صادق الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” يوم 5 أكتوبر 2022 على معاهدات ضم جمهوريتي لوجانسك ودونيتسك ومقاطعتي زاباروجيا وخيرسون لتصبح جميعاًجزءاً من جمهوريات الاتحاد الروسي رسمياً. وقد أحدث هذا القرار رد فعل دولياًغاضباً إثر رفض المجتمع الدولي الاعتراف بشرعيته. وداخلياً، أثار القرار المزيد من التعقيدات؛ إذ بات التأييد الشعبي الروسي للعمليات العسكرية في أوكرانيا موضع شكوك كبيرة، وخصوصاً أن ضم المناطق الأوكرانية الأربعة جاء بعد إعلان “بوتين” قرار “التعبئة الجزئية” للجيش الروسي للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية. علاوة على ذلك، تصاعدت الانتقادات الداخلية لإدارة موسكو للحرب بأوكرانيا إلى حد التلويح باستخدام السلاح النووي التكتيكي لإحراز تقدم عسكري بعد سيطرة كييف على مدينة “ليمان” شرق البلاد، وهو ما يطرح تساؤلاً حول مدى تأثير الأوضاع الداخلية بروسيا على القرار العسكري المتعلق بالحرب الأوكرانية.

تشابكات الداخل

تباينت ردود أفعال الداخل الروسي إثر القرارات التي اتخذها مؤخراً رئيس البلاد “فلاديمير بوتين”، ومنها قرار “التعبئة الجزئية”، وقرارات الضم والاستيلاء على المحطة النووية بمقاطعة زاباروجيا. وجاءت ردود الفعل هذه كما يلي:

1- انقسام شعبي حول “التعبئة الجزئية”: أعلن “بوتين” يوم 21 سبتمبر الماضي عن تعبئة جزئية بالجيش الروسي لحشد الجنود للمشاركة في “العملية العسكرية الخاصة بأوكرانيا”، بغية استدعاء 300 ألف جندي احتياطي ممن خدموا بالجيش من قبل. وقد مثل القرار “مفاجأة” لمعظم الشعب الروسي الذي ظن أن “العمليات العسكرية بعيدة عنه”؛ فخلال الأشهر الست الماضية حرص “بوتين” بشدة على استمرار الحياة بطريقة اعتيادية في روسيا. وكان هناك عدد من ردود الفعل الرافضة للتعبئة الجزئية؛ فعلى سبيل المثال، نظمت احتجاجات عشوائية في العديد من المدن الروسية بعد قرار التعبئة رفضاً للمشاركة في الحرب، كما سجلت الحدود المشتركة في دول الجوار الروسي ارتفاعاً مضطرداً في السفر إليها هروباً من التعبئة الجزئية. كما لجأ بعض الأفراد إلى آليات مختلفة للهروب من التجنيد؛ حيث أشار تقرير بمجلة نيوزويك، يوم 4 أكتوبر الجاري، إلى أن بعض الروس يكسرون أطراف أصدقائهم عمداً لتجنب التجنيد في الجيش.

وأعلنت جورجيا قدوم عشرة آلاف روسي يومياً بعد إعلان التعبئة الجزئية، كما أعلنت كازاخستان قدوم 98 ألف روسي إليها منذ بدء التعبئة ورفضت إعادتهم إلى بلادهم مرة أخرى، إلا من تنطبق عليه معايير التعبئة. ولاحتواء ذلك أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها لن تطلب من الحكومات الأجنبية تسليم آلاف الروس الذين فروا من البلاد إلى تلك الدول، وأقرت بوقوع أخطاء واستدعاء من لا تنطبق عليهم تعليمات “التعبئة الجزئية”. واتهم المتحدث باسم الرئاسة “دميتري بيسكوف” “خصوم بلاده بتأجيج الموقف بمشاركة هيستيريا محلية”.

