Print Friendly, PDF & Email
قراءةٌ تحليليّة “في الإجابة عن سؤال ما السلفيّة”
عرابي عبد الحي عرابي 
تتعدّد الرؤى التي تبحث في قضيّة السلفيّة، ولا يخفى أنّ الإحالات المعرفيّة التي تتناول هذه القضيّة تشير إلى نماذج ثاويةٍ في الأفكار الناقدة للمصطلح أو الباحثة فيه، ممّا يأخذ بيد القارئ وذهنه إلى أماكن أخرى يريد الناقد إيصاله إليها ليضمن له الانفصال عن المصطلح أو الانغماس فيه بحسب الرؤية التي يسوّقها له.
قليلةٌ هي الدراسات الرصينة التي تظهر تاريخية مصطلح السلفيّة وتهتمّ بتناول سياقاته الاجتماعيّة، ومن ثمّ فإنّ كتاب د. عزمي بشارة الصادر في المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات المعنوَن بـ “في الإجابة عن سؤال: ما السلفيّة” يعدُّ نقلة نوعيّةً في تناول المصطلح ضمن مقاربات متعدّدة سوسيولوجيّةٍ وتاريخيّة وتحليليّة بهدف تفكيك المصطلَح وتحدّي القراءات الاختزاليّة له سواء من الجانب الغربي “الاستشراقي” أو الدينيّ أو العلمانيّ، حيث تأتي هذه الدراسة بهدف التأسيس لمنهج معرفيّ عربيّ يمكنِّ الباحثين من فهم ظواهر المجتمعات العربية والدينية الإسلامية على نحو أعمق وأعقد من القوالب الاختزاليّة المختلفة، إضافة إلى محاولته تقديم الإجابات النظريّة والعمليّة اللازمة لفهم طبيعة تكوُّن السلفيّة وديناميّاتها الحاكمة لتطوُّرها؛ وعليه فإنّ هذه القراءة التحليليّة تبتغي إظهار أهمّ المحاور التي أشارت إليها الدراسة آنفة الذكر، إضافةً إلى رصد الافتراضات المحوريّة التي سعت لتجليتها والبرهنة عليها.
أوَّلًا: خِطَّة الكتاب وبُنيته: 
يتكوّن الكتاب من أربعة فصولٍ امتدّت على 208 من الصفحات، فَخُصِّص الفصل الأول للحفر في تاريخ المصطلح والتجاذبات المعرفيّة المثارة حوله ومناقشتها ومحاولة تجاوزها إلى إرساء رؤية جديدة لا تغفل جدّية التفاعلات الاجتماعيّة والسياقات التاريخيّة التي تنشئ “سلفيّات متعدّدة” ضمن مرجعيّة “اسميّة” و”وصفيّة” متاشبهة في الاسم والفعل، مختلفة في التوجّه والتصرّف.
في فصله الثاني جال المؤلّف في شعاب نظريّات الفرق الإسلاميّة المبكّرة لبحث مصطلح “التكفير” والسياقات التي ظهر فيها حالات معيّنة للتكفير عند ابن تيميّة للإسماعيليّة النزاريّة في بعض فتاويه، ليصل في نهاية المطاف إلى مستندات قضيّة التكفير التي تعتنقها بعض الحركات الجهاديّة والجماعات الإسلاميّة سواء الآفلة أو الصاعدة، ليتدرّج بنا الكاتب في فصله الثالث إلى تسليط مجهر البحث حول علاقة  “السلفيّة والحركات الإسلاميّة” ببعضها البعض، حيث يفترض “بشارة” نظريَّة أساسيّة في فهم طبيعة تكوين الحركات السلفية المعاصرة؛ وهي كونها حركات معاصرة نشأت في سياقات العالم الحديث، فهي منضبطة –شعوريًّا أو لا شعوريًّا- بآليّاته في التنظيم وخاضعة للأنساق المحاطة بها، ولذا لا يمكن فهم نصوص “سيّد قطب” في تناوله الجاهليّة المعاصرة دون فهم السياقات التي يخضع لها المثقّف الشرقيّ في اغترابه عن الحضارة الغربيّة أو عزلته القسريّة في مواجهة الأيديولوجيّات العلمانيّة الدخيلة على البنية الاجتماعيّة برؤية تحديثيّة جذريّة، في السياق ذاته يتعمّق المؤلّف في مناقشة تحوُّل “الوهّابيّة” من دعوةٍ “آثاريّة” إلى مؤسّسة ذات وشائج مصيريّة مع الأسرة الحاكمة التي تبنّتها وأخضعتها إلى قالب “هيئة كبار العلماء” التي باتت الوجه الدينيّ الرسميّ للمملكة والدعوة السلفيّة النجديّة، إضافةً إلى استفاضته في بحث الحركات “الإصلاحيّة” الأخرى التي أنشأت لنفسها بُنىً تنظيميّة أقرب إلى البنى الحزبيّة “اللينينيّة” كجماعة الإخوان المسلمين التي أنشأها حسن البنّا؛ ليعرّج البحث إلى عرض فكرة “الحاكميّة” عند المودوديّ وسيّد قطب والتي يرتكزان عليها في قضية التكفير وتحقيق مناطاته.
يخصِّص الكتاب في خاتمة فصوله استعراضًا للـ “الوهابيّة في هذا السياق”، حيث يقدم المؤلّف قراءة جديدةً عن الموقع المعاصر للحركة “الوهّابيّة” والأسلوب الذي اعتمدته لتسوّق لنفسها من خلاله، فينوّه إلى أن دعوة محمّد بن عبد الوهّاب لا تبدو حركة إصلاحيّة بالقدر الذي تبدو فيه كحركة تؤسس لما يشبه الدين الجديد من خلال تخيّل مطابقة فهمه للنصوص مع واقع ظهور الإسلام أوّلاً سواء من حيث المنهج أو من حيث نشر الدعوة، أو من خلال المقارنة بين الجاهليّة التي طغت على جزيرة العرب قبيل بعثة النبيّ محمد صلى الله عليه وسلّم وبين الاعتقادات والأوضاع التي انتشرت في بقاع نجدٍ قبيل ظهور ابن عبد الوهاب.
في هذا السياق يعيد المؤلف التأكيد على أنّ انتصار الوهّابيّة في الجزيرة العربية مرتبط بسياق وجودها في نجد وتحالفها مع آل سعود قَبَليًّا ودينيًّا مع ضمان انفصال الزعامة الدينيّة التي يمثّلها “ابن عبد الوهاب” عن الزعامة السلطويّة التي يرأسها “محمّد بن سعود” وتركّزها فيما بعد في ذرّيّتهما على نحو متوارَثٍ.
ثانيًا: السلفيّة الحفرُ في خفايا المصطلَح
يصف المؤلّف مصطلح السلفيّة في افتتاح البحث فيه بأنه أكثر إثارة للأسئلة النقديّة من مجمل الاستعمالات الشائعة له؛ حيث إنّ التعمّق فيه وتفكيكه يظهر مستوى الاختزاليّة المحال إليها في استخداماته إضافة إلى إيضاح مدى الفهم التبسيطيّ له، ومن ثمّ فإنّ ذلك ولا ريب يحتّم وجوبَ إعادة وضعه على طاولة النقد والتحليل كرّة تلو أخرى ، خاصّة أن هذا المصطلح -في أبسط تعريفاته- يتلخّص -في الأذهان- بكونه معبّرًا عن العودة إلى القرآن والسنّة والابتعاد عن البدَع والمحدَثات التي لم يأتِ الدين بها .
يبتغي د. عزمي من خلال الحفر في تاريخ ظاهرة “التسلّف” اجتماعيًّا ودينيًّا من خلال سياقات الواقع الوصول إلى الديناميّات التي تحكم فهمها فيشير بدايةً إلى أنّ السلفيّة –في ماهيّتها- ما هي إلا معطىً تاريخيّ يخفي خلفه سلفيّات متعدّدة ضمن المدارس السنّيّة والشيعيّة المختلفة، ويقابل هذه الأطروحة نظريّة أخرى تتصلّب حول قضيّة تماسك “السلفيّة” ضمن منظومة أفكار متجانسة صلبة .
