بقلم عبد المجيد أبو العلا – إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

ألقى الزلزال الذي ضرب أفغانستان في الساعات الأولى من صباح 22 يونيو الجاري، الضوء على محدودية قدرات حركة “طالبان” الحاكمة في أفغانستان؛ فخلال الشهور التي تلت سيطرة طالبان على السلطة، منذ أغسطس 2021، انكشف عجز الحركة عن التعاطي مع عدد من الملفات الرئيسية قد يكون أهمها الملف الاقتصادي؛ حيث تواجه أفغانستان إشكالات عديدة تركت آثاراً عميقة على المواطنين الأفغان في ظل الحديث عن ارتفاع معدلات سوء التغذية، كما عزز من تعقيدات المشهد استمرار تداعيات جائحة كورونا. وفي سياق كهذا، جاء الزلزال الأخير ليطرح تساؤلين رئيسيين أحدهما متعلق بحدود قدرة الحركة على إدارة الأزمات والكوارث بكفاءة، والآخر متصل بقضية الاعتراف الدولي بالحركة، ومدى إمكانية توظيف الحركة الأزمة في تعزيز مطالبها بالحصول على الاعتراف الدولي.

عوامل الضعف

مثَّل زلزال يونيو 2022، الذي وقع شرق أفغانستان على بُعد 46 كيلومتراً من ولاية خوست، اختباراً كبيراً لحركة طالبان؛ حيث ذكرت بيانات أولية صادرة عن الأمم المتحدة أن ألفي منزل على الأقل يعيش في كل منها سبعة أو ثمانية أشخاص قد دُمِّرت. ووفق البيانات الرسمية الصادرة عن المتحدث باسم حركة طالبان، قد ارتفعت حصيلة قتلى الزلزال إلى ما يزيد على 1500، فيما بلغ عدد المصابين أكثر من 2000 مصاب، علاوة على تدمير عشرة آلاف منزل جزئياً أو كلياً. ويجعل هذا العدد المعلن للضحايا والمصابين من هذا الزلزال، أكثر الزلازل فتكاً في أفغانستان، منذ عقدين، على حد توصيف نائب وزير إدارة الكوارث في حكومة طالبان شرف الدين مسلم. وتشير إدارة حركة طالبان لأزمة الزلزال وجهود الإنقاذ إلى محدودية آليات الاستجابة مع مثل هذه الكوارث، وهو ما يظهر على النحو الآتي:

1– سوء البنية التحتية في مناطق الزلازل: تفرض العوامل الجغرافية تحدياً مستمراً على أفغانستان فيما يتعلق باحتمالات تعرضها للكوارث الطبيعية مثل الزلازل؛ حيث تقع عدة أجزاء من أفغانستان في منطقة زلزالية نشيطة، وخاصةً منطقة جبال هندوكوش الشرقية التي تقع على الحدود الباكستانية، وهي المنطقة التي شهدت عدداً من الزلازل خلال العقود الماضية؛ ما يُعظِّم أهمية توافر الاستعدادات والقدرات اللازمة للتعامل مع ذلك التحدي المستمر، واحتمال تكرار تلك الكوارث والأزمات، إلا أن واقع الأمر يشير إلى سوء البنية التحتية في تلك المنطقة، ووجود منازل طينية غير آمنة قابلة للسقوط، كما تسببت الأمطار الغزيرة بحوادث انزلاق التربة أدت إلى تباطؤ جهود الإغاثة، وألحقت أضراراً بخطوط الهاتف والكهرباء.

2– صعوبة الوصول إلى المناطق الجبلية: لعب العامل الجغرافي دوراً مهماً في تفاقم أزمة الزلزال الأفغاني وفشل حكومة طالبان في إدارة عمليات الإنقاذ؛ فقد عمَق وقوع الزلزال في منطقة جبلية من صعوبات الوصول إلى المنطقة وإنقاذ الضحايا، وهو ما أكدته بيانات السلطات الأفغانية. ورغم محاولة حكومة طالبان اللجوء إلى استخدام طائرات مروحية في إنقاذ المتضررين ونقل الجرحى، فإن تلك المحاولات ظلت محدودة بسبب امتلاك أفغانستان أعداداً ضئيلة للغاية من هذه الطائرات.

