بقلم وليد عبد الحي
نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات الشرق الاوسط وطرق علاجها، وبعد قراءة الرسالة أود أن اشير لما يلي:
أولا: من خلال التمعن الدقيق في هذا المشروع تبين لي –كما اعتقد- أن الفكرة المركزية في هذا المشروع هي ” الناس أو المواطنين في المنطقة”، وهو ما يتضح في العبارات التالية التي وردت في فقرات مختلفة من الرسالة ” على النحو التالي:
– السلام يبدأ فينا نحن الناس
– يجب ان ياتي مثل هذا التغيير من اسفل ،من النسيج الاجتماعي والبشري لكل من الشعوب
– والاهم من ذلك الناس على الأرض..ان نضع الانسان في المركز..تمكين مواطني الدول من تحمل مسؤولية مستقبلهم من خلال التمكين والتشجيع على العمل.
– انشاء مجلس المواطنين في الشرق الاوسط وتسخير تقنيات المعلومات من اجل اطلاق جمعية مدنية افتراضية موازية.
ذلك يعني أن ” الناس” هم قاعدة هذا التصور، فكيف يتم التعبير عن إرادة الناس ، ولن أطيل في شرح تطور آليات التعبير عن إرادة ” الناس” ، لكني ارى ان المشاريع الكبرى ونقاط التحول في السلوك السياسي المعاصر يتم تبنيها من خلال الاستفتاء، فالبريطانيون (الناس) هم من قرروا البقاء او التحلل من عضوية الاتحاد الاوروبي من خلال الاستفتاء الشعبي(plebiscite) عام 2016، وبالاستفتاء اليوناني تم التعامل مع مشكلة الديون اليونانية، وكذلك الاستفتاء على الدستور الاوروبي في بعض الدول الاوروبية(فرنسا وهولندا) عام 2005، وفي 2004 جرى استفتاء في قبرص على خطة الامم المتحدة بخصوص مشكلة قبرص التركية..ذلك يعني ان اعتبار الناس هم القاعدة يستدعي أن نستفتي الناس حول قضية محددة هي :
هل توافق على التطبيع مع اسرائيل ام لا توافق؟ فالدول الاربع التي اشار لها سموه في مقاله (دول الخليج) اتخذت قرار التطبيع دون أن يكون ” الناس حاضرين في المشروع”، ومن يطلع على استطلاعات الرأي في هذه الدول يتبين أن “إرادة الناس” ليست حاضرة في القرار، فكيف نبني” تطبيعا” على اساس ” غير موجود وهو “الناس” الذين اعتبرهم سموه قاعدة الارتكاز.
وتتجلى الازمة بأوضح صورها لو اعتمدنا الناس كقاعدة للانطلاق من خلال الاستفتاء الشعبي ، هنا تأتي المعضلة:
ماذا لو قال “الناس” في اغلبيتهم لا نريد التطبيع؟
وماذا لو قال الناس لا نريد تقسيم القدس(والاسرائيليون قالوا ذلك)،
وماذا لو قال “الناس” يجب عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم “
إن دعوة سمو الامير الى ” صياغة سلطة اخلاقية مشتركة لتعزيز السلام ” تذكرني بمشروع الفيلسوف الالماني ايمانويل كانت عام 1795 المعروف بمشروع السلام الدائم(Perpetual peace) والذي ما زال ينتظر التحقق رغم مرور أكثر من قرنين وربع القرن عليه ، لان ” حلم الفيلسوف ايمانويل كانت ” الإنساني ” حلق في سماء بعيدة عن واقع الحال الذي يعاينه في ” يقظته السياسية “.
ثانيا: يأمل سمو الامير بان يتحقق المشروع مع نهاية العقد الحالي(أي في حدود 2030)، ويتجسد ذلك في إشاراته الى ” تطور الاتفاقية الاردنية الاسرائيلية… وفي الشراكة الاقليمية من أجل السلام…. ومن خلال التعاون والأمن في الشرق الاوسط… وخلو المنطقة من اسلحة الدمار الشامل…ودرء الخطر النووي من خلال تبني القواعد الاساسية للقانون الدولي وصياغة سلطة أخلاقية مشتركة لتعزيز السلام”
ان تحقيق كل ما سبق يتطلب منظومة قيم سياسية تتعالى على ” الإرث التاريخي لمكونات الاقليم السوسيولوجية، لا سيما ان الرسالة تحدد الاقليم من ” مراكش الى بنغلاديش”، ومعلوم ان ايقاع ” تحول المنظور “(Paradigm Shift ) للرؤية الاستراتيجية والتحول الاجتماعي أبطأ كثيرا من التناغم الاقتصادي والتقني، وهو ما يجعل ” الزمن الفاصل”(Lead Time) كما تسميه الدراسات المستقبلية أطول كثيرا من الفترة المأمولة للتحول ، وهو أمر سلمت به كل دراسات التكامل الاقليمي.
