عبد الله العروي: الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية

 

 

عبد الله العروي:  الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية 

من الهين فهم وطنية ما أو ثورة أو حرب؛ الأصعب هو معرفة كنه ومحتوى كل واحدة على حدة. لقد شكلت هذه الفرضية المنهجية دعامتنا وعدتنا طيلة فصول هذه الدراسة، التي لم نجعل من غاياتها الأولى التنظير للوطنية في خلال تحليل حالة خاصة. انصب اهتمامنا في حقيقة الأمر بالدرجة الأولى على تقديم عرض مفصل للإرث التاريخي الذي أعطى للوطنية المغربية أشكالها التي تعرف بها حالياً. ومن ثم كان هدفنا منذ البداية تفسير جملة من الخصوصيات. . . إذا اعتبرنا الوطنية منظومة فكرية نحجت كنسق متراص في دحر فكرة السيادة المشتركة، ونظرنا إليها بصفتها حركة سياسية ألغت وظيفية جيش الحماية، فكيف يا ترى أبانت عن محدودية في مجالي التعبئة وتوحيد القوى؟ وإذا كانت ثمة عوامل أخرى اشتغلت تحت غطاء الوطنية، وكان لها الفضل في تحقيق النقلة نحو الاستقلال، فما هي إذن هذه العوامل؟ وباختصار ما هو كنه الظاهرة التي نعتت بالوطنية، واعتبرت كذلك لمدة عشرين سنة؟ والجدير بالذكر أن هذا الكتاب قد حاز على جائزة المغرب للترجمة لعام 2017.

من خلال العنوان المركب للكتاب الذي نحن بصدد تركيز مضامينه، يفصح المفكر وفيلسوف تاريخ المغرب، الدكتور عبد الله العروي عن الفكرة العامة التي يتناولها الكتاب، بطريقة أكاديمية تنضبط لصرامة البحث العلمي-التاريخي، وذلك لطبيعة هذا البحث الذي هو في الأصل رسالة دكتراه أنجزها العروي سنة 1976م باللغة الفرنسية.

وتأتي أهمية موضوع هذا البحث من كونه تكملة للأعمال البحثية-التاريخية التي شملت فترة قبيل الحماية في المغرب، بالإضافة إلى المقاربة التي يقدمها لبنيات المجتمع المغربي من الناحية السوسيو-تاريخية، ثم إن صفحات هذا الكتاب تنطوي على تأويلات جديدة لبعض القضايا التاريخية، وتدخل هذه التأويلات ضمن توجه عام سار فيه الكاتب في عدد من مؤلفاته، وهو تفنيد بعض الآراء والتفسيرات المغلوطة التي تتضمنها “الكتابات الكولونيالية” بخصوص تاريخ المغرب.

يطرح عبد الله العروي في مؤلفه هذا أسئلة تاريخية صعبة، ترّكز على المفاهيم أكثر من الأحداث، ومن هنا يأتي مفهوم الوطنية كإشكالية رئيسة للكتاب، يقاربها الكاتب من الناحية التاريخية فيغوص باحثاً عن جدور وأصول هذا المفهوم، وللقيام بذلك كان لزاماً عليه منهجياً القيام بدراسة فيلولوجية للوطنية المغربية مع تقديم تفسيراته للمنظومة الفكرية المسيطرة من خلال دراسة بنيات المجتمع المغربي خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

ينقسم الكتاب إلى قسمين، أما القسم الأول فيتضمن أربعة فصول كبرى، فيما يتضمن القسم الثاني خمسة فصول، ونظراً لكثرة المحاور التي تقع في ثنايا هذا البحث الموسع سنكتفي بتقديم أفكار كل فصل على حدا من دون ذكر عناوين المباحث الفرعية.

القسم الأول : النظام المغربي

الفصل الأول : مقومات المجتمع المغربي

من خلال نماذج بعض كتابات الرحالة الأوربيون إلى شمال إفريقيا والمغرب على وجه الخصوص (شارل دي فوكو، ميكين، مولييراس…) يستقي العروي عدد من الملاحاظات والمعلومات حول أهل المغرب، لباسهم ومأكلهم ومساكنهم وكيف كانوا يستغلون مجالهم، بالإضافة إلى لهجاتهم المستعملة، ثم يتطرق إلى مقوم أساسي للمجتمع المغربي وهو الاقتصاد، فيطرح سؤال عريض وهو “هل وجد حقا فضاء اقتصاد مغربي؟” ويأتي جواب المؤرخ كالآتي “المستوى التقني بحق كان متدنيا، ولم تعرف السوق تنوعا في المنتجات و لا سيولة في المبادلات”، وتصب خلاصات هذا الفصل في فكرة أن الإنسان المغربي كان ينفرد بلباسه ولهجته وبمجال له حدود اعتبره مجاله الخاص.

الفصل الثاني : سلطان ومخزن

مصادر السلطة ومالكيها في المغرب هي محور أفكار هذا الفصل، وهي ثلاث مستويات بداية بالإقليمي ثم الحضري فالمركزي، ينطلق المؤلف من صيغة البيعة التي تؤسس لشرعية تولية السلطان، والكيفية التي يتولى بها الحكم من خلال عرض نماذج تنصيب أربعة سلاطين علويين من القرن 19م، أما المخزن فيراه قسمان أساسيان هما الجيش بفرقه الثلاث (الكيش، النوائب، العسكر المشاة) والبيروقراطية المخزنية ويعني بها الإدارة بمراتبها المختلفة (كتاب الدواوين، الأمناء، التجار…)، ومن خلال نصوص البيعة يستخلص الكاتب أن المجتمع المغربي كان يخضع لتراتبية اجتماعية هرمية -تتشكل من الأعلى إلى الأسفل- الشرفاء فالعلماء ثم الأعيان وأخيراً الخاصة، وبعد تقديمه لكل هذه الجماعات المصنفة يروم إلى عدّ وظائف السلطان وتحليل كل وظيفة على حدا.

الفصل الثالث : في منابع السيبة : الزعامات المحلية

يتعرّض الكاتب في هذا الفصل لأنواع الزعامات في المجتمع المغرب خصوصا المحلية منها كالقبيلة والزاوية، مع التفصيل في خصائص كل واحدة منها وعلاقتها بجهاز المخزن من خلال تحليل مجموعة من الأحداث، وفي خضم تحليلاته يعرض بعض نظريات المستشرقين بتخصصاتهم الثلاثة الإثنوغرافيون، الأنتروبولجيون والسوسيولوجيون (ميشو-بلير، هينري تيراس، جورج سبيلمان، تيليون جان بيرك، مونتاني…) ثم يقدم رؤيته النقدية لنظريات بعضهم تارة ويرجح بينها تارة أخرى، وقد خلص في نهاية الفصل إلى أن المغرب حظي بتعايش فريد بين المخزن وهذه الزعامات المحلية وأن معظم تلك الخلافات التي نشبت بين الطرفين والمتراوحة بين الرفض العنيف والمعارضة الشرعية هي عرضية وظرفية انتهت في الغالب إلى البحث عن توافقات، مما يؤكد بالملموس وجود جهاز مغربي قائم بالذات.

الفصل الرابع : ثقافة ومنظومة فكرية

يعالج الفصل وضعية الفكر والثقافة في المغرب، خلال مرحلة الانفتاح الاقتصادي على أوربا والتدخل الأجنبي المغربي، وذلك عن طريق استكشاف الآليات التي استخدمها المغاربة لبلورة فكرهم وإنتاج معرفتهم، كما يرصد الكاتب المؤثرات الخارجية التي لعبت دور مهم في اختبار مدى انفتاح ثقافة المغاربة وقدرة فكرهم على معالجة القضايا المستجدة على أرض الواقع.

القسم الثاني : النظام في أزمة

الفصل الخامس : في منابع العداء للأجانب

أحسن المؤلف تلخيص فكرة هذا الفصل في عنوانه، إذ تحدث فيه عن الأسباب السياسية والاقتصادية والثقافية التي ولّدت عند النخبة والسلطة ردود فعل رافضة لأي تدخل أجنبي في المغرب، وسعوا إلى تحقيق ذلك، لكن التقدم الذي حدث بأوربا بالإضافة إلى الظروف الداخلية للبلد لم تكن تعين على حفظ المغرب لاستقلاليته السياسية والاقتصادية.

الفصل السادس : متناقضات التوجه الإصلاحي الرسمي

استهدف التوجه الاصلاحي الرسمي ثلاثة مجالات رئيسية هي : الجيش، الإدارة والضرائب، وذلك بإيعاز من الدول الأجنبية تارة وبإرادة داخلية تارة أخرى تمثلت في دعوات العلماء ومقترحاتهم ومبادرات بعض السلاطين (عبد الرحمان ابن هشام، الحسن الأول)، وعلى هامش هذه الأحداث يتناول الكاتب ظاهرة تنامي آليات الدفاع عن المخزن بعدما اشتدت عليه ضغوطات المطالبة بالإصلاح.

