لم يكن اتفاق الشراكة الموقع عام 2002 بين الجزائر و الاتحاد الأوروبي و الذي دخل حيز التنفيذ في الفاتح جويلية 2005، مجحفا فحسب ، بل ظل بعيد عن تحقيق أهدافه المعلنة حتى بعد 16 سنة من سريانه ، بحيث غابت عنه “الشراكة ” وظهر فيه “البازار ” فقط.

عندما وقعت الجزائر اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوربي ،كان البعض من مسؤولي الدولة حينها ينظر اليه فقط من زاوية تسهيل الحصول على ” فيزا شنغن “، من وراء بند حرية تنقل الأشخاص والأموال ، لأن الجزائر كانت تعاني يومها ، ولعدة سنوات ، من حصار مقنع على تنقل مواطنيها للخارج بحجة الإرهاب ، ولذلك كان ينظر للإسراع في توقيع الاتفاق على أنه سيفك ذلك الحصار ، دون تركيز المفاوض الجزائري على بقية بنود الاتفاق الذي حمل معه العديد من “الالتزامات ” التي يتعين على الجانب الجزائري ” الوفاء ” بها ، وفي مقدمتها التفكيك الجمركي لصادرات غير متكافئة حرمت الخزينة العمومية من ملايير الدولارات ، وفتح باب المنافسة الشرسة ضد المؤسسات الجزائرية التي لم تكن مهيئة لذلك ، الأمر الذي كان وراء ” وفاة ” ما يزيد عن 2000 مؤسسة جزائرية بفعل ذلك الاتفاق .

هذا الواقع الذي فرضه اتفاق الشراكة ، كان وراء دخول السلع من طرف واحد ، تحولت من خلاله الجزائر الى أكبر ” بازار” للسلع الأوربية مقابل فرض شروط شاقة على ولوج المنتوج الجزائري الى الأسواق الأوربية ، باستثناء البترول والغاز الذي كانت الجزائر تسوقه لأوربا ، حتى قبل إبرام اتفاق الشراكة معها ، وما يزال تقريبا المنتوج الوحيد الذي تصدره الجزائر لدول الاتحاد بعد 16 سنة من سريان اتفاق الشراكة . ورغم أن اتفاق الشراكة كان مجحفا إلى أبعد الحدود ، خصوصا في شقه الاقتصادي والمالي ، لأن المفاوض الجزائري كان مهتما أكثر بالجوانب المتعلقة بـ ” التأشيرة ” للسفر لدول الاتحاد الأوربي ( فرنسا بالتحديد )أكثر منه شىء أخر ، غير أن الجزائر تحملت عبء الخسارة ، من باب من وعد وفى ، غير أن الطرف الأوربي ظل يمارس سياسة “الخنق ” ليس فقط في قضية التأشيرات وتنقل الأشخاص ، بل أكثر منه في تفضيل “التجارة ” البحتة ، عن الاستثمار المنتج ، في سياق النظر للجزائر على أنها مجرد سوق استهلاكية ولها قدرة على “الدفع كاش ” لوارداتها .

هل الوضع غير المتكافئ ، كان محل انتقادات من الطرف الجزائري في أكثر من محطة ، لكن ظل الطرف الأوربي في كل مرة كان يرفض مراجعة جوهرية للاتفاق ، لاقتناعه أن الجزائر ستظل وفية في إمداداتها لأوربا بالبترول وخاصة صادرات الغاز الطبيعي . لقد دعا رئيس الجمهورية إلى مراجعة اتفاق الشراكة ” بندا بندا ” ، بعدما وصل “الموس الى العظم ” ، ومن ذلك مساومة فرنسا الجزائر حول قضية “التأشيرات ” التي هددت بتقليصها بنسبة 50 بالمائة ، دون إعطاء أي أهمية لاتفاق الشراكة المذكور .

كل المعطيات تشير الى أنه “حان الوقت لمراجعة ما تم قطعه من أشواط في إطار الشراكة، وخاصة فيما له علاقة مباشرة بمسألة الطاقة ، حيث تحتل الجزائر المرتبة الثالثة في ترتيب الدول الممونة لأوروبا بالغاز الطبيعي، باستثمارات جزائرية خالصة ، دون مساهمة الاتحاد الأوربي ماليا في المجهود الاستثماري لضمان تطوير الإنتاج . وعلى هذا الأساس أصبح من الضروري توسيع التعاون بين الطرفين ليشمل الطاقات المتجددة ، في إشارة إلى الطاقة الشمسية والنووية.

إلى جانب مسألة الطاقة، هناك قضية تنقل المواطنين الجزائريين داخل دول الاتحاد الأوروبي، وتقديم التسهيلات لهم ، عوض العراقيل الممارسة على التأشيرات ، بحيث وصلت نسبة الرفض للحصول على “الفيزا ” للجزائريين من قبل السفارات الأوربية مستويات قياسية ، رغم المجهود الكبير الذي بذلته الجزائر في محاربة الهجرة السرية ، لكن ذلك لم يشفع للجزائريين من تسليط عقاب جماعي على الراغبين منهم في التنقل إلى الضفة الأخرى بالطرق الشرعية. يحدث هذا في وقت  كان يفترض أن السريان الطبيعي لإتفاق الشراكة، سيؤدي إلى ليونة أوربية أكبر في ملف تنقل الأفراد، إلا أن العكس هو الحاصل ، بحيث تتجه دول أوربا يوما بعد يوم إلى تشديد الإجراءات بخصوص التأشيرات، و لم تتطور حصص الجزائر من التأشيرات السنوية، بالرغم من أن الحكومة التي كانت تتفاوض مع الإتحاد الأوربي قبل أربعة أعوام روجت لهذا البند كثيرا و اعتبرته مفتاحا لإنهاء أزمة التأشيرات.

وتقترح الجزائر التي قالت مرارا أنها لن تقبل باستمرار اعتماد دول أوربا منطق “الكيل بمكيالين” في مسألة الهجرة، مقاربة شاملة و تصور شامل و مدمج لإشكالية الهجرة يحترم الكرامة الإنسانية و يفضل الشراكة المفيدة لكل الأطراف بين الشمال و الجنوب، كما أعربت عن تأسفها ” للنظر اليوم إلى الهجرة بشكل محتقر “، على غرار ما هو جاري كنقاش انتخابي في فرنسا ، حيث تحول المهاجرون الى وقود للحملة الرئاسية الفرنسية حول من يرفع سقف التضييق والاحتقار أكثر باتجاه الرعايا الأفارقة خصوصا .

الجانب المتعلق بالتبادل التجاري هو الأخر يطرح مشاكل ، فحتى وإن كان من حيث الكم والعدد في صالح الجزائر، إلا أنه من حيث النوعية والجودة يميل لكفة الاتحاد الأوروبي ، بحيث بقيت صادراتنا خارج المحروقات ضعيفة ولا تتجاوز 800 مليون دولار، في حين لا تستطيع سوى 2 في المائة من المواد الغذائية الجزائرية دخول سوق الاتحاد الأوروبي بسبب الشروط القاسية المطبقة على السلع المستوردة من خارج الاتحاد” في إشارة واضحة إلى نظام المواصفات الصارم الذي يطبق في دول الضفة الشمالية، على خلاف ما يدخل الجزائر من منتجات أوربية أكدت في كثير من الأحيان التحليلات المخبرة فسادها أو انتهاء مدة صلاحيتها !!! و في هذا الصدد سيكون تركيز الجزائر في المرحلة المقبلة، منصبا على الاستثمارات الأوروبية المباشرة وقلة الشراكة مع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، في وقت تضغط دول أوربا على الجزائر لرفع الحظر عن قوائم السلع الممنوعة من الاستيراد ، بعدما كان وراء ارتفاع الفاتورة إلى 40 مليار دولار في السنوات الأخيرة  ، وهو الأمر الذي جعل رئيس حكومة سابق في عهد بوتفليقة يقول عن اتفاق الشراكة أن الجزائر” لم تجن منه شيئا سوى إغراق السوق الجزائرية بالمايونيز و التفاح بكل أنواعهما”. لماذا يطالب الرئيس تبون بمراجعة تفاق الشراكة بندا بندا اليوم ؟.

إن الجزائر تتمتع بمزايا و قدرات يمكن توظيفها لإعادة التفاوض حول عدد من النقاط أو البنود  التي  يتضمنها اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي و التي ترى بأنها لغير صالحها حاليا. ولكي يكون التفاوض من موقع قوة لا من موقع ضعف ، يجمع الخبراء على أنه يتعين ، قبل مباشرة التفاوض ، أن يتم إشراك و تفعيل دور جميع الأطراف الفاعلة من نقابات و مراكز بحث و جامعات و أرباب عمل وخبراء ، في عمل شامل يطرح الايجابيات و السلبيات و المزايا و المكاسب و الخسائر ، ضمن إستراتيجية محكمة تحقق ” شراكة رابح رابح “، وليس كما جرى في الماضي ، لي الذراع .