د.محمد عبدالرحمن عريف

  هو تعاون بين الإتحاد الدولي للمؤرخين وجامعتي الموصل والحمدانية، لبدء مشروع الإعمار الآثاري والإحياء التراثي لنينوى، نحو الشروع بخطوات أعمال مؤتمر دولي في عينكاوا، فمنذ شهور بدأت اللجنة التحضرية المنبثقة من تفهمات الاتحاد الدولي للمؤرخين وجامعتي الموصل والحمدانية، مراحل تنظيم عملها وتحديد موعد إقامة مؤتمر دولي عام، بعد خلاصة مجريات العديد من ثوابت ومحركات تعميق مسارات المشروع الحضاري الكبير، وتنفيذ سبل النهوض بحملات الاعمار الآثاري والإحياء التراثي لنينوى وسهلها.

  يقول الدكتور إبراهيم سعيد البيضاني، الأمين العام للاتحاد الدولي للمؤرخين: “منذ ‏اشهر عدة عملنا مع الجهات الساندة والمتعاونة لاختيار وتأهيل عدة لجان متخصصة ‏أخذت على عاتقها واجبات توجيه الدعوات للباحثين والمتخصصين في مجال التأريخ ‏والآثار والعمارة والفنون للمشاركة في اعمال المؤتمر.‏ ‏واضاف أنه :”سيتخلل المؤتمر اقامة معرض للكتاب وحملة اعلامية يشارك فيها ‏اعلاميون من العراق وتونس وسوريا لتسليط الضوء على أهمية آثار نينوى ‏الباذخة الجمال والروعة، بالاضافة إلى مزاياها الاخرى المعروفة”.‏

   اوضحت المنسق العام لاعمال المؤتمر الدكتورة اطلال سالم القس حنا، أنه: “‏تمت تسمية عدد من اللجان، منها اللجنة العلمية وتضم شخصيات بحثية واكاديمية ‏من عدد من الدول العربية والعراق، واللجنة الاعلاميّة ولجنة صياغة التقرير ‏الاستراتيجي، ثم تسمية سكرتارية المؤتمر، التي تتلقى البحوث الكثيرة والمتنوعة”.‏ واكدت: “أن اكثر واعمق ما يهم مشروعنا هو الحفاظ على روح الانسان التي هي ‏اساس الوجود، ساعين إلى ترميم ما تأثر في دواخل ونفوس الناس عبر برامج تأهيليّة‏، ترمي إلى اصلاح ما تخرب”.

  بداية يمكن القول أن ثقافة التنوع وفقًا للمبادئ التي تتجه إليه او تدعو إليه مؤسسات ومنظمات التوافق هي عمليات تقارب ودمج وتعزيز التمازج بين الثقافات بغية تحقيق وتنمية التواصل فيما بين اتباع تلك الثقافات، لأن هذه الثقافات المتنوعة هي بالاساس موجودة، ولكن تنقصها اليات التنمة والتواصل فيما بين الافراد التي يمثلونها وتعزيز وجودها في ذهنية الافراد والجماعات بمختلف انتمائاتهم. ليكتشف ذلك الثراء الثقافي والتنوع الحضاري الموجود فيه حتى يستطيع ان يكون عضوًا فاعلًا ضمن الأسرة الدولية، فالتقارب الثقافي شأن الجميع كأفراد ومسؤولية المؤسسات أن تعمل بما يساهم في تعزيز التنوع وصولًا إلى قبول الاخر المختلف والاقرار بثقافته وحضارته وتراثه وخاصة مع عصر التكنولوجيا التي باتت تخترق الحدود وتمزج الثقافات وتفرض ثقافات وأن لم تكن هناك محاولات جدية للحفاظ عليها –الثقافة المحلية وتنوعاتها– وتنميتها فانها ستتعرض للزوال والنسيان.

