بعد فوز مُعسكر اليمين بزعامة نتنياهو في انتخابات الكنيست الأخيرة بواقع 64 مقعداً، تسلم رئيس المعارضة الإسرائيلية خطاب تكليفه الرسمي بتشكيل الحكومة الجديدة من الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج يوم الأحد 13 نوفمبر الجاري؛ وذلك بعد أن أنهى هرتسوج مشاوراته مع قادة الأحزاب الفائزة في الانتخابات؛ حيث أوصى 64 عضواً في الكنيست بترشيح نتنياهو لتشكيل الحكومة، في مقابل تزكية 28 نائباً فقط لرئيس الوزراء المنتهية ولايته يائير لابيد.

وعلى الرغم من توقع الكثير من الخبراء أن تكون الحكومة الإسرائيلية الجديدة أكثر استقراراً من سابقتها؛ بالنظر إلى احتمالات تشكُّلها من أحزاب يمينية أكثر تجانُساً، فإن من المتصور أن تواجه الحكومة الجديدة تحديات متعددة، سواء ما يتعلق بأولوية الحفاظ على الاستقرار الحكومي وتبني سياسات اقتصادية مغايرة للحكومة السابقة والتحديات الأمنية المتصاعدة مع تزايُد التوترات في الضفة والقدس، بالإضافة إلى ملف المحكمة العليا. وفي الشأن الخارجي، يتوقع أن تولي الحكومة القادمة أهمية للمزيد من التصعيد مع إيران وسط توقعات باستمرار الضربات الإسرائيلية في سوريا وربما العراق، وسيقع على الحكومة المرتقبة عاتق إدارة العلاقات مع الولايات المتحدة مع تعُدد القضايا الخلافية، كما يتوقع أن تتعرض تل أبيب للمزيد من الضغوط لاتخاذ موقف أكثر وضوحاً تجاه الحرب الأوكرانية.

ملفات داخلية

بعد إزاحته من قبل “حكومة التغيير” في يونيو 2021، من المتوقع أن يحظى ملف السياسة الداخلية بأولوية لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي المُكلف بنيامين نتنياهو، لا سيما مع إجراء خمسة انتخابات للكنيست في غضون أقل من أربع سنوات، وتزايُد حدة الاستقطاب والانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي، وهو ما يُضاعف التحديات أمام الحكومة القادمة. وعليه تواجه الحكومة الإسرائيلية عددٌ من الملفات الداخلية الرئيسية وذلك على النحو التالي:

1- الحفاظ على أكبر قدر من الاستقرار الحكومي: أظهرت الانتخابات الأخيرة نسبة مشاركة كثيفة من الناخبين اليهود، ربما تُعد الأعلى منذ عقود، وهو ما يُمكن فهمه في إطار خشية المجتمع الإسرائيلي من الذهاب إلى انتخابات جديدة بعد عقد خمس جولات انتخابية في أقل من أربع سنوات، ورغبته في تشكيل حكومة يمينية أكثر استقراراً بعد الانقسام والاستقطاب السياسي الحاد بين النخب السياسية في إسرائيل، وارتداداته على القواعد الانتخابية. ومن ثم سيكون على الحكومة القادمة مُهمة الحفاظ على الاستقرار الحكومي ومعالجة حالة عدم اليقين والاستقطاب الحاد في المجتمع الإسرائيلي؛ الأمر الذي يسمح لها بتنفيذ الخطط وتمرير الموازنات بسلاسة، لا سيما موازنة “الدفاع والأمن”.

2– العمل على تبني سياسات اقتصادية مُغايرة: من المتصور أن تشغل الأجندة الاقتصادية حيزاً كبيراً من اهتمام الحكومة الإسرائيلية المرتقبة، خاصةً أن الأحزاب اليمينية بنت جزءاً كبيراً من شعبيتها على انتقاد السياسات الاقتصادية لـ”حكومة التغيير”، وخصوصاً ما يتعلق بارتفاع الأسعار وتفاقُم أزمة السكن؛ حيث وعد نتنياهو وقادة الأحزاب اليمينية المتطرفة بتبني سياسات حكومية مختلفة من أجل الحد من غلاء المعيشة، ومنع رفع أسعار المياه والكهرباء والوقود وضرائب الأملاك، بالإضافة إلى العمل على توفير الشقق السكنية والحد من ارتفاع أسعارها، لا سيما أن تقرير مكتب الإحصاء المركزي أشار إلى ارتفاع بنسبة 19% في أسعار الشقق خلال العام الماضي.

3– تقييد سلطة المحكمة العليا في إسرائيل: يُتوقَّع أن يحظى الملف القضائي باهتمام كبير من قبل الأحزاب الدينية في أقصى اليمين المُرشحة للمشاركة في الحكومة الجديدة: حزب “شاس” و”يهودية التوراة” و”الصهيونية الدينية” التي حظيت مجتمعة بـ32 مقعداً في الكنيست؛ الأمر الذي يُعطيها نفوذاً غير مسبوق على نتنياهو مع توقعات بأن يتولى قادة تلك الأحزاب معظم المناصب الوزارية المُهمة. ولا تُخفي تلك الأحزاب نيتها تعديل الكثير من القوانين الإسرائيلية؛ الأمر الذي قد يُغير طبيعة العلاقة بين الدين والدولة في إسرائيل. وبشكل أساسي يتوقع أن تعمل تلك الأحزاب على تمرير قانون يتم بموجبه سحب صلاحية المراقبة على القوانين التي يُصدرها الكنيست من المحكمة العليا.

جدير بالذكر أن المحكمة العليا لديها سلطة إبطال أو منع تنفيذ تشريعات الكنيست، ومن المتوقع أن تُساهم خطوة كهذه – حال نجاحها – في زيادة حدة الاستقطاب مع التيارات العلمانية في إسرائيل التي ربما ترى أن تجاوز قرارات المحكمة يُمثل ضربة لـ”الديمقراطية الإسرائيلية”، ومساساً بنمط الحياة في إسرائيل، لا سيما مع اتجاه الكثير من الأحزاب الدينية إلى تقييد حرية المرأة في إسرائيل على نحو غير مسبوق.

4- إحداث نقلة استيطانية كبيرة في الضفة والقدس: من المُرجح أن تدفع الأحزاب الدينية المتطرفة إلى إحداث نقلة استيطانية كبيرة في الضفة الغربية والجولان وكذلك عبر مشاريع التهويد وتغيير الوضع الراهن في القدس، مع توقعات بتولي بعض الشخصيات المتطرفة مثل بتسليل سموترتش، وإيتمار بن غفير، حقائب وزارية مُهمة، وزيادة حدة القمع ضد الفلسطينيين؛ الأمر الذي يدفع إلى تصاعُد التوتر مع الفلسطينيين في القدس والضفة وقطاع غزة، وكذلك داخل الخط الأخضر، لا سيما أن دعوات المقاطعة وتراجُع نسب تصويت العرب في الانتخابات الأخيرة مقارنة باليهود، أظهرا تراجُع ثقة المواطنين العرب بالقدرة على التغيير من داخل الأطر المؤسسية الرسمية الإسرائيلية؛ كل هذا قد يدفع إلى المزيد من التعثر في المفاوضات وتراجُع أفق تحقيق السلام مع الفلسطينيين، فضلاً عن تهديد أي محاولات من نتنياهو لتوسيع “اتفاقيات السلام” مع الدول العربية.

تحديات خارجية

من المتوقع أن تولي الحكومة الإسرائيلية القادمة أهمية خاصة لعدد من ملفات السياسة الخارجية، لا سيما تلك التي تنعكس بشكل مباشر على شعبية نتنياهو في الداخل الإسرائيلي، ويأتي على رأسها الملف الإيراني؛ حيث يُركز الخطاب السياسي والحملات الانتخابية لنتنياهو – منذ أمد بعيد – على اعتبار إيران التهديد الأول للأمن القومي الإسرائيلي. ويمكن تناول أهم الملفات الخارجية المطروحة أمام الحكومة المرتقبة على النحو التالي:

1- مواصلة سياسة التصعيد الإسرائيلية تجاه إيران: يُعارض نتنياهو بشكل قاطع أي مفاوضات مع طهران، وقد كان له دور كبير في إقناع إدارة ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018، ومن ثم يتوقع أن يستمر نتنياهو في سياسة التصعيد ضد طهران، لا سيما أن جانباً كبيراً من حملته الانتخابية ركز على اتهام “حكومة التغيير” بالتراخي في التعامل مع طهران. وفي هذا الصدد، يتوقع أن تستمر الضغوط الإسرائيلية لمنع عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي وتشديد العقوبات على إيران، ومحاولة استغلال دعم طهران لموسكو في الحرب الأوكرانية لتحقيق هذا الهدف. وربما تُعاود تل أبيب تنفيذ عمليات سرية دقيقة لاستهداف البنية التحتية النووية في إيران، واغتيال العلماء النوويين، وتقديم الدعم للاحتجاجات المستمرة في إيران منذ نحو شهرين.

2– تسارُع وتيرة الضربات الإسرائيلية في سوريا: لم تتوقف الغارات الإسرائيلية على سوريا طوال الشهور الماضية، وربما تتصاعد تلك الضربات خلال الفترة القادمة مستهدفةً ما تعتبره إسرائيل تموضعاً إيرانياً في سوريا، لا سيما مع تصاعُد المخاوف الإسرائيلية من أن يؤثر التعاون العسكري بين روسيا وإيران في أوكرانيا على حرية عملياتها في سوريا.

كما يُتوقع أن تستهدف الضربات الإسرائيلية القوافل الإيرانية على الحدود العراقية السورية؛ حيث استهدفت غارة جوية يُعتقد أنها إسرائيلية في 9 نوفمبر الجاري قافلة شاحنات تحمل صهاريج نفط وأسلحة لمقاتلين موالين لإيران كان يُعتقد أنها متوجهة إلى لبنان، بل إن إسرائيل قد تُعاود استهداف الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران خلال الفترة القادمة، وهو ما يشي بمزيد من التصعيد في المنطقة بشكل عام.

3- أهمية اتخاذ موقف واضح إزاء الحرب الأوكرانية: يُتوقع أن يُمثل ملف الحرب الأوكرانية تحدياً كبيراً للحكومة الإسرائيلية القادمة، بالنظر إلى سعي إسرائيل لتبني موقف حيادي في الحرب، وهو ما بدا في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين واتجاهات تصويت تل أبيب في الأمم المتحدة بشأن القرارات المتعلقة بالصراع والتي كان آخرها امتناع إسرائيل يوم 14 نوفمبر الجاري عن التصويت لصالح قرار يدعو إلى إلزام روسيا بتقديم تعويضات عن الأضرار والخسائر الناجمة عن الحرب الأوكرانية.

وبالنظر إلى تصاعد الحديث حول الدعم العسكري الإيراني لروسيا، فإن من المتوقع أن يتعرض نتنياهو لضغوط كبيرة لاتخاذ موقف واضح إزاء الصراع، بما يحافظ على المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية مع الولايات المتحدة والغرب، وكذلك ضمان عدم تأثُّر العلاقات بين تل أبيب وموسكو، لا سيما ما يتعلق بالترتيبات في سوريا.

4- كيفية إدارة الخلافات مع الإدارة الأمريكية: سيتعين على الحكومة الإسرائيلية القادمة إدارة خلافاتها مع الإدارة الأمريكية الديمقراطية، خاصةً مع وجود خلافات مستمرة حول مقاربة الإدارة الأمريكية تجاه الملف النووي الإيراني، والملف الفلسطيني، لا سيما ما يتعلق ببناء المستوطنات، واتفاق ترسيم الحدود الأخير مع لبنان، وربما حول حدود التدخل الإسرائيلي في الحرب الأوكرانية، وكذلك خشية الكثير من الدوائر الأمريكية من الصعود القوي للتيارات الدينية المتطرفة، ومن ثم سيقع على حكومة نتنياهو القادمة عاتق التفاهم مع واشنطن في إدارة تلك الملفات، بما يحافظ على المصالح الإسرائيلية.

وختاماً، قد تكون حكومة نتنياهو المرتقبة هي الأكثر استقراراً في إسرائيل لأول مرة منذ سنوات، إلا أن من المتوقع أن تواجه تلك الحكومة تحديات صعبة في الداخل والخارج، لا سيما مع تزايُد التوترات في الضفة الغربية، وتنامي حدة “التطرف” في المجتمع الإسرائيلي، فضلاً عن تنافس القوى العظمى الآخذ في الازدياد بفعل الحرب الأوكرانية، وهو ما يُضيِّق تدريجياً هامش المناورة أمام تل أبيب، ويفرض عليها اتخاذ مواقف واضحة تجاهها، لا سيما في ظل الحديث عن دعم عسكري إيراني لروسيا ومساعي تل أبيب لحشد الغرب ضد طهران لإجهاض أي محاولة للعودة إلى الاتفاق النووي.