تستدعي مسألة التنظيمات الجهادية والأفعال الكبرى التي تقوم بها كأحداث الحادي عشر من أيلول وإعلان تنظيم الدولة الإسلاميّة “الخلافة” راهنيّةَ الموضوع، وذلك في إطار السعي لفهم السلفيّة خصوصًا والإسلام عمومًا؛ حيث ينظَر إلى الصراع الناتج عن تلك التنظيمات مع الغرب على أنه صراع بين الإسلام والغرب، بينما تشير طبيعة الحال إلى أنه صراع استطراديٌّ عرَضيٌّ، وهو ما يشير إلى طبيعة الخطأ المرتكَب في فهم هذه التنظيمات، والمتجلّي في فصل هذه التنظيمات في عمليّة التناول والفهم عن الظواهر التي ترافقها كالسياق الاجتماعي الذي ظهرت فيه والصراع بينها وبين النُظُم السياسيّة في الدول الإسلاميّة على أنها نظمٌ متماهيةٌ مع الغرب جوهريًّا أو أداتيًّا .
أ. تشكُّل المصطلح وتطوّره: 
اتّصف مصطلح “السلفيّة” بالالتباس في معناه على نحو فاق مصطلح “الأصوليّة” وذلك قبل أن يستقرّ على تعريف ضيّق يختصُّ بتيّار ديني مذهبي اعتقاديٍّ محدّد، إلا أنّ الظواهر المتتالية التي تندرج تحت مسمّى “السلفيّة” تعدّدت حتى ضاق المصطلح بها، على الرغم من اندراجها تاريخيًّا ضمنه  حيث يشير هذا المصطلح في دلالته العامّة إلى: الالتزام بالقرآن والسنّة القولية والعمليّة وأقوال السلف الصالح من الصحابة والخلفاء الراشدين وتابعيهم في إنزال أحكام الكتاب والسنّة على الواقع العيني المتجدّد ، ولا يخفى للمدقّق أنّ  هذا التعريف مجمَلٌ؛ إذ إنّ معيار “السَلَف” عند السابقين يختلف في تفصيلات عديدة عن معايير السلفيّة المعاصرة، ففي حين تبحث سلفيّة “أهل الأثر” عن إجماع الصحابة ومعايير الانضمام لحديث “خير القرون” تميل السلفيّة المعاصرة إلى الإطلاقات العامّة، كقولهم: هذا من فعل السلف، وقول السلف..إلخ.
تميلُ السلفيّة في أدبيَّاتها وتطبيقاتها إلى تقديم النقل على العقل في الجملة، والرأي القائم على النصّ على الرأي الاجتهاديّ القائم على القياس، علاوةً على ذلك فإنّ النهج السلفيّ لا يقتصر في فهم الظواهر على حسب ما تقتضيه النصوص والآثار بل يبتغي أيضًا محاكاة تفاصيل الحياة اليوميّة لسلوك النبي والخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة على مستوى “أهل السنّة” والأئمّة والمجتهدين على مستوى الشيعة .
وههنا يجدُر التأكيد على أنه ما من تاريخٍ بسيط لمفهوم السلفيّة؛ إذ ينطوي هذا المصطلح على تنوُّعٍ تاريخيّ معقّد، ومن ثمّ فإن الموضوعيّة العلميّة تحتّم على الباحثين الانخراط في مساءلة “السلفيّات” بحسب تنوُّعها واشتقاقاتها وسياقاتها منذ نشأة تاريخها إلى واقعها المعاصر ، فهل يمكن اعتبار هذه السلفيّات “مرحلةً مباركة” لا “مذاهب إسلاميّة” أم هل يجب النظر إليها باعتبارها ثيمات اعتقاديّة فحسب، أم هل يختصّ المذهب الحنبليّ وحده بالالتزام السلفيّ أم أن السلفيّة متفرّعة -بطبيعة الحال- عن المذاهب الإسلاميّة كلّها ضمن مدارس “سلفيّة” خاصّة بها ؟
يرى د. عزمي أن هذه الأسئلة تصلح لتكون مدخلًا لفهم العلاقة بين السلفيّة والسلفيّة الوهّابيّة، حيث إنّها تتمايز عن تسلُّف “ابن تيميّة” وتسلّف أهل الأثر من المحدّثين وأهل السنّة والجماعة في القرن الثالث الهجري وما بعده بأنّها تماهي بين السلفيّة والحنبليّة، حيث استطاعت أن تعيد تخيُّل ابن حنبل بالطريقة ذاتها التي استطاعت المدرسة الأشعريّة بها إعادة تشكيل صورة أبي الحسن الأشعريّ في النسق الكلاميّ بعد وفاته، وكما استطاعت الشيعة الإماميّة ترسيخ صورة الأئمة ومستوى حضورهم في المنظومة الشيعيّة بعد الإمام السادس جعفر الصادق  حيث يسهم إعادة تركيب المفهوم وتكرار بنائه في أن تكوينه مفهومًا جديدًا، غير أنه يحيل على تجذُّرٍ في الإحالات التي سبقته وذلك على غرار ديناميكيّة الأفكار التي تتأثر ببعضها في تاريخ الفكر، حيث يمتدّ جذور كلٍّ منها إلى صِيَغٍ سابقةٍ في إطار التأصيل لنفسها
بالإضافة لذلك كلّه فإنّ تاريخ السلفيّات يصطدِمُ –على وجه التحقيق- من حيث نشوئها وتطوُّر مصطلحاتها من جهة مع الترسيمات المنتَجَة والمستهلَكة أكاديميًّا على نطاقٍ واسعٍ من جهة أخرى، حيث تشير تبسيطات أكاديميّي “ما بعد الاستشراق” إلى تجاهل إنجازات الدراسات الاستشراقيّة الكلاسيكيّة وعنايتها بالحفر الثقافيّ في النصوص التاريخيّة والمصادر التراثيّة  ويُظهر ذلك انتقالهم إلى نمط الدراسات الموجّهة إلى القرّاء الغربيّين أو إلى صُنّاع القرار في إطار إصدار مختصَراتٍ أو ترسيماتٍ جاهزة أو إلى نصوص جزئيّة منتقاةٍ تستند إلى نتاج المستشرقين السابقين عموماً بينما كان إنتاج المستشرقين القدامى يتمتّع بقيمة علميّة مستقلّة على الرغم من تقديمه الخبرة الأكاديمية لدوائر صنع القرار المعنيّة بملفّات المشرق  إلا أنّ مشكلة الدراسات الاستشراقيّة محصورةٌ معرفيًّا في نظرتها النمطيّة سواء من ناحية النظر إلى الإسلام ضمن ثنائيّة “الشرق/الغرب” أو بالاستناد إلى الفوارق العرقيّة التي تسرّبت إلى العلوم الاجتماعيّة والأنثروبولوجيا على وجه الخصوص، أو من حيث النظر إلى الإسلام كائنًا قائمًا بذاته ثابتًا في جوهره يحوّل معتنقه إلى كائنٍ دينيّ فحسب  إلا أنّ هذا الاختزال لا يمكن أن يطلق على المؤلّفات الاستشراقيّة الرصينة المبتعدة عن نمط تأكيد “المتخيّل عن الشرق” و”سحره”.
وكما يتّصف الاستخدام المعاصر لمصطلح “السلفيّة” بالاختزال والتبسيط المعرفيّ، فإنّ مصطلح “الأصوليّة” المستخدَم في حقل الدراسات الدينيّة / الشرق أوسطيّة يعدُّ مرادفًا له في الإشارة إلى الحركات الإحيائيّة التي شهدتها الساحة الدينيّة وههنا ينبّه المؤلّف إلى “ضلاليّة” هذا الاستخدام معرفيًّا، حيث إنّ “الأصوليّة” مفهوم مستورد من تسمية عدة كنائس بروتستانتيّة أمريكيّة لعودتها إلى أصول الدين التوراتيّة  وقد جرت هذه “العودة” في ظلّ تغيّرات ثقافيّة واجتماعيّة كبرى، تتضمّن رغبة في الحفاظ على الهويّة أو إعادة إنتاجها في مواجهة الجديد الذي ينتج عن التطوّر، أو لغرض التكيُّف مع التغيّرات المتأتّية عنه دونما تنازل عن “الأصول” بل بتطهير “الذات” مما علق بها، فتكون “الأصولية”: إستراتيجيّة أو إستراتيجيّات يحاول من خلالها مؤمنون واقعون تحت ضغطٍ ما أن يحافظوا بها على هويّتهم المتميزة بوصفهم شعبًا أو جماعةً ؛ إلا أنّ هذا المفهوم متعارض –بطبيعة الحال- مع المفهوم الكلاسيكي الشهير للـ “الأصولي” المتخصّص في علم أصول الفقه الذي يضبط عمليّة إنتاج الأحكام الفقهيّة المستمدّة من أنواع مختلفة من الأصول والأدلة الشرعيّة، ممّا يشير إلى طبيعة الاختلاف بين الإطلاقَين، حيث تُعنى الأصوليّة الأولى بفرضيّة تطهير الذات من الشوائب الدنيويّة بالعودة الحرفيّة إلى وقائع دينيّة متخيّلة، بينما تُعنى “الأصولية” الفقهيّة بالاجتهاد في ضوء الأدلّة أو الأصول .