سمات التنوع في اقليم كوردستان

   مثلما يعلم الجميع أن التنوع الثقافي الذي يتميز به اقليم كوردستان له سمات عديدة، إذ فيه التنوع الديني، حيث يوجد (المسلمين كورد وعرب– الايزيدية – المسيحيين – التركمان – الشبك – الصابئة المندائية – الكاكائية – الزرداشتية – البهائية) وغيرها من المكونات التي لها ثقافة وتراث مترسخ في ذهنية الافراد والتي تختلف من منطقة لاخرى، ثم هناك التنوع  الثقافي اذ توجد ثقافات مختلفة لها جذور تاريخية عريقة، مثلًا التراث الثقافي الموجود في سنجار للايزيدية وتراث هاورامان لليارسان او تراث وثقافة ديانا وسوران او كفرى وكلار وكويى ورواندوز او ئاميدي وكركوك كل له سماته، وطبعًا لا يمكن أن ننسى التراث والتنوع الحضاري إذ تعتبر كوردستان مهدًا لحضارات عديدة بدأت من وجود أول انسان على وجه الارض النياندرتال في كهوف شاندر ومراحل لحضارات مختلفة من الميديين –الاشوريين وصولًا إلى التنوع التراثي، القومي والاثني ومنبعًا لظهور الأديان (الشمسانية –اليزدانية –الميثرائية –الزرداشتية) ثم انتشار اليهودية والمسيحية وقدوم الاسلام  والتي تمثل مراحل حضارية مهمة لابد من التعرف عليها حتى نتعرف على منابع حضارة وتراث وثقافة شعوب المنطقة والتغيرات التي طرأت عليها.

 هنا السؤال يتبادر إلى الذهن، ما هي العمليات التي تجري من اجل تعزيز هذا  التنوع وفقًا للرؤية التي تدعو إليها اليونسكو في اعلان مبادئ لتسامح والتنوع والثقافي أي التي تهدف إلى تعزيز الرؤية لمكانتها –التنوع– في ذهنية الافراد؟ ما هي المبادرات الحكومية لتعزيز ذلك التنوع؟ وما هو مستوى وطموح مبادرات ومساهمات وسائل الاعلام والمجتمع المدني للاسهام بتنمية ذلك التنوع؟.

  طبيعي للاجابة على هذه الاسئلة نحتاج إلى الكثير من استطلاعات الرأي القيمة والعلمية، لأنه في الاساس توجد مبادرت حكومية، خاصة تلك التي قامت بها لفترة وزارة الثقافة والشباب والرياضة، ثم كان ولايزال هناك تحرك مهم للمجتمع المدني لتعزيز التنوع من خلال العديد من المبادرات والفعاليت المستمرة على مدار السنة.

كيفية تعزيز التنوع في ذهنية الافراد؟

  على مستوى تعزيز التنوع في ذهنية الافراد، نجد أنه لم تتعزز رؤية قبول والاسهام في تعزيز التنوع في ذهنية الافراد رغم كل تلك الجهود الكبيرة والسؤال بالسؤال يذكر، لماذا؟: إن التحديات التي تواجه تعزيز التنوع كثيرة وكبيرة ومتنوعة ايضًا، إذ يجب أن نشخص تلك التحديات حتى نستطيع أن نتجاوزها وكيفية العمل عليها ولكن هناك اسباب رئيسة واخرى مساندة لها او مكملة فالسبب الرئيس هو قلة وجود اسس تنمية ثقافة التنوع في العائلة، واستسلام غالبية الناس في اقليم كوردستان لمصدر معرفي واحد فيما يخص بالتعرف على الاخر والتعامل معه والقبول به كما هو وهو المصدر الديني، كما هناك مبادرات مستمرة منذ مئات السنين لمحو الثقافات الأصيلة والتراث العريق والفهم العميق لحضارة المنطقة واضفاء صيغة واحدة مستندة إلى الدين  وهو دين الغالبية.

