قضايا سياسية

محددات السياسة الخارجية اليابانية نحو الشرق الأوسط

لمعرفة السياسة الخارجية اليابانية فيما يتعلق بالعلاقات اليابانية العربية لا بد من دراسة الخلفية التاريخية والآفاق المستقبلية للسياسة اليابانية باعتبار أن السياسة الخارجية لبلد ما هي إلا انعكاس وامتداد طبيعي لواقع  داخلي  يخضع لخصوصيات تاريخية وحضارية. لذلك لا يمكن إدراك وجهة السياسة الخارجية اليابانية وأبعادها إزاء الشرق الأوسط إلا من خلال فهمها في إطار النظام الدولي وتطوراته منذ الحرب العالمية الثانية، وإلقاء الضوء على المحددات التي تحكم توجهات سياسة اليابان الخارجية والقيود التي تعمل في إطارها هذه السياسة منذ هزيمة اليابان عام 1945.

تتمتع السياسة الخارجية اليابانية نحو الشرق الأوسط بأهمية خاصة في محيط السياسة العامة اليابانية ، ودرجة توزيعها بين دول الشرق الأوسط والادوات المستخدمة في تنفيذها ، والقضايا التي تدور حولها. فقد عاشت اليابان بعد الحرب العالمية الثانية ضمن قيود  دستورية تنص على البقاء بعيداً عن مواطن الصراع والنزاع والاكتفاء بدور إنساني واقتصادي يكون محل ترحيب متفق عليه من جانب مختلف الأطراف الدولية والإقليمية المعنية بهذا الدور.

لقد انطلقت سياسة اليابان الجديدة من رؤية استراتيجية ترى أن لليابان مصلحة كبيرة في حل النزاعات بالطرق السلمية خدمة لمصالحها العليا بسبب مصادر الطاقة والاستثمارات المالية الكبيرة فيها، فضلا عن أنها تشكل مركزاً أساسياً لسلعها وأسواقها الخارجية.

إن محددات السياسة الخارجية اليابانية نحو الشرق الأوسط تنطلق من :

 أ-النفط والمصالح التجارية: منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، إزداد بشكل كبير اعتماد اليابان على النفط الخام فقد أصبحت تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط ، وبسببThe emergence of regional and international circumstances in the early 1980s, such as structural changes in the international oil market, the fall and near collapse of oil prices since 1986, economic difficulties within major oil producing countries, and Japanese reduced oil vulnerabil ity, created a new more balanced mutual depend ency relationship between Japan and the oil-producing countries in the region. التطورات الاقليمية والدولية في الثمانينات والتغيرات الهيكلية في سوق النفط الدولية ، والمصاعب السياسية والاقتصادية داخل البلدان الرئيسية المنتجة للنفط جعل اليابان تعمل من أجل تأمين مصادر مستقرة ومضمونة ورخيصة من امدادات النفط .

ب- التغييرات السياسية الداخلية:

One-party dominance ended in 1993 when the Liberal Democratic Party (LDP), which had ruled Japan since 1955, lost its hegem    تتميز الاوضاع السياسية الداخلية في اليابان الحالي بالتوتر والجمود السياسي بعد فقدان الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم هيمنته على مجلس المستشارين منذ انتخابات تموز/2007 لتزداد حدة معارضة أحزاب المعارضة  في مسألة مساهمة اليابان في الحرب على الارهاب من خلال ارسال قوات الدفاع الذاتي البرية أو الجوية أو البحرية الى بؤر التوتر .

ج- الساحة الدولية:

 ساعدت نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي في تخفيف التحفظ الدولي من التدخل الياباني في شؤون الشرق الاوسط ، ففي الماضي كانت اليابان في الحاجة الى التوفيق بين المطالب السياسية الرئيسية للبلدان المنتجة للنفط في الشرق الاوسط من اجل تأمين إحتياجاتها من الطاقة وبين مواصلة تطابق سياستها مع سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الاوسط ،In most cases, those two positions were contradictory. وفي معظم الحالات كان من الصعب على اليابان التوفيق بين موقفيها بسبب تناقضهما ، وجاء توقيت بدء عملية السلام الشاملة في الشرق الاوسط التي بدأت في إطار جديد لتمكن اليابان من طرح رؤيتها للسلام في المنطقة بشكل أكثر استقلالية دون المخاطرة بعلاقاتها الثنائية مع الولايات المتحدة ومع الدول الشرق أوسطية التي تمدها بالنفط وخاصة الدول العربية .

إن التنافس الاقليمي بين الصين واليابان على مركز القيادة في آسيا يبرز كأحد مظاهر التغيير الكبير في الساحة الدولية والذي يقود اليابان للسعي لانتزاع الاعتراف الدولي بها للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن والذي تراه اليابان ضرورياً من أجل “Japan should become a permanent member of the United Nations Security Council, in order to solidify global cooperation as a major pillar of Japan’s foreign policy   ترسيخ التعاون الدولي بوصفه دعامة رئيسية للسياسة الخارجية اليابانية في المحافظة على النظام الدولي Therefore, it is inappropriate that a country like Japan, which is playing a prominent role in such international cooperation, is not permanently engaged in the United Nations Security Council.” [1][11].(  1)

المطلب الثالث: سياسة اليابان ازاء دول الشرق الأوسط

أولاً : موقف اليابان من النزاع العربي ـ الاسرائيلي

أفرزت تغيرات النظام الدولي بعد انتهاء الحرب الباردة تحولاً واضحاً في السياسة الخارجية اليابانية حيث تصاعد نشاط السياسة الخارجية لليابان بعد أربعة عقود من التركيز على القضايا الداخلية والتحرك الخارجي المتحفظ تحت المظلة الأمريكية ، ولعل أهم ما يميز السياسة الخارجية اليابانية هي اتساع هامش التحرك المرن في ظل عالم القطب الواحد صوب الشرق الأوسط لتنخرط اليابان بفعالية في عملية السلام بين الفلسطينين واسرائيل.

 لقد شكل الحظر النفطي في الحرب العربية الاسرائيلية عام 1973 منعطفاً مميزاً في موقف اليابان من الصراع العربي- الإسرائيلي والشرق الأوسط بشكل عام بعد أن  أصبح الحظر النفطي مشكلة كبيرة على استمرار تحقيق نموها الاقتصادي بسبب اعتماد الاقتصاد الياباني بشكل كبير على النفط المستورد من الدول العربية .

 في شهر تشرين الثاني من عام 1973 أصدرت وزارة الخارجية اليابانية بياناً استنكر احتلال إسرائيل للأراضي العربية مع التأكيد على ضرورة انسحاب القوات الاسرائيلية من الأراضي التي احتلتها عام 1967 وكان البيان قد مثل اول خطوة مستقلة في السياسة الخارجية اليابانية عن الحليف الأمريكي فيما يتعلق بالصراع في الشرق الأوسط ، واستمر الخطاب الياباني موالياً للدول العربية حتى النصف الثاني من عقد الثمانينيات من القرن الماضي حين شهدت العلاقات بين اسرائيل واليابان تطوراً وتنسيقاً مشتركاً بسبب التعامل بين الشركات اليابانية والاسرائيلية .(1)

 ان  تغير السياسة الخارجية اليابانية وبدء التعاطف مع اسرائيل يعود إلى الاسباب التالية :

 1- سبب ارتفاع الفائض التجاري بين اليابان والولايات المتحدة لصالح اليابان في تصاعد الضغوط الامريكية على اليابان عبر جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل(اللوبي) في الولايات المتحدة .

2- جاء توقيع إسرائيل اتفاقيات كامب ديفيد للسلام مع مصر كأحد اسباب انتهاج اليابان سياسة محايدة مع اسرائيل والدول العربية وبعدها اتبعت اليابان سياسة أكثر تقارباً مع اسرائيل .

 3- تواجد فائض من النفط شهدته السوق النفطية في النصف الثاني من الثمانينيات إضافة الى استقرار الاسعار الامر الذي أدى إلى تراجع الدور السياسي للدول العربية المصدرة للنفط.

لقد طرأ تغيير كبير في السياسة الخارجية اليابانية بعد حرب الخليج الثانية /1991  تمثل في التخلي عن الحذر الشديد الذي اتسمت به سابقاً والسعي إلى زيادة الدور السياسي لليابان على المستوى الدولي (2)، وضمن هذا الإطار كانت منطقة الشرق الأوسط الساحة النموذجية لتطبيق توجهات السياسة الخارجية اليابانية الجديدة.

إن مفاوضات السلام التي انطلقت في مدريد عام 1991 بين إسرائيل والفلسطينيين كانت فرصة مناسبة لليابان لتأكيد حضورها في المنطقة ، وفي إطارهذه العملية تحركت السياسة الخارجية اليابانية نحو الاتجاه المتمثل في المساهمة في المفاوضات متعددة الأطراف .

ان العوامل التي شجعت اليابان للمساهمة في المفاوضات متعددة الاطراف هي:

1- تعامل اليابان مع الجوانب الفنية غير السياسية التي لا تتضمن أية انعكاسات أو مخاطر قد يعترض عليها الداخل الياباني .

