(مقالة فلسفية حول) :اللغة والفكر ** هل العلاقة بين اللغة والفكر علاقة اتصال أم انفصال ؟

طريقة المعالجة( جدلية )

المقدمة : ( طرح المشكلة )

إذا كانت اللغة نسقا من الألفاظ و الرموز المنتظمة يتم من خلالها التواصل بين الناس وإذا كان الفكر هو عمل العقل الذي يحدث داخل النفس ، هذا أثار جدلا بين الفلاسفة والمفكرين وعلماء اللسانيات حول طبيعة العلاقة الموجودة بين اللغة والفكر ، فمنهم من اعتبر العلاقة بينهما علاقة اتصال ومنهم من اعتبرها علاقة انفصال . ومن هنا نطرح التساؤل التالي ماهي العلاقة الحقيقية بين اللغة و الفكر ؟ والى ماذا استند كل موقف في إثبات حججه وأدلته ؟

محاولة حل المشكلة

الموقف الأول :

يرى انصار الموقف الاول بان العلاقة بين اللغة و الفكر علاقة اتصال و تكامل و يمثل هذا الاتجاه أصحاب الاتجاه الأحادي الذي يوحد بين اللغة والفكر و يعتبرهما شيئا واحدا و من أهم دعاة هذا الموقف الفيلسوف * هاملتون * الذي اشتهر بمقولته * الألفاظ حصون المعاني *  فالمقصود بالألفاظ هي اللغة و المقصود بالمعاني هو الفكر ، أي أن اللغة تمثل حصنا منيعا للفكر فاللغة بهذا تحمل الأفكار الداخلية و تخرجها للعالم الخارجي ، و يؤيده في هذا الاتجاه الفيلسوف الفرنسي * لافال * الذي يقول * ليست اللغة كما يعتقد البعض ثوب الفكرة ولكن جسمها الحقيقي * ، ويقول * سيروس * * الفكر لا ينفصل عن اللغة * ، كذلك اثبت علم نفس الطفل بان الطفل في مراحل حياته الأولى يجهل العالم الذي يحيط به إلى أن يتعلم الألفاظ و الجمل فتتكون لديه الأفكار تدريجيا أي أن الطفل يكتسب اللغة و الفكر في وقت واحد فلا يوجد تصور في الذهن بدون لفظ يكونه ، و يقول الفيلسوف الفرنسي * دولاكروا * في هذا الصدد * إن الرمز قلب التصور * و يقصد بالرمز اللغة والتصور الفكر ،و يكون التفكير بهذا المعنى ليس سوى حوار يتم بين الإنسان ونفسه ، فالفكر في نظر * أفلاطون * هو لغة صامتة ويقول الفيلسوف الألماني * فردريك هيغل * إننا نفكر داخل الكلمات * غير أن هذا التحليل للعلاقة بين اللغة والفكر

نقد الموقف الاول:

صحيح كونه قريبا من الواقع لكنه لا يفسر لنا كل الحالات فهناك عدة انتقادات يمكن توجيهها لأصحاب هذا الاتجاه أهمها هو كيف يمكننا تفسير عجز اللغة عن التعبير عن بعض أفكارنا فأحيانا لا نجد الكلمات المناسبة لوصف شعور ما وهذا قصور واضح للغة و الواضح هنا بان الإنسان يملك أفكارا أكثر بكثير مما يملك ألفاظا.

الموقف الثاني:

يؤكد انصار الموقف الثاني على انفصال اللغة عن الفكر وقد عرف هذا الموقف بالاتجاه الثنائي، ولعل ابرز من يمثل هذا الاتجاه الفيلسوف الفرنسي * هنري برغسون * الذي انتقد كثيرا دور اللغة واعتبرها بمثابة القاتلة لأفكار الإنسان وقد عبر على ذلك بمقولته الشهيرة * الألفاظ قبور المعاني * ودليله في هذا إن المعاني و الأفكار تتدفق باستمرار عندما يكون الإنسان في حالة وعي بينما تكون الألفاظ منفصلة عن بعضها البعض وإذا كان الإنسان في أحيان كثيرة يجد صعوبة في التعبير عن أفكاره فهذا يرجع إلى عجز اللغة وكذلك يؤكد بان عالم الفكر أوسع بكثير من عالم اللغة الذي تمثله ألفاظ و إشارات محدودة ، يقول * برغسون * * نحن نفشل في التعبير بصفة كاملة عما نشعر به لذلك الفكر يبقى أوسع من اللغة * ، ويؤيده في هذا كذلك الفيلسوف الفرنسي * ديدرو * الذي كان دائما يقر بانفصال اللغة عن الفكر حيث يقول * اعتقد أننا نملك أفكارا أكثر مما نملك اصواتا * ، كذلك يستدل أصحاب هذا الموقف في إثبات رأيهم إلى لجوء الإنسان في كثير من الأحيان إلى استبدال اللغة بوسائل أخرى للتعبير عن أفكاره مثل الموسيقى و الرسم و غير ذلك ، ويقول * فاليري * في هذا الصدد * إن أجمل الأفكار هي التي لم تكتب بعد

نقد الموقف الثاني:

صحيح أن هذا الموقف استطاع إثبات عجز اللغة عن حمل الأفكار في بعض الحالات لكن هذا لا يعني بالضرورة أن اللغة عاجزة تماما عن مسايرة كل الأفكار فهي تبقى الوسيلة
الأكثر استعمالا لنقل الأفكار و إظهارها.

التركيب

من باب الموضوعية لا نستطيع عمليا أن نفصل بين اللغة والفكر و لا يوجد فاصل زمني بين عملية التفكير و عملية التعبير و في حقيقة الأمر فان الإنسان يفكر باللغة .إن أي محاولة للفصل التام بين اللغة والفكر لا يمكن أن تتحقق ولا تستطيع أن تفسر لنا كل الحالات فكل من الموقفين السابقين استطاع تفسير جزء فقط .

الرأي الشخصي:(تأسيسه+تبريره)

وحسب رأيي الشخصي اعتقد إن الفصل بين اللغة والفكر هو تماما كالفصل بين وجه العملة النقدية وظهرها وذلك مستحيل ، لذلك يجب التكامل بين ايجابيات كل من الموقفين .

الخاتمة : ( حل المشكلة )

وكخلاصة شاملة وكاملة للموضوع نستنتج في الأخير من طرحنا لإشكالية العلاقة بين اللغة والفكر ، بان اللغة ليست الفكر والفكر ليس اللغة ، لكن لا يمكننا تصور وجود احدهما دون الآخر فالعلاقة بينهما علاقة وظيفية تكاملية يخدم كل منهما الآخر .

بالتوفيق للجميع