مقالة فلسفية: هل النسيان حالة طبيعية أم مرضية؟

– الطريقة جدلية :
السؤال: هل النسيان حالة طبيعية أم مرضية؟
هل يعتبرالنسيان تحطيما لوظيفة الذاكرة أم دعما لها؟ هل عجز الذاكرة عن اداء وظيفتها يعتبر مرضا؟هل النسيان يعيق التكيف أم يساعد عليه؟ هل النسيان ملكة للذاكرة أم آفة لها؟ هل فقدان الإنسان لذكرياته يعتبر حالة عادية أم مرضية؟
طرح المشكلة :
إن الإنسان كائن إجتماعي بطبعه يسعى دائما إلى التكيف والتأقلم مع العالم الخارجي ومتغيراته و يلجأ في ذلك إلى عدة آليات من بينها الذاكرة و التي هي وظيفة نفسية تتمثل في القدرة على حفظ الخبرات الماضية و إسترجاعها عند الحاجة إلا أن الإنسان يعجز أحيانا عن إسترجاع هذه الأحداث وهذا ما يعرف بالنسيان و هو الفقدان المؤقت أو النهائي لما حفظته الذاكرة من خبرات ومهارات مختلفة و قد أثارت طبيعة هذه الظاهرة جدلا واسعا بين المفكرين والفلاسفة فإنقسموا إلى تيارين متعارضين تيار يرى بأن النسيان ظاهرة طبيعية عادية ملازمة للذاكرة و تيار يرى بأن النسيان ظاهرة مرضية سلبية تهدد وجود الذاكرة و تعيقها عن أداء وظيفتها
هذا الجدال و التعارض الواقع بينهم دفعنا إلى طرح الإشكال التالي : هل النسيان إيجابي أم سلبي ؟ و يمعنى آخر هل من مصلحة ذاكرتنا أن تنسى أحيانا ؟ هل النسيان مفيد لذاكرتنا ؟
محاولة حل المشكلة :
عرض منطق الأطروحة : “النسيان حالة طبيعية “
إن النسيان فاعلية نفسية إيجابية تحقق للإنسان التكيف و التأقلم مع عالمه الخارجي المتميز بالتغير والصيرورة و للنسيان إنعكاسات إيجابية على مختلف جوانب حياة الإنسان النفسية ،الفكرية و الإجتماعية و لولاه لبقي الإنسان محصورا في زاوية الماضي ،فالذاكرة ليس في وسعها حفظ كل آثار الماضي و إستعادتها بل ينتقي الإنسان ماهو ضروري و موافق لإهتماماته و المواقف التي يمر بها و يدافع عن هذا الطرح كل من ” دولاي ،نتشه ،برغسون ،غوسدورف” و يبرر هؤلاء موقفهم بالحجج و البراهين الآتية:
أن النسيان ظاهرة طبيعية عادية لأنه حالة موجودة عند كل البشر لهذا يقال ” سمي الإنسان إنسان لكثرة النسيان ” فهو ملازم للذاكرة و شرط من شروط سلامتها لأن الذاكرة لا يسعها أن تحفظ كل الأحداث التي عاشها الإنسان بدقائقها و تفاصيلها فالذاكرة التي تحفظ كل شيء تثبط الإنسان و نصيبه بحالة كمون و تعيق تكيفه مع العالم الخارجي المتميز بالصيرورة و التغير و تمنعه من مواكبة التطور لأنه يبقى حبيس لماضيه و هذا ما يؤكده برغسون بقوله” النسيان حالة طبيعية يعيشها الفرد لأن الإنسان لا يلتفت إلى الماضي إلا لحاجته في إحداث التوافق مع بيئته “و يقال ” إن الذاكرة التي لا يسندها النسيان تضر الإنسان بدل أن تنفعه “
إن النسيان يعود إيجابا على الإنسان في مختلف جوانب حياته ،فعلى الصعيد النفسي فإن النسيان يعد شرطا للإستمرارية والوجود الإنساني لأنه يمكننا من نسيان الماضي الأليم ، و لولاه لأصبحت حياتنا جحيما لا يطاق و لمات الإنسان هما و غما فالإنسان الذي يفقد أعز أقربائه إذا لم ينسى هذا الحدث بمرور الوقت فإن هذا قد يشكل له أزمات ومشاكل نفسية لذلك فهو بمثابة الدواء الذي يعيد للنفس توازنها يقول غوسدورف ” النسيان شرط إستمرار الوجود ” و يقول شافور “يجب أن نعيش حياتنا يوما وننسى كثيرا ويقول نتشه ” هناك دائما ما يجعل السعادة سعادة إنه إمكانية النسيان ” و يرجع فرويد النسيان إلى اللاشعور فالإنسان يقوم بكبت الأحداث و الصدمات النفسية التي تحرجه و تمس كبريائه حيث يروي عن نفسه أنه ذات يوم نسي إسم مريضته لأنه عجز عن تشخيص مرضها حيث يقول ” إننا ننسى إلا ما لا نهتم به ، و ما لا نريد تذكره فنحن ننسى ما هو مصبوغ بصبغة وجدانية منفردة أو مؤلمة خاصة ما يجرح كبرياءنا”.
أما فكريا فإن النسيان يمكن الإنسان من تجديد افكاره و تطويرها خاصة الأفكار والمعتقدات الخاطئة كما أن الذكريات التي لا نحتاجها فإن من الأفضل لنا نسيانها حتى يتسنى لنا حفظ ذكريات جديدة فذاكرة الإنسان أشبه بالذاكرة الإلكترونية لا يمكنها أن تخزن كل شيء لذلك لابد من مسح و نسيان ما لا نحتاجه فالتلميذ الذي إجتاز شهادة الباكالوريا مطالب بنسيان تلك المعلومات التي حفظها لأنه لم يعد بحاجة إليها و حتى يتسنى له حفظ معلومات جديدة و إلا أصيبت ذاكرته بالتضخم يقول دولاي ” النسيان حارس الذاكرة ” ،و كذلك إجتماعيا فإن النسيان وسيلة مثالية لمحو الأحقاد و الصراعات و إعادة تجديد الروابط الإجتماعية فالواقع يثبت أن نسيان الماضي كان حلا لكثير من المشاكل للإجتماعية و التاريخ مليء بالشواهد التي تبرز فضل النسيان في تغيير الكثير من العلاقات من الصراع إلى الصلح والتعاون و كمثال على ذلك رغم الصراع الطويل الذي كان بين فرنسا و ألمانيا في الماضي إلا أنهما اليوم دولتان متحالفتان و متحدتان و يحكى كذلك أن إحدى القبائل المنغولية كانت تحرم على أفرادها ذكر الموتى و ذلك من أجل نسيان الأحقاد و درء فتنة الحرب و الثأر لذلك يقول جون روستان ” إن اليوم السعيد هو اليوم الذي يظل فيه الماضي ساكنا ” و يقول جبران خليل جبران ” النسيان شكل من أشكال الحرية ” و يقول نتشه “إن النسيان هو تعبير عن الصحة الجيدة ، فالشخصية الجيدة تمسح الطاولة لتفسح المجال لوجبة جديدة”.
ويرى بعض علماء النفس أن النسيان حالة عادية تتحكم فيها جملة من العوامل مثل عامل الترك فالذكريات التي لا نستعملها تكون عرضة للنسيان ، عامل الفصل ( الزمن) فالنشاطات الذهنية التي لا نفصل بينها تقل نسبة تحصيلها و يسهل نسيانها و كذلك عامل التداخل والتباين فالنشاطات الذهنية المتشابهة كذلك يصعب تحصيلها و يسهل نسيانها و كذلك عامل التراجع العكسي فتقدم الإنسان في العمر يجعله ينسى الأحداث القريبة و يتذكر الأحداث البعيدة و كذلك عامل الكبت فكل ما يجرح كبرياء الإنسان و يمس كرامته يكبته في ساحة اللاشعور . و عليه فالنسيان ظاهرة عادية تساعد الذاكرة و تصونها من الأمراض.
