منذ منتصف القرن العشرين، والعديد من البلدان العربية والإسلامية، تعرف موجة من التمدن الحديث التي تحاول مجاراة التحولات الكبرى لبلدان أوروبا الشرقية وأمريكا الجنونية. وقد تميزت تلك الفترة، على المستوى الإفريقي والأسيوي، بحصول العديد من البلدان العربية والإسلامية على استقلالها السياسي عن المستعمر الغربي.

في هذا السياق، عملت المجتمعات الحديثة المستقلة أنذاك عن المستعمر، على تحديث بنياتها المؤسساتية والمجتمعية بما فيها البنيات التحتية ذات الطابع الحيوي لمعيش الإنسان. ولضمان نمو اجتماعي وسياسي واقتصادي محصور بالقدرات الخاصة بهاته المجتمعات، بحثت نخبها السياسية والاقتصادية عن طرق وآليات جديدة للانبعاث من جديد. وهكذا، في مقابل مؤسسات سياسية، تضظلع بمهمة ممارسة السلطة السياسية وتدبير الشأن العام للمواطنات والمواطنين، خلقت العديد من المؤسسات ذات الطابع الاقتصادي لمجاراة الإنتاج الوطني وكذا الدولي بهدف تلبية مختلف حاجياتها الداخلية والمحلية.

تبعا لذلك، احتاج المجتمع بأفراده وجماعاته، نفسا جديدا للتحرك مدنيا من أجل ممارسة حقوقه وحرياته بشكل أكثر تنظيما واستقلالا عن المجال السياسي والاقتصادي. وهكذا، شهدت العديد من الدول المعاصرة، انبعاث كثل اجتماعية انتظمت على شكل جمعيات ومنظمات ذات أهداف غير سياسية، مرحليا؛ وتسعى إلى خدمة القيم الاجتماعية كالتضامن والتعاون والبناء الذاتي المشترك؛ الأمر الذي أدى إلى تأسيس أفكار اجتماعية “ثورية”، تم تبنيها من طرف ما أضحى يسمى اليوم بـ “المجتمع المدني”.

بالإضافة إلى السياق الذي ولد فيه مفهوم المجتمع المدني بالغرب، نلاحظ على أن مجموعة من الأسباب، عربيا وإفريقيا، قد تداخلت فيما بينها لتساهم في ظهور جمعيات المجتمع المدني بالشكل الحديث لها اليوم كقوة اجتماعية ذات تأثير ملحوظ في جميع المجالات كالسياسة والاقتصاد. بل، لقد حاولت ولا تزال، بجانب الأحزاب السياسية والنقابات وبعض المنظمات الحكومية وغير الحكومية الوطنية، تحاول أن تلعب دور الحاملة لمشاريع التربية والتكوين والوعي والتثقيف، وكذا البناء الذاتي للفكر والإنسان والمجتمع، من خلال أدوار تكاملية مع مؤسسات الدولة أحيانا وبشكل مستقل أحيانا أخرى.

إن الأدوار التي يسعى المجتمع المدني اليوم إلى لعبها، من خلال تحقيق الأهداف المجتمعية عبرها، يمكن تقسيمها إلى صنفين: صنف له علاقة بالممارسة السياسية وتجليات المجال السياسي، وصنف آخر له علاقة بالتنمية المجتمعية. وتعتبر العلاقة الأولى، ذات أبعاد تشاركية وتدبيرية مؤسساتية من جهة؛ بينما، تعتبر الثانية، ذات أبعاد تنموية بشرية ومجالية مجتمعية من جهة أخرى.

تعد علاقة المجتمع المدني بالسياسة، علاقة ارتباط وطيد، تسعى لبلوغ المشاركة السياسية الفعالة للمواطنين من الناحية المدنية بغية التأثير في مراكز القرار السياسي والإداري، وتوجيهها نحو خدمة الصالح العام؛ ومن هذا المنطلق، يصح الحديث عن متطلبات النظام الديمقاطي سياسيا وإداريا؛ أي بصفة مختصرة، الدفاع عن الديمقراطية في مختلف تجلياتها العملية من الممارسة المؤسساتية إلى الممارسة عبر الميدان السياسي.

أما علاقة المجتمع المدني بما هو من صميم التنمية المجتمعية، فيقودنا إلى القول بأن متطلبات التنمية، تلعب دورا كبيرا في توجيه بوصلة القادة المدنيين للبحث عن كل الطرق الممكنة لسد حاجيات المجتمع على كافة الصعد، وعلى رأسها المشاريع التنموية التي تسعى إلى التقليص من درجات الفقر ومواجهة الأمراض ومحاربة الجهل وكل الفوضى التي تستشري بين صفوف المواطنات والمواطنين، إن قرويا أو حضريا.