3– قلة الإمكانات الطبية بالدولة: يُعد القطاع الطبي قطاعاً محورياً في عمليات الإغاثة ومواجهة الكوارث والأزمات، ومن المهم أن يتمتع بدرجة مرتفعة من الوصول والمرونة والكفاءة وتوافر الإمكانات، فيما تتسم إمكانات القطاع الطبي في أفغانستان، كغيره من القطاعات الاستراتيجية، بالضعف ونقص الموارد والإمكانات. ويتعرض النظام الصحي الأفغاني، الذي يعاني نقصاً خطيراً في التجهيزات، لضغط كبير، وهو ما تؤكده تصريحات المتحدث باسم وزارة الكوارث محمد نسيم حقاني، الذي أشار إلى أن وزارة الصحة الأفغانية لا تملك أدوية كافية للتعامل مع الكارثة، مؤكداً أن البلاد لا تملك إمدادات ضرورية كافية لعلاج المصابين، وتحتاج إلى مساعدات طبية وغيرها من الضروريات للعلاج والإنقاذ.

4– ضعف شبكة الاتصالات في بعض المناطق: تتسم بعض المناطق في أفغانستان بضعف شبكات الاتصالات، ومنها المناطق الجبلية التي تشهد الزلازل والكوارث الطبيعية. وفي هذا الإطار، صرَّح “محمد أمين حذيفة” رئيس الإعلام والثقافة في ولاية بكتيكا، بأن من الصعب جداً الحصول على معلومات من الأرض بسبب الشبكة السيئة، كما كشفت تقارير صحفية عن صعوبة الاتصالات بالولاية بسبب الأضرار التي لحقت بأبراج الهواتف المحمولة، خاصةً مع تأثيرات الزلزال والأمطار الغزيرة.

5– نقص الموارد المالية اللازمة للتعامل مع الأزمة: مع معاناة أفغانستان أساساً من أزمات اقتصادية وإنسانية، فإن تلك الأزمات والكوارث الطبيعية والبيئية، تُعمِّق أزمات الأفغان، ويُعمِّقها بطبيعة الحال نقص الموارد والتمويل وضعف الاقتصاد على النحو الذي يحد من قدرة الحكومة على إدارة تلك الكوارث، مع افتقارها الشديد إلى الأموال والموارد للتعامل مع مثل هذه الحالات.

وتعاني كابول من نقص في الموارد والأموال بعد تجميد مليارات الدولارات من الأصول المحتجزة في الخارج، وتوقف المساعدات الدولية الغربية التي تعتمد عليها البلاد منذ عقدين، كما جمدت الولايات المتحدة نحو 9.5 مليار دولار من أموال البنك المركزي الأفغاني في البنوك الأمريكية؛ للضغط على طالبان فيما يتعلق بإصلاحات حقوق الإنسان.

6– فرض عقوبات دولية على حكومة طالبان: تلعب العقوبات الدولية دوراً في تقويض القدرات الحكومية من جهة، كما تفرض عزلة دولية عليها قد تحد من الاستجابة الدولية للأزمات من جهة أخرى. وفي هذا السياق، قال “عبد القهار بلخي” المتحدث باسم وزارة خارجية حكومة طالبان، إن “الحكومة للأسف عُرضة للعقوبات فهي غير قادرة على مساعدة الناس مادياً بقدر ما يحتاجون إليه”.

7– انسحاب المنظمات الدولية ونقص التمويل: عقب سيطرة حركة طالبان على الحكم، انسحب عدد من المنظمات الإغاثية والإنسانية الدولية، وشهد التمويل الإغاثي نقصاً ملحوظاً، وتزايداً في القيود المفروضة عليه؛ الأمر الذي دفع وسائل إعلام أفغانية إلى القول بأنه “لا وجود للمنظمات الإنسانية في عهد حركة طالبان للتعامل مع تداعيات الزلزال”؛ حيث تراجع وجود المنظمات غير الحكومية ووكالات الأمم المتحدة. ولكن على الجانب الآخر، يشير مارتن جريفيث وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، إلى وصول المنظمات الإنسانية إلى أعداد قياسية من الناس في جميع أنحاء البلاد، لكنه يؤكد أيضاً أن هذه الاستجابة معقدة وصعبة.

