تعتبر العولمة الرقمية اليوم أهم مكسب عرفته البشرية بحيث طبعت سمات الحداثة و المعرفة مع تكريس ثقافة التحكم الجيد في التكنولوجيا الحديثة التي شكلت ملامح عالمنا هذا المعولم في أبسط جزئياته اليومية. فمما لا شك فيه تعد تلك الثورة الرقمية تحولا جذريا من الواقع التقليدي إلي الواقع الإفتراضي لتشكل بذلك تلك التكنولوجيا الجزء الأهم من أعمالنا و معاملاتنا المحلية أو الخارجية. فإستخدام التكنولوجيا لم يقتصر فقط علي قطاع المالية الإفتراضية من خلال بروز أسواق مالية يتداول في صلبها أي شخص ذو خبرة علمية و مهنية إحترافية و العملات المشفرة الرقمية و لو مازال البعض من خبراء الإقتصاد النقدي و المالي يشكك في جدواها القانوني و العملي علي المدى البعيد أو أيضا التجارة الإلكترونية و التسويق الإلكتروني, بل شملت مع بداية العشرية الفارطة إستخداماتها أغلب الجامعات العالمية ليتحول بذلك التعليم العالي برمته إلي التعليم عن بعد من خلال إنتشار ملحوظ لمنصات مدمجة داخل تلك المواقع الجامعية. فهنا يكمن مربط الفرس من جانب دراسة مدى فعاليتها للتحصيل العلمي أو لجلب الطلاب للإقبال عليها أو لإنتداب الأساتذة من أجل التدريس عن بعد. إذ في المقابل تبدو في هذا السياق الآفاق الإستخداماتية واعدة لكن تعتبر التحديات كبيرة و تشكل جزء مهم من عوائق التدريس الجامعي عن بعد. إن المنصات التعليمية عن بعد داخل أغلب الجامعات العالمية تمثل اليوم ثمرة من ثمرات الإبتكار و التجديد التكنولوجي في نمط التدريس و ذلك من أجل تسهيل وصول المعلومات بشكل أسرع و أنجع للطلاب في شتي بلدان العالم. فالغرض من تلك المنصات يتمثل بالأساس في إعادة هيكلة و تدريب الأساتذة بالدرجة الأولي من أجل مزيد الإنفتاح علي الفضاء الرقمي العالمي و الإسراع بالدرجة الثانية في التحول نحو العالم الإفتراضي و مواكبة المتغيرات العالمية التي ستشكل عالم “الربوتيك المستقبلي”.