إن العلاقتين أعلاه، لا تسعيا إلى جعل المجتمع المدني يلعب أدوارا بديلة عن المجتمع السياسي المتمثل في أدوار المؤسسات السياسية الرسمية كالحكومات والبرلمانات أو غير الرسمية كالأحزاب السياسية، وإنما تسعيا إلى تركيب أدوار تكاملية وتشاركية وتوجيهية طلائعية. بمعنى آخر، إن المجتمع المدني يقدم يد المساعدة للتغلب على مَطَبّات الديمقراطية – إن صح التعبير – في بلداننا بصفة خاصة، وللرفع من وثيرة التقدم في مشاريع البناء التي تستهدف الإنسان والمجال والمجتمع بصفة عامة.

تبعا لكل ما سبق، يسعى هذا المؤلف الطموح إلى مقاربة كافة علاقات المجتمع المدني بالديمقراطية والتنمية، من خلال بسط مجموعة من الأفكار ذات الأبعاد المتكاملة والمتقاطعة فيما بينها، كل حسب تخصصه وزوايا معالجته للقضايا موضوع الأوراق المشاركة في تقديم رؤية أو فكرة أو وجهة نظر أو نقد موضوعي حول مفهوم المجتمع المدني فكرة وممارسة؛ وذلك، من خلال علاقته بالديمقراطية ومتطلبات التنمية بصفة مختصرة.

تجدر الإشارة إلى أن مختلف الأوراق المقدمة في إطار هذا المؤلف الجماعي، تتميز بتعدد مشاربها الفكرية كما تتقاطع معرفيا وتختلف مجاليا وتتكامل لغويا؛ إذ نجد أوراق بخلفية علمية سياسية أو بخلفية ميدانية سوسيولوجية أو بخلفية فكرية فلسفية أو بخلفية كرونولوجية تاريخية… الخ، أو لباحثين متميزين من المغرب أو من الجزائر أو من تونس… الخ؛ أو باللغة العربية أو بالفرنسية أو بالإنجليزية؛ وكلها، تصب في خدمة المعرفة العلمية التي تتكامل مع أهداف رائد مراكز التفكير في مجال البحث العلمي، مغربيا وإقليميا، “مركز تكامل للدراسات والأبحاث“.

في نفس السياق، نجد أوراقا تعالج إشكالية الديمقراطية التشاركية وتدبير الشأن التنموي وفق قراءة سوسيولوجية، من منطلق تدخلات المجتمع المدني، ولاسيما تلك التي يحاول من خلالها – أصحابها – المساهمة في مسار البناء الديمقراطي عبر محاولات تحقيق الانتقال إلى نظام سياسي وإداري أكثر ديمقراطية.

وفي المقابل، نجد عدة أوراق أخرى، تساهم في نفس الإطار، محاولة طرح المقاربة التنموية والتشاركية للمجتمع المدني في علاقته بالهاجس الأمني الذي يسيطر في بعض الأحيان على القرار السياسي لمؤسسات الدولة؛ إلا أن تفاعل المجتمع المدني مع مبادئ الديمقراطية التشاركية، ولاسيما مع تبني المغرب لدستور 2011 فضلا عن قوانين الجماعات الترابية لسنة 2015، قد يجعله في منأى من تلك الهواجس، من خلال محاولة توجيه غاياته وتركيز فاعليتها على مساحات اشتغاله من جهة، في أفق التقليص من حدة الصراع على النفوذ المجتمعي ما بين مؤسسات المجتمع السياسي وجمعيات المجتمع المدني من جهة أخرى.

وهو الأمر الذي قد يقود المجتمع المدني المعاصر إلى خلق قنوات أخرى للمواجهة، أقل حدة، مثل المجتمع المدني السيبرنيتي الذي يستطيع من خلاله خلق رأي عام افتراضي، يساهم في بلوغ أهدافه التنموية دون أية مواجهات، لا مع رموز المجتمع السياسي ولا مع القنوات التقليدية التي يتبناها لإيصال صوته إلى كافة المواطنات والمواطنين في المجتمع والدولة.

باختصار، لا يمكن الحديث عن المجتمع المدني دون تكامل أدوار هذا الأخير، بين تحقيق الأهداف ذات الأبعاد السياسية المتمثلة في التشبت بمبادئ الفعل الديمقراطي الحر، والأهداف ذات الأبعاد التنموية المتمثلة في البناء الفكري والاجتماعي للإنسان المعاصر.

إنَّ لا بناء للمجتمع، مدنيا وسياسيا، إلا من خلال بناء الإنسان أولا وأخيرا. ولن يتحقق هذا الأمر، ما لم يتحقق الوعي بضرورة وجود المجتمع المدني كفاعل مواز للمجتمع السياسي، له من مميزات الكفاءة والقدرة على القيادة ما يجعله يساهم في مشاريع البناء التنموي ومشاريع إعادة البناء كلما تطلب الأمر الواقع ذلك!

في الأخير، ونحن نتحدث عن مفهوم وفكرة المجتمع المدني، في هذا المؤلف الجماعي، كل من منطلقه الخاص أو العام، ألا تجدر بنا الإشارة إلى طرح السؤال القديم الجديد: هل تتوفر فعلا، المجتمعات الحالية، في الدول العربية والإسلامية المعاصرة، على “مجتمع مدني”، قوي، فعال، ديمقراطي وتنموي؟

تحميل الكتاب