ما مستقبل تنظيم داعش في إفريقيا بعد تصفية “القرشي”؟

أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن، في 3 فبراير 2022، مقتل زعيم تنظيم داعش أبو إبراهيم الهاشمي القرشي، في عملية إنزال أمريكية بإدلب السورية. هذا وقد حققت عملية تصفية القرشي مكاسب سياسية للرئيس جو بايدن قد تمكنه من استثمارها على الصعيدين الداخلي والخارجي، وخاصةً بعد الجدل الأمريكي والغربي الذي أعقب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان. وهذه ليست العملية الأمريكية الأولى من نوعها؛ حيث سبق أن قتلت القوات الأمريكية الزعيم السابق للتنظيم أبو بكر البغدادي، في غارة عسكرية على شمال سوريا في أكتوبر 2019؛ وذلك في إطار استراتيجية “قطع الرؤوس”، التي تستهدف بصورة رئيسية قيادات التنظيم، التي يُتوقع أن يكون لها تأثيرات طويلة المدى على مستقبل التنظيم.

 وبالرغم من تقليل البعض من أهمية تلك العملية، مستندين إلى عدة اعتبارات؛ منها الانتشار الكبير للتنظيم في جميع أنحاء العالم، وتمتعه بالمرونة واللا مركزية والقدرة على التخطيط، بالإضافة إلى قدرة الخلايا النائمة على القيام بهجمات مميتة، وكذلك قدرة التنظيم على استقطاب وتجنيد المزيد من العناصر– فإن هناك عدداً من التأثيرات المتوقعة على التنظيم بعد تصفية القرشي، خاصةً فيما يتعلق بفروع التنظيم في إفريقيا، والعلاقة بين تنظيم داعش والقاعدة.

 ارتدادات مختلفة

هناك عدة سيناريوهات محتملة للتداعيات المتعلقة بتصفية زعيم تنظيم داعش على مجمل الظاهرة الإرهابية في القارة الأفريقية، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:

1– تكيف الفروع مع المتغيرات الجديدة: لم تؤد تصفية البغدادي في السابق إلى تأثير كبير على فروعه في إفريقيا، وبرغم الضربات الموجعة التي تلقاها التنظيم، لكنها أتاحت المجال لفروعه في إفريقيا من أجل إعادة ترتيب أوراقها. وبرغم أن التنظيم لم يعلن رسميّاً عن تصفية القرشي حتى الآن، ومن ثم لم تُبْدِ التنظيمات المبايعة له في إفريقيا أي استجابة أو رد فعل على تصفيته، لكن يبدو أن التنظيم في وضع مرتبك ومضطرب؛ إذ يتعين عليه اختيار زعيم جديد يحظى بموافقة القيادات العليا.

وعلى أية حال، تبدو فروع داعش في إفريقيا في انتظار إعلان التنظيم الأم عن زعيمه الجديد لتقديم البيعة له. ولذلك من المتوقع أن يكون لمقتل القرشي تأثير محدود على هذه الفروع، نتيجة اللا مركزية والاستقلالية التي تتمتع بها هذه الفروع، لا سيما في القيادة واتخاذ القرارات أو في الحركة والتمويل، وفقاً لما يُعرف باستراتيجية “مركزية القيادة – لا مركزية التنفيذ”.

2– انتقال محتمل لقيادة التنظيم إلى إفريقيا: حيث يعيش التنظيم بعد تصفية القرشي حالة من الارتباك في بنيته التنظيمية، وربما الصراع على القيادة، وإذا لم يستطع اختيار زعيمه الجديد، فقد يتجه إلى نقل مركز الخلافة إلى إفريقيا لقيادة التنظيم من هناك استثمارًا لتصفية القرشي؛ إذ يتوقع أن تقوم العديد من عناصر وقيادات التنظيم بالهجرة إلى إفريقيا خلال الأسابيع المقبلة.

وفي هذا السياق، يبرز فرع التنظيم في الساحل الإفريقي، داعش غرب إفريقيا، الذي ينتشر في عدد من دول المنطقة، لا سيما حوض بحيرة تشاد وأجزاء من النيجر ونيجيريا، وهو التنظيم الأكثر تأثيراً في القارة حتى الآن، وخاصةً في ظل تبلور رؤية داخل التنظيم الأم تطالب بضرورة إحداث تغيير ونقل القيادة إلى بقعة جغرافية جديدة، بما يوفر للتنظيم فرصة في استعادة ترتيب أوراقه بعيداً عن المناطق الأكثر استهدافاً في سوريا والعراق.

3– انشقاقات متوقعة حال تنازع القيادة: ويبدو هذا السيناريو مطروحاً إذا أخفقت قيادات التنظيم في الاتفاق على خليفة القرشي، وهو ما يعني تصاعد الصراعات الداخلية التي قد تؤدي إلى تصدعات تنظيمية، ومن ثم تراجع سيطرة داعش على ولاياته الخارجية، وخاصةً أن العديد من التنظيمات المبايعة هي فصائل منشقة عن القاعدة، مثل داعش شرق إفريقيا، وداعش غرب إفريقيا.

وقد شهدت التنظيمات التي أعلنت مبايعتها لداعش انشقاقات متتالية، مثل بوكو حرام الذي انشق إلى ثلاثة فصائل؛ هي: داعش غرب إفريقيا، وفصيل شيكاو، وفصيل أنصارو (أنصار المسلمين في بلاد السودان)، الذي أعلن مبايعته للقاعدة في وقت لاحق. ومن ثم، فإن هذا السيناريو ليس مستبعداً في ظل الصراعات الداخلية على قيادة هذه الفروع، وسعي تنظيم القاعدة إلى استغلال نقاط الضعف –لا سيما بعد مقتل القرشي– في اختراق فروع داعش.

4– تكثيف الهجمات الانتقامية في إفريقيا: فغالباً ما ارتبطت استراتيجية تصفية القيادات الإرهابية (قطع الرؤوس) برد فعل انتقامي لإثبات بقاء التنظيم واستمراره، وخاصةً أن هذه الفروع لا تزال تتمتع بالقدرة على المرونة والمراوغة والتكيف والاحترافية، وهو ما يزيد قدرتها على التوسع في شن العمليات الإرهابية، والقيام بعمليات انتقامية للرد على الخصوم، وإيصال رسائل بتماسك التنظيم، وقدرته على ممارسة نشاطه العملياتي.

ومن ثم، من المرجح أن تقوم فروع التنظيم بمهاجمة المصالح والقواعد العسكرية خلال الأيام المقبلة ردّاً على تصفية القرشي، وخاصةً أن العمليات الإرهابية لفروع التنظيم في إفريقيا لم تتوقف حتى الآن، لا سيما في نيجيريا والنيجر والكونغو الديمقراطية وموزمبيق. وتشير العديد من التقارير إلى قيام تنظيم داعش وسط إفريقيا بتنفيذ عملية إرهابية في 4 فبراير الجاري ضد سجن “نوبيلي” بدولة الكونغو بالقرب من الحدود الأوغندية، وقام بتهريب 20 عنصراً تابعاً له، في عملية مماثلة لهجوم داعش (الأم) على سجن الصناعة بحي غويران بالحسكة شمال شرق سوريا، في نهاية يناير الماضي.

5– تصاعد التنافس بين القاعدة وداعش: لا سيما في غرب إفريقيا، وخاصةً مع عودة تنظيم أنصار المسلمين في بلاد السودان المبايع للقاعدة، لينافس بقوة تنظيم داعش غرب إفريقيا على السيطرة على مناطق العمليات والموارد. ناهيك عن أن تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين المبايع للقاعدة، لا يزال قادراً على توسيع نشاطه في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.

كما أن حركة الشباب الصومالية لا تزال مهيمنة على منطقة القرن الإفريقي، برغم تمدد داعش في المنطقة عبر فرعه المنشق عن حركة الشباب (داعش شرق إفريقيا). بينما يعمل داعش على تجنيد جيل جديد استعداداً للتمدد في القارة، لا سيما بعد ما نشره من فيديوهات أو أخبار في صحيفته الأسبوعية “النبأ”، التي يشير فيها إلى “أشبال الخلافة” في غرب إفريقيا. ومن ثم فإن التأثير المحتمل لتصفية القرشي قد يؤدي إلى تصاعد التنافس والصراع مع تنظيم القاعدة في القارة الإفريقية، وخاصةً مع انتقال قيادة الفروع إلى جيل جديد أكثر تطرفاً.

وختاماً، تتعدد السيناريوهات المتوقعة لمستقبل فروع تنظيم داعش في القارة الإفريقية بعد مقتل القرشي، وترتبط تلك السيناريوهات ارتباطاً أساسيّاً بمدى قدرة وسرعة التنظيم في الاتفاق على زعيم جديد، بيد أن هذا لا ينفي أن بعض فروع التنظيم في إفريقيا ربما تستغل لحظة الارتباط الحالية في انتزاع قيادة التنظيم. وهنا يبرز فرع التنظيم في الساحل الإفريقي، خاصةً بعد النجاحات الكبيرة التي حققها في حوض بحيرة تشاد وغيرها من المناطق.

(Read more)  غار جبيلات.. العملاق الحديدي الواعد
SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا [email protected]

المقالات: 12903

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.