 فالتكنولوجيا أصبحت تمثل أساس المستقبل في شتي المجالات و القطاعات الحيوية للدول بحيث برزت مفاهيم علمية جديدة لم تكن متواجدة سابقا مثل الإقتصاد الرقمي, الذكاء الإصطناعي, عالم النانو و العمل عن بعد و التقنيات و التكنولوجيات الحديثة. إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال التنكر اليوم لتلك التحولات الجذرية بحيث أضحي العالم المستقبلي تكنولوجيا بإمتياز و ممكن أن تتحكم فيه الآلة بشكل شبه نصفي أو كلي في القرون القادمة. بالنتيجة جاءت تلك المنصات المدمجة في صلب أغلب الجامعات العالمية كمرحلة تكميلية أولي نحو تعجيل الإندماج الأكبر و الأسرع في العولمة الرقمية العالمية و ذلك من أجل تقليص العوائق و الصعوبات التي تواجهها بعض الفئات من الطلاب مثل الإعاقات الجسدية, النساء الحوامل, الكبار في السن تحت مسمي التعليم المستمر مدى الحياة أو اللذين يرغبون في مواصلة الدراسة و العمل معا. إجمالا, توفر تلك الآفاق ملاذا آمنا لمواصلة التعليم في ظروف مستقرة و مستمرة مع إمكانية الحصول علي المحاضرات و الأشغال التطبيقية من البوابات الجامعية الخاصة أو أيضا الولوج لتسجيلات الفيديوهات لتلك المحاضرات و الأشغال في أرشيف كامل و محدث بطريقة دائمة. فيعتبر التحصيل العلمي للطلاب عبر تلك المنصات الرقمية من خلال حسابهم الخاص في جوهرها أنجع وسيلة تعليمية تعوض حضورهم المباشر خاصة منها تلك الحالات الإجتماعية المادية الصعبة لبعض الطلاب بحيث يعجز أحيانا منهم في تسديد مصاريف و تكاليف سكنهم و أكلهم و تنقلهم أو سفرهم لمدن و دول أخري من أجل الوصول إلي مقاعد الدراسة. فمنصات التعليم عن بعد داخل الجامعات العالمية قلصت بدورها من المشاكل الإجتماعية التي تواجهها تلك الشرائح من الطلاب لتجعل بالنتيجة التعليم الجامعي مفتوح في أي مكان و زمان و ذلك بأقل التكاليف الممكنة. إلا أن التحديات المستقبلية تعتبر هي أيضا الجزء المهم من جانب دراسة مدى جدوى و نجاعة تلك المنظومة الجامعية الجديدة علي المدى البعيد لأن البعض من الأساتذة غير قادرة بدورها علي إستخدام التكنولوجيا قصد التدريس عن بعد مثل متابعة تنزيلات المحاضرات أو إستخدام تطبيقات و برمجيات خاصة مثل SPIP  أو Virtual Classroom  أو Moodle. إذ في هذا السياق بدأت بعض الجامعات في إعداد مراحل تربصية للأساتذة المنتدبين خاصة منهم الشبان عبر التكوين و التدريب علي تلك المنصات حتي تواكب المتغيرات التعليمية العالمية المستقبلية. كذلك يشكو بعضهم من سوء إستخدام تلك التكنولوجيا في مجال التعليم عن بعد نظرا لإنقطاع الإتصال أحيانا أو الإصابة بصداع الأذنين من خلال التشويشات الإرسالية أو عدم جدية الطلاب أحيانا في متابعة تلك المحاضرات و الدروس التطبيقية عن بعد.

 ففي بعض الدول المتقدمة علي غرار فرنسا و كندا و الولايات المتحدة الأمريكية و التي قطعت أشواطا طويلة في دمج جميع جامعاتها بتلك المنصات للتعليم عن بعد أو حتي خلق جامعات مستقلة متخصصة برمتها للتعليم عن بعد بدون الإلزام بالحضور الإجباري للطرفين الطلاب و الأساتذة تكونت في صلب تلك الجامعات مخابر بحث و تجديد يشرف عليها خبراء التكنولوجيات الحديثة من أجل تطوير و تحديث تلك القاعات الإفتراضية و مكونات الإتصال داخل تلك المنصات. أما في البلدان العربية فمازالت تلك المنصات لا تحظي بإقبال هام أو هي حتي مازالت في طور مراحلها الأولي خاصة بجامعات الدول الخليجية أو الجزائر و المغرب أو مفقودة تماما في بعض الجامعات العربية الأخرى نظرا للتأخير في مواكبة متغيرات التكنولوجيات الحديثة أو الإفتقار للبنية الرقمية أو حتي المعرفية اللازمة.

 فالتعليم الجامعي الإلكتروني المفتوح علي الجميع أصبح مؤخرا واقعا ملموسا في أغلب جامعات الدول المتقدمة و هو يصنف “بالجيل الرابع” من التعليم بعد مروره بالعديد من التحديثات. بالتالي لمجابهة تراكم مشاكل الإنتدابات للأساتذة من خلال التعاقد بالمنظومة التعليمية التقليدية أصبحت تلك المنصات تمثل للحكومات مخرجا حقيقيا من تلك الأزمات و ذلك عبر إعتماد آلية إنتداب الأساتذة بصفة مؤقتة وفقا “لتسعيرة الحصة الواحدة” للتدريس في صلب تلك المنصات منها تحضير المحاضرات و الأشغال التطبيقية أو حتي تأطير بحوث الطلاب. كذلك ساهمت تلك المنصات للتعليم عن بعد في تقليص مشاكل عبء المصاريف الإضافية بالنسبة للطلاب التي تعاني بدورها من مشاكل مادية أو جسدية.

فؤاد الصباغ – كاتب تونسي و باحث اقتصادي دولي.

Print Friendly, PDF & Email