أشاعت التبسطيات الأكاديميّة والإعلاميّة علاقةً ماهويّة بين السلفيّة والوهّابيّة، إلا أن “بشارة” ينوّه ههنا إلى أنّ الأمر في حقيقته يرتكز على علاقة إشكاليّة استنادًا على أنّ “الوهّابيّة” تمثّل استعادةً تخيُّليّةً لنسخة محدّدة من السلفيّات المتعدّدة وهي النسخة “الآثاريّة” بصبغتها الحنبليّة التي استقرّت بعد وفاة أحمد بن حنبل، فأصبحت مذهبًا فقهيًّا ومدرسةً اعتقاديّة في آن معًا  مشابهةً السلفيّة الإماميّة في ذلك، بينما بقيَت المذاهب الفقهيّة الأخرى دون اقتران واضح بصبغة اعتقاديّة معيّنة مستغرقةً قرابة قرنٍ ونصف من الزمان لتستقرّ -عمومًا- على التقسيم الشهير “مالكيّة، شافعيّة، أشعريّة” / “حنفيّة، ماتريديّة” ، ممّا يعني أن السلفيّة الإمامية والحنبليّة -على حدٍّ سواء- نشأتا في نسقيّة مذهبيّة اعتقاديًّا وفقهيًّا عبر الاستناد إلى إعادة صناعةٍ متخيّلة لرموز هاتين المدرستين وهذا بذاته أهمّ ما يميّز سلفيّتي “الوهّابيّة والإماميّة” عن بقيّة “سلفيّات” المذاهب الأخرى.
ب. السلفيّة بين وجهها الإصلاحيّ ووجهها الحنبليّ المُتخَيَّل:
يلتبس التفريق بين السلفيّة الإصلاحيّة والسلفيّة المختزلَة في الإطار الوهّابيّ من حيث استخدام المصطلح للتدليل على المحافظة والارتداد إلى السلفية الآثاريّة تارةً، ومن حيث استخدامه للتنبيه إلى ضروة الحفاظ على الهويّة على الرغم من قَبول قِيَم التقدّم والحرّيّة تارة أخرى .
اتّكأت السلفية الإصلاحيّة في جهودها على الدعوة إلى العودة نحو الأصول الخالية من البدع والمحدَثات، بشكل يناظر جهود الإصلاح في المسيحيّة، فجهود الإصلاحيّين الإسلاميّين كجمال الدين الأفغانيّ ومحمّد عبده وعبد الرحمن الكواكبيّ لا يخلو الإصلاح الدينيّ اللوثريّ في المسيحيّة من نظائر لها، إذ تنزع الدعوات الإصلاحية إلى العودة إلى الدين والسلف لتنقية الدين من الشوائب الدخيلة التي تمنع تقدّمه وتطوّره مع العصر، كالعادات اللاعقلانيّة المنتشرة في التديّن الشعبي مثل الاستغاثة بقبور الأولياء واستنجاد كراماتهم وشفاعاتهم لتغيير أحوال الناس وقضاء حوائجهم، فلم تكن معارضة هذه العادات حِكرًا على “الوهّابيّة” بل اتّخذت موقعًا أساسيًّا في الدعوات الإصلاحيّة كلِّها .
إضافة إلى ما سبق فإن السلفيّة الإصلاحيّة تزاوج -وظيفيًّا- بينها وبين الحداثة، فقد استخدم “علّال الفاسي”-على سبيل المثال- موقفه السلفيّ للجمع بين الدعوة إلى الديمقراطيّة والوطنيّة والتمسّك بأفضل ما في إرث الإسلام الصحيح، ولا يمكن أن تغيَّب جهود الشيخ محمد عبده الكلاسيكيّة الإصلاحيّة عن عنصرها السلفي الذي مثّله تلميذه محمّد رشيد رضا على نحو أكثر ظهورًا وأشد تأكيدًا حيث “راح يشدّد على إرث “عبده” الإسلامي [..] وأظهر السلفيّ في صورة المثقّف الإسلاميّ الملتزم بمسار الحياة السياسيّة والاجتماعيّة، المعادي للمارسات الطرقيّة”  فكانت هذه السلفيّة ممثِّلاً عن السلفيّة “المدينيّة” التي زاوجت بين بصمات التحديث والتنقية الدينية فدعت إلى نشر الممارسة الدينيّة الصحيحة ونبذ البدع والشعوذة الغريبة عن الإسلام والدفاع عن قدرة الإسلام على استيعاب التأثيرات الحديثة ضمن القابليّة التي توفّرها مقاصد نصوصه الأساسية
يمكن اعتبار محمّد رشيد رضا استيعابًا جدليًّا لجهود محمد عبده الإصلاحيّة ونضال جمال الدين الأفغانيّ لكن على نحو يتجاوزه، فقد انخرط في التيّارات الشعبيّة السياسيّة الجمعياتيّة فكان من مؤسسي حزب اللامركزيّة الإداريّ العثمانيّ وواضعي برنامجه عام 1913، كما كان نائبًا لرئيس المؤتمر السوري 1919- 1920  الذي أقرّ دستورًا يساوي في حقِّ المواطنة بين الطوائف كافّة، فهو -بوجهٍ ما- تجاوُزٌ وإعادةٌ لتموضع السلفيّة من خلال المرور بتجربة فكر محمّد عبده إلى نضال الأفغانيّ، إلا أن سلفيّة رضا الأوّل مختلفة عن سلفيّة رضا الثاني الذي بدأ بالظهور إبان الفصل بين الخلافة والسلطنة حيث يبدأ رضا ههنا بالإشارة إلى إعجابه بالسلفية الوهّابية وعودتهم إلى ابن تيمية وابن القيّم ومحاربتهم البدع والمظاهر التي “اندسّت” في الإسلام من تقاليد اجتماعيّة دخيلة أو ديانات أخرى، إضافة إلى ثنائه على بُغْضِ محمّد بن عبد الوهاب للتقليد
يميّز المؤلّف في هذا السياق بين افتراضات “رضا” التي دعته للإعجاب بسلفيّة “ابن عبد الوهّاب” وبين التوصيف الحقيقي الذي انطلق به في دعوته إلى “السلف” حيث إنه لم يتجاوز “المذهبيّات الفقهيّة بل ذوّب فهمه السلفيّ للإسلام في مذهبيّة حنبليّة متخيَّلَةٍ على نحو فقهيّ/اعتقاديّ، فكان فعله تمذهبًا حقيقيًّا على الرغم من ادّعائه تجاوز المذهبيات الفقهيّة  كما أن سلفيّة الإصلاحيين عمومًا تتميّز عن سلفيّة “ابن عبد الوهّاب” بأنّها تشكّل قاعدةً فكريّة لنمط التديّن الحركيّ السياسيّ الذي تمتدّ جذوره إلى السلفيّة والإصلاح في الوقت نفسه ، وعلى الرغم من إعجاب “رضا” بالعودة “الوهابيّة” إلى سلفيّة متخيّلة فإنّ ذلك لا يعني اطّلاعه –ورموزَ حركة الإصلاح- على تحوّل الدعوة النجديّة من دعوة لا مذهبيّة إلى مذهبيّة جديدة عن كثب، فعلى الرغم من بغضها للتقليد إلا أنّها كانت تبغضه لا لتحقيق دعوة الاجتهاد وإنّما للعودة إلى الماضي المتخيّل والدين البسيط الذي تصوّره في دعوتها، وعلى الرغم من أنها لم تعلن موقفًا رافضًا للاجتهاد؛ إلا أن سلوكها يثبت وقوفها في وجه كل اجتهادٍ لا يتّفقُ مع منهجها في تناقض صريح بين إيجاب الاجتهاد ورفضه .