2-تراجع التأييد الشعبي للحرب: أثبت استطلاع للرأي أجراه مركز “ليفادا” الروسي المستقل تراجع مستوى التأييد الشعبي للعمليات العسكرية في أوكرانيا من 80 إلى 72% في شهر سبتمبر الماضي. وطالب  44% من المشاركين بالاستمرار في الحرب نزولاً من 48% خلال شهر أغسطس 2022، فيما عبر العديدون، وخصوصاً الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين (18 و24 عاماً) أنهم لا يدعمون الجيش، وكان مغنٍّ روسي قد أقدم على الانتحار لتجنب المشاركة في الحرب، وربما يتكرر ذلك الحادث بين جيل الشباب الذي يرفض خوض الحرب. وقرار التعبئة الجزئية يعد إعلاناً من “بوتين” للشعب الروسي بدخول الحرب الآن؛ فمنذ بداية العملية العسكرية في أوكرانيا كثف نشاطه الدبلوماسي للتغطية على العزلة الغربية له، وجذب المزيد من الاستثمارات الصينية لموسكو لمواجهة العقوبات الاقتصادية الغربية ولمنع انهيار الاقتصاد الروسي.

3-إثارة النزعات الإثنية بالجمهوريات الروسية: اندلعت احتجاجات كبيرة بعد قرار التعبئة الجزئية في “جمهورية داغستان” الفقيرة المسلمة، وتم اعتقال 100 شخص خلالها، وهي أكثر الجمهوريات المشاركة بجنود في العمليات العسكرية كما قُتل منها جنود بنحو (301 جندي)، وإن كانت بعض التقارير تشير إلى أن الرقم الحقيقي يرجح أن يكون أكبر من ذلك بكثير، وهو عدد يمثل عشرة أمثال الجنود القتلى من العاصمة موسكو التي يقطنها خمسة أمثال سكان داغستان. وتعد تلك المرة هي  التي تنظم فيها احتجاجات بداغستان بإقليم القوقاز الذي يحظى فيه “بوتين” بشعبية كبيرة منذ توليه منصبه قبل عقدين؛ ما أثار التساؤلات حول الدوافع الإثنية لاختيار الجنود والدفع بالأقليات من داغستان والفقراء من سيبيريا على الخطوط الأمامية للقتال.

4- انتقادات من النخبة الروسية: انتقدت رئيسة مجلس الشيوخ الروسي “فالنتينا ماتفيينكو” السلطات الإقليمية المشرفة على “التعبئة الجزئية”، وأمرت باحترام كامل للمعايير التي أعلن عنها للتعبئة دون ارتكاب خطأ واحد. ودعا رئيس مجلس حقوق الإنسان بالكرملين “فاليري فاديف” وزير الدفاع الروسي “سيرجي شويجو” إلى حل “المشاكل على نحو عاجل لعدم زعزعة ثقة الشعب”، كما انتقد لأول مرة مجموعة صغيرة من “نواب البلديات” “بوتين” وطالبوه بالاستقالة علناً؛ ما دفعه إلى إقالة نائب وزير الدفاع الروسي الجنرال “دميتري بولجاكوف” المكلف بإدارة العمليات اللوجستية للجيش، وعين الجنرال “ميخايل ميزينتسيف” بدلاً منه، وهو من أدار العمليات اللوجستية للقوات الروسية في سوريا منذ 2015.

5- احتمالية تراجع ولاء الدائرة المقربة لبوتين: بالرغم من حالة التماسك الداخلي في بنية الحكم داخل روسيا، وقدرة الرئيس بوتين على السيطرة على مفاصل الحكم، فإن طول أمد الحرب والمكاسب العسكرية التي حققتها القوات الأوكرانية خلال الشهور الأخيرة يفتحان الباب أمام تصاعد الخلافات وتراجع ولاء الدائرة المقربة لبوتين؛ فعلى سبيل المثال، أشار تقرير لصحيفة “واشنطن بوست”، يوم 7 أكتوبر الجاري، إلى أن الاستخبارات الأمريكية توصلت إلى معلومات بشأن تنامي الخلاف بين الرئيس الروسي وأحد أعضاء الدائرة المقربة له الذي اعترض على الكيفية التي يدير بها بوتين الحرب على أوكرانيا، وسوء إدارة المجهود الحربي، بالإضافة إلى الأخطاء التي يرتكبها منفذو الحملة العسكرية.