التحديات التي تواجه تعزيز التنوع

  في الجانب الاخر هناك تحديات اخرى تواجه تعزيز التنوع في ذهنية الافراد: اولا  –تتمثل في قلة المصادر المعرفية بخصوص التنوع اذ هناك شحة كبيرة في البحوث والدراسات باللغة الكوردية او المترجمة من لغات اخرى حول هذا المنبع المعرفي –ثانيًا– هناك الخطاب الاحادي للافراد والجماعات، كل واحد يقر بأن ثقافته وتراثه هو الابرز والاهم  ويحاول أن يعممها وفق منظوره وليس وفق منظور من يقبل بها كما هي –ثالثا– ثم هناك الخطاب الديني الذي يعد العامل الاهم في محو ثقافات والتركيز على ثقافة بعينها، وطبعًا في الكثير من الاحيان الازدواجية في الخطاب الديني تكون سببًا في عدم تعزيز ثقافة التنوع الذي في الغالب يدعو إلى تقبل الاخر المختلف شكليًا ولكن في الاساس توجد تحديات داخلية تمنعه من ممارسة وتعزيز ذلك القبول بالتنوع.

عليه وبغية الحفاظ على التعددية والتنوع وجعله مصدر ثراء حضاري في اقليم كوردستان لابد أن نفهم أن العملية يجب أن تمر وفق المسار الصحيح كالاتي:

-في المرحلة الاولى التعرف على التنوع  كتراث وحضارة وثقافة وفكر انساني ماذا يمكن أن تفعل كل جهة من جانبها بهذا الخصوص.

–ثم القبول به أي القبول بكل الثقافات كما هي وليس الانتقاص منها  من قبل الافراد وتدريجيا الجماعات.

–ممارسة وتعزيز التنوع أي أن نمارس عملية الاقرار بالتنوع ونساهم في تعزيزه فرديًا حيثما رأيناه بحاجة إلى الدعم والمساندة أي نشعر الاخر المختلف ثقافيًا أنه له مكانة وقبول.

لذلك فأن ما نحتاج اليه في اقليم كوردستان لتنمية ثقافة التنوع هي توفير مصادر معرفية واسعة، ومبادرت مدنية وحكومية ودينية مستمرة على مدار السنة، والتشجيع والاستناد على مبادرات مؤسسات الامم المتحدة في هذا الخصوص لأحياء هذ التراث الثقافي الغني والثري والعمل بما يؤدي أن تنعكس هذه الفعاليات والمبادرات في وسائل الاعلام بشكل واسع وممنهج ومهني ضمن برامج محددة واخرى مفتوحة تزود المتلقي في اقليم كوردستان بمصادر التنوع الثقافي وترشده إلى الاستفادة منها دون تحييز او تمييز وأن تقدم وسائل الاعلام جميع الثقافات المتنوعة بنفس الاهمية ونفس الاهتمام، فعندما يكون هناك تعزيز للتنوع  سيكون عنصرًا مهمًا للاستقرار وارضًا خصبة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية التي تساعد كثيرًا في مسألة تقارب الثقافات لتصبح عاملًا  للاستقرار السياسي وسيادة القانون في النهاية وتنمية المجتمع وفق الاسس الصحيحة في أن يشعر كل واحد أن ما يمتلكه من ثقافة لها مكانتها وما عليه من انتماء لا يشعره بعدم المساواة.

 في النهاية يبقى أن نقول أنه “قد يكون الواقع تاريخيًا أنه لم تتمكن الأنظمة التي تعاقبت على دفة الحكم في العراق بموجب توافقات دولية – إقليمية من بناء الدولة الوطنية، المعبرة عن طموحات وتطلعات جميع مكوناتها، والمطمئنة لها عبر الاعتراف بخصوصياتها وحقوقها ضمن إطار وحدة وطنية طوعية”.

 

 

Print Friendly, PDF & Email