2- الخبرة التي تملكها اليابان في المسائل الفنية المتمثلة في المجال الاقتصادي وإعادة الاعمار وتصفية المياه وتحسين الوضع الصحي كما تمتلك التمويل اللازم للمشروعات التي تدخل في إطارها.

ان العوامل المشار اليها شجعت  اليابان على اتخاذ خطوة سياسية بتعيين مبعوث خاص للحكومة اليابانية في الشرق الأوسط لمتابعة تطورات عملية السلام مع طرح أفكار ومبادرات سياسية والمشاركة في بعض الترتيبات الأمنية التي تتفق عليها الأطراف المعنية بعملية السلام .

لقد شهدت السياسة الخارجية اليابانية تحولاً جذرياً بعد عام 2000 باتجاه تحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية فشل مفاوضات السلام وتحميل الجانب الفلسطيني المسؤولية في استمرار أعمال العنف التي اجتاحت الأراضي المحتلة وعلى إثرها قامت اليابان بتخفيض المساعدات اليابانية المقدمة إلى السلطة الفلسطينية ، ورافق كل هذه المتغيرات حدثين مهمين هما تصاعد وتيرة العلاقات والمصالح التجارية بين اليابان وإسرائيل أثناء عقد التسعينات  من القرن الماضي مع ضعف نفوذ التيار المتعاطف مع القضية الفلسطينية في دوائر وزارة الخارجية اليابانية والذي يعود أحد اسبابه الى إجادة إسرائيل عملية إدارة الصراع بمساندة الولايات المتحدة .

تميزت السياسة الخارجية اليابانية في فترة رئيس الوزراء الياباني السابق جونيشيرو كويزومي ( 2001-2006) بكونها سياسة متطابقة مع سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط والتي تجسدت بإرسال قوات يابانية إلى العراق عام 2003 دعما للقوات متعددة الجنسية التي تقودها الولايات المتحدة في العراق ، وفي عهد السيد شينزو آبي(26/9/2006-26/9/2007) بدأت اليابان بتطبق سياسة خارجية نحو الشرق الأوسط تحت عنوان بناء قوس الحرية والازدهار والذي يعني التأكيد على القيم العامة مثل الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون التي تعتبرها اليابان جوهر الدبلوماسية اليابانية(1)، وتؤمن اليابان بإجراء زيارات على مستوى عالي بين اليابان و الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني تكون متزامنة مع الجهود التي تبذلها الدول الرئيسية في المنطقة مثل مصر و السعودية ، لغرض تفعيل  “ممر السلام و الازدهار” من الضفة الغربية لنهر الأردن مرورا بالأردن حتى يصل الى دول الخليج العربي حسب الرؤية اليابانية. (2)

ثانياً: العلاقات اليابانية- الايرانية:

 شهدت العلاقات اليابانية الايرانية فتوراً بسبب تداعيات الملف النووي الايراني لا سيما بعد أن أعلنت الحكومة اليابانية عن عزمها على إيقاف الدعم المالي عن مشروع تطوير حقل النفط الايراني آزاديكان في حال مواصلة ايران تخصيب اليورانيوم ، يذكر أنه في عام 2004 وقعت شركة INPEX التابعة للحكومة اليابانية عقداً مع إيران لتطوير حقل آزاديكان الذي يعتبر أحد أكبر حقول احتياطي النفط في الشرق الأوسط ، وكانت اليابان سابقاً  تواصل سياستها في دعم المشروع رغم معارضة الولايات المتحدة ولكن في الفترة الأخيرة تغير الموقف بسبب إصرار ايران على عدم وقف برنامج تخصيب اليورانيوم حسب رأي الحكومة اليابانية(3) ،وغالباً ما تؤكد اليابان عن رغبتها في تسوية القضية النووية الايرانية مع المجتمع الدولي بالطرق السلمية ، ويسود القطاع الصناعي الياباني قلق بسبب تداعيات الملف النووي الايراني في حال فشل الجهود الرامية للتوصل

الى حل سليم للملف النووي الايراني والمتمثلة بفرض حصار ضد ايران والذي سيؤثر على استيراد النفط الايراني الى اليابان ، حيث تستورد اليابان حوالي 15% من استهلاكها للنفط من ايران منذ عام 2004 .

في الوقت الذي ترى فيه اليابان أن المملكة العربية السعودية يمكنها أن تلعب دوراً كبيراً في إطار تحقيق الرؤية اليابانية لإنشاء معبر للسلام والازدهار (1) الذي يمتد عبر مسار يبدأ من الضفة الغربية عبر الأردن لينتهي عند دول الخليج ، ترى في نفس الوقت  ضرورة إشراك إيران في مشروع معبر السلام والازدهار ضمن الاستراتيجية اليابانية (2) في نشر السلام والاستقرار .

وما يؤهلها هو علاقاتها الطبيعية مع ايران والمتميزة مع المملكة العربية السعودية ، وفي نفس هذا الإطار لليابان علاقات جيدة مع تركيا ، وعليه فاليابان قادرة على ممارسة نفوذها للتأثير على الموقف الايراني من أجل التوصل إلى حل سلمي لقضية الملف النووي من خلال التنسيق مع المملكة العربية السعودية وتركيا لإقناع إيران بالتراجع عن حافة الدخول في مواجهة مع المجتمع الدولي ، وبدون شك للمملكة العربية السعودية مصلحة مباشرة إلى جانب دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى في حث إيران على التخلي عن محاولات امتلاك قدرات نووية ، إن نجاح مثل هذا الجهد سيستفاد منه كافة الاطراف لا سيما تركيا التي تواجه مصاعب جمة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ، وخصوصاً إذا تمكنت من المساهمة بصورة إيجابية في التغلب على الأزمة الحالية بشأن البرنامج النووي الإيراني علماً بأنها تلعب دور الوسيط بين اسرائيل وسوريا للتوصل الى اتفاقية للسلام بينهما ، يذكر أن إيران تعتبر ثاني أكبر مصدر للنفط لليابان بعد السعودية.(3)

ثالثاً: العلاقات اليابانية- الاسرائيلية:

 أن السياسة اليابانية تجاه إسرائيل ارتبطت منذ نشأتها عام‏1948‏ بتأثير العامل الخارجي عليها أكثر من استجابتها للعامل الداخلي أو اعتبارات اخرى تتعلق بسير العلاقات الثنائية مع إسرائيل (4)، فالسياسة اليابانية تجاه إسرائيل حرصت على المحافظة على علاقات طيبة مع الدول العريبة لضمان تدفق نفط الشرق الأوسط الذي يعتمد عليه الإقتصاد الياباني بشكل رئيسي وثانيهما المحافظة على علاقات التحالف الاستراتيجي التي تربط اليابان بالولايات المتحدة منذ عام‏1945. وجدير بالذكر أن ‏اليابان استضافت مؤتمراً حول عملية السلام في الشرق الأوسط للفترة 14-15/3/2007 ، وشارك فيه ممثلين عن اسرائيل  ومنظمة التحرير الفلسطينية والأردن وممثلون عن قطاعات الأعمال ،  ويعد الثالث من نوعه ، وكان أول اجتماع قد عقد في عام 2003 وأعلنت اليابان أنها تبذل جهدها لتعزيز الحوار والثقة المتبادلة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية ،  وتندرج هذه المبادرة في اطار التعهدات التي قطعها رئيس الوزراء الياباني السابق جونيشيرو كويزومي من اجل السلام  ، وقد شهدت العلاقات الاسرائيلية اليابانية (1) تطوراً دراماتيكياً بعد اتفاق الجانبان على وضع آلية لتبادل المعلومات دورياً عن برنامج كوريا الشمالية النووي (2)، فضلاً عن  استمرار التعاون في ما يتعلق بالتقنية اليابانية في مجال الاتصالات الحديثة .

يمكن إيجاز مبادئ السياسة الخارجية اليابانية نحو الشرق الأوسط بما يلي:

ترتكز الاستراتيجية اليابانية في سياستها الخارجية نحو الشرق الأوسط على أهمية منطقة الشرق الأوسط بالنسبة إلى اليابان، ودور اليابان في عملية سلام الشرق الأوسط ، والتركيز على مبادئ السلام العالمي، وتفعيل مبادرات إحلال السلام في الشرق الأوسط ، مع توجهات اليابان على تقديم كل المساعدات الممكنة لتحقيق السلام في هذه المنطقة وذلك من خلال:

1- قناعة اليابان التامة بضرورة نزع أسلحة الدمار الشامل، ومنع انتشار أو تطوير الأسلحة النووية في منطقة الشرق الأوسط .(3)

2- تضامن السياسة الخارجية اليابانية نحو الشرق الأوسط مع توجهات الولايات المتحدة الأمريكية ، لكنها تأمل في تفعيل دور الأمم المتحدة لإيجاد حل سلمي لمشكلة الشرق الأوسط.

3- الحرص على المشاركة في كافة مؤتمرات الدول المانحة لأفغانستان والعراق، وتوظيف رؤوس أموال كبيرة في البلدين.

4-  إدانة العنف في الشرق الأوسط والحرص على عدم التصويت لأي قرار يفرض عقوبات على إسرائيل مع مساندة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في جميع المحافل الدولية.