ثالثا: درء الخطر النووي من خلال تبني القواعد الاساسية للقانون الدولي، وأود هنا اللجوء للتاريخ، فالزعيم الصيني ماوتسي تونغ كان خلال الفترة من 1952( عندما كان السلاح النووي بيد امريكا والسوفييت فقط) الى 1963 يدعو الى كسر الاحتكار النووي، لكنه بعد عام 1964(بعد ان امتلكت بلاده السلاح النووي) انضم لدعاة منع انتشار السلاح النووي، فمن يمتلك السلاح النووي يصعب التخلي عنه تحت ضغط ” قواعد القانون الدولي”، ولعل مثال جنوب افريقيا (التي امتلكت مشروعا نوويا عام 1979 وتخلت عنه عام 1990) هو مثال ملتبس يحتاج لمزيد من التفاصيل لا يتسع المقام للاسهاب فيه.
ومعلوم أن اسرائيل تمتلك اسلحة نووية بقناعة اغلب دول العالم،وانها تمتلك ما بين 90 الى 400 قنبلة نووية، وانها توظف الغموض الاستراتيجي في هذا الجانب لتحقيق ردع نووي دون الاقرار بامتلاك هذا السلاح. فكيف ستتخلى اسرائيل عن “درة ” منظومتها العسكرية احتراما “لقواعد القانون الدولي” بينما هي الآن صاحبة أعلى معدل انتهاك لقرارات الشرعية الدولية، ويكفي الاشارة الى ان الامم المتحدة اصدرت 17 قرارا في عام 2020 تدين فيها اسرائيل مقابل 6 قرارات ادانة لبقية دول العالم، أي أن اسرائيل انتهكت القانون الدولي ثلاثة اضعاف ال 192 دولة الاعضاء الآخرين في الامم المتحدة، فهل يمكن ان تتحول دولة بهذا الرصيد من الانتهاكات الى الإلتزام بقواعد القانون الدولي؟
رابعا: اشار سمو الامير في مقاله الى موضوع اللاجئين، وطبقا للنص الذي قرأته تحدث عن هذه الشريحة دون تخصيص، وإذا قبلنا قاعدة أن ” الناس” هم الاهم كما أوضحنا، فاني ارى ان ” عودة اللاجئ الفلسطيني ” تعلو على كل بند آخر، فهل سيتم التوطين لهم ؟ ام سيتم توزيعهم ؟ وهل يقبل العرب والاردن توطينهم، فاذا كان الجواب لا..فأين سيذهبون؟
خامسا: ايران: اشار سمو الامير الى أن ايران والصراع العربي الاسرائيلي هما” فيلا الغرفة”، وهنا لا بد من طرح سؤال محدد :هل الموقف العربي من ايران هو موقف عربي؟ ام هو ليس إلا لبنة في جدار موقف قوى أخرى من ايران؟ فلإيران حدود مع 13 دولة ، منها سبع دول بحدود برية ، فلماذا لا توجد مشكلات “حادة ” مع ايران الا عند الحدود العربية علما أن هذه الدول فيها نسب هامة من الشيعة بل ان بعضها يفوق فيها الشيعة 87% من سكانها؟
ثم ألا ترى سمو الامير ان كل مذهب ديني تسلح بقنابل نووية؟ فالبروتستنت (امريكا وبريطانيا) والكاثوليك(فرنسا) والارثذوكس(روسيا) والهندوس(الهند) والسنة(باكستان) واليهود(اسرائيل)، والكنفوش(الصين)، فهل يمكن اعتبار السعي الايراني “رغم انه غير مؤكد حتى الآن” هو امتداد لهواجس مذهبية على غرار ما يبدو من الخرائط المذهبية؟
إنها اسئلة تحتاج الى مناقشات مستفيضة، مع كل الاحترام والتقدير للجميع.