الفصل السابع : في أصول الفكر السلفي المغربي

مثّلت ردود فعل بعض علماء المغرب خلال القرن نهاية القرن 19م تعبيراً واضحا على ما وصلت إليه الجهات المؤثرة في السلطة من عجز أمام الاختراق الأجنبي وتواطئ فئة التجار و”أهل الذمّة”، فنهض هؤلاء العلماء ينادون بالجهاد، مقاطعة كل ما هو أجنبي، ومطالبة فئة التجار بالكف عن التعامل مع “النصارى”، وفي تضمينات هذا الفصل أمثلة ذلك.

الفصل الثامن : “التسيب” المغربي

وتتمحور أفكار الفصل الثامن حول أطروحة “السيبة” أو التمردات القبلية، مع التطرق إلى الظروف المولّدة لهذه الظاهرة التاريخية التي ميّزت الفترة الممتدة بين 1900 و1912م، وكيف استغلت القوى الأجنبية هذه التمردات لتجد لها موطئ قدم بالمغرب، ويصرّ العروي في هذا الفصل على أن مفهوم السيبة لم يكن كما صوّره الأنتروبولوجيون على أنه فوضى مطلقة كما لم يكن تمرداً صادر عن إغراءات قروض الأوروبيين، وإنما يراه طرح سياسي جديد مؤسس لوعي وطني جامع.

الفصل التاسع : الحركة الحفيظية

بين سنتي 1907 و1912م قدم المغاربة ما تبقى لهم من محاولات الاصلاح، على رأس هذه المحاولات محاولة إصلاح الوضعية السياسية، من خلال مبادرات دستورية أو بإعادة شرعية البيعة بمبايعة المولى عبد الحفيظ، لكن جميع هذه المحاولات المتأخرة قد باءت بالفشل، ويرجع السبب إلى الضغوطات الأجنبية المكثفة، وتضخم المكتسبات الاقتصادية للدول الأوربية بالمغرب، إلى ان انتهى الأمر بالحسم العسكري الذي كان متوقعاً قبل تنفيذه.

استطاع عبد الله العروي أن يجمّل في هذه الفصول التسع العناصر الأساسية التي بلورة الوطنية المغربية، بالاعتماد على الوثائق والمصادر الوطنية (الرسائل السلطانية، مصنفات ورسائل الفقهاء، المصادر التاريخية للقرن 19م)، واستثمر مضامين هذه المصادر والمراجع بشكل منهجي يعطي معنى محدد للعلاقات التي نسجتها المتغيرات الحالية مع ما سبقها من أحداث، فكانت الكلمة الأولى في عنوان الكتاب “الأصول” تجسد بالملموس مضمونه، وكانت الخلاصة في النهاية أن “الوطنية تقوم على قاعدة غلبة الماضي على الحاضر”.

فالقارئ يتتبع صيغة الكتاب المنهجية التي تتقدم في الزمن بطريقة كرونولوجية من العقد الثالث للقرن التاسع عشر الميلادي إلى لحظة عقد معاهدة الحماية، لكن بين الفينة والأخرى يعود الكاتب بنا إلى الماضي كلما وقف على عنصر أساسي له علاقة بالفرضية الرئيسية للكتاب ألا وهي الوطنية المغربية.

على ضوء ما جاء في الكتاب فإن الوطنية المغربية تشكلت بداية من وعي المغاربة مع اختلاف أصولهم القبلية والإثنية بإنتمائهم لمجال واحد، وأنهم كانوا مدركين بقدر معيّن تقاسمهم لهذا المجال وتقع عليهم جميعاً (المخزن، القبائل، العلماء، التجار…) مهمة الدفاع عليه أمام التحديات الخارجية، لذلك وقع “استنفار جماعي استجابة لضغوط خارجية”، وفي خضم هذه الأخيرة برزت إلى الواجهة المواقف المتشددة متمادية في الانغلاق الثقافي إلى حدّ رفض كل ما هو خارجي، والتي أبانت على مدى انزواء المنظومة الثقافية المغربية وتقوقعها في هذا الفترة، وإن كانت هذه المواقف رامت إلى تحقيق ما اصطلح عليه ب”الإصلاح”، وشكّلت البذرات الأولى لحركات المقاومة.

تحميل الكتاب (لست مُنشىء هذه الكتب، ولم أقم بتصويرها أو رفعها على الإنترنت، وإنما هي متاحة بهذه الروابط)