وقد حدد “جريفيث” ثلاثة معوقات تُصعِّب الاستجابة الإنسانية، أولها النظام المصرفي الرسمي الذي يستمر في منع التحويلات بسبب المبالغة في عملية درء المخاطر؛ ما يؤثر على قنوات الدفع ويتسبب في حدوث أعطال في سلاسل التوريد؛ حيث أفادت نصف المنظمات التي استجابت لاستطلاع المراقبة الأخير لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بوجود صعوبات في تحويل الأموال إلى أفغانستان. كما تعاني 80% من المنظمات من تأخير في تحويل الأموال؛ حيث أفاد ثلثاها بأن بنوكها الدولية تواصل رفض التحويلات، وأشار أكثر من 60% من المنظمات إلى نقص السيولة النقدية المتاحة في البلد.

ويتعلق ثاني المعوقات بالانخراط بين المنظمات الإنسانية وسلطات الأمر الواقع؛ حيث أوضح منسق الإغاثة الطارئة في الأمم المتحدة أن السلطات الوطنية والمحلية تسعى على نحو متزايد إلى لعب دور في اختيار المستفيدين وتوجيه المساعدة إلى الأشخاص على قوائم أولوياتها، فضلاً عن إشكالية نقص التمويل؛ حيث تشير بيانات (الأوتشا) إلى تلقي ثلث الموارد اللازمة للاستجابة الإنسانية لهذا العام فقط. وتواجه وكالات الأمم المتحدة عجزاً في تمويل أفغانستان بقيمة ثلاثة مليارات دولار هذا العام. فضلاً عن أن القيود والإجراءات المتخذة من أجل نظام تمويلي يتجنب استيلاء “طالبان” على التمويل والمساعدات الدولية، خلق – وفق ما تذكر التقارير _ نظاماً بطيئاً فيما يتعلق بالاستجابات الطارئة. وأشارت تصريحات المنسق الأممي للشؤون الإنسانية في أفغانستان رامز الأكبروف، إلى أن “الأمم المتحدة لا تملك قدرات البحث والإنقاذ في أفغانستان”.

نافذة الفرص

تحاول حركة “طالبان” توظيف الزلزال الأخير وضعف الاستجابة الحكومية والدولية الخاصة به، بوصفه مؤشراً على خطورة استمرارية محدودية القدرات الأفغانية على إمكانية التعامل مع الأزمات والكوارث المستقبلية المحتملة؛ وذلك بالتوازي مع مطالبات محلية ودولية بالتدخل لدعم قدرات كابول على مواجهة الأزمات والكوارث. وعليه، بدت الأزمة بمنزلة فرصة مواتية لحركة طالبان من أجل حلحلة مسألة الاعتراف الدولي بها؛ وذلك على النحو الآتي:

1– مطالبة المنظمات الدولية بدعم جهود الإنقاذ: مع اعترافها بعدم قدرتها بمفردها على التعامل مع كارثة الزلزال الأخير، طالبت حركة “طالبان” المنظمات الدولية بدعم سريع لجهود الإنقاذ. ودعا المرشد الأعلى لحركة طالبان هيبة الله أخوند زاده، المجتمع الدولي وجميع المنظمات الإنسانية إلى مساعدة الشعب الأفغاني المتضرر من هذه المأساة الكبرى، وعدم ادخار أي جهد لمساعدة المتضررين.

وفي محاولة لطمأنة منظمات الإغاثة التي اشتكت في السابق من تحويل سلطات طالبان المساعدات إلى المناطق التي تدعمها، أو حتى مصادرة السلع وتوزيعها بنفسها؛ تعهدت حركة طالبان، في 25 يونيو الجاري، بعدم التدخل في الجهود الدولية لتوزيع المساعدات على عشرات آلاف الأفغان الذين تضرروا من جراء الزلزال العنيف الذي ضرب البلاد، مؤكدةً أنها ستترك عناصر المنظمات الدولية يوزعون المساعدات بأنفسهم.

2– دعوة حكومات العالم إلى إنهاء العقوبات المفروضة: انطلاقاً من كون العقوبات الدولية تلعب دوراً سلبياً بالحد من قدرة الحكومات المحلية على مواجهة الأزمات والكوارث الطارئة، وتحجيم إمكاناتها الاقتصادية، عملت حركة طالبان على توظيف الزلزال الأخير في الضغط على الدول الأخرى لإنهاء العقوبات المفروضة على الحركة وحكومتها؛ حيث دعت الحركة الدول الأخرى، في 25 يونيو الجاري، إلى إلغاء العقوبات المفروضة عليها وإنهاء تجميد أرصدة البنك المركزي الأفغاني.