6-انتقاد الروس فرض قيود أوروبية على سفرهم: زاد طلب المواطنين الروس من الشباب تحديداً على السفر للخارج منذ إعلان التعبئة الجزئية، لا سيما إلى الدول التي يمكنهم دخولها بدون تأشيرات؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعار تذاكر السفر إلى تركيا وكازاخستان وأرمينيا إلى عشرة أضعاف، كما تم وقف التعامل مع بطاقات “مير” الروسية البنكية في الخارج في عدد من الدول مثل تركيا وكازاخستان وأوزبكستان؛ هذا فضلاً عن فرض قيود أوروبية على سفر الروس؛ حيث أعلنت فنلندا حظر دخول السياح الروس إليها بدءاً من مطلع أكتوبر الحالي. وفي 19 سبتمبر الماضي بدأت بولندا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا تبعد السياح الروس وترفض استقبالهم دون وجود قرار رسمي بمنع دخولهم البلاد، ومن المتوقع أن تتخذ دول أوروبية أخرى القرار نفسه؛ ولذا فإن المواطنين الروس المؤيدين والمعارضين للحرب بأوكرانيا سيجدون قيوداً عدة على سفرهم للخارج؛ ما يزيد اعتراضهم على الحرب.

انعكاسات متوقعة

بعد التطورات الأخيرة أصبح الداخل الروسي أحد العوامل المؤثرة في محددات سير العمليات العسكرية في أوكرانيا مستقبلاً، لا سيما أن أوكرانيا لم تتوقف بعد إعلان موسكو ضم المناطق الأوكرانية الأربعة، لكنها استمرت في تقدمها في بعض المناطق، ونجحت مثلاً في السيطرة على مدينة “ليمان”. واحتفت واشنطن و”الناتو” بهذا التقدم باعتباره مقدمة لهزيمة روسيا، وينتظرون رد “بوتين” عليه. وهناك عدد من الخيارات أمامه لسير العمليات العسكرية في أوكرانيا، وهي الخيارات التي ترتبط كذلك بتطورات الأوضاع في روسيا، ويتمثل أبرزها فيما يلي:

1- لجوء روسيا إلى التهدئة والتفاوض: خلال كلمته في 30 سبتمبر 2022 دعا “بوتين” أوكرانيا إلى وقف إطلاق النار والتفاوض، شريطة عدم المطالبة بإعادة المقاطعات الأوكرانية المنضمة إلى موسكو؛ لأنها تمثل منطقة عازلة بين الأراضي الروسية والأوكرانية. ورغم رفض كييف تلك الدعوة، فإن التفاوض ربما يكون الملجأ الأخير للطرفين لوقف الحرب، خاصةً في الوضع الراهن؛ فكل طرف حقق مبتغاه: موسكو ضمت إليها إقليم الدونباس (لوجانسك ودونيتسك) كاملاً، وكييف أثبتت صموداً غير متوقع؛ إذ إنها تقاتل منذ 6 أشهر بعد توقعات باحتلالها خلال أسبوع واحد. وهذا الخيار سيكون موجهاً بصورة أكبر لتهدئة الأوضاع في روسيا وطمأنة الروسيين بأن الحرب قد تنتهي سريعاً.

2- التصعيد العسكري:ينذر قرار “التعبئة الجزئية” بالجيش الروسي باستعداده لتصعيد عسكري وتغيير استراتيجياته تغييراً شبه كامل في أوكرانيا؛ حيث سيقوم أولاً بنشر جنود الاحتياط شرق أوكرانيا وجنوبها لتأمين المقاطعات المنضمة وإقليم الدونباس، ثم سيسعى إلى تحقيق إنجاز عسكري كبير وملموس سريعاً، مثل السيطرة على مدن جديدة، للرد على مزاعم هزيمته وانسحابه من مدينة “ليمان” الأوكرانية. وربما يكون الانسحاب منها “أمراً تكتيكياً” لإلهاء كييف وواشنطن حتى يتم المصادقة على قرارات الضم، أو قد يكون “هدية” لواشنطن التي رفضت طلب أوكرانيا الانضمام سريعاً إلى حلف “الناتو”، ولإثبات فاعلية السلاح الأمريكي الذي تحارب به كييف؛ حيث يسعى “بوتين” إلى الإبقاء على “هامش للتفاوض” مع واشنطن و”الناتو” بعد إنهاء العمليات العسكرية. 

