بـات مفهـوم المجتمـع المـدني یتـداول كثیـرا فـي السـنوات الأخیـرة وأصـبح مطلبـا لكافـة القـوى والتیارات السیاسیة، سواء المشاركة في الحكم أو المعارضة له، كمـا بـات عنوانـا للكثیـر مـن الحـوارات والنـدوات التـي تعقـدها تلـك القـوى والتیـارات، أو تلـك التـي تقیمهـا أو التـي تـروج لهـا المنظمـات غیـر الحكومیة في البلدان العربیة . لكـن علـى الـرغم مـن حالـة الـذیوع والانتشـار لمفهـوم (المجتمـع المـدني) إلا أن هــذا، لا ینفــي واقــع الإبهــام والغمــوض الــذي یشــوب الحــدیث عنــه لــدى الكثیــر مــن الكتــاب والباحثین والذي یرجع في كثیر من أسبابه إلى كـون مفهـوم المجتمـع المـدني مفهـوم دخیـل علـى تـراث الفكر السیاسي العربي الإسلامي . فلم یبرز مفهوم المجتمع المدني في الخطـاب السیاسـي العربـي إلا فـي العقـدین الأخیـرین مـن القـرن العشـرین. ومـادام مفهـوم المجتمـع المـدني ولـد ونشـأ فـي ظـل ظـروف الصــراع السیاســي والاجتمــاعي الــذي عرفــه المجتمــع الأوربـــي منــذ القــرن الســابع عشــر، فأنــه مـــن الطبیعي أن یأخـذ سـمات البیئـة التـي وجـد فیهـا ممـا جعلـه یختلـف فـي میزاتـه عـن البیئـة الأخـرى التـي نقـل إلیهـا وبـالطبع العربیـة منهـا . فواقـع المجتمعـات العربیـة لازالـت تجـره (معطیـات الماضـي) بكـلأشـكاله التقلیدیـة التـي مازالـت ماثلـة فـي الحاضـر عبـر تكیفهـا وتفاعلهـا معـه فـي إطـار عملیـة إعـادة تجدید أنظمة الحكـم المطلـق وعلاقاتهـا الاجتماعیـة، التـي قـد تختلـف مـن حیـث الأسـلوب والشـكل عـن أنظمة الحكم التي یتطلبها تفعیل المجتمع المدني بعده انعكاسا لواقع التقدم والتحضر وأحد أسـس قیـام الأنظمـة الدیمقراطیـة. إن هـذا الاهتمـام یعـود إلـى الـدور المهـم الـذي لعبتـه العدیـد مـن قـوى وتنظیمـات المجتمـع المـدني فـي دفـع عملیـة التحـول الـدیمقراطي فـي العدیـد مـن الـدول ولاسـیما فـي بعـض بلـدان شرق ووسط أوربا وأمریكا اللاتینیة ممـا شـكل عـاملا جوهریـا لتزایـد الاهتمـام بمفهـوم المجتمـع المـدني.
علـى الـرغم مـن تبـاین الآراء التـي تناولـت المجتمـع المـدني وتعـددها، إلا إن هنـاك نقطتـان تكـاد تكونـا محل إجماع بین كل المفكرین الذي أولـوا عنایـة خاصـة للمفهـوم. وهـي النظـرة إلیـه بالمقارنـة إلـى دور الدولـة، فهنـاك مـن جعلـه مقـابلا لمفهـوم الدولـة وهنـاك مـن رأى العكـس، إن مفهـوم المجتمـع المـدني مـتلازم مـع مفهـوم الدولـة. ومهمـا تباینـت الآراء فأنـه لا یمكـن تجاهـل دور الدولـة فـي تقـدم المجتمـع …

تحميل الدراسة