3– اعتبار الحوار مع طالبان ضرورة لمواجهة الكوارث: لفت حادث الزلزال المدمر الأنظار إلى المخاطر الإنسانية للعزلة الأفغانية، خاصةً مع احتمالات تكرار وقوع كوارث إنسانية مستقبلية في البلاد؛ لذلك تطرقت جلسة مجلس الأمن، التي انعقدت في اليوم التالي لوقوع الزلزال، إلى عدة أمور منها أهمية استمرار الحوار مع سلطات الأمر الواقع في أفغانستان الممثلة في حكومة طالبان، باعتبار ذلك “السبيل الوحيد للتصدي للتحديات المستمرة في البلاد”، من وجهة نظر بعض المتحدثين.

ومع إطلاعه مجلس الأمن على حالات الطوارئ الأخرى التي يواجهها السكان في أفغانستان، وتأكيده استمرار المشكلات الحقوقية في أفغانستان، أشار منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في أفغانستان رامز الأكبروف، في 23 يونيو الجاري، إلى أهمية الحوار مع إدارة الأمر الواقع وحكومة طالبان في أفغانستان باعتباره وسيلة ضرورية لمواجهة الكوارث الإنسانية الجارية والمحتملة. وقال إنه “حتى مع بقاء المجتمع الدولي وطالبان متباعدَين بشأن مسألة حقوق الإنسان، هناك مجالات يمكننا فيها القيام بعمل أفضل لتحسين حياة الأفغان، فضلاً عن التقدم في القضايا ذات الاهتمام المشترك”.

4– توصيات أممية بضرورة دعم الاقتصاد الأفغاني: ثمة ارتباط بين قوة الاقتصادات الوطنية وقدرة البلاد على مواجهة الكوارث والأزمات الإنسانية. ولعل ذلك ما دفع منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في أفغانستان رامز الأكبروف، إلى التحذير من أنه إذا لم يكن الاقتصاد الأفغاني قادراً على التعافي والنمو على نحو هادف ومستدام، فإن الشعب الأفغاني سيواجه أزمات إنسانية متكررة؛ ما قد يحفز على الهجرة الجماعية والتطرف والصراع المسلح؛ لذا طالب برصد المزيد من المساعدات اللازمة لدفع عجلة الانتعاش الاقتصادي على مستوى القاعدة الشعبية الأفغانية.

5– تدخلات دولية بحزم مساعدات لأفغانستان: دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، في 22 يونيو الجاري، المجتمع الدولي إلى المساعدة في دعم مئات العائلات المتضررة من هذه الكارثة. وأعلنت الولايات المتحدة في اليوم ذاته أنها تدرس خيارات الاستجابة الإنسانية للزلزال الذي ضرب أفغانستان، من دون أن تستبعد أن تتناقش مباشرة مع حركة “طالبان”. وأكد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، أن “الشركاء الإنسانيين الأمريكيين يشاركون بالفعل في الاستجابة، بما في ذلك إرسال فرق طبية لمساعدة السكان المتضررين”، ووعد بأن تواصل واشنطن “قيادة المجتمع الدولي” في استجابته للاحتياجات الإنسانية للأفغان.

كما كشف عدد من الدول عن حزم مساعدات عاجلة لأفغانستان؛ فعلى سبيل المثال، أعلنت كوريا الجنوبية، في 23 يونيو الجاري، تخصيص مليون دولار مساعدات إنسانية لأفغانستان بعد الزلزال المدمر، فيما أعلنت المملكة المتحدة أنها ستقدم 2.5 مليون جنيه إسترليني، لمساعدة الشعب الأفغاني في صورة دعم فوري، فضلاً عن مساعدات صينية تقدر بـ7.5 مليون دولار.

ختاماً.. على مدى العقد المنصرم قُتل سبعة آلاف شخص نتيجة هزات أرضية في أفغانستان، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أي إن أفغانستان تشهد وفيات سنوية نتيجة الهزات الأرضية تقدر بنحو 560 شخص. ويعمق الزلزال الأخير المخاوف من تأثيرات الكوارث الطبيعية في البلاد؛ حيث ضرب أفغانستان في وقت حرج، في ظل معاناة البلاد من أزمات إنسانية، وتشريد، وفقر مدقع، ومجاعة شديدة. فضلاً عن محدودية قدرة سلطات “طالبان” على إدارة الأزمات بمفردها بفاعلية؛ ما ساعد على ارتفاع أعداد الضحايا.