5- تبني مبدأ حوار الثقافات مع دول الشرق الأوسط، والتأكيد على رفضها القاطع لمقولة صراع الحضارات والتوصيف الديني للإرهاب، ورفض اليابان لأي تفسير للإرهاب موجها ضد المسلمين أو ضد العرب والدول العربية.

6- تؤمن اليابان بأن نجاح سياستها الخارجية يتطلب بالضرورة وجود نظام إقليمي عربي موحد وفاعل يشجعها على رسم استراتيجية مستقلة تؤمن مصالحها مع الدول العربية والإسلامية، لكن من دون الاصطدام بسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

المبحث الثالثً: العلاقات اليابانية – العراقية

القاسم المشترك بين العراق واليابان هو معاناة الشعبين العراقي والياباني من أهوال الحروب حيث عانت اليابان بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية الخراب الشامل الذي طال البنية التحتية اليابانية وهذا ما حصل للدولة العراقية التي عانت من ثلاثة حروب متتالية ، كذلك تم احتلال اليابان من قبل قوات الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة عام 1945 وهذا ما حصل للعراق بعد سقوط بغداد في التاسع من نيسان /2003 ، ورغم الفارق الزمني إلا أن الحدثين كان سببهما النزعات التوسعية لحكومتي اليابان والعراق .

لقد اشتركت وإختلفت اليابان والعراق بالقضايا التالية :

 أولاً- تنامي النزعة العسكرية والروح التوسعية: يشترك البلدان بنمو النزعة العسكرية فيهما ، فقد بدأت النزعة الاستعمارية في اليابان خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر ، وبدأت بذات الوقت سياسة اليابان التوسعية لتصبح قوة عسكرية مهيمنة في المنطقة ، شاركت اليابان في الحرب العالمية الأولى عام 1914 ، وقد أعطتها الحرب فرصة لتوسيع الإمبراطورية اليابانية ، وأخذت طموحات اليابان في تأسيس إمبراطورية عظمى تتبلور أكثر فأكثر، ، وفي عام 1942 كانت اليابان في قمة قوتها. في مطلع عام 1945 بدأ الجيش الياباني في الانهيار بعد أن ضربت الولايات المتحدة مدينتي هيروشيما وناكازاكي بالقنبلة الذرية في السادس والتاسع من شهر/آب/1945 استسلم اليابانيون في 2/9/ 1945 رسميًا على ظهر البارجة الأمريكية ميسوري في خليج طوكيو.

شهد العراق بعد انتهاء فترة الانتداب البريطاني واعلان استقلاله وقبوله عضواً في عصبة الامم في 3 / تشرين أول /1932 تصاعد النزعة العسكرية من قبل قادة الجيش العراقي لا سيما بعد استلام الملك غازي السلطة ، حيث قام الجيش العراقي بشن حملات عسكرية داخلية ضد الشعب العراقي . لقد استمر تصاعد النزعة العسكرية العراقية لدى الحكومات العراقية المتعاقبة لتصل ذروتها في بداية العقد الثامن من القرن العشرين وليدخل العراق بعدها في ثلاثة حروب مدمرة هي حربي الخليج الأولى(1980-1988) والثانية(17 / كانون الثاني – 28/ شباط/ 1991) ، والحرب الثالثة التي أدت في التاسع من نيسان/2003 إلى غزو العراق واحتلاله من قبل قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة .

ثانياً: الاختلاف بين الحكومتين والتأثيرات الاقليمية: ترتبط اليابان بمعاهدة أمنية مع الولايات المتحدة تم توقيعها عام 1951 والتي بموجبها تتمتع اليابان بالحماية والمظلة النووية الامريكية إضافة الى التوقيع على معاهدة التعاون والأمن المشترك عام 1960 وأخيراً توصل البلدان الى تحالف استراتيجي شامل تم إبرامه في 29/تشرين أول/2005 ،  في حين أن الاتفاقية الأمنية الطويلة الأمد بين العراق والولايات المتحدة المطروحة على الطاولة لا تزال مشروع للنقاش والتداول ، وتنفرد اليابان في هذا المجال بكونها كانت تتمتع بحكومة موحدة في القرار وبعيدة عن المؤثرات الاقليمية والتجاذبات السياسية الداخلية الا ان العراق يتأثر بشدة بمحيطه الإقليمي.

ثالثاً: القوة الاقتصادية: حقق الاقتصاد الياباني تقدمًا كبيرًا بعد الحرب العالمية الثانية، فمع منتصف الخمسينيات، عاد الإنتاج الصناعي إلى مستواه قبيل الحرب، وأثناء الفترة من 1960 إلى1970، كان الإنتاج الاقتصادي ينمو بمعدل 10% سنويًا ، ويعود الفضل في هذا النجاح السريع إلى عدة أسباب منها: تبني اليابان للتقنية الغربية ، تركيز اليابانيين على إنتاج سلع للسوق العالمية، وتمتع اليابان بقوى عاملة مدربة بشكل جيد، وتعمل بجدية متناهية.  يتمتع معظم سكان اليابان بمستوى معيشة مرتفع بسبب الاقتصاد المتطور ، نسبة البطالة في اليابان منخفضة جداً .

مع نهاية ستينيات القرن العشرين حوَّل اليابانيون المهرة بلدهم ليصبح قوة اقتصادية عظمى في العالم. في حين أن نسبة كبيرة من العراقيين يعانون من الفقر بسبب الاقتصاد الضعيف والبطالة بالرغم من أن العراق يمتلك ثاني أكبر احتياطي من النفط في العالم .

 رابعاً: الدستور:  وضع الجنرال الأمريكي ماك آرثر ومستشاروه مسودة دستور لليابان، وقد وضع موضع التنفيذ في 3/5/ 1947، وقد نقل الدستور جميع السلطات السياسية من الإمبراطور إلى الشعب، كما ألغى الدستور الجيش والبحرية اليابانية، وأكد على أن اليابان ستتخلى عن استعمال الحرب سلاحًا سياسيًا حسب المادة التاسعة ، كما ضمن الكثير من الحريات الإنسانية، كحرية الرأي، وحرية الدين وحرية الصحافة وحرية الأحزاب. وقد قسم الدستور المهام بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية. في حين أن الدستور العراقي تمت صياغته من قبل مجموعة عراقية متخصصة وتم التصويت عليه وبعدها تم تشكيل لجنة إعادة صياغة الدستور لإدخال بعض التعديلات على الدستور.

خامساً: نجاح التجربة اليابانية: رغم أن العراق فيه الكثير من مقومات النهضة المتمثلة بالكفاءات العلمية والعامل الجغرافي والبشري ويتفوق بالموارد الطبيعية وخاصة النفط على اليابان ، إلا أن هناك مشكلة الصراع بين الثقافة المحلية من جهة وعناصر الحداثة الوافدة مع المشروعات الغربية من جهة أخرى ، ففي هذا المجال نجحت اليابان في عدم الانقياد الكامل للنموذج الغربي في نهضتها, وإحداث تنمية تعتمد على اقتباس التكنولوجيا المتطورة من دون استيراد الثقافة الغربية . إن إشكالية التحديث والتغريب والمحافظة على التقاليد في مواجهة النموذج الغربي لاتزال احد المواضيع الساخنة في مسيرة إعادة بناء العراق مع تصاعد التيارات السياسية الدينية ، وتنفرد اليابان عن العراق بمجتمعها المتجانس إثنياً ودينياً في حين أن العراق بلداً متعدد الإثنيات واللغات والأديان والذي كان المفروض أن يكون عامل إغناء ، ولكن العراق يتميز بحكم الجغرافيا والتاريخ بكونه بلد سهل الحكم إذ تداولت عليه حكومات مركزية ظلت تتداول الحكم في البلاد على مدار سبعة آلاف سنة, بعكس اليابان التي لم تشهد التوحد إلا بعد عام 1868 ، لكن اليابان نهضت والسبب في ذلك اعتمادها سياسة العزلة الطوعية التي دامت حوالي القرنين حتى أواسط القرن التاسع عشر ، في المقابل فإن العراق تعرض الى السيطرة من قبل الدول المجاورة كما حصل أثناء الاحتلال الفارسي والعثماني والبريطاني والأمريكي تتميز اليابان بكونها بعيدة لا تملك حدود مشتركة أو قريبة من الغرب وتخضع للعزلة الطوعية أيضاً ، الأمر الذي وفر لها حماية طبيعية من الهجمات العسكرية الغربية المتتالية . لعب عامل البنية الاجتماعية في العراق دوراً سلبياً في بناء الدولة الموحدة بعد أن تصاعد تأثير الولاءات القبلية والمذهبية والقومية ، على عكس ما حصل في اليابان عندما بدأ الاندماج المدني للطبقات الاجتماعية الوافدة من الأرياف الى المدن وتخليها عن ولاءاتها القبلية والمحلية الضيقة لصالح ولاء عام لليابان ، لتساهم في ولادة وتطور المجتمع الياباني الحديث والمعاصر على عكس ما يحصل اليوم في العراق ليصبح ولاء الفرد العراقي يتراوح اليوم بين  العشيرة ، القبيلة ، الحزب ، المذهب ، والمنطقة .