لا يقتصر الأمر بين السلفيّتين على هذه التفصيلة المهمّة بل ثمة فروق جوهريّة أخرى يجدر التنبّه إليها في سياق المقارنة بين المدرستين، فحركة الإصلاح الدينيّ سلفيّةٌ من وجه الدعوة إلى تنقية الإسلام من الشوائب المنحرفة والخرافات الدخيلة على مجتمعاته، إلا أنّها تمتلك للبناء على هذه الدعوة رؤية جدليّة تتراوح بين حمايته من هذه الانحرافات وبين التوافق مع التقدم والتطوّر وتغيير ما في الأنفس ليأذن الله بالتغيير الأعمّ، فلا بدّ في هذا الإصلاح من العمل حتى يساعد الله أهل الإسلام على تحقيق العدل فيتحقّق بذلك شرع الله، أمّا الدعوة النجديّة فقد ابتدأت تاريخها حركةً طهرانيّةً تعادي منتجات الحداثة دون أن تحاول مواءمتها مع الإسلام وأفكار علمائه.
يمكن فهم السلفيّة الإصلاحيّة -بمعناها الكلاسيكيّ- بأنّها عَودٌ على السلف، إلّا أنّ هذه العودة لا تعنى بالنصوص فحسب بل تعنى بروح السلف وانفتاحهم على التطوّر والاجتهاد والتخلص من الأسطورة والانحطاط والخرافة وفتح الباب للاجتهاد والتقدّم نحو المستقبل أيضًا، فتكون السلفيّة في هذه الحالة نقطةً مرجعية نحو التقدّم، بينما تمثل السلفيّة عند “الوهّابية” نقطة عودة وانكفاء وإعادة إنتاج متخيَّل “للإسلام الأوّل الصحيح” وعلى ضوء هذا فإنّ التسلُّف الوهّابيّ يتموضع في فضاء إنتاج الوعي التقهقري في إطار أنّ الأزمنة اللاحقة شرٌّ من الأزمنة السابقة، بينما تتموضع السلفية في التيّار الإصلاحيّ في إطار العودة للتقدّم وذلك من خلال الاشتقاق من روح السلف ومقاصد الشريعة في فهم النص .
هاتان العودتان المشترَكَتان “ظاهرًا” تعودان إلى افتراض إسلام نقيٍّ مفترَضٍ أو مُتخيّل، إلا أنه ما من رابط يجمع بين العودتين حقيقة، فإحداهما تعود إلى روح الإسلام النقيّة كما تقرأها في نصوص السِّيَر والحديث والقرآن، وتَتَمَثّلها من جديد في عملية بناء تركيب نوعيٍّ جديد متخيّل كي تنطلق منها إلى الأمام بهدف تخطّي عوامل التخلُّف وإعادة الاعتبار لقيمة المقاصد الشرعيّة في بنيتها الفكريّة، بينما تقوم الأخرى بالعودة إلى “النصّ” -بمعنىً عامٍّ- بهدف رفض الاجتهاد والتأويل فهي بذلك نكوصٌ إلى روح أخرى غير روح المقاصد الشرعيّة؛ حيث تعتمد على اجتزاءات معيّنة من نصوص تقرؤها ضمن منظور “ماضويٍّ” لتلوذ بها بغية الانعزال عن التطوّر والانخراط في تقدّم المجتمع الحديث أو لتنشئ لنفسها مبررًا في معاداة هذه المجتمعات وحضاراتها ودولها دمويًّا وفكريًّا
ج. التديُّن السلفي، خصائص وأنماطٌ:
تكاد تُجمِع أنماط التديّن “السلفيّ” المختلفة على اعتبار السلف مرجعًا أوَّلًا ومصدرًا شرعيًّا لإعادة تعريف الالتزام والفهم والحُكم بمعناه الأصوليّ والسياسيّ، إلّا أن هذه الأنماط ذاتها تختلف في خصائصها عن بعضها: فثمّة نمط يرى السلفيّة دعوة طهرانيّة قائمة على التزمّت والتمسّك بتعاليم الدين، بينما يرى نمط آخر السلفية عودةً إلى أصول الدين بغية التخلص من الخرافات والمعيقات التي تمنع المسلمين من التطور والتكيُّف مع التحديث، يضاف إلى هذين النمطين نمط يستخدم السلفيّة للتدخّل في الشأن العام ونقد ما هو قائم بناء على موقعه الديني، ويعرَف هذا النمط بـ “السلفيّة السياسيّة”، في حين أن النمط الأخير من الأنماط السلفيّة قائم على استخدام التمرّد العنيف على واقع الإسلام القائم في المجتمعات والدول ، وينبغي الإشارة إلى أنّ هذه الأنماط كلّها تدّعي العودة للقرآن والسنّة والاستمداد منهما، بينما يثبت التنقيب والحفر في السياقات وجود عَودات لا عودة، وأنّ هذه العودات بمجملها ما هي إلا إياب نحو متخيّلات مختلفة عن بعضها البعض، وإن كان “سلفيّو” هذه الأنماط يستخدمون النصوص ذاتها في الاستدلال على رؤاهم وادّعاءاتهم .
يختلف التديّن الشعبي المنتمي إلى “السلفيّة” عن الأنماط التي ترسمها الدوائر “العلمائية” المؤسسة داخل تلك التيّارات والقريبة من السلطة عادة، ففي حين تدعو أنماط “السلفيّة” المختلفة إلى نبذ تقديس الآباء نرى السلفيّة الشعبية متمسكة بتقديس السلف وشخصيّات بارزة فيه في تخلٍّ واضح عن فكرة رفض تقديس ما سوى الله، ممّا يدفع “السلفيّة الرسميّة” إلى الانسياق خلف الرغبة الشعبيّة مع الحرص على تهذيبها وإعادة تدوير صورتها على نحو يقارب المعتقدات المؤسّسة للفكرة ذاتها  ويجدر التنويه -في هذا السياق- إلى أنّ فكرة “طاعة ولي الأمر” تكتسب مركزيّةً مهمّة لدى السلفيّة المعاصرة المستندة إلى الأصول “الآثاريّة” الأولى في هذا الإطار، فنرى في أغلب المصنّفات الحنبليّة القديمة -على سبيل المثال- عبارات الدعوة لطاعة السلطان البرّ والفاجر على حدٍّ سواء، فتركّز على ضرورة الصلاة خلفه، ومنحه الزكاة، وطاعته في قرار الجهاد والسلم، ورفض الخروج عليه  وههنا يقتنص المؤلّف هذا الملمح للإشارة إلى أنّ التلازم بين فكرتي التطلُّع نحو تقليد السلف وطاعة الأئمة وموالاتهم أيًّا كانت صفاتهم يعدُّ أفضل تصوير لفكر السلفيّة “المحافظة” المعاصرة، كما تعدُّ في سياق موازٍ تسويغًا قويًّا للسلفية الثوريّة التي تستدعي السلف والسلفيّة في معارضتها النظام القائم وربّما تكفيره ؛ إلا أنّ بشارة ينوّه إلى وجود فرق جوهري بين الدعوة لطاعة “ولاة الأمر” لدى أحمد بن حنبل وبين الدعوة التي تعرَض الآن؛ إذ لا يجوز اتّخاذ موقف ابن حنبل المتشدد سابقًا حجّةً لتشريع الخروج على الحاكم من طرف آخر لما يوجد من فروق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لدى أحمد بن حنبل وأصحاب الحديث، وبين العبارة ذاتها بوصفها شعارًا حزبيًّا وتبريرًا أيديولوجيًّا لاستخدام العنف ضدّ الحكّام، فابن حنبل نفسُه لم يدعُ لهذه المبدئيّة باعتبارها مستَنَدًا في الدعوة للخروج على عُسف الحاكم وظلمه، كما لم يعنِ بنقده الحكام الدعوة إلى تحليل العنف تحت عنوان “الجهاد”؛ حيث إنه لم يرَ المجتمع “جاهليًّا” إلا أنه  في الآن الذي رفض فيه الخروج على الحاكم أو الثورة عليه فقد وضع مرجعيّة عليا لمحاسبة الحاكم بموجبها وإن لم يقبل دعوى الخروج عليه، وهو ما تتغافل الجماعات السلفيّة الموالية للسلطات من ذكره والإشارة إليه
إن من أهم الصفات التي تتفق فيها تيّارات السلفيّة الطهرانيّة والجهاديّة والسياسيّة –بحسب كوينتن فيكتورفيتش- اشتراكها على فهمٍ مشترَك لعقيدة التوحيد، ورفض تحكيم المنطق البشري في تفاصيل هذه العقيدة، إلا أنّها تختلف فيما بينها في تفاصيل الدعوة لتطبيق الشريعة وكيفية تطبيقها ومعناه  إضافةً إلى ذلك فإن هذه الفروع من مذهبيّات “التسلُّف” تعلن رفضها لفكرة سنّ البشر القوانين والدعوة للعلمانية وفصل الدين عن الدولة؛ إذ إنّ التشريع لا يكون إلا لله، ويحيل اشتقاق ابن عبد الوهّاب هذا المبدأ من مبدأ توحيد الألوهيّة إلى مدى خطورة هذا التفصيل حيث إنّ القبول بعدم تنفيذ هذا المبدأ يعني الوقوع في الشرك بالألوهيّة، وهو ما سيطوّره أبو الأعلى المودودي ضمن اصطلاح “الحاكميّة” والذي سينتقل من ثمَّ إلى العالم العربي على يد “الإخوان القطبيّين” ، علاوة على ذلك فإن التيّارات السلفية –غير الإصلاحيّة- ترفض تقديم الرأي الإنساني على النصّ الدينيّ إذا استقلّ عنه، فالسلفيّون لا يثقون بقدرة البشر على الوصول إلى توافق على أفضل السبل للعيش في الدنيا، ويعدّون الديمقراطيّة كفرًا لهذا السبب؛ حيث إنه ما من طريق للوصول إلى الحق إلا بإرادة فوق إرادة البشر والتي تتمثّل بطبيعة الحال في الصورة المتخيّلة المرسومة عن النبي وخلفائه وأتباعهم من السلف الصالح سواء من حيث القضايا الجوهريّة أو الشكليّة ، كما تتجاوز تيّارات “التسلُّف” المتخيَّل وظيفة الإسلام في إنتاج المعرفة والعلم وتنمية الفكر والقراءة والثقافة إلى هدم الثقافات كافّة بهدف البدء بصياغتها من جديد، وذلك من خلال فصل الإسلام عن السياقات الاجتماعيّة والثقافيّة التي تحيط به، وقسر الرؤى المتخيّلة -عند تلك التيّارات- لتكون بديلًا عن النتاج الثقافي الذي أغنى التاريخ الإسلاميّ والتراث الإنساني الذي يتطابق مع روح المقاصد الشرعيّة، لتتّجه بناء على ذلك إلى عولمة الإسلام من خلال ربط معتنقيه بمجتمع متخيّل من المؤمنين الحقيقيين الذين يجب اقتفاء آثارهم
إن الانخراط الواضح من قبل الجماعات “السلفيّة” الجهاديّة في استخدام التكنولوجيا المتقدّمة للترويج لنفسها وتجنيد الشباب في صفوفها -تنظيم الدولة الإسلامية، القاعدة نموذجًا- يثبت أنّ هذه التيّارات حديثة بمعنى أنّ التاريخ الحديث يفسّرها، وعلى الرغم من تأكيد هذه التنظيمات إلى إعلان نفسها حاميةً للتراث وهويّة “الأمّة” إلا أنها كثيرًا ما تعمل على هدم هذه الهويّة بمِعْوَلِها الذي تستخدمه لتنقية الإسلام وإعادة رسم صورته وصورة جماعته المتخيَّلة على نحو مجرّد منفصل عن أي ظرف تاريخي ضمن ما تتلقّاه أفهامهم من الأحاديث المنتقاة من قصص السِّيَر والمغازي، فهي الأمة الإسلاميّة المحض، أو هي الجماعة المقدّسة التي لم توجَد بعد ولن تكون .
تغفَل هذه السلفيّات عن الطريق الذي سلكته السلفيّة الإصلاحيّة، حيث إنّ العودة إلى نقاء الإسلام وتهذيب مجتمعاته من الخرافات الوسيلة المقبولة لتطوير الإسلام وملاءمته مع الحداثة من جهة، وعدم تحوّل هذه الحداثة إلى نزاع حول الهويّة، ومن ثمّ فإن إطلاق “السلفيّة” على “الإصلاحيّين” إطلاقٌ مجازي في حقيقته، حيث إنّ “العَودَ إلى الإسلام الأوّل” لديهم عاملٌ للرقيِّ وأداة لرفض الوعي التقهقريّ بالتاريخ إضافة إلى كونها أداةً للنهوض بالحضارة الإسلاميّة من داخلها في سياق الإيمان بالوطنية والقيَم الحضاريّة
ثالثًا: السلفيّة وغواية التكفير بين ظلال التاريخ وسطوة الواقع: 
يعود “التكفير” في انطلاقته الأولى إلى ظهور الخوارج الذين تساهلوا في إطلاق أحكامه على مخالفيهم بناء على ارتكاب الذنوب والمواقف السياسيّة، بينما كان معظم المسلمين يعدّون الإيمان قولاً وعملاً وفقًا لأحكام الدين، فيزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، مال الأحناف إلى الإقرار بأن الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان دون إشارة إلى الأعمال في دخولها حدّ الإيمان وتعريفاته، وهو بطبيعة الحال على خلاف اشتراط الخوارج الذين رأوا الإيمان حقيقة كاملة شاملة لا يمكن تجزئتها، فإذا غاب جزء هُدِم الإيمان كلّه ، وقد كان المرجئة في تلك الآونة متوقّفين عن إصدار الأحكام الإيمانية أو التكفيريّة في حق شيعة عليٍّ أو المحاربين له، بل أوجبوا الطاعة لعلي ولعثمان من قبله، وأرجأوا الحكم فيهم لله وحده، واستمرّوا على هذه الحال إلى أن ظهر غيلان الدمشقي أوّل ثوّار المرجئة ضد ظلم الأمويّين دون أن يحكم بكفرهم ، ويعود موقف المرجئة هذا إلى قناعتهم بأن الإيمان عقيدة في القلب وإقرار بالقول وما دام المرء مقرًّا بالإيمان فإنه لا يحكم عليه بكفر مهما ارتكب من معاصٍ وذنوب حيث يختصّ الله وحده بالحكم عليه، ودعوا المسلمين لاتّخاذ هذا الموقف بغية إيقاف الاقتتال وشنّ الحروب بين المسلمين، وقد ارتحل هذا الاعتقاد ليستقرّ على نحوٍ قريبٍ في مدرستي الأشعريّة والماتريديّة
رفضت السلفيّة والشيعة الإماميّة مبدأ المرجئة في تفسير الإيمان فاشترطوا اقتران القول والاعتقاد بالعمل، إضافة إلى ذلك فقد رفض السلفيون مبدأ الخوارج في التكفير إلا بنصٍّ قطعيٍّ كما أجمعت مدارس الاعتقاد لدى “أهل السنّة”، وتتفق جميع التيّارات السلفيّة على أنّ للحكم بالكفر موانع ثلاث، تدور حول الجهل، والإكراه والخطأ مع وجود النيّة الصادقة، إلا أنّ التنظيمات الجهاديّة المصريّة -على سبيل المثال- حكمت بأنه لا عذر للجهل في الحكم على الكفر، فمن جهل حكمًا يكفر بفعله فإنه يحكَم بردّته إن عمله .
يشير بشارة في هذا السياق إلى أن ابن تيميّة لم يكفّر عامّة الإسماعيليّة النزاريّة بل كفّر دعاتهم ورؤساءهم، كما أنّه لم يكفّر من الشيعة الاثني عشرية أحدًا بل عدّهم ضالّين مبتدعين في تأويلاتهم، وعلى النقيض من ذلك نرى تنظيم الدولة مثلاً يكفّر عامّة الشيعة ولا يعذرهم بالجهل والتأوُّل  وعلى الرغم من أن التيّارات السلفيّة تشترط عدة مناطات لصحة الحكم بالتكفير إلا أن تنظيم الدولة خرج من السلفية المحافظة إلى نهج الخوارج في تكفير الخصوم والمجتمعات المناهضة له بالجملة، ويرى بشارة أنّ الفرق الجوهري يكمن في أن تنظيم الدولة يستند في أحكامه إلى مبادئ محمد بن عبد الوهّاب المعروفة بنقائض الإسلام العشر، والتي تتمركز حول العقيدة في مجملها، في حين أن الخوارج كانوا في منطلق أحكامهم التكفيرية مرتكزين على القضايا الأخلاقيّة التي تعدّ من صلب عمليّة التديّن ممّا يشير إلى أن التديّن لديهم لا يمكن أن يكون خاليًا من الاعتبارات الأخلاقية بل إن لها نصيبا من الحكم بالإيمان ونقيضه، وهو ما لا نراه عند تنظيم الدولة الذي يبيح قتل المخالف وسرقته وخداعه والكذب عليه باسم خدمة قضيّة الإسلام
يختلف السلفيّون في تشخيص مناطات التكفير بالرغم من اتفاق معظمهم حولها نظريًّا، فهم يختلفون حول الدول الإسلاميّة الآن، أهي دار حرب أم دار إسلام، أم هي مزيج مركّب منهما، وهل يوصف واقع المسلمين بالإسلام أم بالجاهليّة -مثلاً- إلى غير ذلك من القضايا  إلا أنه من المثير حقًّا ما أعلنته الجماعة المصريّة في ستينات القرن الماضي وسبعيناته من مبادئها في تكفير الآخرين، وهي: الحكم والتشريع بغير ما أنزل الله، والحكم بكفر من ترك جزءًا من الإسلام، وضرورة اقتران القول بالعمل لإظهار الإيمان والتحقّق منه  حيث يعقّب بشارة على هذه الضوابط الثلاث بقوله: “إن الإيمان ذاته عند هذه الحركات غير مهمّ، لأنه معلوم لله وحده، إلا أنّه لا يكفي أن يكون معلومًا لله بل لا بدّ أن يكون معلومًا لهم، كي يحكموا هم على إيمان الشخص، ولذلك فإنهم يريدون أن يفعلوا فعل الله ويدّعون لأنفسهم هذا الحقّ، فهم يريدون محاكمة الناس في هذا العالم قبل الآخرة”  ويعلن كثيرون من هؤلاء المجتمعات الإسلاميّة مجتمعات حربٍ يصحّ قتالها ، وذلك بناء على فتوى ابن تيمية في أهل “ماردين” الذين حكّم “المغول” في ديارهم قانونهم المعروف بـ “الياسق” إلا أن فتوى ابن تيمية كانت موجهة ضد الحكّام لا ضدّ عموم المسلمين فيهم كما أنه قدّمها لسلطان المماليك الذين يمتلكون “ياسقًا” خاصًّا بهم أيضًا، ممّا يزيد من احتمال كونها فتوى سياسيّة محضة تشرعن حالةً مخصّصة لجهة مخصّصة .
يتوسّع سلفيّو التيارات الجهادية في أحكام نواقض الإسلام، فيفسرون النصوص الواضحة في حرّيّة الرأي والاعتقاد على ضوء آيات أخرى يقصَد بها سياقات مختلفة، كآية “لا إكراه في الدين” حيث فُسّرت من قِبَلهم بأنه الإكراه محصور في “الاعتقاد” ومن ثمّ فإنه الإكراه يصحّ في الإجبار على اعتناق ظاهر الدين بناء على حديث “أمرتُ أن أقاتل الناس حتى…”  في إغفال واضح لضرورة البحث في سياقات الحديث والأشخاص المقصودين فيه.
إنّ غاية ما يريده هؤلاء يقتصر على إعلان ظاهر الدين وليس مقاصده، فالاختلاف معهم في التفسير يستوجب تكفير الشخص بناء على الحكم بردّته، وهذا بطبيعة الحال تفسير سطحيٌّ للدين والتديّن بحيث تنعدم فيه الروحانيّة وتهمّش فيه الأخلاق وحريّة الاختيار وعنصر الإيمان بذاته حيث لا يكون للقرار الذاتي اعتبار قدر ما تكون عليه القضيّة من إظهار لشكل التديّن في الورع والتقوى، وإن لزم ذلك نفي الاختيار وحريته، بل إن هذه التيارات ترفض الديمقراطيّة وسيلة ورؤيةً لكونها تستند في فلسفتها إلى الحرية الفردية
بناء على اختلاف السلفية في قضية التكفير تختلف آراؤهم في العمل المعارض، فأتباع التيّار الطهرانيّ يتبرؤون من العمل السياسي سلميًّا كان أو عنفيًّا، مستندين إلى أنه لم يكن في زمن رسول الله أحزاب سياسيّة أو تظاهرات واعتصامات لمعارضة الحكام، بينما لا يرى الجهاديّون سبيلاً لتغيير الواقع إلا من خلال قتال هؤلاء الحكّام وخلعهم لتغيير الواقع في بلاد المسلمين، وعليه فقد راج بين سلفيّي التيار الطهراني أنّ السلفيّ السياسيّ يعدّ- ولا ريب- من الإخوان المسلمين، وهو ما يدفع القيادة السعوديّة إلى اتّهام الإخوان بالمسؤولية عن تسييس السلفيّين، إضافةً إلى إلصاق ظهور المنظمات الجهادية الكبرى بهم، وذلك لأنهم “لم يستوعبوا أنه نشأت عن السلفية تيارات متفاعلة مع الحركات الدينيّة السياسيّة ومتأثرة بها، ولكنها في نهاية المطاف تنتمي إلى التقليد السلفيّ لا الإخواني”  مما يشير إلى مسؤولية التيّار الوهّابي -بطبيعة الحال- عن المصير الذي آلت إليه الحركات الجهاديّة السلفيّة.
رابعًا: “التسلُّف” من منظور السوسيولوجيا والسيكولوجيا: 
بعيدًا عن التفاصيل الغزيرة التي يسردها بشارة في نشوء تيّارات السلفيّة والحركات الإسلاميّة المعاصرة والتي تشكِّل بمجملها صورةً واضحةً لتطوّر “السلفيّات” داخل الإطار السُّنّي تاريخيًّا وأثر المفاهيم التي استندت إليها في تبني تصوُّرات معيّنة في قضايا مختلفة ، فإنّ التوقُّف عند تأثير الإطار الاجتماعيّ والنفسيّ في التيارات السلفية الجهادية يدفع لتبنّي أولويّة الاستفاضة فيه.
ابتدأ ظهور السلفيّة “الوهّابيّة” في القرن الثامن عشر الميلادي في جزيرة العرب، وذلك على يد الشيخ محمد بن عبد الوهّاب الذي ماهى بين الحنبليّة والسلفيّة على غرارٍ لم يسبَق إليه، وانتشرت أفكاره مع تبنّي المملكة العربية السعوديّة لها إبّان تحالف الشيخ وأبنائه مع آل سعود وأبنائهم سياسيًّا ودينيًّا ، ومن ثمّ مأسستها في جهاز الدولة “السعودية” عبر هيئة “كبار العلماء” التي تحكّمت في الحياة الدينيّة ومناهج التعليم والتنشئة الفكريّة المختلفة، وقد ازداد حضور الوهّابيّة طردًا مع توسّع ثراء المملكة السعوديّة وقدراتها في التأثير، حتى أصبحت “الوهّابيّة” ذاتها البديل الحاضر لتمثيل مصطلح “السلفيّة” ، ويلفت بشارة إلى أنّ  الدعوة النجديّة ما لبثت أن تطوّرت إلى مؤسسة دينيّة متعايشة مع مظاهر الحداثة “المشوّهة” ونماذجها الاستهلاكيّة البعيدة عن الطهرانيّة والتقوى من جهة، على الرغم من احتفاظها بأفكارها وممارساتها السلفيّة المتزّمتة من جهة أخرى، ممّا دفع هذه الحركة إلى التفاعل الديناميكي داخليًّا لتنتج عنها تيّارات قائمة بذاتها منشقّة عنها داعية للتمرّد عليها كالسلفيّة الجهاديّة أو داعمة لها كالسلفيّة الرسميّة ، ومن هنا فإنه ينبّه إلى أنّ هذه الحركات لا يمكن أن تنشأ في إطار خارج عن “الواقع”، فالدعوة إلى التجديد والعودة إلى السلف تتنوّع وإن استندت إلى المقولات ذاتها كمقولات ابن حنبل أو ابن تيمية أو المدرسة الإصلاحيّة، إلا أنها خاضعة للتنوّع السياسيّ والثقافيّ وتبدُّلات الأنماط المعيشيّة والأزمات الاجتماعيّة التي تعايشها، مما يدفعها للبحث عن خيط تربط نفسها به في إطار شرعنتها لوجودها عبر الاتصال به .
يرفض المؤلف حصر البحث في إطار فهم ظاهرة “السلفيّات” ضمن المنتَج النصّي أو الفتاوى الفقهيّة والعقديّة، ويمثّل ذلك بموقف الاستشراق القديم من ابن تيمية وفتواه للسلطان المملوكي تجاه أهل ماردين، ليُتّخَذَ من ذلك ذريعة جوهرانيّة ثابتةً وناميةً في التاريخ، وحين نشأت تنظيمات سلفيّة جهادية صدرت تقارير أمنيّة وفكريّة تربط بين القاعدة مثلاً وبين الإخوان المسلمين والوهّابية بناء على تشابه النصوص المستَنَدِ إليها ، إلّا أنّ نظرة فاحصةً في تطوّر التنظيمات السلفيّة الجهاديّة تشير إلى انتقالها من صبغة القُطْريّة المحلّيّة إلى العالميّة، حيث شكَّل تنظيم القاعدة فروعاً محليّة له تتفاعل مع العوامل الداخليّة الخاصة بكل بلد يدخل إليه، مشكّلًا بذلك مركزًا عسكريًّا وأيديولوجيًّا افتراضيا للجهاد من خلال الصراع مع النظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة دون النظر إلى الأرض أو الموقع، وإذا ما نظرنا إلى “بروفايلات” الشباب الذين نفذوا عمليّة برجي التجارة العالميين فإننا سنرى نمط الإنسان الحديث أو المعرّض للحداثة ثقافيًّا واجتماعيًّا طاغيًا عليهم مما يجعل من تديُّنهم عَرَضًا أيديولوجيًّا بما هو تحديدٌ للهُويّة في هذا العالم، ويشبه عملية بحث الفرد المستلب أو المغترب عن المعنى، أكثر مما يشبه التدين التقليدي بوظائفه المتوارثة، إلا أن هذا بطبيعة الحال لا ينطبق على عامة المنتمين إلى هذه التنظيمات .
يشير بشارة في هذا السياق إلى ثلاث عوامل تختصر تطوّر السلفية من المدرسة الحركية إلى المدرسة الجهادية، أولها وجود ارتباط ما بين بعض قيادات الجماعات الجهادية المحلية الأولى بجماعة الإخوان سابقا، حيث تمثل لهم تلك المرحلة المدرسة الابتدائية حيث تتقاطع انتماءاتهم الطهرانية بتأثرهم ببعض الحركات السياسية أو المرور بتجربة التطوع الجهادي في أفغانستان، إضافة إلى عامل السجن والظلم والتعرض للتعذيب مع وجود أشخاص شديدي التأثير أيديولوجيًّا، كما يبين المؤلف في العامل الثالث أن غالبيتهم لا ينحدرون من أصول ريفية أو فقيرة، فلم تتلاءم درجة تعليم ومستوى ثقافة منفذي هجوم 11 سبتمبر وانتمائهم الطبقي مع مواصفات الشخصية المعدّة سلفًا بواسطة الخبراء على هيئة “نموذج للشخصيّة المرشّحة للقيام بعمليّة انتحاريّة
إن الحركات الإسلامية المعاصرة تنشأ في إطار الحداثة والدولة القوميّة، فهي ليست محض نص أصولي يتكرّر منذ ابن حنبل أو ابن تيمية أو ابن عبد الوهّاب، وإن تكرّرت مظاهر الاتفاق في سلفيّات هذه الحركات إلا إنها تبقى حركات وتيّارات في سياق تاريخي محدّد، فالحاكميّة الإسلامية وجه مقلوب لمفهموم السيادة الغربي مثلاً، وعليه فإن هذه الحركات بكافّة أنواعها حركات أيديولوجيّة حديثة تنشأ في العالم الحديث ضمن آليّاته في الضبط والتنظيم وتخضع لضغوطه وأساليبه في الاستجابة والتطوّر ، فروح الإسلام عند ابن حنبل وابن تيميّة على سبيل المثال مختلفة للغاية مع سلوكيات تنظيم الدولة الإسلامية، كما في حالة تجويز قتل الأسير والمستأمِن لديهم، بينما يرفض ابن حنبل ذلك أيًّا كان دين الأسير والمستأمن، كما أنه يرفض تكفير الحاكم المسلم وهو ما يرفضه تنظيم الدولة وغيره من التنظيمات السلفيّة العنيفة
إن العنف السادي الذي مارسه تنظيم الدولة لم يكن من اختراعه، وإنّما كان تميّزه في طريقة تحويله إلى عرض طقوسيٍّ ومباهاة ترعبُ الأعداء، ولعل ما قامت به الأنظمة المستبدة يفوق ما قام به السلفيون مجتمعين إلا أن ذلك جرى في أقبية السجون لا أمام العيون .
لقد  قرأ ملايين من الناس ذات النصوص التي استدلّت بها “داعش” في سبيل تبرير أفعالها وتسويغها، إلا أن قراءتهم لها كانت بوصفها نصوصًا دينية لا نصوصًا سياسية، ولذا فإن قلّة من المسلمين استخدمتها كدليل سياسيّ، وقد كان أبرز ما قام به تنظيم الدولة قلبَه “الأوتوبيا” إلى كابوس دموي عدمي في آن معًا، فتصرَّف وكأن إقامة الحدود وقطع الرؤوس وإقامة أسواق السبايا هي الأركان المتطلّبة لإعادة المرحلة النبويّة، وأقام في إطار تحدّيه للواقع الدنيوي مملكة الجحيم والعقاب على الأرض بدلاً من أن تكون مملكة الجنة والنعيم  ومن ثمَّ فإن بشارة يؤكد على أنه ما من غنىً عن التفسير الاجتماعيّ والسياسيّ والخلفيّة الفكريّة والاجتماعيّة للفاعلين الاجتماعيين والسياسيين ودور الصراع السياسي بين التنظيمات المتطرّفة وبين الحكومات التي تعاديها من جهة وبين بعضها البعض من جهة أخرى ، وصحيح أن نصوص الفقهاء تكاد تكون متّفقة في الاحتجاج والاستدلال والحكم إلا أنها لا يمكن أن تكون مفسّرًا للظواهر الاجتماعيّة والسياسية والفكريّة المعقّدة القابعة في كواليس خلافات الجماعات الجهادية كما في حال أنصار السنة في العراق وتنظيم داعش، أو تنظيم القاعدة والإخوان المسلمين على سبيل المثال، وإذا ما بقي حال التناول مقصوراً على النصِّ والفتوى فإن تناول هذا الأمر سيظلّ دائريًّا ضمن سيرورة متكرّرة ومتواصلة لا تتميّز فيه الظاهرةُ  عن نظائرها أو نقائضها.
يقدّم بشارة –في هذا السياق- ضمن تحليله لظاهرة سلفيّة ابن عبد الوهّاب رأيًا متجاوزًا لأنساق النصوص ودوائر المذهبيّات المغلقة، فيتناولها باعتبارها شبيهة بمحاولة تأسيس دين جديد عبر تخيُّل مطابقته مع الدين أوّل ظهوره، “لا من حيث المضمون والنصوص فحسب، بل حتى من حيث المنهج وطريقة نشر الدين والبيئة الاجتماعيّة”، ولا يعدُّ هذا الرأي تجاوزًا على حقيقة الحال بل تدعمه آراء معاصري محمد بن عبد الوهّاب ذاته، حيث لاقت أساليبه وأفكاره رفضًا قاسيًا من أبيه القاضي الحنبلي عبد الوهاب بن سليمان وأخيه الفقيه سليمان بن عبد الوهاب .
وكذلك يقف بشارة من تنظيم الدولة لا باعتباره مُنتَجًا حنبليًّا أو أصوليًّة مستمدّة من نصوص ذاتيّة، بل باعتبار أنّ نقطة البدء في فهمه لا تبدأ من تحليل هذه النصوص أو تفكيكها وإنما تكون من إحلال هذه النصوص لدى تنظيم الدولة على أنّها أيديولوجيّة متخيّلة أو وعيٌ زائفٌ، فيتخذ شكلها الأيديولوجي المتطرّف وعيًا مقلوبًا، ومن ثمّ فإنّه لا يمكن استعادة التاريخ إلّا بهدمه ونفيه وتخيّله من جديد كتفسير عمليٍّ وواقعيٍّ لحديث “خير القرون” من خلال حاضرها .
خامسًا: الوهّابيّة في سياقها الاجتماعيّ: 
لقد تمكّن “ابن عبد الوهّاب” -إضافةً إلى تبنّيه أمثولة المدينة النبويّة المتخيّلة- من المقارنة بين وضع بلاد نجد والحجاز في عهده وبين وضعها في عهد الجاهليّة السابقة على الإسلام، وتتضمّن هذه المقارنة ادّعاء ضمنيًّا بتجديد النبوّة ضمن الدعوة السلفيّة التي تنطوي عليها تعاليمه ، فيعمد إلى محاربة الوساطات بين الله والناس ومحاربة البدع كافّة لا بهدف تنقية الدين منها فحسب، بل لحصر الوساطة وإصدار التشريع في أيدي رجال دعوته فقط باعتبارهم ممثلي النبوة الجديدة التي تريد إعادة ابتعاث الدين الحق مقابل نفي الدين المعوجّ، ويتلخّص ادّعاء النبوة ههنا في منهج فهم الواقع باعتباره جاهلية جديدة، إضافة إلى أن عدم تبيّن الرشد من الغي يستدعي وجود الحاجة إلى نبوة جهاديّة تجدّد سيرة النبوة الرساليّة، ثم إلغاء سائر الوساطات بين العبد والله ليؤول الأمر بعد إنهاء هذه الوساطات إلى استبدالها بوساطة الأئمّة والعلماء الأحياء في إطار المؤسسة الوهّابيّة الجديدة ، وقد كان من المثير -خلافًا لما هو رائج- أن يكون ابن عبد الوهّاب أول مستخدم لمصطلح الجاهليّة  في القرن الثامن عشر في إطار وصفه لحالة ذهنيّة اجتماعيّة محليّة على ضوء مقارنته لها بمرحلة سابقة على الإسلام، متقدّمًا بذلك على أبي الأعلى المودودي وسيّد قطُب اللذان نقلا المفهوم من استخدام وهّابي يكفّر أعيان الناس في المجتمع إلى استخدام أكثر حركيّة وتنظيريّة لا يتدخّل في العقائد الخاصّة بالناس أو يكفّرهم عليها ، وقد كان من اللافت حرص ابن عبد الوهّاب في تشخيصه للـ “الجاهلية” في مجتمع الجزيرة المعاصر له اعتماده على فقدان حالة الدولة وغياب وليّ الأمر المطاع .
لم يكن في وسع الوهّابية الانتصار داخل الجزيرة لولا تحالفها القبلي مع آل سعود واستنادها إلى نفوذهم ، شأنها في ذلك شأن الحركات الإحيائيّة الأخرى التي شهدتها المنطقة في تلك المرحلة كالسنوسيّة والمهديّة، وقد دفعتها هذه الطبيعة التحالفيّة إلى الاعتراف بزعامة آل سعود القبليّة وتوارث أبنائه لهذه الزعامة، على الرغم من أهميّة وجوب اعتبار هذه التداوليّة المتوارثة بدعة يجب الانتهاء منها ؛ إلا أنّ ما جرى كان عبارة عن براغماتيّة انتفاعيّة تدور حول إقرار الدعوة للسياسة بالسلطة لِتُقدّم السلطة للدعوة التمكين وأحقيّة تمثيل الدين في المجتمع، ومن المفارقات أن تفويض كلٍّ منهما للآخر جرى على نحو توارثيٍّ ينتقل في ذرّيّتهما ما بقيتا .
لقد كانت صدمة “التسلُّف” الوهّابي قاسيةً على التديُّن الشعبي داخل الجزيرة وخارجها، خاصة أنّ هذه الدعوة قدمت نفسها كدين جديد ينبغي الإيمان به والدخول في طاعته وإلا فإن مصير رافضيهم سيكون “القتال حتى الموت” ، وقد تكرّرت هذه الظاهرة من خلال موقف الوهّابيين السلبيّ من أنماط التديّن الشعبي عند الشعب الأفغانيّ في ثمانينات القرن الماضي، وكذلك نفور تنظيم داعش من التديّن الشعبي في العراق وسوريّة وعدم قدرته على خلق قاعدة شعبية تواليه واقتصار هذه القاعدة على بعض الرؤوس في بعض القبائل التي والته، مما يجعل من ظروف متابعته سياسيّة في الدرجة الأولى
إن الوهّابية –بحسب المؤلف- تيار صغير ذو وجهة طهرانية تقشفية في فهمه للدين ولم يخرج من الجزيرة العربية إلا إلى تخوم القبائل المجاورة لها في إطار الغزو الموسمي على حواضر بلاد الشام والعراق، إلا أن الثروة النفطية والأساليب الدعوية المنظمة والحرب العربية الباردة في القرن الماضي واستغلال السياسيين الغربيين لها لمحاربة المعسكر الراديكالي العربي، حوّلها إلى عقيدة سلفية منظمة أو نسقيّة لدولة ثريّة ذات مؤسسة دينيّة متكاملة .
لقد مارس الوهّابيون السعوديون في مرحلتهم الأولى سياسةً مركّبةً تجمع بين التعصُّب العقدي من جهة، وبراغماتيّة السلطة من جهة أخرى، فقد قاطعوا التجارة مع الكفّار ومنعوها ثم مارسوها عند الحاجة للاستفادة منها وتحصيلاً لرسومها، كما أنهم أعلنوا مقاطعة الكفار إلا أنهم تواصلوا معهم إلى درجة التعاون، وقد انتصرت البراغماتيّة في النهاية في الدولة السعودية الثالثة حيث أَخْضَعَت السلطةُ السياسيّةُ السلطةَ الدينيّةَ ووضعتها تحت سيطرتها، ولا غرابة –والحال هكذا- في أنه لم تتطور ديناميكية كهذه الديناميكيّة في حالة تنظيم الدولة الإسلامية، سواء من الناحية البراغماتية أو من ناحية احترام التعهّدات والمواثيق الدولية، نظرًا لكونه ليس دولةً في الأساس كما أنّه لم يتحوّل إلى دولة بل ظلّ فاعلاً دون مستوى الدولة ومعاديًا لها في ذات الوقت حتى حين مارس السلطة في المناطق التي سيطر عليها ، بينما نشأت المملكة السعودية وهي ترغب في أن تكون ضمن منظومة الدول بغض النظر عن طبيعة نظامها، كما اتخذت من ديناميكية إخضاع المؤسسة الدينية للسلطة السياسية وسيلة لتبرير قرارات السلطة الحاكمة التي تتبرأ التقاليد والرؤى الوهابية منها ذاتها، ولا سيما في مسائل ضبط الحياة اليومية للمواطنين التي تقيّدها هيمنة المؤسسة الدينية فتمنع من أن تتلاءم ونمط الحياة الاستهلاكية المنتشر حاليًّا.
لقد أبدَت الوهابيّة مرونة منقطعة النظير في التكيّف مع النظام الملكيّ المطلق الذي نشأ في المملكة وتطوّر في محطّات متعدّدة على أنقاضِ الإقطاع السياسيّ والاقتصاديّ العائليّ الذي كان قائماً في عملية توزيع الثروة والنفوذ بين مراكز القوى في الأسرة الحاكمة المتمحورة حول أبناء عبد العزيز وأحفاده من بعده.