نص السّؤال:

1 ـ هل الفلسفة ضرورية كإنتاج فكري؟

المواضيع المماثلة :

1 ـ هل يمكن الاستغناء عن الفلسفة؟

هل تقدم العلم سيعود سلبًا على الفلسفة؟

الطريقة:جدلية

أ ـ طرح المشكلة:عادة ما تعرف الفلسفة بكونها ذلك التأمل النظري العميق في مسائل الوجود ككل . لكن بعد انفصال العلوم عن الفلسفة في القرن 16 وظهور المنهج التجريبي اختلفت الآراء بين مؤيد ومعارض لقيمة الفلسفة ومدى حاجة الإنسان إليها . فهناك من يرى أن الفلسفة ضرورية كإنتاج فكري والبعض الآخر يرون أنه لا حاجة للتفكير الفلسفي وأمام هذا الصراع يمكننا بسط السؤال المشكلة كالتالي : هل الإنسان بحاجة للفلسفة في ظل التقدم العلمي أم يمكن الاستغناء عنها ؟

ب ـ محاولة حل المشكلة :

1- عرض الرأي بالحجج والبراهين:يؤكد البعض أن الفلسفة ضرورية للإنسان باعتبارها إنتاج فكري ورفضها هو رفض للفكر والعقل . فإذا كان التفكير ملازم للإنسان باعتباره وظيفة جوهرية له . فمن المستحيل إنكار الفلسفة كنموذج من نماذج التفكير عرفته البشرية عبر التاريخ , وعليه فالتفلسف لا ينفصل عن التفكير فالإنسان يسعى إلى المعرفة بجميع أنواعها كما يسعى لكشف حقائق الأشياء فيطرح الأسئلة بالفطرة , لذا الفلسفة هي طلب ورغبة في المعرفة , والفيلسوف لا يختلف عي أي باحث ومحب للمعرفة يتميز بجهده في البحث عن كل شكل من أشكال المعرفة وعبر التاريخ يؤكد الكثير من الفلاسفة قيمة هذا النوع من التفكير من بينهم فلاسفة اليونان كأفلاطون وتلميذه أرسطو إذ يؤكد هذا الأخير أن منبع التفلسف يتمثل في الدهشة حيث يقول «…الذي يدهش ويسأل إنما يشعر بالجهل »فالسؤال في الفلسفة يتميز بخصائص فريدة أبرزها الدهشة الفلسفية فالوعي بالجهل وإدراك صعوبة السؤال هو ما يدعو إلى التفكير والتأمل فيسأل عن الأسباب وعن حقائق الأشياء كقولنا : ما أصل الأشياء؟ وما الحقيقة؟ وهل هي ممكنة ؟ وما أصل المعرفة العقل أم الحواس ؟ ما الخير؟ما الجمال؟ما الحق؟ما مصيري بعد الموت؟ لهذا يقول أفلاطون :«خاصية الفلاسفة هي الاندهاش من كلّ شيء » ويقول كارل ياسبرز:«يدفعني الاندهاش إلى المعرفة فيشعرني بجهلي» ونتيجة لهذا الجهل يشعر الفيلسوف أيضا بالإحراج ويقصد به الضيق وهذا ما يدفعه للبحث عن جواب وفي هذا يقول المفكر آلان جيرانفيل :«إن السؤال الفلسفي يهدف إلى إماطة الجهل » إن مهمة الفلسفة تتمثل في طرح الأسئلة ومن أبرز تلك الأسئلة ما ارتبط بالقضايا الميتافيزيقية كمسألة الحرية والمسؤولية , مصير الإنسان ومختلف المشكلات المرتبطة بالقيم الأخلاقية والجمالية فحسب أرسطو العلم والمعرفة كليهما إنتاج للتأمل الفلسفي حول الإنسان والكون ؛ والتاريخ يثبت أنه عن طريق التفلسف فقط ارتقى الإنسان من الطبيعة الحيوانية نحو التفكير الإنساني الراقي يقول ديكارت في هذا المقام :«إن حضارة كل أمة إنما تقاس بقدرة ناسها على تفلسف أحسن.»ويضيف قائلا:«إن الفلسفة تميزنا عن الأقوام المتوحشين.»من هنا كانت الفلسفة ضرورية كإنتاج فكري بل لا يمكن الاستغناء عنها بأي شكل من الأشكال.

2- نقد ومناقشة: لكن تطور الفكر الإنساني اليوم راجع بالدرجة الأولى إلى التطور العلمي والتكنولوجي لا إلى الفلسفة خاصة بعد انفصال العلوم عنها ,وبما أن الفلسفة لا تنتهي إلى أجوبة نهائية فإن البحث الفلسفي مجرد بحث عبثي لا طائل منه,كما أن الفلسفة لا تستطيع أن تمتد إلى قضايا العالم الحسي ومعالجة مشاكله لذا فهي غير كافية.

3- عرض النقيض بالحجج والبراهين: لذلك يذهب البعض إلى أن التفكير الفلسفي تفكير كلاسيكي لا يمكن اعتباره إلا مرحلة من مراحل تطور الفكر البشري, بل أن الفلسفة بنظرتها الميتافيزيقية تبتعد عن الدقة والموضوعية التي يتصف بها الخطاب العلمي خاصة بعد أن هجرت العلوم شيئا فشيئا المنهج التأملي الفلسفي إلى منهج البحث العلمي حيث لم يبقى لها موضوع باستثناء قضايا الميتافيزيقا التي يستعصي فيها البحث تجريبيا فأصبحت مجرد أوهام لا يمكن الوصول فيها إلى اليقين, هكذا أعلن البعض موت الفلسفة إثر ظهور المنهج التجريبي والتطور المادي الذي شهدته الإنسانية في العصر الحديث.هذا الذي جعل الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت يعتبرها مرحلة من مراحل الفكر:«حالة من الحالات الثلاث:المرحلة اللاهوتية,المرحلة الميتافيزيقية,المرحلة الوضعية.» التي آن للفكر أن يتخلّص منها-أي المرحلة الميتافيزيقية-حتى يترك المجال للمرحلة الوضعيّة العلمية. فالفلسفة بحث عقيم لا جدوى منه,فهي لا تفيد الإنسان في شيء فلا معارف تقدمها لأنها مجرد تساؤلات لا تنتهي وكثيرا ما تكون متناقضة وتعمل على التشكيك في بعض الأفكار والثوابت مما يفتح الباب لبروز الصراعات الفكرية ، الأمر الذي دفع ايدموند غوبلو إلى القول:«إن الفلسفة بقايا فكر وقسما من المعرفة لم يكتس الطابع العلمي بعد» فالفلسفة باستمرارها في طرح الأسئلة لا تسيّر حياة الإنسان مثلما يفعل العلم يقول فرديريك وايزمان :«البراهين الفلسفية ليست استدلالية وليست حاسمة فأقدر الأدمغة تختلف فيما بينها ويستحيل وجود هذه الاختلافات في الأنساق العلمية ووجودها في الفلسفة شاهد على خلو البراهين الفلسفية من الصرامة المنطقية التي تتسم بها الرياضيات والعلوم التجريبية.» من هنا كان لابد من الاعتماد والاحتكام إلى التفكير العلمي . لقد استطاع العلم أن يجيب على الكثير من أسئلة الإنسان بطريقة موضوعية,وعن طريق العلم فقط تحرر الإنسان من الطبيعة وكشف أسرارها بل وتحكم فيها وأبسط ما قام به العلم كمثال هو إدخال السعادة والفرحة إلى قلوب الكثير من الأسر عن طريق أطفال الأنابيب والتلقيح الاصطناعي وقضى على الكثير من الأمراض بواسطة اختراع اللقاح والمضادات الحيوية. من هنا كان لزاما التخلي عن الفلسفة .

4- نقد ومناقشة: لكن طبيعة الفلسفة تختلف عن طبيعة العلم ، فلا يمكن قياس النشاط الفلسفي بمقياس علمي ، لأن الفلسفة تجيب عن تساؤلات لا يجيب عنها العلم خاصة إذا تعلق الأمر بمشاكل المعرفة والقيم الأخلاقية والجمالية فلا يمكن إنكار التفلسف كظاهرة إنسانية فكل هجوم وتهجم على الفلسفة هو في الحقيقة تفلسف كما قال باسكال.

5- التركيب:يتبين لنا من خلال الأطروحتين السابقتين أنه مثلما يحتاج الإنسان اليوم إلى العلم يحتاج أيضا إلى الفلسفة خاصّة بعدما أدرك الإنسان مع نهاية القرن العشرين أن العلم وحده لن يمكّنه من بلوغ السّعادة الحقّة,لذلك يلحّ غاستون باشلار- فيلسوف و ابستيمولوجي فرنسي- في جميع كتبه على ضرورة ربط العلم بالفلسفة ربطا وثيقا وعلى أن لا ينفصل الفيلسوف قطّ عن أرض التجارب العلمية,فالمنهج العلمي بحاجة دائمة إلى النّقد الفلسفي وعلى ضوء هذه الدراسات النقدية تتطور العلوم يقول ويل ديورانت:«العلم بدون فلسفة أداة خراب ودمار والفلسفة بدون علم عاجزة »

ج ــ حل المشكلة:خاتمة: وختاما وكمخرج من هذه المشكلة نقول أن الإنسان يعتمد في تكوين معرفته وتطوير حياته على الفلسفة والعلم معا فلا يوجد تعارض بينهما,لذا فقيمة الفلسفة لا تكمن في الوصول إلى إجابات بل في تساؤلها المستمرّ المبني على النّقد والرّغبة في توسيع معارفنا والتّاريخ يثبت أنّ هناك علاقة بين الفلسفة والواقع,إذ ساهمت الفلسفة في تغيير أوضاع المجتمع الفرنسي بفضل أفكار جون جاك روسو عن الديمقراطية,وقامت الثورة البلشفيّة على خلفيّة أفكار كارل ماركس عن الاشتراكيّة وتبنّت الولايات المتّحدة الأمريكية في تجسيد سياستها كلها عن أفكار الفلسفة البراغماتية,وبالتالي فكلّ تفكير فلسفي متّصل بالواقع وبالعلم.