دراسات سوسيولوجية

ماذا لو كثرت الجباية!

دينا رضا عدوي- باحثة في الدراسات الإسلامية

حديثنا عن العالم الجليل ابن خَلدون وهو عبد الرحمن بن محمد ابن خَلدون أبو زيد ولي الدين الحضرمي الإشبيلي، ولد في تونس ونشأ في أسرة اهتمت بالفكر و العلم و السياسة  فدرس الأدب  السنة و الفقة الإسلامي المالكي و علم الكلام و الفلسفة و التاريخ كما أن له رحلات عدة إلى بسكرة وغرناطة وبجاية وتلمسان، والحجاز وبلاد الشام، ومصر.

كان رحمه الله متوقد الذهن خصب التفكير شديد الملاحظة عميق التأمل، مفكروعالم موسوعي في مجالات متعددة فهو أحد علماء الحديث، وأحد فقهاء المالكية كما أن له الريادة و السبق في تأسيس علم الاجتماع الحديث و فلسفة التاريخ.

جاءت فلسفة التاريخ عند ابن خلدون حين تناول التاريخ بصورة جديدة فتجاوز التأريخ التقليدي بجمع الوقائع العسكرية، والتحولات السياسية لتتحول نظرته للتاريخ لدراسة الجوانب الفكرية والاعتقادية، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية  و هذا هو باطن التاريخ، فرصد العوامل المحركة لحركة التاريخ و قدم رؤية نظرية لتفسير التاريخ. ولقد قامت فلسفته للتاريخ على تقصي الحقائق، والتدقيق في قَبول الأخبار وتمحيصها، ثم تفسيرها تفسيرًا حضاريًّا.
تجلت عبقريته فيما تركه من إرث حضاري أهمه هو مقدمته كتاب” العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر” التي كانت أساسا لعلم الإجتماع.

أوضح في المقدمة نظريته في الأطوار التي تمر بها الدول ما يسمى بالتعاقب الدوري للحضارات وهذه الأطوار متعاقبة أو دورية تبدأ بالبداوة ثم الحضر فالتدهور.

– طور البداوة :

يحكم المجتمع رابطة العصبية تقوم على احترام القبيلة لشيخها ، حاجتها المستمرة للدفاع عن ذاتها ويتصف المجتمع في هذا الطور بالخشونة وشظف العيش والشهامة والغيرة .

– طور التحضر :

 وهو تأسيس الدولة تتحول الحياة من البدوية إلى الحياة المتمدنة ، ويحدث ذلك عند تغلب القبيلة على دولة مجاورة في مرحلة الهرم . ويتوقف تقدم الحضارة في الدولة على:

أولا: مزايا الأرض :

فالعمل أساس الإنتاج ، والإنتاج أساس التحضر والعمل في الأرض وما يرتبط به من زروع و صناعات يستدعي الاستقرار والتحضّر.

ثانيا: مزايا الحكومة:

 اعتبر ابن خلدون أن الحكومة القوية من أبرز أسس التحضر ،عندما تكون حكومة عادلة توفّر الأمن والحماية ، وقويّة ، ومدركة لأهمية التجارة فتشجّعها وتحميها، فهذه المواصفات تساعد على الاستقرار.

– طور التدهور :

فيه تصل الدولة أو الحضارة إلى مرحلة الهرم و الايذان بالسقوط، ويعد الترف العامل الأبرز في الوصول إلى هذا الطور.

 يرى ابن خلدون أن الترف يؤدي إلى تدهور الدولة ، فطبيعة الملك تقتضي الترف في الطعام واللباس وتشييد المباني و الموكب. فلا تعود الجباية تفي بخراج الدولة مما يستوجب الزيادة فيها، وزيادة احتياجات الحاكم تؤدي إلى إسرافه في فرض الضرائب فيحدث اختلال اقتصادي يؤذن بانهيار الدولة هذا على الجانب الإقتصادي.

أما على الأخلاقي والنفسي فإن الغنى الذي يصل إليه البدو يدعوهم إلى السكون والدعة ، ويؤدي بهم الترف إلى الركون إلى الشهوات ، ينتشر الطمع و الجشع و الانغماس في الدنيا ، وتضعف العصبية والشجاعة.