نقد ومناقشة :
لا يمكن إنكار ما للنسيان من محاسن على حياة الإنسان إلا أن هذا لا يعني إعتباره إيجابي دائما فما يعاب على هذا التيار هو تجاهله للجانب السلبي للنسيان فكثيرا ما يشكل عائقا امام الإنسان و سببا في إخفاقه مثل الطالب الذي ينسى يوم الإمتحان ، كما أنه يعيق تكيفه مع محيطه الخارجي و يسبب له مشاكل داخل المجتمع فالإنسان الذي ينسى مواعيده و إلتزاماته المهنية يتهمه المجتمع بالتهاون و التقصير، كما لا يصح للإنسان أن ينسى من أساء إليه ليس حقدا و إنما فطنة و إحترازا.
عرض نقيض الأطروحة : ” النسيان حالة مرضية “
أن النسيان مضر بالذاكرة و يؤثر عليها سلبا فهو يعيق الإنسان عن التكيف مع العالم الخارجي لعجزه عن إسترجاع ما يحتاجه عند الضرورة لذلك فإن مرض الذاكرة هو النسيان وللنسيان إنعاكاسات سلبية على مختلف جوانب حياة الإنسان النفسية ، الفكرية والإجتماعية كما يتجلى في عدة أمراض تصيب الذاكرة و يدافع عن هذا الطرح “ريبو بيرون دوغاس ” و يبرر هؤلاء موقفهم بالحجج و البراهين الآتية :
يرى ريبو أن النسيان حالة مرضية حيث يفسره تفسيرا ماديا أي أن النسيان ناتج عن إصابات على مستوى الدماغ و ذلك من خلال تجربة منطقة بروكا المسؤولة عن حفظ اللغة التي أثبتت أن فقدان الإنسان لبعض الذكريات سببه تعرض الإنسان لإصابة في هذه المنطقة فكل إصابة مادية في تلك المنطقة تؤدي إلى إتلاف الألفاظ و تجعل الفرد غير قادر على الكلام بحيث أنه إذا حدث نزيف دموي في قاعدة التلفيف الثالث يولد مرض الحبسة ، كما أن فساد التلفيف الثاني يولد العمى اللفظي وأن فساد التلفيف الأول يولد الصمم اللفظي.إن النسيان يخلق للإنسان أزمات و إضطرابات نفسية تؤثر على سلوكه فالإنسان الذي ينسى يصبح كثير القلق والإضطراب.
إن النسيان ذو طبيعة سلبية لأنه مقترن بتلك الصدمات النفسية العنيفة التي تهدد توازن الإنسان لهذا رأى جميل صليبا أن النسيان يولد غالبا خللا في الشخصية فهو يؤدي إلى أنفصال مجموعة من الذكريات عن الشخصية الطبيعية فتتكون بذلك شخصية مهتزة غير ثابتة معرضة لكل الأمراض و العقد النفسية كالتوحد و إعتزال الإجتماع بالآخرين تجنبا للسخرية و الإستهزاء.
أما فكريا فأنه يشكل عائقا فكريا يحول دون إدراك الإنسان و تعلمه لأن الإنسان الذي ينسى لا يمكنه تعلم أي شيء مثل الطالب الذي ينسى كل ما حفظه من معلومات يوم الإمتحان فيقف موقفا سلبيا أمام الموضوع أو السؤال الذي هو بصدد الإجابة عنه لذلك يعتبر النسيان في مجال إكتساب العلم و المعرفة عائقا كبيرا للإنسان يقول دوغاس ” النسيان مناقض للذاكرة ” و يقول أفلاطون ” المعرفة تذكر و الجهل نسيان” و يقال “آفة العلم النسيان ” و يقال كذلك “نحن ننسى أكثر مما نتعلم ” أما إجتماعيا فإن النسيان يدمر الروابط الإجتماعية و يمنع الإنسان من التواصل مع غيره فالإنسان الذي ينسى المواعيد و الأشخاص أو يصاب بفقدان الذاكرة أو الزهايمر يصبح عالة على غيره و يؤدي إلى تفكك الروابط التي تربط الفرد بالمجتمع.
وهذا النسيان المرضي يتجلى في كثير من أمراض الذاكرة التي تصيب الإنسان كفقدان الذاكرة ” الأمينيزيا” حيث تغيب الذكريات بشكل مفاجئ فيصبح الفرد غير قادر على التعرف على الأشخاص و الأشياء و لا كيف يستعمل الأدوات ، الأفازيا أو مرض الذاكرة الكلامية يفقد فيها المصاب القدرة على الكلام رغم سلامة أعضاء النطق ، الأبراكاسيا وهو نسيان القيام ببعض المهارات الأعمال العادية بصفة فجائية كأن ينسى الطبيب كيف يستعمل الحقنة و الحداد كيف يستعمل المطرقة، إنحراف الذاكرة أو مرض الذاكرة الكاذبة حيث يعتقد الإنسان أنه يعرف شيء معين وهو في الحقيقة لا يعرفه ، و كذلك الزهايمر و هو مرض يصيب المخ و يتطور ليفقد الإنسان ذاكرته و قدرته على التركيز و التعلم، كما يحدث تغييرات في شخصية المريض فيصاب بالهلوسة و يصبح كثير العصبية و هو غالبا يصيب الإنسان في مراحل متقدمة من العمر لذلك يقول بيرون “الذكريات شبيهة بالطلاء على الجدران فيكون براقا في أول الأمر لكنه مع الزمن يكون حائلا” و عليه فالنسيان تعيق تكيف الإنسان و مرض يصيب الذاكرة.
#نقد ومناقشة : لا يمكن إنكار ما للنسيان من سلبيات على حياة الإنسان إلا أن هذا التيار بالغ في رأيه متجاهلا أن النسيان طبيعة فطر عليها كل إنسان كما تجاهل إيجابياته إضافة إلى أن هذه السلبيات هي حالات مرضية إستثنائية لا تشمل كافة الناس و يمكن علاجها ، فالذاكرة لا يمكن لها أن تستوعب كل شيء لذلك توجب عليها أن تنسى مالا يحتاجه الإنسان ، فهي ليست عملية حفظ آلية لكل ما يعيشه الإنسان بل عملية قائمة على الإختيار و الإصطفاء لذلك يقول دولاي ” نحن نتذكر لأننا ننسى “.
التركيب: يمكن القول أن النسيان سلاح ذو حدين لأنه ظاهرة إيجابية و سلبية في الوقت نفسه فهو من ناحية إيجابي و مفيد للذاكرة إذا ما تعلق الأمر بنسيان الحقد و الكراهية والأحداث المؤلمة التي تعتري الحياة الإجتماعية للناس و كذا تجديد الافكار حتى تتماشى مع الواقع المتغير فهو يسمح لذاكرته بإكتساب معلومات و معارف جديدة، و من ناحية أخرى سلبي و مضر للذاكرة و ذلك عند عجز الإنسان عن إسترجاع ما يحتاجه عند الحاجة ، لذلك فالنسيان ليس حالة طبيعية و لا حالة مرضية دائما فهو ضروري للذاكرة و حارس لها من جهة و مرض عضوي و نفسي يصيبها في بعض الحالات يجب على المصاب به معالجته و الوقاية منه.
حل المشكلة :
نستنتج مما سبق أن النسيان حالة عادية و مرضية فقيمته تتحدد من قيمة الآثار و الإنعكاسات التي يخلفها على حياة الفرد فهو ضروري للحياة السوية للإنسان نفسيا ، فكريا ،و إجتماعيا فمن خلاله يتجاوز الإنسان أزمات الماضي و يتجه نحو بناء مستقبله من جهة و من جهة أخرى قد يتجاوز أحيانا حدوده الطبيعية فيتحول إلى حالة مرضية تعيق الإنسان و تلحق به الكثير من الأضرار التي ينبغي على الإنسان الإحتياط منها و معالجتها و في الأخير نقول أن النسيان رغم ماله من سلبيات إلا أنه يبقى إحدى الوسائل الضرورية التي تساعد الإنسان على تحقيق التكيف مع العالم الخارجي و حالة طبيعية تفرضها الذاكرة التي لا يمكنها أن تحتفظ إلا بالمهم لذلك يقول جميل صليبا ” خير لذاكرتنا أن تكون ملكة نساءة “
SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14306

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *