بقلم شفيق شقير

رغم كل التحولات التي تعرض لها الإسلام السياسي (الجماعة الإسلامية وحزب الله) في السياق اللبناني، فإنه لا يزال بين تأثيرين، الأول للثورة الإسلامية في إيران والثاني للثورات العربية بموجتيها. وإذا تراجع تأثير وتداعيات الأولى نسبيًّا، فإن تداعيات الثورات العربية تبدو مستمرة في المستقبل المنظور.

تُراجع هذه الورقة دور وتحولات الإسلاميين في سياق الحراك اللبناني وموقفهم منه، وهي في ثلاثة أقسام: الأول منها عن الحراك. أما الثاني ففيه تمييز ضروري بين الثنائي الإسلامي، الجماعة الإسلامية وحزب الله، مع التركيز على التحولات في الأخير. الثالث: وهو حصرًا عن دور الجماعة في الحراك بوصفها أكثر تمثيلًا للإسلام السياسي في السياق اللبناني.

الحراك اللبناني وموقف الثنائي الإسلامي منه: عمَّت التظاهرات بيروت في يوم 17 أكتوبر/تشرين الأول من عام 2019 بمشاركة واسعة من قِبل عموم اللبنانيين وعموم المناطق اللبنانية، مطالبة باستقالة الحكومة ورحيل ما سمته: طبقة الأحزاب الحاكمة في لبنان التي تناوبت على المشاركة في السلطة منذ اتفاق الطائف عام 1990، وذلك تحت شعار “كلن (كلهم) يعني كلن”.

وقد تركزت مطالب الحراك على أربعة أهداف حينها: أولها: إسقاط الحكومة، وثانيها: حكومة مؤقَّتة لستة أشهر مكوَّنة من تكنوقراط وبصلاحياتٍ استثنائية، وثالثها: إجراء انتخاباتٍ نيابية جديدة، ورابعها: استعادة الأموال المنهوبة. كانت الغاية من هذه الأهداف هي تغيير الطبقة الحالية من الأحزاب الحاكمة، وإنتاج طبقةٍ جديدةٍ على أمل تكريس رؤيةٍ جديدةٍ للحكم، تُخرج لبنان من أزماته وتساعده على التعافي.

وقفت بعض الأحزاب الأساسية الفاعلة في النظام عمليًّا ضد الحراك، مثل الثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله) والتيار الوطني الحر، حزب رئيس الجمهورية اللبنانية، ميشال عون، وهذه جميعًا من تحالف قوى الثامن من آذار. ولكل من هؤلاء أسبابه المحلية غالبًا، أما حزب الله فاتهم الحراك بأنه أصبح مطية للقوى الغربية للنيل من لبنان أو منه. وبعض قوى السلطة لم تواجه الحراك بل تحفَّظت عليه عمليًّا وتجنَّبت المواجهة المباشرة معه وربما حاولت الاستفادة منه، مثل تيار المستقبل.

في حين أن هناك أحزابًا أيَّدته بالمطلق وبلا شروط، وهي قليلة جدًّا، ومن هذه الأحزاب: الجماعة الإسلامية. لا، بل تقول الجماعة إن بياناتها في بداية الحراك، كانت تدعو لنفس المطالب التي تمسَّك بها الحراك لاحقًا، وأصبحت جزءًا من أهدافه.

خلاصة هذه النقطة، أن من يُنسبون للإسلام السياسي، وهما: حزب الله والجماعة الإسلامية، كان كل منهما في جهة مختلفة عن الآخر، أحدهما -وهو الأول- ضد الحراك والآخر معه.

وهذا يقودنا للقسم الثاني، حول ضرورة التمييز بين الجماعة والحزب: إن الاختلاف المذهبي بين حزب الله الشيعي والجماعة الإسلامية السُّنِّية لم يمنع من تصنيفهما كفاعلين في السياق اللبناني والعربي، تحت اسم الحركة الإسلامية، أو “الإسلام السياسي”، خاصة في الثمانينات والتسعينات.

لكن هذا الأمر أخذ يتغير خاصة بعد عام 2006 تدريجيًّا؛ حيث أصبحت أولوية الحزب في تمثيل الطائفة الشيعية في لبنان تتقدم على دوره الإسلامي (كحركة إسلامية)، وكانت ذروة هذا التغير بعد تدخله عسكريًّا (عام 2012) في الحرب السورية بشعارات مذهبية خاصة في التعبئة والتحشيد؛ حيث أصبح التمييز الطائفي بين الحزب والجماعة يعد مسألة مهمة، لهما وللباحثين أيضًا. كما أن حزب الله لم يعد مهتمًّا بتقديم نفسه كجزء من حركة إسلامية، بل كجزء من الثورة الإسلامية في إيران وامتداد لها، باعتبارها صيغة أكثر تعبيرًا عنه، أيديولوجيًّا وسياسيًّا. وبالفعل، فإن تحولات إيران كدولة ولاية فقيه إسلامية لها مصالحها وتطلعاتها الخاصة جدًّا، انعكست على حزب الله ووظيفته ودوره في لبنان والإقليم، خاصة في السنوات العشرة الأخيرة.

لهذا، فإن موقف الحزب من التعامل مع الحراك في لبنان كان يشبه موقف طبقة الأحزاب الحاكمة، وكان الأكثر شدة في محاربته ونجح إلى حدٍّ بعيد في سحب الجمهور الشيعي منه، رغم حرص الحراك على مهادنة الحزب وتجنب مواجهته، حتى إن بعض قوى الحراك طمعت أحيانًا باستمالته إلى جانب المتظاهرين. ولعل ما أغراهم بذلك أن بعضًا من مطالب الحراك كان يؤيدها حزب الله كمطالب شعبية في السياق اللبناني بقصد استيعابها، أما احتسابها في معادلة الثورات وسبيلها في التغيير، فأمر آخر ومرفوض قطعًا.

أما إقليميًّا، فإن موقف حزب الله من الثورات يشبه موقف إيران، التي تحفظت عليها عام 2011 -لم تؤيد إلا ثورة البحرين- وآثرت أحيانًا سياسات مذهبية للتعامل معها أو لمواجهة تداعياتها خاصة في سوريا، وتعتبرها انتهت اليوم، رغم “تجددها”، عام 2019.

بالخلاصة، تصرف الحزب مع الحراك كفاعل “طائفي” يسعى لتحقيق مصالح فئوية في لبنان، وكفاعل إقليمي ينتمي لمحور إيران الإقليمي وتطلعاته في الشرق الأوسط. لهذا، قد يجد الحزب نفسه أحيانًا في مواجهة الجماعة الإسلامية لأسباب محلية أو إقليمية، والموقف من الحراك أحد هذه الأسباب.

ولكن هذا لا ينفي أنه يبقى لحزب الله خصوصية مهمة يجب اعتبارها في تصنيفه، وهي أن له جذورًا ومنابع في الإسلام السياسي لا تزال حية ونشطة رغم ضمورها نسبيًّا راهنًا (وهي فاعلة في مسألة “المقاومة” ولو بمعايير إيرانية)، لكنها ليست فاعلة في التعامل مع الحراك. مع التنويه إلى أن هذه الجذور قد تعود فاعلة فيه على صعيد علاقته مع “الإسلام السياسي”، خاصة إذا ما عانى محور إيران من تراجع أو انكسارات في المنطقة.

أما القسم الثالث، ودور الجماعة في الحراك؛ فالجماعة الإسلامية كانت الفاعل السياسي السُّني الأبرز الذي أيَّد الحراك، وتكاد تكون الكيان اللبناني “الإسلامي السُّني” الوحيد الذي يمارس دورًا سياسيًّا صريحًا، وتمثِّل شريحةً واسعةً من اللبنانيين السُّنَّة بعد تيار المستقبل الذي يتزعمه سعد الحريري، وهي ليست من طبقة الأحزاب الحاكمة في لبنان، وهي مؤدلجة إسلاميًّا بمعايير كلاسيكية تنطبق على قوى ما يسمى “الإسلام السياسي”.

وهذا لا يمنع أن الجماعة ضعيفة سياسيًّا وليس لها تأثير مهم في النظام اللبناني أو في مساره، ولكن بسبب الخصوصية الطائفية في لبنان، تلعب الجماعة دورًا رئيسًا بداعي المحافظة على الطائفة السُّنيَّة، وقد تستدعيها “السُّنِّيَّة السياسية” نفسها لهذا الدور، لاسيما في الأزمات الكبرى السياسية أو الأمنية، وتحديدًا عندما تكون الطائفة السنية وقواها التقليدية ضعيفة. وهو ما حصل عام 2008، بعد سيطرة حزب الله على بيروت عسكريًّا في مواجهة قوى 14 آذار لاسيما تيار المستقبل (في أعقاب قرار حكومي اعتبر شبكة اتصالات حزب الله غير شرعية). ويبدو أن هذا ما حصل بعضه أيضًا أثناء حراك 2019؛ حيث كان المكون السنِّي اللبناني يشعر بانعدام وزن مطلق، وأعاد الحراك له بعضه. ففي الحالين تقدمت الجماعة المشهد السُّني نسبيًا.

كما أن الجماعة جزءٌ من منظومة حركة الإخوان المسلمين، ولو من حيث المرجعية الفكرية والرؤية، وهي الحركة التي قُرن صعودها السياسي بصعود الربيع العربي، عام 2011. وهذا سبب كاف لتفسير عدم تردد الجماعة وانخراطها في الحراك اللبناني دون شروط.

وقد دفعت الجماعة جمهورها والمنتمين إليها للمشاركة في التحركات في كل المناطق اللبنانية، كجزء من المجتمع اللبناني وباسمهم الشخصي، “وليس باسم الجماعة كفريقٍ سياسيٍّ ولا بقدراتها التنظيمية؛ لأن الحراك بطبيعته شعبيٌّ، والانخراط بأي اسمٍ تنظيميٍّ -بتقدير الجماعة- كان سيفجِّر الحراك من داخله”.

ولكن رغم وجاهة هذا التبرير لغياب اسم الجماعة الرسمي عن الحراك، كما يبدو، فلا يمنع أيضًا القول: إن وقوفها مع الحراك ولكن من وراء، كان يختزن مخاوف الجماعة من تكرار تجربة الربيع العربي، عام 2011، التي كانت كُلفتها كبيرة على “حركات الإسلام السياسي” في دول الثورات، وحتمًا لم ترد الجماعة تكرارها في لبنان عام 2019.

ولاستكمال الصورة حول دور الجماعة في الحراك وتأثيراته عليها وما يمكن أن يضيفه على تفاعلات قوى الإسلام السياسي في المنطقة، باعتبار الجماعة الإسلامية إحدى تمثلاتها اللبنانية، يمكن سرد بضع ملاحظات:

أولًا: كَشَفَ الحراك أن جمهور الجماعة الإسلامية في لبنان، وهي إحدى حركات “الإسلام السياسي”، له نزعة ومطالب وطنية أخذت تتقدم على الأولويات الأيديولوجية التقليدية التي امتاز بها هذا التيار.

ثانيًا: إن انخراط الجماعة في الحراك ساعد الحراك على أن يكون الفاعل الأول في الشارع السُّني -خاصةً في لحظات ذروته- بخلاف دوره في البيئات الطائفية الأخرى. هذه التجربة وضعت الجماعة على الخريطة الوطنية رغم “إسلاميتها”، وقد تشجع الفاعليين المحليين على الاستعانة أو التحالف مع الجماعة أكثر من ذي قبل، لاسيما في ظروف مشابهة.

ثالثًا: وفَّر الحراك لناشطي الجماعة وشبابها “فرصةً للخروج من الإطار التنظيمي الضيق، وهو الذي لم يعتد ولا جمهوره على الاختلاط الواسع في الساحات مع عموم الجمهور اللبناني، ولا هذا الأخير اعتاد على رؤيتهم في وسطه، وشاركوا في النقاشات في تجمُّعات الحراك دون أي هيكلٍ تنظيميٍّ” أو تأطيرٍ فقهيٍّ اعتادوا عليه. وهذا سيترك أثرًا بعيد المدى في داخل الجماعة وإن لم يظهر على المدى المتوسط والقريب؛ حيث أصبحت الجماعة مطالبة أكثر بالتأقلم مع القضايا المحلية والوطنية وإلا ستواجه تصدعات تنظيمية وفكرية.

رابعًا: هذا التقدُّم النسبي في التعامل مع الحراك، الذي جاء في بعضه عفويًّا وفي بعضه الآخر بقرارٍ وتنظيمٍ من الجماعة نفسها، لم يعكس تغييرًا حقيقيًّا حتى اللحظة في بنية الجماعة التنظيمية ولا في طريقة عملها، فلا تزال نخبويةً وإحيائيةً دينيةً في جوهرها وفي آلية عملها، فمساحة العمل السياسي لا تزال ضيقةً من حيث الممارسة والفكر، حيث النشاط الدعوي والخيري هو الوظيفة الأولى والأكبر لمنتسبي الجماعة. وهذا مع الوقت سيصبح تحديًا للجماعة، وما هي إلا مسألة وقت، ليعلو النقاش في الجماعة حول فصل السياسي عن الدعوي الذي عرفته “حركات الإسلام السياسي” الأخرى بعد الربيع العربي وغلب على نقاشاتها، ولم تعرفه الجماعة بعد بتلك القوة، بسبب غلبة الهموم والتحديات التنظيمية الأخرى.

والملاحظة الأخيرة والأهم، أن الجماعة تشجعت وتقدمت في ظل الحراك لتكون جزءًا من قوى “التحدي والمراجعة” لطبقة “الأحزاب الحاكمة”، وتجاوزت هويتها الطائفية وأيديولوجيتها “الإسلاموية” في لحظة نادرة، ويبقى على الجماعة أن تقرر: هل ما حصل معها هو مجرد استثناء في تاريخها وتتجاوزه، أم أنه تحول تريد تأصيله في رؤيتها ومؤسساتها وتبني عليه؟

وفي الختام، رغم كل التحولات التي تعرض لها الإسلام السياسي فإنه لا يزال بين تأثيرين، الأول: الثورة الإسلامية في إيران، والثاني: الثورات العربية بموجتيها. مع الأولى انتعش “الإسلام السياسي” وانتعش الخط الراديكالي فيه، وقد يكون تأثير الثورة في إيران على الإسلاميين غير الشيعة قد ضعف، ولكن حتمًا بعض تأثيراته عليهم، فكريًّا وسياسيًّا، لا تزال حاضرة رغم المذهبية المتصاعدة في المنطقة. أما الثانية، أي الثورات العربية والتي كان الإسلاميون جزءًا منها، فقد كان بعض تأثيراتها معاكسًا لتأثيرات الثورة في إيران. فقد جعلتهم أكثر اعتدالًا وطنيًّا لأنها ركزت على أهمية الدولة وحقوق المواطنة وحقوق الإنسان ورفض الاستبداد وما يشبه ذلك. ويبدو أن المستقبل العربي محكوم بتداعياتها، والإسلاميون العرب فتحوا الأبواب لها وتأثيراتها عليهم لم ولن تنتهي قريبًا.

 هذه الورقة في الأصل، مشاركة قُدِّمت عن بُعد في ندوة عقدها منتدى الشرق (إسطنبول-تركيا) وجامعة حمد بن خليفة (الدوحة-قطر)، عن: “الإسلام السياسي في الموجة الثانية من الربيع العربي: لبنان”. وذلك في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2020.