و قد أشار ابن خلدون في مقدمته إلى هذا العامل الأساسي في سقوط الدول “فصل في الجباية و سبب قلتها و كثرتها ” فقد عبر عن ذلك بقوله: اعلم أن الجباية أول الدولة تكون قليلة الوزائع كثيرة الجملة وآخر الدولة تكون كثيرة الوزائع قليلة الجملة‏

و يفسر ابن خلدون هذه المقولة ‏بأن الدولة إن كانت على سنن الدين تكتفي باقتضاء المغارم الشرعية من الصدقات والخراج والجزية وهي قليلة الوزائع لأن مقدار الزكاة من المال قليل كما علمت وكذا زكاة الحبوب والماشية وكذا الجزية والخراج وجميع المغارم الشرعية . أما إن كانت على سنن التغلب والعصبية فلا بد من البداوة و فيها المسامحة و المكارمة وخفض الجناح و التجافي عن أموال الناس والغفلة عن التحصيل،  فيقل لذلك مقدار الوظيفة الواحدة والوزيعة التي تجمع الأموال من مجموعها‏.‏ وإذا قلت الوزائع والوظائف على الرعايا نشطوا للعمل ورغبوا فيه فيكثر الاعتمار ويتزايد محصول الاغتباط بقلة المغرم وإذا كثر الاعتمار كثرت أعداد تلك الوظائف و الوزائع فكثرت الجباية التي هي جملتها.

فإذا استمرت الدولة واتصلت وتعاقب ملوكها وذهب شر البداوة والسذاجة وجاء الملك العضوض والحضارة الداعية إلى الكياسة والتحذلق وكثرت عوائدهم وحوائجهم بسبب ما انغمسوا فيه من النعيم والترف فيكثرون الوظائف والوزائع حينئذ على الرعايا والأكره والفلاحين وسائر أهل المغارم ويزيدون في كل وظيفة و وزيعة مقداراً عظيماً، لتكثر لهم الجباية ويضعون المكوس على المبايعات ،ثم تتدرج الزيادات فيها بمقدار بعد مقدار لتدرج عوائد الدولة في الترف وكثرة الحاجات والإنفاق بسببه، حتى تثقل المغارم على الرعايا. وتنهضم هذه المغارم وتصير عادة مفروضة تثبت على الرعايا ‏.‏ ثم تزيد إلى الخروج عن حد الاعتدال فتذهب غبطة الرعايا في الاعتمار لذهاب الأمل من نفوسهم بقلة النفع إذا قابل بين نفعه ومغارمه وبين ثمرته وفائدته ،فتنقبض كثير من الأيدي عن الاعتمار و يقل الانتاج جملة فتنقص جملة الجباية حينئذ بنقصان تلك الوزائع منها‏.‏

وربما يزيدون في مقدار الوظائف إذا رأوا ذلك النقص في الجباية ويحسبونه جبراً لما نقص حتى تنتهي كل وظيفة و وزيعة إلى غاية ليس وراءها نفع ولا فائدة لكثرة الإنفاق حينئذ في الاعتمار وكثرة المغارم وعدم وفاء الفائدة المرجوة به‏.‏ فلا تزال الجملة في نقص ومقدار الوزائع والوظائف في زيادة لما يعتقدونه من جبر الجملة بها إلى أن ينتقص العمران بذهاب الآمال من الاعتمار ويعود وبال ذلك على الدولة .

هكذا طبيعة الملك تقتضي الترف، فتكثر عوائدهم وتزيد نفقاتهم على أعْطِياتهم، ولا يفي دخلهم بخرجهم؛ فالفقير منهم يَهْلك، والمترف يستغرقُ عطاءه بتَرفِه، ثم يزداد ذلك في أجيالهم المتأخرة إلى أن يقصُر العطاء كله عن الترف وعوائده فتتحول الدولة للضعف و التدهور. و على العكس فإن من أسباب القوة والاعتمار تقليل مقدار الوظائف التي هي الضرائب على المعتمرين ما أمكن فذلك يؤدي إلى انبساط النفوس و عودة الثقة لإدراك المنفعة .

و ختاما فقد ترك ابن خلدون إرثا حضاريا ضخما  ولا تزال مصنفاته نبراسًا للباحثين والدارسين على مدى الأيام والعصور بنظرته الشمولية غير قائمة على الجزئية فاستحق أن يكون عالم الاجتماع الأول في تاريخ البشرية.

اقرأ أيضا (read more)  العقد الاجتماعي عند جون لوك واثره في بناء صورة المجتمع

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا contact@politics-dz.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Alert: Content is protected !!