وظهرت مؤشرات هذا التصعيد مع الهجمات الصاروخية التي تعرضت لها العاصمة الأوكرانية كييف ومدن رئيسية أخرى، على غرار لفيف وترنوبل وجيتومير في غرب أوكرانيا، بالإضافة إلى دنيبرو في وسط أوكرانيا؛ وذلك يوم 10 أكتوبر الجاري. وتضمنت الهجمات – التي جاءت بعد يوم من اتهام الرئيس الروسي “بوتين” أوكرانيا بالإرهاب بسبب هجوم على جسر القرم – استهداف منشآت بنية تحتية أوكرانية، وخاصة في مجالات الطاقة والاتصالات والدفاع.

3-حالة اللاحرب واللاسلم: وهو تجميد الوضع الحالي؛ “فبوتين” ينتظر تفاقم أزمة الطاقة بأوروبا عند حلول الشتاء القادم، لا سيما بعد قرار منظمة “أوبك” تقليل الإنتاج اليومي من النفط؛ ما يؤدي إلى ضعف إمدادات المحروقات شتاءً؛ الأمر الذي سيدفع الحكومات الأوروبية – بناء على الضغط المجتمعي والأزمات الاقتصادية – إلى تقليص الدعم العسكري لكييف ثم منعه، والإبقاء على الوضع الحالي – وهو ضم الدونباس إلى روسيا – ووقف إطلاق النار دون إجراء مفاوضات سلام أو توقيع أي معاهدات، وهو تكرار “لسيناريو القرم”. وسيعد هذا انتصاراً سياسياً وعسكرياً “لبوتين”. والمعضلة التي ستواجهه هي معالجة الأزمة الاقتصادية ببلاده.

4-استخدام السلاح النووي التكتيكي: بعد انسحاب القوات الروسية من “ليمان”، دعا رئيس جمهورية الشيشان “رمضان قديروف” موسكو إلى “إعلان الأحكام العرفية في المناطق الحدودية واستخدام أسلحة نووية منخفضة القوة”، وهي الأسلحة “النووية التكتيكية” المحدودة التأثير التي لا يتجاوز إشعاعها النووي حال تفجيرها محيط الأراضي الأوكرانية. وربما يقدم “بوتين” على ذلك بعد تلويحه به أكثر من مرة وحال يأسه من تحقيق انتصار عسكري بالأسلحة التقليدية، بيد أن استخدام السلاح النووي سيعرضه للمزيد من العزلة والمطالبة بمحاكمته دولياً، وسيكون قد استنزف آخر أوراق الضغط لديه على “الناتو”، كما أن هناك مخاوف من تسرب الإشعاع النووي إلى الأراضي الروسية وإقليم الدونباس والإضرار بمواطنيه، وهو ما لا يريده “بوتين”. وفي المجمل سيؤدي هذا الأمر إلى مواجهة مباشرة محتملة مع قوات حلف الناتو.

دعم القوميين

مما سبق، نرى أن روسيا تعيد النظر في استراتيجيتها العسكرية بأوكرانيا، وعليها مراعاة العامل الداخلي ومواقف المجتمع الروسي بكل فئاته خلال ذلك؛ لأن استمرار الرفض الشعبي “للتعبئة الجزئية”، والانتقادات الموجهة لإدارة العمليات العسكرية سيؤديان إلى تراجع شعبية “بوتين” ورفض تأييد قراراته الخارجية. وفي هذا الإطار، قد يراهن الرئيس الروسي على دعم القوميين الروس له، وخاصة أنهم رحبوا بقرار ضم المناطق الأوكرانية الأربعة إلى الأراضي الروسية وجددوا دعمهم العمليات العسكرية؛ لأن هذا القرار يضيف 100 ألف كم2 للأراضي الروسية و70% من ثروات أوكرانيا، فضلاً عن أهميتها التاريخية والثقافية لروسيا، كما أدى الضم إلى سيطرة موسكو على محطة زاباروجيا النووية، وجعل بحر آزوف الاستراتيجي بحراً روسياً داخلياً، وإذا انتهت الحرب على هذا الحال “فبوتين” لن يسلم ولن ينسحب من المقاطعات الأربع مهما بلغت خسائره؛ لأنه أعلن في خطابه أنها “ستبقى روسية للأبد. النصر سيكون لنا”. وهذا الخطاب القومي الشعبوي يستقطب كافة التيارات القومية اليمينية في روسيا لتجدد تأييدها “لبوتين” وللحرب.

إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية