وليد عبد الحي

أزعم ان اول مناظرة مدونة بين المنظور الديني والمنظور العلمي كانت في الصين في فترة قرون ما قبل الميلاد بين – لاوتسي صاحب الطاو – وكونفوشيوس الساخر من ” صاحب الطاو”، وعرفت الحضارات على اختلاف مضامينها هذا الحوار دون انقطاع، ورغم ان الدين ” بمفهومه العام لا الخاص” .. ” قال ما عنده” فإن العلم يشكل بنية معرفية مفتوحة تتقدم في مسار خطي.
ويبدو أن الدين باتجاهه الاعظم –mega-trend – مرة اخرى ” بمفهومه الميتافيزيقي العام لا بمحدداته الخاصة” يهجر تدريجيا ما هو ” ملموس ومادي خارج الإنسان” مركزا دعوته المعاصرة على ما هو ” كامن ومطوي داخل الانسان”، بينما يذهب العلم –في اتجاهه الاعظم الى ما هو فيزيقي في الانسان وخارجه أكثر مما هو داخله”، أي كأن كليهما تقاسما الوظيفة الاساسية للمعرفة دون اتفاق على هذا التقاسم وهو ما جعل ” ترسيم الحدود الفاصلة بينهما غير قائم دون نفي لمركز جغرافية كل منهما ، فالخلاف والاشتباكات بينهما على الحدود فقط،
لكن هذه الحدود الفاصلة تشير الى تباين آخر ، فالمتدينون أكثر اتساقا فيما بينهم حول الميتافيزيقيا( وجود الله مثلا) ، بينما شقة الخلاف بين العلمانيين حول الميتافيزيقيا تشير لفجوة واسعة، فالعلماء منقسمون حول الميتافيزيقيا( ملحدون وربوبيون ولا أدريون )، لكن هذا الخلاف هو الذي جعل ميدانهم مفتوحا لا مغلقا، ويحدوهم أمل عريض بالوصول لصفارة الحكم بينهم يوما ما…وقد لا يصفر.
وإذا انتقلنا للميدان السياسي فإني أزعم ثانية ان الفصل بين الدين والسياسة هو الاتجاه الاعظم تاريخيا، ولنتأمل المؤشرات التالية:
1- مساحة تفسير الظواهر المختلفة الميادين تفسيرا علميا لا دينيا تتسع تدريجيا قياسا للتفسير الديني الذي سيطر منذ محاورة كنفوشيوس ( اللا أدري) مع لاوتسي(الطاو) مرورا بردود الخياط على ابن الراوندي في القرن التاسع الميلادي وصولا الى محاكمة القساوسة لجاليليو في العشرية الثانية من القرن السابع عشر ، وهو ما انتهى الى ويستفاليا وقيام الدولة القومية على اطلال الدولة الدينية وتدعم بنخر داروين وماركس وفرويد ودوركهايم وآينشتاين وصولا لستيف هوكينغ لجدران المعبد الديني، لكنهم وان حققوا أهدافا فقد فشلوا في غيرها، لكنهم وسعوا من مساحة التفسير العلماني على حساب التفسير الديني في ميادين عدة، وهو ما سيكون له تداعياته السياسية لاحقا.
2- العولمة الاقتصادية والتقنية :يشير العديد من الدراسات الكمية الى ان الانتماء الديني ليس له اية اهمية في التدفق التجاري( صادرات وواردات) او التعاون التقني بين الدول حاليا، وهو ما يعني أن الترابط العضوي( العلاقات التجارية والتقنية والاستثمارات والتحالفات العسكرية والبعثات التعليمية ..الخ) يتعزز تدريجيا على حساب الترابط الآلي( الديني والقومي …الخ) ، وهو ما يعزز منظور دوركهايم، وهذا الاتجاه ليس ظاهرة عابرة بل هي –طبقا لهذه الدراسات التي لا يسمح المقام لسردها وهي كثيرة جدا- ظاهرة تاريخية وتنطوي على تحولات عميقة تتجاوز الروابط الآلية( كما هو حال الاتحاد الاوروبي الذي تجاوز الحروب القومية بينهم والحروب المذهبية (كاثوليك وبروتستانت…الخ) ولم تقم حربا ” دولية ” في اوروبا الغربية منذ حوالي 75 سنة، ويراهن علماء العولمة على ان هذا الترابط العضوي سيوسع من دائرة المصالح المشتركة بين مجتمعات متباينة الاديان مما يجعل التناقض الديني اقل اهمية ، أي تحويل اللعبة من صفرية(المنظور الآلي) الى غير صفرية ( المنظور العضوي)، وهو ما سيهمش التباينات الدينية تدريجيا وخلال فترة غير قصيرة بالطبع، وان كل ما يجري من “هبات دينية هنا وهناك ” حاليا ليست اكثر من نزق ورد فعل على هذا التحول لا يلبث ان يتوارى تدريجيا.ولفهم هذه النقطة يجب ملاحظة ان تركيا (المسلمة) على سبيل المثال هي الشريك التجاري الخامس عالميا للاتحاد الاوروبي ، الا يفسر ذلك لهفتها على الانضمام للاتحاد الاوروبي مع كل ما ينطوي عليه الانضمام من استجابة لتحولات تركية داخلية ولو بعد حين ؟
3- بنية النظم السياسية، كانت السمة الغالبة تاريخيا على النظم السياسية أنها اما مبنية على اساس دين او مذهب أو نص ديني او تطبيقا لنظرية ظل الله في ارضه، بينما الآن لا يوجد في العالم نظم يحكمها رجال دين الا ايران والفاتيكان من بين 193 دولة في الامم المتحدة او من بين 254 كيانا سياسيا طبقا لتصنيفات الإكونوميست. كذلك فإن فكرة الانتخابات والتداول على السلطة وتوسع دائرة الحريات في الرأي والدين هي نتاج ثقافات ” غير دينية” لكن الكثير من التنظيمات السياسية الدينية ركبت قطار هذه التحولات وبدأت التكيف معها بشكل تدريجي بل وتأويل النصوص طبقا لهذه المعطيات الجديدة.
4- الحروب: كانت اغلب الحروب تنشب بهدف نشر الدين (أي دين) ، وهو ما عرفته الدولة الاسلامية والحروب الصليبية و امبراطورية إسوكا الهندية …الخ، لكن الدول الآن تتبرأ من ذلك تماما، فميثاق الامم المتحدة يشير في عدد من فقراته الى ان العلاقات بين الدول يجب ان تتحرر من عدد من المحددات من بينها ” الدين”، وعليه فكل دولة عضو في المنظمة الدولية موافقة ” بكيفية او أخرى” على ان لا تبني علاقاتها مع الآخرين على اساس ديني.
5- القوانين الدولية التي تنظم كافة جوانب العلاقات الدولية السياسية والاقتصادية والعلمية والرياضية والثقافية والاجتماعية هي حصرا قوانين وضعية ، ورغم هشاشة بعض جوانب الالتزام بهذه القوانين الا ان الالتزام بها سيتزايد بخاصة في جوانب الترابط العضوي الذي يتزايد تزايدا خطيا.(Linear)
6- دين الدولة: من بين 223 كيان سياسي في العالم( دول وجزر واقاليم سياسية ) هناك 59 دولة تنص في دساتيرها على دين الدولة او مذهب الدولة أو دين الحاكم، وهو ما يعني ان نسبة وجود نص على ذلك هو 26.45% من دول العالم، وهو ما يعني نسبة متواضعة لكنها دالة بقدر ما، وهذه الدول اغلبها اسلامية تليها الدول المسيحية ثم الدول البوذية.
ماذأ يعني ذلك؟
قد تكون الاتجاهات المحتملة على النحو التالي:
1- العمل على أنسنة العلم وعقلنة الدين بشكل تدريجي
2- ان فرص العلم تتزايد على حساب فرص الدين في القول الفصل، وقد يؤكد العلم الدين لكنه قد ينفيه.
3- دفع العلم والدين لمزيد من ” تهذيب غطرسة كل منهما” ، فالعلم قد يوصلنا لعالم فرانكشتاين ، والدين قد يدرك لاحقا ان ” الحقيقة ليست في جيبه “..
ذلك يعني اننا ننتظر واحدة من ثلاث مراحل : إما علمنة الدين أو تدين العلم…او تواري احدهما ايصبح حكاية تاريخية نتلهى بها. ومعها .. ومع الف ربما.

 

Print Friendly, PDF & Email