بقلم د. منى سليمان – إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

أطلق الجيش الصيني يوم 4 أغسطس الحالي أكبر مناورات عسكرية في تاريخه للرد على زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي “نانسي بيلوسي” إلى تايوان في مطلع الشهر الحالي، كما فرضت بكين عقوبات على “بيلوسي”، وأوقفت التعاون السياسي مع واشنطن؛ لدعمها مطالب تايوان الانفصالية. وهذا الدعم الأمريكي لتايبيه تَعُده بكين تحريضاً ضدها واستهدافاً لسيادتها واستقلالها، ويُعيد إلى الأذهان الدعم الأمريكي المتعمد لأوكرانيا لمواجهة روسيا؛ ما دفع موسكو إلى شن هجوم عسكري عليها في فبراير الماضي؛ ما يثير إمكانية المقاربة بين الحالتين ويطرح تساؤلاً حول مدى احتمالية شن الصين هجوماً عسكرياً لاستعادة السيطرة على تايوان، وحول أوراق الضغط الصينية الأخرى على واشنطن – في حال تعثر الهجوم – للرد على زيارة “بيلوسي”.

استقطاب أمريكي صيني

ترفض بكين استقلال جزيرة تايوان، نظراً إلى أهميتها الاستراتيجية كجزء من الصين رغم مطالبتها بذلك منذ 1949 وسط تأييد دولي لسياسة “الصين الواحدة”. وتُعَد رئيسة مجلس النواب الأمريكي الديمقراطية “نانسي بيلوسي” أهم مسؤول أمريكي زار تايبيه منذ ربع قرن. وقد بدأت حالة من الاستقطاب الإقليمي بجنوب شرق آسيا منذ زيارة المسؤولة الأمريكية؛ حيث انقسمت دول المنطقة بين المحور الأمريكي المؤيد لحق تايبيه في الدفاع عن استقلالها، والمحور الصيني الرافض لأي حل عسكري للنزاعات بالمنطقة. وقد تعددت مظاهر ذلك الاستقطاب وردود الأفعال على الزيارة التي تمثلت في:

1– مناورات عسكرية متبادلة: أطلقت الصين أكبر مناورات في تاريخها غداة زيارة “بيلوسي” إلى تايوان، وأطلقت 11 صاروخاً باليستياً من طراز “دونج–فينج” كما توغلت نحو 10 سفن بحرية صينية عدة مرات بسرعة داخل الخط الفاصل الذي يقسم مضيق تايوان، وأكدت بكين أن هذه التدريبات “إجراء ضروري وشرعي” بعد زيارة “بيلوسي”. وانتقدت تايبيه المناورات لأنها تجرى في المياه الإقليمية التايوانية، وأعلنت عن اختراق 16 مقاتلة من طراز سوخوي–30، و11 طائرة صينية، المجال الجوي للجزيرة الانفصالية. وأوضح الجيش التايواني أنه “يستعد للحرب من دون السعي إليها”. في المقابل بدأت مناورات “سوبر جارودا شيلد” العسكرية الأمريكية الإندونيسية، يوم 1 أغسطس الجاري، بمشاركة أربعة آلاف جندي في جزيرتي سومطرة ورياو بإندونيسيا بمشاركة قوات أسترالية وسنغافورية وكذلك يابانية للمرة الأولى، ومن المقرر أن تستمر أسبوعين لتعزيز “التعاون الإقليمي” كما وصفت واشنطن.

2– الدعم الروسي للصين: انتقدت وزارة الخارجية الروسية والكرملين ومجلس الدوما الروسي (البرلمان) زيارة “بيلوسي” إلى تايوان، ووصفها وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” بأنها “إزعاج لا مبرر له”، كما أكد أن الشراكة الاستراتيجية بين موسكو وبكين من أسس الحركة من أجل سيادة القانون في العلاقات الدولية، وانتقد محاولات واشنطن نشر هيمنتها على المزيد من المناطق في العالم، وقارن بين التحريض الأمريكي لأوكرانيا ضد روسيا والتحريض الأمريكي لتايوان ضد الصين.

جدير بالذكر أن العلاقات الروسية الصينية قد بدأت مرحلة جديدة في التعاون بينهما منذ القمة الرئاسية في بكين على هامش دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في فبراير 2022؛ حيث وقَّعت الدولتان على اتفاق تعاون استرتيجي بينهما، ثم جاء الدعم الصيني لموسكو ورفض بكين إدانة العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا أو فرض عقوبات ضدها، واليوم تتخذ روسيا “موقفاً مماثلاً” من الأزمة التايوانية وتدعم الصين في مواجهة المحور الغربي. وبالطبع فان تصاعد المواجهة بين بكين وواشنطن يعزز الموقف الروسي إقليمياً ودولياً؛ حيث إنه سيشغلهم عن منافسة موسكو، وكذلك سيعزز التحالف بين روسيا والصين بما تمتلكانه من قوة اقتصادية هائلة وعسكرية تقليدية ونووية؛ ما سيضر المصالح الأمريكية على المديين القصير والمتوسط، وربما ترغب واشنطن في استنزاف قوة الصين الاقتصادية وروسيا العسكرية في حروب إقليمية لعرقلة صعودهما الدولي وتغير النظام الدولي الذي يروج له الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” وتؤيده الصين منذ بدء الحرب الأوكرانية في 24 نوفمبر 2022.

3–مخاوف اندلاع نزاع دولي: أعلنت اليابان، يوم 4 أغسطس الجاري، عن سقوط أربعة صواريخ باليستية صينية في المنطقة الاقتصادية الخالصة لها للمرة الأولى؛ ما دفع طوكيو إلى تقديم احتجاج رسمي إلى بكين عبر القنوات الدبلوماسية، كما أعلنت طوكيو أن “قضية تايوان هي الأساس السياسي للعلاقات الصينية اليابانية”. وفي السياق نفسه أصدرت دول السبع (G7) بياناً بشأن تايوان يدعم استقلالها وسيادتها، وهو ما وصفته بكين بأنه “بيان خاطئ”، كما أصدر وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) يوم 4 أغسطس الجاري بياناً يحثُّ بكين على ضبط النفس ويحذر من خطورة التصعيد الحالي الذي ربما يؤدي إلى “نزاعات مفتوحة”.

بدوره أوضح الأمين العام لحلف الناتو “ينس ستولتنبرج” أنه يجب على الصين ألا تبالغ في رد فعلها على زيارة “بيلوسي” إلى تايوان؛ الأمر الذي أسفر عن وجود محورين بالأزمة: الأول المحور الأمريكي من واشنطن وتايبيه وحلفائهما في الآسيان واليابان والهند والناتو ومجموعة السبع، والثاني محور الصين وروسيا وحلفائهما في دول الإندوباسيفيك وكمبوديا وميانمار؛ ما آثار مخاوف من تحول أي تصعيد عسكري بين الصين وتايوان إلى نزاع دولي مسلح في جنوب شرق آسيا؛ ما سيؤثر على الأمن والسلم الدوليين، ويسفر عن تغير في بنية النظام الدولي وفق المنتصر والخاسر بذلك النزاع.

أوراق الضغط

اتسمت مواقف واشنطن وبكين من زيارة “بيلوسي” إلى تايوان بحدة الخطاب السياسي والتصعيد العسكري المتبادل؛ حيث يعمل الحزب الأمريكي الديمقراطي الحاكم على حشد الأصوات له قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل، كما يسعى الرئيس الصيني “شي جين بينج” إلى رفع شعبيته قبل المؤتمر العام العشرين للحزب الحاكم المقرر عقده بنهاية العام الحالي، لا سيما بعد التحدي الأمريكي لبكين والإصرار على الزيارة رغم التحذيرات الصينية المستمرة برفض تلك الزيارة، والتلويح باستخدام القوة ضد تايوان. ورغم ذلك فإن حدوث مواجهة عسكرية بينهما مُستبعَدة، وكذلك تغير الموقف الأمريكي الداعم لتايوان؛ ولذا فإن هناك عدداً من أوراق الضغط الصينية للرد على “الزيارة الاستفزازية”، كما وصفتها بكين، وهي:

1– تبني الصين تصعيداً سياسياً دبلوماسياً: أعلنت بكين عن تعليق التعاون السياسي مع واشنطن، بما في ذلك الحوار العسكري الرفيع المستوى، ومحادثات المناخ، والتعاون لمنع الجريمة عبر الحدود، وإعادة المهاجرين غير الشرعيين، فضلاً عن تعليق التعاون في مجال أبحاث الفضاء. وهذا يواجه أزمات متصاعدة بعد وقف التعاون الأمريكي الروسي منذ الأزمة الأوكرانية. في المقابل، هناك تصعيد أمريكي؛ حيث أعلن وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن” أن “واشنطن تعارض أي جهود أحادية الجانب لتغيير الوضع الراهن في تايوان، خاصةً بالقوة، ولم تتغير سياستها بشأن تايوان”، بينما حذر محللون عسكريون أمريكيون من أن بكين ستكون مستعدة لاستعادة تايوان بالقوة عام 2027؛ ما يمثل تحريضاً أمريكياً لتايبيه ضد بكين. ويمكن استمرار التصعيد السياسي عبر استدعاء الدبلوماسيين وطردهم وصولاً إلى قطع العلاقات الدبلوماسية.

2– التهديد بمحاصرة “درع السليكون” التايواني: تعد تايوان مركز صناعة الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات، وتستحوذ على 80% من الصناعة العالمية منها، ويطلق عليها “درع السليكون”؛ لأن تلك الصناعة تمثل حصناً للدفاع عن الجزيرة ضد أي هجوم عسكري صيني، كما أنه يفرض على واشنطن دعم تايبيه لضمان استمرار تصدير أشباه الموصلات إليها. وفي هذا الإطار، قد تلجأ بكين إلى فرض حصار على الجزيرة والتهديد بتنفيذ هجمات تؤثر على تجارة الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات؛ ما سيجعل بكين تتحكم في معظم الصناعات التكنولوجية بالعالم، ويشل حركة الاقتصاد التايواني المعتمد عليها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الصين تعد الشريك التجاري الأكبر لتايوان، وفرضت يوم 3 أغسطس الحالي حظراً على 2000 منتج تايواني، كما فرضت حظر سفر على عدد من القادة التايوانيين، ومن المُتوقَّع فرض المزيد من العقوبات الصينية على تايبيه.

3– شن حرب اقتصادية وسيبرانية على واشنطن: تمثل الصين حالياً الشريك التجاري الأول لواشنطن ولأغلب دول العالم، ولذا يمكنها شن حرب اقتصادية ضد الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني من أزمات متتالية، كما يمكن لبكين تعطيل حركة التجارة الدولية والشحن في مضيق تايوان الذي سيؤثر سلباً على سلاسل الإمداد العالمية، لا سيما بعد تأكيد بكين أن المضيق ليس “مياهاً دولية”، كما يمكن لبكين شن هجمات إلكترونية ضد مؤسسات تايوانية وأمريكية، وهو ما حدث بالفعل بالتزامن مع زيارة “بيلوسي”؛ حيث تعرض موقع الرئاسة التايوانية لهجوم إلكتروني خارجي مجهول حجب الخدمة لمدة 20 دقيقة. ويمكن لتلك الهجمات أن تكون متبادلة؛ أي شن هجمات إلكترونية ضد المؤسسات الصينية.

4– تأجيج النزاعات الإقليمية في الهندوباسيفيك: تعد الصين طرفاً في عدد من النزاعات الإقليمية بمنطقة جنوب شرق آسيا والهندوباسيفيك؛ حيث تطالب بكين بالسيادة على جزر بحر الصين الجنوبي بأكملها تقريباً، بينما تؤكد كل من فيتنام والفلبين وماليزيا وتايوان وبروناي – وهم حلفاء لواشنطن –أن لهم حقوقاً ببعض الجزر بتلك المنطقة، كما تتهم واشنطن بكين بعسكرة البحر من خلال بناء عدد من الجزر الصناعية وبناء وقاعد عسكرية عليها.

وتتنافس بكين وواشنطن على بسط النفوذ والتمدد وبناء علاقات استراتيجية مع الدول الجزرية بالمحيط الهادئ؛ حيث نجحت بكين في توقيع اتفاقات أمنية اقتصادية مع بعض دول المنطقة مثل جزر سليمان؛ ما يعزز نفوذها بالهندوباسيفيك، فضلاً عن إمكانية إثارة النزاع ببحر الصين الشرقي الذي تتنازع فيه بكين وطوكيو على عدد من الجزر وتقاسم الحدود، كما تقدم بكين دعماً مستمراً لكوريا الشمالية وإيران في مواجهة الضغوط الأمريكية، فضلاً عن تقاطع السياسة الخارجية الصينية والأمريكية في عدة ملفات أخرى؛ ولذا يمكن لبكين إثارة عدد من النزاعات الإقليمية لاستنزاف القوة الأمريكية في جنوب شرق آسيا أو الشرق الأوسط.

5–تعزيز الحضور العسكري الصيني بالخارج: نجحت الصين خلال العقد الماضي في بناء عدد من القواعد العسكرية بالخارج في أقاليم حيوية للنفوذ الأمريكي؛ ما آثار غضب واشنطن؛ حيث أنشأت بكين قاعدة عسكرية في جيبوتي وكمبوديا، وتتولى تطوير ميناء جودر الباكستاني العسكري، وتسعى إلى تعزيز نفوذها العسكري والسياسي بأفغانستان لملء الفراغ السياسي بعد الانسحاب الأمريكي العام الماضي، كما تستغل بكين المدخل التنموي لتقديم مساعدات اقتصادية والمشاركة في البنية التحتية بآسيا الوسطى وعدد من الدول الفقيرة بالقارة الأفريقية وأمريكيا اللاتينية، ويمكن لبكين منافسة النفوذ الأمريكي عسكرياً وسياسياً بتلك الأقاليم.

6– التوسع في خيار التصعيد العسكري: يمكن لبكين اتخاذ عدة خطوات للتصعيد العسكري ضد تايبيه وواشنطن، وقد بدأتها بالفعل عبر إطلاق مناورات عسكرية ضخمة في المياه الإقليمية لتايوان، كما يمكنها مهاجمة جزر تايوانية صغيرة بعيداً عن الجزيرة الرئيسية، أو فرض حصار عسكري بحري على تايوان، فضلاً عن استمرار تطوير وتحديث ترسانة الأسلحة الصينية، لا سيما اختبار الصواريخ الأسرع من الصوت وبناء حاملات طائرات جديدة؛ الأمر الذي حذر منه رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الجنرال “مارك ميلي” بقوله إن “الجيش الصيني أصبح أكثر عدوانية وخطورة” بدرجة ملحوظة خلال السنوات الخمس الماضية؛ لأن عدد عمليات اعتراض الطائرات والسفن الصينية في منطقة المحيط الهادئ إزاء واشنطن وحلفائها تضاعف؛ ما يهدد هدف واشنطن بجعل منطقة المحيط الهادئ “حرة ومنفتحة وسلمية”.

7– تسريع وتيرة الدعم العسكري لروسيا: ربما تتحول أوكرانيا إلى ساحة للمواجهة غير المباشرة بين واشنطن وبكين في إطار الرد الصيني على زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي إلى تايوان؛ فحتى الوقت الراهن كانت بكين حذرة في تقديم دعم عسكري مباشر لروسيا في حربها داخل أوكرانيا، ولكن قد تُعِيد بكين حساباتها بحيث تتوسَّع في تقديم الدعم لموسكو، وخصوصاً أن موسكو تحتاج إلى بعض الأسلحة الصينية لتعزيز عملياتها في أوكرانيا؛ وذلك على غرار الطائرات المُسيَّرة المتقدمة التي تمتلكها بكين.

خلاصة القول أن هناك عدداً من المتغيرات الجيوسياسية التي تؤدي إلى اختلاف الوضع بأوكرانيا عن تايوان؛ لأن توازن القوى بجنوب شرق آسيا معقد عن نظيره بشرق أوروبا؛ حيث تتعدد القوى الاقتصادية والتحالفات السياسية التي يجب أخذها في الاعتبار عند اتخاذ قرار الحرب أو السلم بين بكين وواشنطن. ولكن مع ذلك، فإن بكين تظل تمتلك مجموعة من الأوراق التي تسمح لها بالتأثير السلبي على مصالح الولايات المتحدة في مناطق وملفات متعددة.