لم يمر العراق بفترة من النهضة الحقيقة بسبب الأنظمة الدكتاتورية التي قمعت الفكر الحر والابداع ، في حين أن اليابان عاشت نهضتين الأولى في القرن التاسع عشر وهي نهضة كانت من اجل بناء الجيش والتي انتهت ببناء دولة اليابان الامبريالية ، بينما في المرحلة الثانية من نهضة اليابان فقد كانت بمثابة استمرارية للنهضة الاولى ولكن بدون الطموح العسكري والامبريالي التوسعي ، بعد أن أصبحت اليابان دولة منزوعة السلاح تحت الحماية الأميركية .

سادساً: المقارنة بين الوضعين العراقي والياباني:  من الصعوبة بمكان المقارنة بين الوضعين العراقي والياباني ،  فاليابان بعد الحرب العالمية الثانية كانت في وضع أفضل بكثير, ولم تكن بلداً متخلفاً تكنولوجياً ، فقد كان لديها تكنولوجيا متطورة , وكان عندها اقتصاد قوي جداً، والذي حصل أنه في عام 1948- 1949 انتصرت الثورة الشيوعية في الصين وبدأت بوادر الحرب الكورية ، فاضطرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى معاملة اليابان كدولة  صديقة وأنهت الولايات المتحدة الاحتلال الأميركي لليابان بمعاهدة عسكرية في عام 1951 (معاهدة سان فرانسيسكو)، ، وبسبب تماسك وقدرة وخبرة الشعب الياباني على الاستفادة من الظروف الإقليمية والدولية التي نشأت  ، بدأت النهضة اليابانية تأخذ مساراً تصاعدياً في المجال الاقتصادي .

المطلب الأول: مراحل تطور العلاقات بين العراق واليابان

أولاً:  تأريخ العلاقات الدبلوماسية:

 بعد انتهاء فترة الانتداب البريطاني بدأت الدبلوماسية الالمانية تنشط من أجل كسب الحكومة العراقية الى جانب دول المحور وازداد النفوذ الألماني في العراق بتعيين الدكتور فريتز غروبا سفيراً لالمانيا في بغداد عام 1933 ، وكان غروبا دبلوماسياً نشطاً يتقن التحدث باللغات العربية والفارسية والتركية بطلاقة وقد تأثر العراقيون كثيراً بشخصية السفير الالماني وبذلك تمكن السفير من اقامة علاقات ودية متينة مع الحكومة العراقية بعد نيل العراق استقلاله، ولكون اليابان كانت على علاقات جيدة مع المانيا لذلك كان لألمانيا دوراً في تقوية العلاقات اليابانية العراقية نظراً لأهمية العراق من ناحيتي قربه من الجبهة الروسية ومن ناحية كونه يشكل أحد مصادر النفط اللازمة للآلة العسكرية الالمانية لمواجهة دول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية . لقد أتخذت العلاقات العراقية اليابانية شكلاً رسمياً بافتتاح مفوضية يابانية في العراق عام 1939، تبعها إفتتاح مفوضية عراقية في طوكيو عام 1955 ، ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين الى مستوى السفارة عام 1960 ، في شهر أيلول من عام 1956 زار الأمير ميكاسا شقيق إمبراطوراليابان آنذاك هيروهيتو وعم الأمبراطور الحالي أكيهيتو العراق وذلك لتدشين عمل أول فريق جيولوجي ياباني والذي وصل بغداد في يوم الأثنين 17 أيلول/1956 وغادرها يوم 9 تشرين أول/1956 . وألتقى خلال الزيارة بولي عهد العراق وزار العديد من المدن العراقية مثل البصرة والسماوة والموصل وكركوك ، وفي شهر تشرين ثاني عام 1957 ، أي بعد زيارة الأمير ميكاسا بعام واحد ، زار اليابان الأمير عبد الاله الوصي على عرش العراق سابقاً اليابان في زيارة رسمية بصحبة وفد رسمي ، وقام الأمبراطور بتقليد الأمير عبد الاله بوسام اليابان الخاص. شهدت فترة السبعينات والثمانينات إزدهاراً كبيراً في العلاقات التجارية بين البلدين وأزداد نشاط الشركات اليابانية في العراق بشكل ملحوظ فعلى سبيل المثال قامت شركة متسوبيشي بتنفيذ مشاريع غاز الجنوب وغاز الشمال وقامت شركة ماروبيني ببناء العديد من المستشفيات ومشاريع الأعمار وقامت شركة تومن- تويوتا تسوشو حالياً ببناء العديد من محطات الكهرباء الحرارية والكهرومائية وكذلك شركة هيتاشي . وفي تلك الفترة أصبح العراق البلد الثاني بالنسبة لشركة تويوتا بعد الولايات المتحدة ، في عام 1979 زار الأمير ميكاسا العراق مرة ثانية وأستمرت الزيارة لمدة عشرة أيام وأن كان الطابع التراثي هو الغالب على الزيارة إذ أن الأمير خبير في الآثار العراقية وشغل منصب رئيس جمعية الآثار اليابانية ، الا أن الزيارة أكتسبت جانباً سياسياً بلقاء الأمير الياباني برئيس جمهورية العراق الراحل أحمد حسن البكر ونائبه طه محي الدين معروف وغيرهم.

ثانياً: موقف اليابان من  الحرب العراقية – الايرانية:

 مع بداية الحرب العراقية ـ الأيرانية رأت اليابان في تلك الحرب تهديداً لمصالحها أذ أنها كانت تتمتع بعلاقات أقتصادية جيدة مع البلدين ، ورأت أن من مصلحتها أستثمار علاقاتها الجيدة مع البلدين في محاولة للتوفيق بينهما ، لذلك قام وزير الخارجية الياباني آنذاك السيد شنتارو آبي والد رئيس الوزراء السابق شينزو آبي وبعد التشاور مع وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جورج شلتز باعلان مبادرة سلام بين العراق وايران وذلك في شهر آب /1983عندما قام الوزير آبي وبصحبة أبنه شينزو آبي بزيارة للعراق وايران وتركيا في محاولة لأحداث تقارب بين البلدين في سبيل إيقاف الحرب،  وبعدها قامت وزارة الخارجية اليابانية بدعوة كبار المسؤولين من كلا البلدين لزيارة اليابان في سبيل دفع مبادرة السلام.  في شهر أيلول 1984  قام العراق بقصف المجمع البتروكيمياوي الذي تقوم اليابان بتشييده في ايران ، ويعتبر هذا المشروع من أكبر المشاريع اليابانية في ايران ، لتشهد بعدها العلاقات اليابانية العراقية فترة فتور ، لكنها شهدت تحسناً ملحوظاً في السنوات الأخيرة على مستوى العلاقات الثنائية بين البلدين من خلال الزيارات المكثفة لمسؤولين عراقيين على مستوى عالي والتي تؤكد عمق العلاقات والأهمية التي يوليها العراق لليابان.

ثالثاً: مسار العلاقات بين البلدين:

 تميزت العلاقات بين البلدين بكونها علاقات (جيدة) ، ولم تشهد توترات عدا ما حدث أثناء الحرب العراقية الإيرانية ، واستمر الوضع لغاية عام 1990 حيث اتخذ مسار العلاقات منعطفاً مهماً بعد غزو النظام العراقي لدولة الكويت فكانت اليابان من أوائل الدول التي سارعت الى إدانة العراق وتأييد قرارات مجلس الأمن الصادرة بخصوص الحالة بين العراق والكويت وعمدت الى تجميد العلاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية مع العراق، واستمر هذا الوضع حتى منتصف التسعينات إذ شهدت السنوات اللاحقة بعض التحسن أو ما يمكن تسميته (المرونة الحذرة) في التعامل مع العراق .بعد سقوط النظام السابق في نيسان عام 2003 وإحتلال العراق من قبل قوات التحالف تغيرت طبيعة العلاقات الثنائية بين البلدين ووضعت الحكومة العراقية المؤقتة منذ تشكيلها اليابان في أولويات اهتماماتها كدولة صناعية ذات اقتصاد متطور يمكن أن تلعب دوراً بارزاً في عملية إعادة اعمار البلاد وتعززت مبررات هذا التوجه بعد الخطوات الكبيرة التي اتخذتها الحكومة اليابانية تجاه العراق سواءاً ما يتعلق منها بالمشاركة العسكرية أو بالمنحة المقدمة ضمن مؤتمر الدول المانحة .

العوامل المؤثرة على تطور العلاقات الثنائية :

العوامل السلبية :ـ

 1- توجهات النظام السابق وممارساته التي كانت تتعارض مع طبيعة النظام السياسي القائم في اليابان وتوجهاته وتحالفاته وخصوصاً مع الولايات المتحدة .

2- طبيعة النظام الأقتصادي السائد في العراق وملكية الدولة والقطاع العام لعموم الصناعات الكبيرة الأمر الذي حد من قدرة الشركات اليابانية والقطاع الخاص الياباني على الدخول الواسع في السوق العراقية ، ناهيك عن عدم السماح للأستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر للعمل في العراق.

   العوامل الإيجابية: ـ

1- الثقة العالية التي يوليها المستهلك العراقي للمنتج الياباني الذي أثبت جودته وكفاءته بحيث باتت عناوين الجودة والإتقان مرادفة للمنتج الياباني في السوق العراقية وهذا عنصر بالغ الأهمية يمكن أن يساهم مستقبلاً في انفتاح السوق العراقي الكبير على المنتجات اليابانية ورغبة المستهلك العراقي لاقتنائها .

2- الوزن الإقليمي والدولي للعراق وما يمتلكه من ارث ثقافي وحضاري ومؤهلات اقتصادية وبشرية تجعلها تحرص على تطوير العلاقات معه وعلى مختلف الأصعدة ، ولهذا فان اقتصاد البلدين مؤهلين للتعاون والتنسيق من اجل منفعة الدولتين ، ففي العراق وبعد ما مر به من ظروف ، توجد فرص هائلة للاستثمار وإعادة الأعمار تجد فيها الشركات اليابانية مجالاً رحباً للعمل وتحقيق الأرباح ، وتمتلك اليابان خبرات تقنية متقدمة وتجربة غنية في قضايا الأعمار واعادة بناء البنية التحتية سوف يستفيد منها العراق .

3- زيارات المسؤولين العراقيين أسفرت على تمتين العلاقات الثنائية في مجال التعاون الاقتصادي بينهما ، فقد شهدت اليابان زيارات لمسؤولين عراقيين على مستوى عالي ، أثمرت عن توقيع إتفاقية تخفيض الديون العراقية لليابان بنسبة 80% وفق تفاهمات نادي باريس ، فضلا عن التوقيع على مذكرة تفاهم بين الجانبين تتضمن اطر التعاون .

رابعاًً: السياسة الخارجية اليابانية المعاصرة نحو العراق:

رافق تصاعد الأهتمام بالشرق الأوسط في السياسة الخارجية اليابانية حدوث تحول مهم في مضمون وأدوات تلك السياسة، وقد جاءت الحرب على العراق كأحد مشاهد هذا التحول، بعد أن كان الموقف الياباني قبل وقوع الحرب مبنياً على رفض استخدام القوة العسكرية لتسوية الأزمة الدولية مع الحكومة العراقية السابقة والدعوة إلى التسوية السلمية، مع التأكيد على ضرورة تعاون العراق مع المفتشين الدوليين وتطبيق قرارات مجلس الأمن، إلا أن هذا الموقف شهد تحولا متسارعا بعد بدء العمليات العسكرية في الاتجاه نحو تأييد الحرب، إذ أعلنت الحكومة اليابانية  فور بدء تلك العمليات عن تأييدها لاستخدام القوة العسكرية ضد العراق ، مبررة موقفها ذلك بكون عملية نزع أسلحة الدمار الشامل تمثل مهمة رئيسية للمجتمع الدولي بسبب ما تمثله تلك الأسلحة من تهديد خطير للاستقرار العالمي .

ان البيان الصادر عن مجلس الوزراء الياباني في 20 /3/2003 الخاص بخطة الحكومة اليابانية للتعامل مع تلك الحرب أفرد بنداً خاصاً أكد على التزام الحكومة اليابانية بتقديم الدعم اللوجستي اللازم لتلك الحرب وفق قانون الإجراءات الخاصة بمكافحة الإرهاب(Anti-terrorism Special Measures Law  ) (1) ، وفي خطوة لاحقة قررت الحكومة اليابانية المشاركة في القوات الدولية متعددة الجنسيات في العراق وفق قرار مجلس الأمن رقم 1511 الصادر في 16 /تشرين أول/2003، حيث إنحصر عمل تلك القوات في ثلاث مهام رئيسية، هي:

1- تقديم خدمات الرعاية الطبية لسكان المناطق المحيطة بتمركز القوات اليابانية  وتقديم النصح والإرشادات الطبية للأطباء العراقيين حول طرق إدارة المستشفيات وصيانتها.

2 – توفير المياه وتنقيتها وتوزيعها على السكان الذين يعانون من نقص مياه الشرب.

3 – إعادة تأهيل المدارس وغيرها من المرافق كقنوات الري والطرق وصيانتها.

إن سيطرة الطابع المدني الإنساني على مهمة تلك القوات لا تخلو من دلالات سياسية مهمة بالنسبة لتطور السياسية الخارجية اليابانية وهذا ما بينه الجدل العام داخل اليابان وما نتج عنه من قدرة الحكومة على التغلب على الاتجاهات المعارضة لدعم الحرب ونشر تلك القوات داخل العراق. شهدت اليابان معارضة شديدة ضد المشاركة في الحرب على العراق، خاصة بعد إعلان اليابان في 18 /2/ 2003 تأييدها للموقف الأمريكي داخل مجلس الأمن، واستند المعارضون لتلك الحرب ليس إلى المادة التاسعة من الدستور الياباني فقط ، بل إلى قانون الإجراءات الخاصة بمكافحة الإرهاب الذي لا يوفر أساسا لمشروعية قرار المساهمة في الحرب الأمريكية ضد العراق بسبب عدم وجود روابط قاطعة بين النظام العراقي السابق وتنظيم القاعدة.

تلخيصاً يمكن التعرف على ملامح السياسة الخارجية اليابانية نحو العراق من خلال كلمة المبعوث الخاص للشرق الأوسط التي ألقاها  بتأريخ 22/5/ 2004  في مؤتمر قمة الجامعة العربية في تونس ، والذي دعى فيها الى :

 1 –  مشاركة المجتمع الدولي في إعادة إعمار العراق مع التأكيد على أن حل المسألة العراقية يتطلب تعاون الأسرة الدولية في إطارالأمم المتحدة .

2 – نقل السلطة إلى العراقيين وتمسك اليابان بوحدة العراق أرضا وشعبا ومؤسسات .

3 –  تقديم اليابان قرض ميسر بقيمة3.5  مليار دولار أمريكي ومنحة قدرها1.5  مليار دولار منها 850 مليون دولار لصندوق الأمم المتحدة لدعم العراق .

4-  تعاون اليابان مع الأسرة الدولية لتقديم مساعدات عاجلة للعراقيين، خاصة في مجالي الخدمات الطبية واصلاح محطات وخطوط الكهرباء .

5 – التنديد بكل أعمال العنف الدموي التي يدفع ثمنها الأبرياء.

6 – إن الحلول التي تراها اليابان للمسألة العراقية يكمن في تضامن العراقيين ، وإيجاد حلول دبلوماسية وليس عسكرية ، وبمساهمة فعلية من الأمم المتحدة بعد تفعيل دورها على المستوى العالمي.

ان أصالة اليابان واعتمادها على فلسفة الحوار والتعايش الحضاري بين الامم أعطت دافعاً قوياً للتعاون العراقي الياباني.

خامساً : ارسال قوات الدفاع الذاتي اليابانية الى العراق

  • الموقف من الحرب على العراق: يعود سبب دعم اليابان للحرب على العراق إلى مجموعة من العوامل ارتبطت بعضها بتحولات هيكلية مهمة داخل مؤسسة صناعة قرار السياسة الخارجية اليابانية تجاه منطقة الشرق الأوسط والتحول الهيكلي الذي شمل المؤسسة العسكرية اليابانية، ومن تلك العوامل:
  أ- يتعذر فهم الموقف الياباني من القضية العراقية برمتها بمعزل عن التحولات المهمة التي طالت السياسة الخارجية اليابانية تجاه منطقة الشرق الأوسط بشكل عام وحالة التحالف الأمريكي – الياباني في الحرب ضد الإرهاب بشكل خاص.
ب- التحول المهم الذي طال المؤسسة العسكرية اليابانية، ونمو تيار قوي داخل تلك المؤسسة يدعو إلي توسيع الدور العسكري الخارجي لليابان.

 ج- العامل الاقتصادي والمتمثل في قيام الشركات اليابانية في الضغط على الحكومة اليابانية لدعم الحرب الأمريكية ضد العراق، ويرجع هذا إلى عاملين رئيسين، الأول هو حالة الانكماش العام التي عانى منها الاقتصاد الياباني خلال السنوات الأخيرة، والثاني هو رغبة الشركات اليابانية في توفير فرص جديدة للاستثمار الخارجي من خلال ضمان حصتها في عمليات إعادة إعمار العراق.

لقد ثبت عملياً دور الدافع الاقتصادي في قرار اليابان دعم الحرب ونشر قوات عسكرية في العراق بحصول شركة متسوبيشي في 28 /7/ 2003 على عقد استيراد 40 ألف طن برميل يوميا من نفط البصرة خلال الفترة من آب إلى كانون الثاني/ 2003، وبالرغم من أن العقد ليس ضخماً قياساً لسمعة الشركة، إلا أنه اكتسب قيمة معنوية مهمة لدى الشركات اليابانية كما عبر عن بداية مرحلة جديدة لعودة الشركات اليابانية إلى العراق.
د- رغبة الحكومة اليابانية في إحراز بعض التحولات المهمة فيما يتعلق بثلاث قضايا رئيسية، هي تنويع مصادر وارداتها النفطية والتي كانت معظمها من إيران والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، والتحول عن دبلوماسية الصكوك* Checkbook diplomacy التي ارتبطت باليابان منذ حرب الخليج الثانية (1) ، وأخيرا الحصول على مقعد دائم بمجلس الأمن، وهو ما اقتضى تكريس الدور العسكري الخارجي لليابان في العلاقات الدولية وتحويل اليابان إلى قوة دولية .

2- مبررات ارسال قوات الدفاع الذاتي اليابانية الى العراق:

إن السياسة الخارجية اليابانية الجديدة المتمثلة بالتواجد في الشرق الأوسط حكمتها جملة عوامل ومبررات تجسدت في :

1رغبة اليابان في القيام بواجباتها المترتبة بموجب التحالف العسكري بينها وبين الولايات المتحدة لتثبت أنها حليف يمكن الوثوق به في الأوقات الصعبة ، مقابل ضمان مساعدة الحليف الأمريكي ، إضافة الى ان استقرار العراق يخدم المصالح القومية اليابانية.

2- رغبة اليابان في التخلص من ماضيها  الاستعماري وتحمل مسؤوليتها والتزاماتها تجاه المجتمع الدولي.

3- مشاركة قوات الدفاع الذاتي اليابانية في القوات متعددة الجنسية في العراق أشر الى تحولات اساسية في السياسة الخارجية اليابانية أعادت لليابان طموحها للاضطلاع بدور دولي يوازي دورها الاقتصادي المؤثر على الصعيد العالمي.

لغرض تغيير سياستها الخارجية كان على اليابان التخلي عن أحد الأمور الاساسية  التي حكمت التزاماتها بالشرعية الدولية  ، لهذا فإن اليابان عندما بادرت في تأييد غزو العراق لم يكن هناك قراراً صادرأً عن مجلس الأمن يمنح الشرعية لاستخدام القوة ضد عضو في الأمم المتحدة، وعندما أرسلت قوات دفاعها الذاتية لم يكن هناك قراراً دولياً ينظم ويحدد مهامها بل كانت تلبية لنداء الحليف الأمريكي. والنقطة المهمة الاخرى في هذا الصدد تمثل في تجاوز الحكومة اليابانية العقدة المزمنة المتمثلة بالحاجز الدستوري في المادة التاسعة من دستورها الذي يحظر عليها الاشتراك في عمليات دفاع جماعية بما فيها حفظ السلام الدولية.

شكلت منطقة الخليج العربي والعراق موقعاً أستراتيجياً مهماً للسياسة اليابانية ، ولذلك لابد من أن يكون لها دوراً فاعلاً في رسم خارطة المنطقة السياسية ، ولا يتحقق ذلك الا بالمساهمة العسكرية اليابانية في العراق ، ولمعالجة القيود الدستورية شرعت الحكومة اليابانية الى استصدار قانون خاص من البرلمان حول قضية العراق حمل اسم “Special Measures on Humanitarian and Reconstruction Assistance in Iraq”. بتأريخ 9/12/2003 يسمح لقوات الدفاع الذاتي اليابانية بالذهاب الى  العراق

إن سحب قوات الدفاع الذاتي لاحقا لم يمنع اليابان من  المساهمة في جهود اعادة اعمار العراق وذلك عبر العمليات اللوجستية التي تقوم بها قوات الدفاع الذاتي الجوية اليابانية ، البالغ عددها 200 فرداً والمستخدمة في الكويت بموجب قانون خاص.

سادساً: مواقف اليابان من العراق الجديد

 حظيت العملية السياسية عموماً في العراق بعد سقوط النظام السابق باهتمام ومتابعة من قبل الحكومة اليابانية ورحبت اليابان رسمياً بمراحل تشكيل الحكومة العراقية الجديدة واعتبرتها خطوة هامة تجاه بناء بلداً ديمقراطياً منسجماً ، وتعهدت بمواصلة دعم العملية السياسية في العراق.

لقد تمسكت اليابان بوحدة العراق أرضا وشعبا ومؤسسات،ونددت بكل أعمال العنف الدموي التي يدفع ثمنها الأبرياء. ورغم التطورات الدراماتيكية التي حلت بالعراق ومنطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة ما زالت اليابان تؤمن بشدة بأن أحد اهم الحلول للمسألة العراقية يكمن في تضامن أبناء العراق وشعوب المنطقة ، وإيجاد حلول دبلوماسية وليس عسكرية ، وبمساعدة فاعلة من الأمم المتحدة بعد تطوير هيكلتها ومؤسساتها، وتفعيل دورها على المستوى العالمي .

تعتبر اليابان ثاني اكبر الدول المانحة لجهود اعادة اعمار العراق ، وتساهم اليابان من خلال مؤسساتها العديدة بتدريب اعدادا كبيرة من العراقيين من خلال الوكالة اليابانية للتعاون الدولي ، وساهمت قوات الدفاع الذاتي اليابانية التي انتشرت في مدينة السماوة بجهود انسانية كبيرة.

إضافة إلى أنها كانت من أوائل الدول التي سارعت الى اعفاء ديون العراق ، حيث تم التفاوض بين الحكومة العراقية والدول الدائنة ضمن ما يسمى بنادي باريس والذي يمثل مجموعة الدول الدائنة للعراق  ، وضمن ميل السياسة الخارجية اليابانية لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة تأتي المساهمة اليابانية الفعالة في جهود إعادة اعمار العراق بإلغاء نحو سبعة مليارات دولار من ديونها المستحقة على العراق، ويعادل هذا المبلغ نحو 80% من إجمالي ديونها المستحقة على العراق بالإضافة إلى ذلك قدمت اليابان قرض ميسر الى العراق مقداره خمسة مليارات دولار لجهود إعمار العراق.

المطلب الثاني: ركائز العلاقات اليابانية – العراقية

تأتي أهمية العلاقات العراقية ـ اليابانية من القاعدة العريضة التي ترتكز عليها هذه العلاقات والتي يمكن إذا ما أحسنت إدارتها أن تتحول الى شراكة استراتيجية تأتي بالفائدة على الدولتين ، ومن أهم العوامل والاسس التي تساعد على نمو وتطوير العلاقات بين اليابان والعراق هي:

أولاً: التكنولوجيا اليابانية

إعجاب مواطني الدولة العراقية بالتكنولوجيا اليابانية ، فقد وصل الأمر بإعجاب العراق بالسيارات اليابانية وخصوصاً انتاج شركة تويوتا الى إعتباره البلد الثاني لشركة تويوتا بعد الولايات المتحدة الأمريكية ، ولعل السبب الأساس في إعجاب العراقيين بالسيارات اليابانية هو مقاومتها لدرجات الحرارة العالية في صيف العراق الطويل والحار، هذا وقد وصل حجم الصادرات اليابانية للعراق عام 1980 الى 3 مليارات دولار .

ثانياً: هاجس أمن الطاقة

بالمقابل فأن حاجة اليابان الى مصادر الطاقة كبيرة خصوصاً وأن الأقتصاد الياباني هو ثاني إقتصاد في العالم واليابان من اكبر الدول الآسيوية استيراداً للنفط  وتعتمد على الطاقة المستوردة بنسبة 90% مما تستهلكه من مصادرها ،وتعد اليابان رابع اكبر مستهلك للطاقة في العالم بعد الولايات المتحدة الامريكية والصين وروسيا ، وهي اكبر اقتصاديات آسيا حالياً وهذا يعني وجود انشطة اقتصادية واسعة ذات تأثير عالمي تحتاج الى توفر آمن للنفط قبل غيره من مصادر الطاقة البديلة.

في ضوء الحاجة المتفاقمة في اليابان الى النفط ، ولكون العراق بلداً مؤهلاً اكثر من غيره من الدول المنتجة وفقاً لقدراته ومخزوناته ، فأن البلدين تجمعهما المصالح المشتركة التي تعود بالفائدة على كليهما من خلال هذا التعاون الذي سيفتح آفاق اخرى للتعاون في مجالات عديدة .

ثالثاً: الحاجة الى الأسواق

يمثل العراق سوقاً واعدة للبضائع اليابانية بالإضافة الى أنه مرشحاً لجذب العديد من الشركات اليابانية للمساهمة في إعادة الأعمار، وتشمل هذه المشاريع مباني السكن والمستشفيات والمدارس والطرق والجسور وشبكة الأتصالات والمشاريع الصناعية والنفطية والأروائية وغيرها .

 

رابعاًً: مشاريع المنحة اليابانية والقرض الميسر.

توزعت مشاريع المنحة اليابانية البالغة 1.5 مليار دولار على قطاعات الخدمات المختلفة والتي شملت قطاعات الصحة ، الكهرباء ، الماء والأتصالات .

بالإضافة الى المنحة قدمت اليابان في مؤتمر مدريد عام 2003 قرضاً ميسراً للعراق قيمته 3.5 مليار دولار لاعادة اعمار العراق . وشروط القرض هي أن مبلغ القرض معفي من الفائدة لمدة عشرة سنوات بعدها يتم استحصال نسبة فائدة قدرها  0.75% ولمدة أربعين عاماً . واذا ما تم حصر تنفيذ المشروع على شركات يابانية بطلب من العراق فان الفائدة تقل الى 0.45% ولنفس المدة . أما الطريقة التي يتم بموجبها صرف القرض الميسر فتتم عن طريق برنامج تم الأتفاق عليه بين الحكومتين وهو برنامج متبع مع كل دول العالم الأخرى المستفيدة من القروض اليابانية الميسرة .

المطلب الثالث: مبررات الشراكة الاستراتيجية بين العراق واليابان

تتمثل أهمية الشراكة الاستراتيجية بكونها ستوفر للجانب العراقي ما يحتاج اليه من التكنولوجيا اليابانية المتطورة لزيادة انتاج المشتقات النفطية التي يحتاجها العراق والتي تتطلب إنشاء مصافي جديدة للنفط لكون المصافي العراقية اغلبها قديم ولم يتم صيانته بسبب ظروف الحصار وتعرضها للقصف أثناء حربي الخليج الاولى والثانية والتخريب بعد احتلال العراق ، ويمكن الاستفادة من التقنية اليابانية في زيادة انتاج الطاقة الكهربائية من خلال منح الشركات اليابانية الفرصة للاستثمار ، ويمكن للشركات اليابانية المختصة ان تساهم في استخدام الغاز الطبيعي غير المستغل لتحويله الى طاقة كهربائية والاستفادة منها في تزويد المدن والقصبات المحيطة بها مما يوفر موارد مادية وفوائد بيئية ، ومن جانب آخر لا تزال اليابان تعتمد وبشكل كبير على نفط منطقة الشرق الاوسط في ادامة عجلة نموها الاقتصادي ، مما يعني أن العراق يقع في بؤرة اهتماماتها الاستراتيجية.

 

أولاً: معوقات بناء الشراكة الاستراتيجية :

1- غياب المنهجية في الاتصالات بين الحكومة والجانب الياباني، إضافة الى عدم وضوح آليات اتخاذ القرارات في الجانب الحكومي العراقي يرافقها عدم  وضوح  الرؤية  حول  قوانين  النفط  والإستثمار الأجنبي  والتجاذبات السياسية في المشهد  العراقي يجعل  المهتمين  بهذين القِطاعين الحيويين  يترددون  في الدخول الى السوق العراقية في الوقت الراهن خصوصاً من قبل الشركات الصناعية والمالية الكبرى التي تبحث عن أجواء مستقرة  ملائمة  للأستثمار.

2- تردد الشركات اليابانية في الولوج الى السوق العراقية بسبب الاوضاع الامنية الحالية (1) ، مع تأكيد رغبتها القوية لأن تكون شريكا تجارياً كبيراً للعراق في ضوء الامكانات الواعدة التي يمتلكها الاقتصاد العراقي .

3- تخوف العديد من الشركات اليابانية من إحتمال إنتقال الاجهزة والمعدات المتطورة أو الحساسة التي تنوي بيعها الى العراق، الى دول الجوار العراقي بطرق غير مشروعة ،مما يضع تلك الشركات في مواقف محرجة تسيء الى سمعتها في الأوساط اليابانية والدولية وتعرضها الى المسائلة قانونية .

4- تشكو معظم الشركات اليابانية التي تتعامل مع الجهات العراقية من مسألة ضعف الاداء الاداري عند الجانب العراقي وعدم وجود آليات محددة في التعامل ، وافتقار الساحة العراقية الى البنى الاقتصادية المتخصصة التي تساعد على إنسيابية التعاملات الاقتصادية، كالبنوك والمصارف الكبيرة وشركات التأمين وغيرها من المؤسسات الاقتصادية. إضافة الى وجود تخوف لدى المؤسسات الأقتصادية اليابانية من أستئثار أطراف دولية  بعينها بالمشاريع الكبرى، وعدم وجود قرار عراقي  مستقل بشكل كافي يتحكم  في السياسة الأقتصادية  للبلاد .

5- الغياب شبه الكامل للقطاع الخاص العراقي وعدم قدرته في مواكبة  التطورات الاقتصادية العالمية ومحدودية نشاطاته وخبراته في التعامل مع السوق العالمي .

6- تأثر الشركات العالمية بالتقارير الاقتصادية المتخصصة التي تشير الى أنتشار ظاهرة الفساد الاداري والمالي في المؤسسات العراقية ذات الصلة بالمجال الاقتصادي.

ثانياً: المبادرات الهادفة لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين الدولتين:

أ- تنظيم زيارات لرؤساء الشركات اليابانية الى العراق وزيارات مسؤولين عراقيين عن شؤون اعادة الأعمار ورجال أعمال عراقيين الى اليابان للتعريف بمجالات الاستثمار .

ب- إقامة معارض اقتصادية مشتركة تتيح لكل طرف التعرف على ما يمتلكه الطرف الآخر من خبرات وتقنيات .

ج- انشاء مشاريع وشركات عراقية – يابانية مشتركة تعزز الخبرات وتوثق من أواصر العلاقة بينهما.

د- مواكبة التفاعلات على الساحة اليابانية ، والمبادرة إلى الإتصال بالفعاليات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والأكاديمية المؤثرة بشكل منتظم ومستمر لنقل وجهة النظر العراقية بخصوص الشأن العراقي وكذلك للتعرف على توجهات وآراء المجتمع والساسة في اليابان فيما يخص العراق .

ثالثاً: الاجراءات العراقية الدافعة للشراكة مع اليابان:

1- حل كافة اشكالات القوانين المتعلقة بالنفط والأستثمار الأجنبي لما لذلك من أثر كبير في إستقطاب رؤوس الأموال والشركات اليابانية الكبرى الى العراق .

2- تفعيل مبادرة المصالحة الوطنية والأستمرار ببناء القوات الأمنية العراقية مما يسهل جدولة إنسحاب القوات الأجنبية وعودة الأمان والأستقرار الى جميع مناطق البلاد الامر الذي يشجع الشركات اليابانية ورؤوس الاموال الأجنبية على الاستثمار في العراق  وتوسيع عملية  أعادة الاعمار فيه.

3- قيام وزارة التخطيط العراقية بالتعاون مع الوزارات المختصة بإعداد قائمة تفصيلية بالمشاريع التي يحتاجها العراق ، لتكون قاعدة إنطلاق وخطة عمل مبرمجة للبعثات العراقية في الخارج تتحرك على أساسها لتشجيع المؤسسات والهيئات الحكومية والخاصة في اليابان للمشاركة في حملة إعادة اعمار العراق.

4- استكمال بناء المؤسسات الاقتصادية المتخصصة وتطوير المؤسسات الحالية بالاستفادة من الخبرات الدولية  وإعطاء دوراً أوسع للقطاع الخاص العراقي في المشاركة بالتنمية الشاملة من خلال خصخصة بعض القطاعات الاقتصادية في البلاد

5- محاربة ظاهرة الفساد الاداري والمالي من خلال أتباع اساليب الشفافية في ادارة المؤسسات الاقتصادية .

6-  تشجيع قيام شراكات تجارية بين القطاعين العام والخاص العراقي من جهة والشركات اليابانية من جهة اخرى كوسيلة لنقل الخبرات ومعالجة المشاكل التي تعترض سبيل التنمية الشاملة في العراق في المجالات الامنية، التقنية ، الصناعية ، التعليمية ، التجارية والمالية.

رابعاً: أهم المجالات التي يمكن للعراق العمل من خلالها للاستفادة من دروس النهضة اليابانية

1- منح القرار السياسي الدور المركزي للسير قدماً في وضع اسس عملية لتحديث المجتمع ، ودمج القوميات والاقليات المختلفة في مشروع وطني من خلال تطوير النظام الاجتماعي بما يتواءم مع الخصوصية العراقية. وصولاً الى الدولة العراقية المعاصرة ، حيث تتميز التجربة اليابانية في التحديث بأنها تبدأ من القمة أي من النخبة الحاكمة وليس من الطبقة العامة أو القاعدة  وبهذه يكون الهرم مقلوباً في الحالة اليابانية ، والتعامل مع التجربة اليابانية بشكل علمي وميداني من قبل أفراد متخصصين.

2- تجنب مخاطر تحديث الجيش على حساب تحديث المجتمع علماً أن العراق مر بتجربة مريرة في هذا الخصوص عندما قام النظام السابق  ببناء جيشاً قوياً وحديثاً استنفد موارد الدولة, في حين بقي المجتمع على حاله المفككة والضعيفة.

3- دراسة تطورالنظام التعليمي الياباني ودراسة مبادئ وأسس نظرية الإدارة اليابانية ذات العلاقة في إدارة الاقتصاد الياباني ، بالرغم من صعوبة تبني التجربة اليابانية في البيئة العراقية لعدم التوافق بين البيئتين الى جانب اختلاف النزعات والتوجهات.

4- نظراً لكون العراق يملك طاقات بشرية كبيرة، ولديه طاقات مالية كبيرة، وطاقات ثقافية كبيرة، فعليه أن يدرس التجربة اليابانية للاستفادة منها في العراق .

