز، وكمية من الحساء السيء جدا. 3 سنوات قضيناها في المحتشد، تم فيها قتل 18 أسيرا فرنسيا وبريطانيا حاولوا الفرار، وكنا نُجبر على حضور عملية إعدام الأسرى في مشهد مرعب.. إطلاق النار من صف جنود ضد أسرى أجسادُهم ضعيفة وملابسهم مقطعة.

في بداية عام 1944، بدأنا نسمع بأخبار هزيمة الجيش الألماني في روسيا، وبدأ بعض الأسرى الفرنسيين يتحدثون معنا عن الفرار من المعتقل، والذهاب إلى فرنسا، وفي شهر مارس 1944 بدأنا بالتخطيط للفرار ومراقبة المعسكر، ودراسة الأرض، وحتى تحضير خريطة بدائية، المشكلة في الفرار لم تكن تتعلق بالتغلب على الأسلاك الشائكة الكثيفة التي كانت تحيط بالمعتقل، بل كانت في أن الفرار من أحد مراكز تجميع الأسرى في شرق ألمانيا يعني السير على الأقدام لمسافة تصل إلى 800 كلم دون طعام، في دولة لا يعرفها أي واحد منا، وفي دولة في حالة حرب.. كانت المغامرة تعني الموت بالنسبة لنا، لكننا قررنا في النهاية الفرار من المحتشد، لأن ظروف الأسر بدأت تسوء بشكل تدريجي ورهيب ابتداء من عام 1944، كميات الطعام التي كانت تقدم لنا بدأت تقل، حتى صار الأسير يحصل في بعض الأيام على أقل من 50 غراما من الخبز، حيث يُقسم 1 كيلوغرام خبز على 20 أسيرا، مع حساء اللفت الذي هو عبارة عن عشرات اللترات من ماء مغلى مع مجموعة من قطع الخضار، نادرا ما ينال الأسير قطعة منها، لكن هذا ليس السبب الوحيد، فقد كنا نشاهد من المحتشد الغارات الجوية الضخمة التي كانت تتعرض لها ألمانيا، وانتابنا خوف من الموت حرقا، خاصة أن المحتشد كان عبارة عن ثكنة عسكرية كبيرة، وبسبب سوء التغذية زاد عدد الأموات من الأسرى، وأيضا بسبب انتشار مرض الديزنطاريا الخطير بسبب نقص النظافة، لذا قررنا الفرار لأن البقاء هنا يعني الموت جوعا أو حرقا في غارة جوية، بدأنا في وضع المخطط، وقام أحد العاملين في البناء، وكان فرنسيا يدعى جيورجيو، بسرقة مقص للحديد كان يُستعمل في البناء خلسة يوم الأحد، وكان مسموحا لنا بالراحة في هذا اليوم.. تظاهر عدد منا بالجلوس على حافة السياج الشائك لمشاهدة مقابلة كرة قدم كان الأسرى يلعبونها بكرة صنعوها من القش والملابس القديمة، وأثناء ذلك قمنا بتقطيع جزء من السياج، على أن نكمل المهمة في الليل”.

الهروب من الجيش النازي

تواصل شهادة أحمد بن عيسى التاريخية “قررنا أن أفضل وقت للفرار هو في شهر سبتمبر 1944، كنا 11 أسيرا نقيم في مكان واحد ضمن مستودع خشبي كبير قد اتفقنا على الهرب ليلة 23 إلى 24 سبتمبر ليلا، وكان يوم سبت، وقد اخترنا هذا اليوم باعتبار أنه آخر يوم في الأسبوع، وسيكون يوم الأحد يوم عطلة تقل فيه الحركة نسبيا، وفي تلك الليلة كنا قد اتفقنا على المغادرة في منتصف الليل، وأن نتسلل واحدا بعد الآخر بفارق 10 دقائق حتى لا ينتبه أحد من الأسرى إلى مغادرتنا جميعا، باعتبار أن القاعة التي كانت تضم أكثر من 200 أسير يذهب أغلبهم في ساعات الليل المختلفة إلى الخارج للمرحاض. قبل النوم تهامَسنا، وكانت الصدمة.. لقد قرر فرنسي وجزائريان اثنان عدم المجازفة، وفي اللحظة الأخيرة، وفي لحظات، تردد جميع من تبقى في الفرار إلا أننا، وكنا ثمانية 3 فرنسيين و5 جزائريين، أنا ودرقاوي الطيب ومزيان سواق قررنا المغامرة ومتابعة الأمر حتى النهاية.. الموضوع بالنسبة لنا كان الاختيار بين الموت البطيء جوعا أو الموت بالرصاص أثناء محاولة الفرار. قبل الذهاب إلى النوم تعاهدنا على إتمام المهمة، وكنا قد اتفقنا من يخرج أولا ومن يتبعه بالترتيب، وعند منتصف الليل بدأنا في التسلل الواحد تلو الآخر، وأثناء التحرك كنا مجبرين على التسلل ببراعة، لأن أبراج المراقبة المنتشرة كانت تمسح السياج بانتظام بالأضواء الكاشفة. في حدود الساعة الواحدة وخمسين دقيقة ليلا كنا جميعا قرب السياج.

ومن حسن الحظ أن كثافة الحشائش في محيط السياج سمحت لنا بالتخفي في انتظار وصول باقي أفراد المجموعة، واستلقى كل واحد منا على ظهره أثناء الانتظار، لأن بريق العينين قد يثير انتباه الحراس الموجودين في برج المراقبة. كنا نعرف أن مجموعة من الحراس تقوم كل ساعتين بمعاينة للقاعات التي ينام فيها الأسرى، لهذا السبب كان علينا أن نرتب عملية التسلل حتى لا تتصادف مع مرور الدورية على الساعة الثانية ليلا، وقد خدمنا الحظ كثيرا، ففي هذه الليلة تهاطلت كمية كبيرة من الأمطار، ما جعل الرؤية صعبة على العاملين في أبراج المراقبة، وكان عددها 5 أبراج. بدأنا في التسلل من السياج زحفا على بطوننا، واصلنا الزحف على بطوننا لمسافة 150 متر خوفا من أن يشاهدنا حراس أبراج المراقبة، كان هدفنا الوصول إلى غابة قريبة تقع إلى الشرق من المعسكر، وهذا رغم أن مسيرنا يجب أن يكون إلى الغرب، لكننا كنا نعرف تماما أن البحث سيتركز في الغرب، ولولا هذه الحيلة لكنا قد أُعدمنا بعد توقيفنا، لكننا شاهدنا في ساعات الصباح الأولى عملية بحث مكثفة في كل الجهة الغربية للمعسكر، كنا قد وضعنا خريطة بدائية للمنطقة أعدها الرقيب الفرنسي جيروجيو، وكانت بوصلة المسير هي الاستعانة بالنجوم للتوجه شرقا في البداية، بعدها السير جنوبا، كان علينا في الليلة الثانية بعد الفرار السير لمسافة تتعدى 30 كلم على الأقل وسط الغابات والحقول، للابتعاد أكثر، لأننا كنا ندرك أن البحث سيتواصل في الغابات والحقول، تضمنت الخطة أيضا أن ننام في ساعات النهار، ولا نسير إلا في الليل، وإذا تعذر الاهتداء بالنجوم بسبب السحب نستعين بوضعية الشمس قبل المغيب، وأيضا أن نتحاشى المرور قرب القرى الريفية.. والذي عاش في أوروبا يعرف صعوبة هذا الأمر.

في نهار اليوم الثالث اختفينا في غابة بعيدة بمسافة معقولة عن المعسكر، ولاحظنا مرور طائرات على ارتفاع منخفض، وكنا ننتظر الفجر بفارغ الصبر، لأن البقاء هنا يعني أننا سننكشف، واصلنا السير في الغابات والأحراش يوما بعد آخر طيلة 5 أيام، في اليوم الخامس بدأت الخلافات بين المجموعة بسبب الإرهاق والتعب والجوع الشديد، وبدأ بعض الرفقاء يتحدث صراحة عن الاستسلام للألمان، قائلا: الموت بالرصاص أفضل من الموت جوعا، في هذه الأيام كنا نأكل أوراق الشجر، وكانت عفنة وطعمها شديد السوء، لكنها الوسيلة الوحيدة لتخفيف ألم الجوع، كنا قد اتفقنا من البداية على أن أي قرار يُتخذ بشكل جماعي، وهذا خفف من وطأة المشكلات، ما منع أي نزاع كبير بيننا.. كان أن الموت يتربص بنا من كل جانب”.

سرقة دجاج

يقول درقاوي الطيب في شهادته: “في اليوم العاشر لم نتمكن من مقاومة الجوع الشديد، وحتى أوراق الشجر وبعض ثمار اللوز غير الطازجة أو القديمة التي كنا نتسلق الأشجار لجنيها، لم تكف لجعلنا نتمكن من السير، حاولنا عدة مرات اصطياد أرانب في الغابة وحيوانات أخرى صغيرة، لكن الضعف الشديد منعنا من ذلك، قررنا تنفيذ عملية انتحارية وسرقة بعض المحاصيل أو الدواجن، تربصنا غير بعيد عن مزرعة، وبعد مراقبة تواصلت إلى غاية المساء، رسمنا خطة لسرقة دجاج من المزرعة، ونفذنا الخطة، وتمكننا للمرة الأولى منذ 10 أيام من تناول اللحم.. تقاسمنا دجاجتين، أكلنا اللحم دون طهي، قمنا بعدها بردم كل البقايا في حفرة حتى لا تُكتشف، ثم واصلنا السير، بدأنا لاحقا في سرقة خضر غير طازجة من المزارع التي تكون قريبة من الغابات، أكلنا عدة مرات الجزر واللفت، وأكلنا كل شيء تصل إليه أيدينا، المشكلة الأكبر التي واجهتنا في تلك الفترة هي اختراق الطرق، لأن المسير يفرض اختراق الكثير منها، وكنا نتسلل بصعوبة شديدة في الليل عبر الطريق بعد مراقبة شديدة، وزادت رغبتنا في مواصلة المسير بالرغم من الصعوبة، بعد أن شاهدنا طائرات الحلفاء تدك وتقصف الألمان يوميا، كما اضطررنا للانتظار يوما كاملا قبل اختراق جسر على أحد الأنهار”.

مهمة انتحارية.. ورجل ألماني طيب

تتواصل القصة مع ما يسرده هذه المرة الأسير السابق درقاوي الطيب “وبعد 7 أسابيع من المسير المرهق، وصلنا إلى منطقة هالبيرغ في غرب ألمانيا.. كان الفرنسي جيورجيو يقول إننا قريبون جدا من فرنسا، لكن هنا واجهتنا مشكلة مستحيلة الحل، وبات الوصول إلى فرنسا الموجودة على مسافة قصيرة جدا شبه مستحيل، لأن ذلك يستوجب عبور جسر فوق نهر خاضع لحراسة مشددة من الألمان، الجسر الوحيد كانت به أيضا نقطة تفتيش مشددة، فاعتقدنا بصدقٍ أنها النهاية، وخلال ليلة كاملة بحثنا الوضعية، اعتقدنا جميعا أنها النهاية، وأننا سنموت في غضون ساعات، المنطقة كانت خاضعة لحراسة مشددة، ولا سبيل للنجاة أبدا، قررنا في النهاية أنه إذا كان علينا أن نموت فيجب أن نموت على شبع، لقد قضينا سنوات في الأسر، وأسابيع من السير جائعين، راقبنا مزرعة في المنطقة واكتشفنا أن بها شيخا كبيرا مع زوجته، وقررنا اقتحام البيت مع مغادرة الرجل، عسى أن نظفر بوجبة طعام ساخنة، دخلنا على السيدة في بيتها وطلبنا منها وجبة طعام فقط، وشرح لها رفيقنا الفرنسي القصة بالتفصيل، فوجئنا بتعاطف السيدة المسنة التي أعدت لنا طبق معكرونة باللحم، وطلبت منا الإسراع بالمغادرة لأن زوجها لن يتردد في تسليمنا للجيش الألماني، لكن الرجل عاد ونحن نتناول الطعام، أدركنا أنها النهاية، دارت بين الرجل وزوجته مشادة كلامية طويلة، اقتنع بعدها بعدم تسليمنا، بل إن الرجل الألماني الطيب الذي فُجع بمنظر أجسادنا النحيلة جدا وملابسنا المهترئة، أنقذ حياتنا فعلا، لقد قرر نقلنا وسط كومة من التبن فوق الجسر، لكنه اشترط شرطين: الأول أن لا يسعل أي منا وسط التبن، لأن أي سعال سيكشفنا، الشرط الثاني هو أنه في حالة كشفنا فسيدَّعي أنه فوجئ بنا، تمكنا فجر اليوم الموالي من اختراق الجسر، وبتنا على بعد أميال من الحدود الألمانية، وانتظرنا مغيب شمس اليوم الموالي للتسلل مجددا نحو فرنسا التي كانت قد تحررت أغلب أجزائها من الاحتلال الألماني”.

صليب الحرب

يختتم أحمد بن عيسى القصة في جزئها الخاص بالفرار من ألمانيا: “لم يصدق القادة العسكريون الفرنسيون أننا تمكنا من اختراق أغلب ألمانيا في رحلة فرار أسطوري من المعتقل، تمت ترقية الجميع إلى رتب عسكرية أعلى، ومُنحنا جميعا الوسام العسكري الفرنسي الكبير صليب الحرب الذي يُمنح للجنود الأكثر شجاعة، كما حصلنا على عطلة عسكرية مدتها 20 يوما، وكرمنا قادة عسكريون كبار”.