الخاتمة

حاولت مختلف القوى السياسية اليابانية منذ نهاية الحرب الباردة صياغة استراتيجية قومية جديدة من خلال المبادرة بإصلاح النظام السياسى ، غير أن المعوقات الداخلية المتمثلة بالتنافر والتجاذبات السياسية حالت دون نجاح تلك المحاولات ، فقد بدأت القيادات السياسية اليابانية عقب انتهاء الحرب الباردة مباشرة  في الاصلاحات وإعادة هيكلة الإدارة الشاملة  للنظام السياسي الياباني ، وتجسد ذلك عام 1993 عندما تخلى الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم عن السلطة وحدوث تغيرات فى العلاقات بين الأحزاب وكل القوى السياسية فى اليابان ، رافقه مبادرة مجلس النواب في صياغة تعديلات على النظام الانتخابى فى عام 1994 من خلال استبدال الدوائر الانتخابية متوسطة الحجم بدوائر صغيرة الحجم ، إلى جانب مبدأ التمثيل النسبى، وقد أتاح هذا التغيير إمكانية تداول السلطة بين الحزب الحاكم والحزب المعارض ، وبعد عدة اعوام من التنافر السياسي دخلت العملية السياسية في حالة من الضعف في الأداء حيث تناقص عدد الاحزاب التى شاركت فى انتخابات مجلس المستشارين فى عام 1998، وأدى التراجع المستمر فى مكانة الأحزاب الصغيرة إلى صعوبة أن تبقى منفردة ، وهو ما أدى إلى الاندماج مع بعضها البعض.

لقد تميز المشهد السياسي الياباني بحالة اللاستقرار السياسي وأظهرت الانتخابات الأخيرة مدى عدم الاستقرار الذى عانى منه الحزب الليبرالي الديمقراطي وشلل النمط السياسى القائم على حزب واحد كبير مسيطر، هذا بالإضافة إلى أن الحزب الديمقراطي الياباني المعارض نجح فى أن يتحول إلى محور لاحزاب المعارضة ، ولقد أثبتت انتخابات مجلس المستشارين في تموز 2007  تناقص الفجوة بين قوة الحزب الحاكم والحزب المعارض والذي يعني أن النظام السياسي الياباني قد اصبح أقرب الى نظام القطبية الحزبية الثنائية .

 أن النظام السياسي الياباني يتعرض للانشطار السياسي واحتمال تناقص عدد الاحزاب وهي حالة غير صحية في الأنظمة الليبرالية الديمقراطية كما هو الحال في اليابان ، وعليه فاصلاح النظام السياسي في اليابان أصبح حاجة ضرورية لتفعيل وانسيابية العملية السياسية على المدى القريب بسبب السمات الجديدة التي بدأت تطغى على منطقة المحيطين الهادي والهندي منذ نهاية الحرب الباردة ، وما يتطلبه ذلك من صياغة استراتيجية قومية من خلال المبادرة بإصلاح النظام السياسى بالرغم من المعوقات الداخلية.

تتواجد في اليابان عدة تيارات سياسية  تؤثر على عملية صنع السياسة الخارجية أهمها التيار القومي اليميني الياباني الذي يعمل على:

 1- خلق دولة قادرة على تحمل المسؤوليات العالمية بالتعاون مع الدول الأخرى من اجل الاستقرار الاقليمي و العالمي تحرر اليابان من كافة تداعيات الحروب السابقة .

 2-  تعديل الدستور والسماح بإعادة تسليحها ومشاركاتها بجميع عمليات السلام التابعة للأمم المتحدة، والعمل على بناء جيش للدفاع عن اليابان بشكل كفوء ، وتحرير اليابان من كافة القيود التي فرضت عليها .

 3- ضرورة المحافظة على علاقات التحالف مع الولايات المتحدة كحليف استراتيجي ليتسنى لليابان في الاضطلاع بدور متميز عالمياً.

 هناك أيضاً التيار المحافظ الذي يؤمن بعدة خيارات مطروحة أمام صانعي السياسة الخارجية اليابانية  لتلعب اليابان دورها على الساحة العالمية لتصبح  دولة في النسق العالمي لها قوة عسكرية وسياسية في السياسة العالمية كما يتوجب عليها أن تحافظ على مكانتها الحالية كدولة اقتصادية كبرى. التيار الثالث هو التيار البراغماتي الذي  يتكون معظمه من موظفي وزارة الخارجية اليابانية من التكنوقراط ومن بعض موظفي مجلس الوزراء ، ويدعوا هذا التيار الى العمل من أجل يابان قوية لها الحق في تسليح جيشها بأسلحة متطورة للدفاع والهجوم والردع ، وأن تأخذ مهمة الدفاع على عاتقها بدون حماية خارجية ، ويكون دورها العالمي محدداً في تحقيق التنمية على مستوى العالم في المجالات الاقتصادية والاجتماعية دون استخدام القوة العسكرية والانطلاق بقوة للمشاركة في تحقيق السلام العالمي وصياغة سياسة خارجية ذات توجه عالمي مبنية على القوة الاقتصادية التي تتمتع بها اليابان ، وضرورة تمتين العلاقات مع الولايات المتحدة في جانبها الاقتصادي بطريقة تساهم في تطور الاقتصاد في آسيا والعالم.

تعتبر التحديات والتطورات التي طرأت على المجتمع الدولي وفي مقدمتها عولمة الاقتصادSecond is the remarkable advancement and increasing power of military forces. مع زيادة القدرة العسكرية في الكثير من دول العالم بالإضافة الى التوسع السريع الذي يشهده الاقتصاد الصيني كتحديات تواجه استراتيجية صياغة السياسة الخارجية اليابانية، ومع هذه In all of these developments there are opportunities and potential threats to Japan and to other countries of Asia.التطورات تظهر هناك فرص وتهديدات محتملة والتي تستدعي قيام اليابان بصياغة استراتيجية جديدة في سياساتها الخارجية تتناسب وحجم التحديات الجديدة وتكون مبنية على اساس المصالح الوطنية العليا لليابان المتمثلة في :

أولاً : المحافظة على السلم والأمن الدوليين بطريقة تتطابق مع القواعد الدولية وذلك من خلال إعادة صياغة السياسة الخارجية عبر زيادة وتيرة التحرك الدولي وتحديد إطار جديد للعلاقات مع القوى الكبرى وتقوية المكانة العالمية بإضفاء الاستقرار على العلاقات مع الصين وتحسين العلاقات مع روسيا وكوريا الجنوبية وكوريا الشمالية .

ثانياً : استمرار التعامل مع الولايات المتحدة كحليف استراتيجي وإضفاء الشرعية على توسيع دورها العسكري والتأكيد على تصميمها على أداء دور استراتيجي فى الساحة الدولية عبر الاصرار على إدخال تعديلات في الدستور الياباني وعلى بعض بنود المعاهدة الاستراتيجية للتعاون بين اليابان والولايات المتحدة الأمريكية والاتفاقية الأمنية ( SOFA ) المنبثقة عنها ، وبما يضمن لها حرية التحرك العسكري في الفضاء الدولي ، والتمكن من تبوء موقع بين القوى السياسية الكبرى.

ثالثاً :  لمواجهة تصاعد مكانة الصين على الصعيد الدولي تتحرك اليابان لصياغة إطار من الردع الاستراتيجي المشترك مع الولايات المتحدة مع السعي لتحسين العلاقة مع الصين بالتركيز على رفع مستوى الحوار وتوسيع نطاق التعاون الثنائي، وتعمل اليابان فى خطوة غير مسبوقة إلى انعاش وتطوير علاقاتها مع الصين فى إطار التحرك لخلق توازن فى دبلوماسيتها العالمية، بالرغم من أن علاقات الصين واليابان أخذت تتسم بسمات عصر جديد من التعاون من أجل التخفيف من حدة الأزمة بينهما ودعم التنسيق والتعاون الثنائى بينهما فى المجالات الاقتصادية، إلا أن التعاون العسكري الأمريكي- الياباني وموقفهما من تايوان وأحداث التبت مؤخراً يمكن أن تشكل عناصر سلبية  لتطوير العلاقات اليابانية – الصينية.

 رابعاً :  في حالة تبني اليابان نظام القطبية الحزبية الثنائية بشكل سلس لتسيير امور الحكومة سيكون هناك استقراراً في توازن القوى بين الجماعات المحافظة التقليدية والجماعات الوطنية المسالمة أو الساعية للسلام مع الجيران، ويمكن للقومية المحافظة أن تنتعش فقط في حالة فشل الحكومة تجاوز حالة الركود السياسي التي تشهدها اليابان ، وما يجدر ذكره هو أنه وبالرغم مما فرضته التفاعلات السياسية الداخلية من معوقات على السياسة الخارجية اليابانية إلا أن دور اليابان ازداد فى عمليات حفظ السلام خلال السنوات الماضية ، وتوسعت الأنشطة العسكرية اليابانية تحت شرعية الأمم المتحدة منذ حصول اليابان على مقعد غير دائم فى مجلس الأمن عام 1996.

خامساً: لم تتوقف محاولات اليابان في دفع إصلاح الأمم المتحدة قدماً والمشاركة فى تسوية الصراعات الاقليمية رغم المكاسب المحدودة التي حصلت عليها لا سيما بفعل الإخفاق فى الحصول على مقعد دائم فى مجلس الأمن .

سادساً : العلاقات مع روسيا التي بدأت تبرز كدولة غنية بالنفط وكمصدر أكثر امناً من منابع نفط الشرق الأوسط  دفعت اليابان في التحرك الدبلوماسي الناشط نحو روسيا فى إطار الحاجة إلى إحداث نوع من الطفرة فى العلاقات معها لموازنة العلاقات الصينية –الروسية.

 

اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock