في لحظة دولية بالغة الحرج والتوتر اندلعت جولة جديدة من القتال شمالي إثيوبيا في 24 أغسطس/آب الماضي، وسرعان ما تصاعدت وتيرته وتفاقمت آثاره الإنسانية الكارثية؛ ما استدعى التساؤل حول المقاربات التي اتبعتها الأطراف الدولية الفاعلة في الملف الإثيوبي لكبح التصعيد وتخفيف آثاره.

تحاول الورقة تسليط الضوء بتحليل سلوك مجموعة من الفاعلين الخارجيين في الصراع الإثيوبي؛ حيث تناولت ثلاثة أطراف رئيسية: الاتحاد الإفريقي القائم بالوساطة بين الحكومة الفيدرالية وقيادة التيغراي، والولايات المتحدة الأميركية، والصين.

وقد كان من الواضح أن الانشغالات الدولية بالأزمة الأوكرانية وأزمة الطاقة والتوتر في بحر الصين الجنوبي قد أثرت على الأهمية التي أولتها الأطراف المذكورة للصراع الإثيوبي، ما انعكس على طبيعة تحركاتها التي شهدت تفاوتًا واضحًا، في بعض الجوانب، عما شهدناه خلال الجولات السابقة من القتال.

أولًا: الاتحاد الإفريقي

الاتحاد الإفريقي أحد الأطراف الرئيسية المعنية بالملف الإثيوبي للعديد من الأسباب، لعل أهمها قيامه بالوساطة بين طرفي الصراع، وإيلاء الحكومة الإثيوبية دوره أهمية كبرى(1) من خلال تشبثها بشعار “الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية” وتمسكها بحصرية الوساطة الإفريقية(2)، بجانب أن نجاحه في إخماد أحد أهم الصراعات في العالم اليوم سيمنحه مصداقية كمؤسسة قارية مسؤولة عن فض المنازعات في القارة السمراء، ودعمًا دوليًّا لحلحلة أزمات إفريقية أقل أهمية وخطورة.

وفي هذا الإطار، يمكن القول: إن مبعوث الاتحاد الإفريقي للقرن الإفريقي، الرئيس النيجيري السابق، أوليسون أوباسانغو، المكلف بالوساطة في إثيوبيا يعكس كيفية تعاطي المنظمة القارية الإفريقية مع الملف الإثيوبي، ورغم ما ذُكر أعلاه من أهمية هذه الوساطة للاتحاد فعلى عكس المتوقع شاب أداء الوسيط الإفريقي، بعد اندلاع الجولة الحديدة من الصراع في إثيوبيا، العديد من السلبيات.

اتسمت دينامية الوساطة بالبطء الملحوظ في التعاطي مع الحدث(3)، فضلًا عن ذلك فقد كشفت المبادرة الإفريقية بعقد مفاوضات في جنوب إفريقيا التي نالت موافقة الحكومة الفيدرالية وقيادة التيغراي، عن نقاط ضعفٍ لافتة للنظر في أسلوب عمل الوساطة حتى في بعض الأمور الإجرائية، ونكتفي هنا بمثالين:

خلل في التنسيق: تم تعيين الرئيس السابق، أوهورو كينياتا، مبعوثًا لبلاده للسلام في القرن الإفريقي ومنطقة البحيرات، في 15 سبتمبر/أيلول، حيث طالب التيغراي سابقًا بذلك وهو ما تم دعمه من الولايات المتحدة الأميركية(4). ورغم إعلان الاتحاد الإفريقي في بيان، بتاريخ 6 أكتوبر/تشرين الأول، أن جولات التفاوض في جنوب إفريقيا ستتم بقيادة ثلاث شخصيات إحداها كينياتا(5)؛ فقد افتقد هذا التعيين إلى إجراءات عملية حيث لم يتم التنسيق معه من قبل الوسيط الإفريقي وفريقه، وهو ما أدى إلى اعتذار كينياتا عن المشاركة في مفاوضات جنوب إفريقيا لتعارض في جدول أعماله، طالبًا إمداداه بتوضيحات متعلقة بها!(6)

خلل في الترتيبات التمهيدية للتفاوض: في 11 سبتمبر/أيلول، أعلنت قيادة التيغراي موافقتها على المشاركة في عملية “ذات مصداقية” يقودها الاتحاد الإفريقي كما حددت أعضاء فريقها التفاوضي(7)، وبعد قرابة الشهر أعلن الاتحاد عقد جولات تفاوضية في جنوب إفريقيا دون أن يتشاور طوال تلك الفترة مع قيادة التيغراي حول العديد من البنود كوجود مراقبين أو ضامنين دوليين جدد، وكذلك حول الأمور اللوجستية والأمنية المتعلقة بسلامة فريقها التفاوضي!(8)

هذان نموذجان يرسمان الكثير من علامات الاستفهام حول أداء الوساطة الإفريقية، ولذلك فإن مما يمكن وضعه على رأس العوامل المؤدية إلى انفجار هذه الجولة الجديدة من القتال انسداد الأفق التفاوضي نتيجة الإخفاق البيِّن لأوباسانغو في إحداث اختراق في جدار الأزمة الإثيوبية.

عجز الوسيط الإفريقي عن ممارسة ضغوط متوازنة ومتوازية على طرفي الصراع أدى إلى فقدانه ثقة قيادة التيغراي التي وصفت الاتحاد الإفريقي وأوباسانغو “بعدم النزاهة وعدم الحيادية”(9)، وهو ما يعقِّد في النهاية مهمة الوسيط إذ إن رضا الأطراف المنخرطة في الصراع بالوسيط يعد عاملًا رئيسيًّا في تأكيد مصداقيته ودعم جهوده.

تتعدد الآراء لتفسير أداء الوسيط الإفريقي إذ يرى البعض أن أوباسانغو يفتقد إلى الدراية الكافية بتعقيدات الصراع الإثيوبي وأبعاده المختلفة، في حين يعزو البروفيسور أليكس دي وال ذلك إلى تجربة الجيش النيجيري في فرض الحصار والتجويع على إقليم بيافرا في الستينات ما أدى إلى استسلامه عام 1970، حين كان أوباسانغو عقيدًا في جيش بلاده في ذلك الحين؛ حيث “شكَّلته تلك الحلقة وجيلًا من النيجيريين” وفق دي وال(10).

لكن في تقديري أن عجز الاتحاد الإفريقي يعود لمجموعة عوامل تتعدد بين ذاتية متعلقة بالمؤسسة القارية، وموضوعية متعلقة بطبيعة الصراع في إثيوبيا والأطراف المنخرطة فيه.

العوامل الذاتية

1- افتقاد الاتحاد الإفريقي للموارد والأدوات الكافية للضغط على أديس أبابا يؤثر على قدرته على ممارسة دوره بفعالية في كل ما يخص إثيوبيا، وهو ما يدفع الأخيرة إلى التمسك به وسيطًا حصريًّا(11) تحت شعار “الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية” سواء في أزمة سد النهضة أو في أزمة تيغراي.

2- تتميز الوساطة الحالية بتمتعها بدعم دولي حيث كررت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وقوفها خلف جهود أوباسانغو، وهو ما منحه أوراقًا مهمة للضغط على طرفي الصراع بما يصب في مصلحة التحول نحو الحل التفاوضي، لكن على ما يبدو أن افتقاد الوساطة للإرادة، أو الرغبة، لتوظيف أدوات قوتها من خلال التنسيق مع القوى المذكورة أدى إلى حالة الانسداد التي دفعت نحو اندلاع القتال من جديد.

العوامل الموضوعية

1- طبيعة الصراع المعقدة وتداخل القضايا فيه بين السياسي والإثني وحتى الشخصي(12).

2- البعد الإقليمي للصراع المتمثل في الدور الإريتري الرافض لأية مصالحة مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي(13)، وهو مأزق حاول أوباسانغو تجاوزه سابقًا عبر توصيته، قبل أسبوعين من اندلاع القتال، دعوة إريتريا إلى أن تكون جزءًا من عملية التفاوض(14)، وهو اقتراح بقدر ما يكشف عن أهمية الدور الإريتري في الحرب الإثيوبية، فإنه يكشف بالمقابل عن خلل عميق في فهم مواقف أطراف الصراع حيث أبدت أسمرة رفضها الجذري لأي تفاوض مع قيادة التيغراي، في حين أن الأخيرين يرفضون قيام إريتريا  بأي دور في العملية السياسية في إثيوبيا باستثناء سحب قواتها من الإقليم كشرط مسبق للتفاوض. 

3- افتقاد الطرفين للثقة بشكل عميق ما يعقِّد بناء إجراءات الثقة بينهما، ولاسيما بالنظر إلى حساسية المطالب التي يضعها كل منهما على طاولة التفاوض حيث يطالب التيغراي برفع الحصار وإعادة السيطرة على منطقة غربي تيغراي ما تعتبره الحكومة محاولة لفتح ممر لوجستي من السودان، في حين تطالب الحكومة بنزع سلاح مقاتلي التيغراي وهو ما لن يكون مقبولًا بالنسبة لهم بعد تجربة العامين الماضيين.

4- على ضوء ما تم ذكره، يبدو طبيعيًّا لجوء الطرفين إلى السلاح أداة مفضلة لحسم هذا الصراع، بحيث يحدد وضعهما الميداني مدى تجاوبهما مع الحلول التفاوضية.

وبالنظر إلى كل ما سبق، لا تبدو الآفاق مبشرة بقدرة الاتحاد الإفريقي على دفع أطراف الصراع إلى حلول تفاوضية مرضية للجميع في محادثات السلام المتوقعة في 24 أكتوبر/تشرين الأول في جنوب إفريقيا، إذ إن الوصول إلى عقد هذه الجولة ابتداء لا يُعزى إلى قدرة الوساطة على إقناع طرفي الصراع الرئيسيين بالتحول نحو الحل السلمي، بقدر ما يمكن عزوه إلى ظروف ميدانية مرتبطة بتوازنات القوى على الأرض والتقدم الذي تحرزه القوات الفيدرالية وحلفاؤها على حساب قوات دفاع تيغراي.

ثانيًا: الولايات المتحدة الأميركية

تبدو المقارنة متعسرة بين زخم الاهتمام الأميركي بمجريات الجولات السابقة من الحرب الإثيوبية وما صدر عن واشنطن من تصريحات وتحركات عقب انفجار القتال في أغسطس/آب الماضي، فقد اتسمت المرحلة الأولى بمتابعة لصيقة وعلنية للملف الإثيوبي وبتدخل مباشر تضمن الضغوط والعقوبات على حكومة رئيس الوزراء، آبي أحمد(15)، وهو اهتمام تجاوز الدوائر الرسمية إلى المؤسسات الإعلامية الكبرى التي شكَّلت الحرب في تيغراي بندًا رئيسيًّا في تغطياتها الإخبارية المشاهدة أو المكتوبة.

صورة مختلفة عكسها أداء الدوائر الأميركية المعنية بالمنطقة اتسمت بلغة تصالحية وبالعمل الهادئ تحت غطاء الوساطة الإفريقية لدعم الجهود الساعية لدفع الطرفين إلى التفاوض، وهو ما يمكن عزوه إلى أن الولايات المتحدة، في مقاربتها للأزمة الحالية، تمر في موقف دقيق وحرج، وبجانب الاستغراق الشديد في تبعات وتطورات الحرب الأوكرانية يمكننا الحديث عن الاعتبارات الآتية: 

1- تُعد وحدة إثيوبيا وسيادتها ركيزة للإستراتيجية الأميركية تجاه إثيوبيا، وهو ما يتكرر في البيانات المختلفة الصادرة من الدوائر الأميركية المعنية، وهو ما يمثله مشروع رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، حول إثيوبيا واحدة مركزية، في حين تمثل الطموحات الانفصالية للتيغراي مؤشرًا مقلقًا لواشنطن، وبينما يبدو دعم آبي أحمد، بناء على هذا، منطقيًّا فإن سياسات الأخير في التقارب مع روسيا والصين والتحالف مع النظام الإريتري المعادي لواشنطن تزيد موقف واشنطن حراجة.

2- تعيش السياسة الأميركية تجاه إثيوبيا حالة من الإرباك نتيجة الفشل خلال العامين الماضيين في دفع أطراف الصراع إلى طاولة التفاوض بشكل جدي وصادق؛ حيث غيَّرت الولايات المتحدة مبعوثها إلى القرن الإفريقي ثلاث مرات خلال هذه الفترة دون نتائج ملموسة.

3- شهد مطلع العام الحالي خلافًا على الجهة المنوط بها رسم ملامح الإستراتيجية الأميركية تجاه إفريقيا بين المبعوث الأميركي الأسبق للقرن الإفريقي، جيفري فيلتمان، ومساعدة وزير الخارجية الأميركي للشؤون الإفريقية، مولي في، انتهى مع رحيل فيلتمان عن منصبه، واستمرار في التي تدعو إلى اتباع سياسة أقل خشونة تجاه أديس أبابا(16)، وهو ما يصب في صالح تخفيف الضغوط المفترضة على الحكومة الفيدرالية لإنجاح الوساطة.

4- وفي إطار الحرب الباردة الجديدة التي بدأت نذرها تلوح في الأفق(17)، تتخوف واشنطن من أن يؤدي الضغط على أديس أبابا إلى خسارة الجهود التي بذلت في الفترة الماضية لترميم العلاقات مع إثيوبيا آبي أحمد، والحيلولة دون اندماجها الكامل في المحور الصيني-الروسي كجارتها، إريتريا، مثلًا.

5- التخوف من أن يؤدي تدهور الأوضاع في إثيوبيا إلى عملية إبادة منظمة بحق التيغراي كما حدث في رواندا مطلع تسعينات القرن الماضي، وهو ما يشكِّل ضغطًا على الحكومة الأميركية التي وضعت في قلب أجندة سياستها الخارجية إعلاء حقوق الإنسان والدفاع عنها.

6- العمل على توسيع الوساطة الإفريقية أو بناء مسار مواز لها بقيادة الرئيس الكيني السابق، أوهورو كينياتا، حيث انضم إلى الفريق الذي يقود المفاوضات المفترضة بين الحكومة الفيدرالية وقيادة التيغراي، لكن ذلك يُواجَه بعوائق كما سلف ذكره.  

رغم كل ما سبق يظل الموقف الأميركي، مسنودًا بالاتحاد الأوروبي، هو الأنشط والأكثر فاعلية حيث أصدر الرئيس جو بايدن قرارًا بتمديد حالة الطوارئ الخاصة بإثيوبيا(18) بالتزامن مع زيارة مبعوثه إلى القرن الإفريقي، مايك هامر، إلى المنطقة؛ حيث أثمرت هذه الزيارات عن إعلان قيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، في 11 سبتمبر/أيلول، استعدادها للبدء في وقف لإطلاق النار، وقبولها بـ”عملية ذات مصداقية” يقودها الاتحاد الإفريقي وتشمل وسطاء ومراقبين دوليين يوافق عليهما الطرفان(19)، وهو ما مهَّد للقاء جمع الطرفين في جيبوتي تحت مظلة الاتحاد الإفريقي(20)، ثم لمفاوضات مفترض انعقادها في جنوب إفريقيا.

وعلى ما يبدو، فإن هناك رغبة متبادلة لإصلاح مسار العلاقات بين أديس أبابا وواشنطن؛ حيث تأثرت الأولى سلبًا بالعقوبات الغربية على اقتصادها المتضرر أصلًا من تبعات الحرب في تيغراي، في حين تأمل واشنطن في عودة أديس أبابا إلى ممارسة دورها التقليدي كأحد أهم حلفاء أميركا في شرق إفريقيا، ولاسيما مع النظر إلى تزايد التهديدات الأمنية سواء في الصومال عبر تصاعد نشاط حركة الشباب(21)، أو حالة عدم الاستقرار التي يعيشها السودان نتيجة تعثر المرحلة الانتقالية.

هذه الرغبة ستنعكس في المقاربة الأميركية للحل في إثيوبيا ضغطًا أقل على أديس أبابا، وقد وصف هامر علاقة بلاده مع إثيوبيا بأنها “شراكة إستراتيجية”(22)، في حين أكد رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، في مقابلة مع النيويوركر أن خلافه هو مع سياسات إدارة جو بايدن موضحًا إعجابه العميق بالولايات المتحدة(23)؛ ما يعني أن تغيير واشنطن سياساتها تجاه حكومته قد يفتح الباب أمام التحول عن حالة التوتر التي شهدتها العلاقة بينهما خلال المرحلة الماضية. وفي نفس السياق، أبدت الحكومة الإثيوبية استعدادها لاستصدار ترخيص لشركة أميركية لبدء إنتاج الغاز والنفط من الإقليم الصومالي في البلاد(24)

ثالثًا: الصين

تعد بكين أحد أهم القوى الحاضرة والمؤثرة في منطقة القرن الإفريقي، وتزداد هذه الأهمية في السياق الإثيوبي بالنظر إلى كون بكين أكبر المستثمرين الأجانب في البلاد(25)، ولذا فالعديد من الاعتبارات كانت تدفع إلى توقع انخراط صيني كبير في حلحلة الأزمة الإثيوبية، لعل أهمها يتمثل في الآتي:

1- الشراكة التي طورتها بكين مع حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، والتي نقلت العلاقة بينهما من المستوى الاقتصادي المتعلق بالاستثمارات الصينية في إثيوبيا إلى مستوى سياسي.

2- المبادرة الصينية التي أطلقتها بكين من أجل السلام في القرن الإفريقي والتي عقدت مؤتمرها الأول برئاسة مبعوث بكين إلى القرن الإفريقي في أديس أبابا، أواخر مارس/آذار الماضي؛ حيث مثَّلت هذه الجولة من الصراع فرصة للدبلوماسية الصينية لإبراز فعالية رؤيتها وتحقيق نجاح دبلوماسي عجزت عن إحرازه واشنطن.

3- أهمية إثيوبيا الجيوستراتيجية في شرقي إفريقيا وجنوب البحر الأحمر؛ حيث للصين الكثير من الاستثمارات والحضور الاقتصادي والعسكري في جيبوتي وإريتريا على سبيل المثال.

4- حساسية موقع القرن الإفريقي، وفي القلب منه إثيوبيا، في سياق الحرب الباردة العالمية التي بدأت ملامحها تتضح مؤخرًا؛ حيث تحولت المنطقة إلى إحدى ساحاتها المهمة(26)

لكن المفارقة أن خطوات بكين في هذا الملف اتسمت بالكثير من البطء وبقدر من عدم الفاعلية، ما يمكن عزوه إلى التالي:

1- سياسة عدم التدخل الصينية واعتبارها ما يجري في إثيوبيا شأنًا داخليًّا.

2- رغم ضراوة الاشتباكات فإنه حتى الآن لا تهديد جديًّا يطول موقف حليفي بكين في المنطقة؛ رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، والرئيس الإريتري، آسياس أفورقي.

3- تعقيدات الملف الإثيوبي الكبيرة وتشابكاته المحلية والإقليمية والدولية. 

4- يظل الحفاظ على كيان الدولة الإثيوبية هدفًا للإستراتيجية الصينية في المنطقة، يؤكد ذلك ما ذكره جيفري فيلتمان، المبعوث الأميركي الأسبق إلى القرن الإفريقي، من أن مصلحة كل من أميركا والصين ألا تنهار الدولة في إثيوبيا تحت وطأة الحرب(27)، وبالتالي فما دام الكيان الإثيوبي لم يتعرض لمخاطر جدية فإن التحرك الصيني سيظل منخفض الوتيرة.  

5- كشفت الأزمة الحالية محدودية قدرة مبادرة السلام والتنمية الصينية في القرن الإفريقي على تحقيق أهدافها التي أعلنتها في مؤتمرها الأول في أديس أبابا، في 31 مارس/آذار الماضي، والتي تركزت حول تفكيك أزمات القرن الإفريقي من مدخل تنموي. ومما أفقد المبادرة الصينية فاعليتها فشلها في إقناع إريتريا بالمشاركة في المؤتمر، ولذلك فقد كان من المفهوم أن تبدأ الزيارة المتأخرة لمبعوث بكين إلى القرن الإفريقي، شيويه بينغ، في 17 سبتمبر/أيلول، بأسمرة ولقاء الرئيس الإريتري، آسياس أفورقي، الذي يملك بعض أهم مفاتيح الصراع في جارته، إثيوبيا(28).

اعتمادًا على ما ذكرناه أعلاه، يمكن القول: إن مقاربة الصين بعد اندلاع الجولة الجديدة من القتال تعد استمرارًا لسياستها في دعم رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد. ولذا فإن التحرك الصيني منخفض الوتيرة يؤشر إلى اطمئنان بكين إلى قوة موقع الحكومة الفيدرالية ميدانيًّا.

رابعًا: خلاصة

تعقِّد الحيثيات والاعتبارات المذكورة أعلاه موقف الأطراف الدولية الفاعلة في الملف الإثيوبي حيال الجولة الأخيرة من الحرب شمالي البلاد، وتربكها عن القيام بإجراءات جدية في سبيل وقفها. ولعل البيان السداسي الذي وقَّعته كل من أستراليا والدنمارك وألمانيا وهولندا وبريطانيا والولايات المتحدة أوضح مثال على هذا المأزق؛ حيث اكتفت الدول المذكورة بالدعوة إلى وقف إطلاق النار وتغليب الحل السلمي ودعوة إريتريا إلى سحب قواتها(29)، بعد قرابة 50 يومًا من اندلاع جولة جديدة من حرب مأساوية الأبعاد.

وبالنظر إلى ما شهدته المرحلة الماضية من تحركات يبدو أن هناك توجهًا لدفع أحد طرفي الصراع، وهو هنا الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، نحو تقديم بعض التنازلات، تحت ضغط الواقع الميداني والإنساني، مقابل منحه مجموعة من الضمانات، بما يمكِّن من إطلاق المسار التفاوضي بشكل فاعل.

وهذه المقاربة، بجانب تكاليفها البشرية العالية، يصعب التكهن بمدى نجاعتها بالنظر إلى ارتباطها بجدية الحكومة الإثيوبية للمضي قدمًا في هذا المسار، ورغبة أسمرة وميليشيات الأمهرا في تصفية الجبهة التيغراوية، بجانب امتلاك الأخيرة لخيار التحول نحو حرب العصابات في حال هزيمتها في المواجهات الدائرة حاليًّا. 

في المقابل، قد تدفع بعض التطورات الدراماتيكية الأطراف الخارجية إلى تكثيف الضغوط على القوى المتصارعة تجنبًا لبعض السيناريوهات الكارثية كاحتمال حدوث إبادة واسعة النطاق، أو تهديد الصراع بشكل جدي لاستمرارية كيان الدولة الإثيوبية، أو لأمن واستقرار المنطقة عمومًا(30).

المصدر الجزيرة للدرسات – المقال بعنوان مقاربات الأطراف الدولية الفاعلة في الملف الإثيوبي إزاء الجولة الجديدة من القتال.

نبذة عن الكاتب

عبد القادر محمد علي صحفي وباحث إريتري مهتم بقضايا القرن الإفريقي.

مراجع

1- Tekle, Tesfa-Alem, Ethiopia committed to AU mediation to end Tigray conflict: official, The East African, 8 June 2022,(Seen:10 October 2022). https://cutt.us/NFoCo

2- تكرر تأكيد الحكومة الفيدرالية على حصرية الوساطة الإفريقية في أكثر من مناسبة. انظر على سبيل المثال البيان الصادر عن مكتب خدمة الاتصال الحكومي الإثيوبية، في 5 أكتوبر/تشرين الأول، على حساب المكتب على تويتر، (تاريخ الدخول: 21 أكتوبر/تشرين الأول 2022): https://cutt.us/C7aHn

3- صدر بيان عن رئاسة الاتحاد الإفريقي، في 24 أغسطس/آب، عقب اندلاع المعارك مباشرة في حين لم يصدر بيان مماثل عن أوباسانغو على سبيل المثال، (تاريخ الدخول: 10 أكتوبر/تشرين الأول 2022): https://cutt.us/TuOpa

4- De Wall, Alex, Ethiopia civil war: Why fighting has resumed in Tigray and Amhara, BBC, 1 September 2022, (Seen: 5 October 2022). https://cutt.us/LqJ78

5- بيان صادر عن رئاسة الاتحاد الإفريقي على حسابها على تويتر، (تاريخ الدخول: 10 أكتوبر/تشرين الأول 2022):  https://cutt.us/kZ4u2

6- Mutambo, Aggrey, Ethiopia mediation: Uhuru Kenyatta to skip scheduled peace talks, The East African, 7 October 2022, (Seen: 21 October 2022). https://cutt.us/2YEFc

7- البيان ورد على حساب مكتب تيغراي للشؤون الخارجية على تويتر، (تاريخ الدخول: 12 أكتوبر/تشرين الأول 2022):  https://cutt.us/HcjSP

8- البيان منشور في حساب مكتب تيغراي للشؤون الخارجية على تويتر، 5 أكتوبر/تشرين الأول 2022، (تاريخ الدخول: 10 أكتوبر/تشرين الأول 2022):  https://cutt.us/hZxXH

9- رسالة مفتوحة من زعيم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي على حساب مكتب تيغراي للشؤون الخارجية على تويتر، 23 أغسطس/آب 2022، (تاريخ الدخول: 25 أغسطس/آب 2022): https://cutt.us/Me9eu

10- De Wall, Alex, US diplomacy failing at critical moment in Ethiopia war, Responsible Statecraft, 27 September 2022, https://cutt.us/Yxls8

11- The Citizen, AU extends Olusegun Obasanjo mission amid Ethiopia peace push, 11 September 2022, (Seen: 21 October 2022). https://cutt.us/mdbij

12- محمد علي، عبد القادر، جولة جديدة من القتال في تيغراي.. الدوافع، الإستراتيجيات والسيناريوهات المستقبلية، مركز تريندز للبحوث والاستشارات، 12 أكتوبر/تشرين الأول 2022، (تاريخ الدخول: 21 أكتوبر/تشرين الأول 2022):  https://cutt.us/31TQ0

13- محمد علي، عبد القادر، مؤشرات المصالحة الإثيوبية: المستفيدون والمتضررون منها محليًًا وإقليمياً، مركز الجزيرة للدراسات، 11 مايو/أيار 2022، (تاريخ الدخول: 21 أكتوبر/تشرين الأول 2022):  https://cutt.us/SoKVE، وانظر أيضًا: محمد علي، عبد القادر، التطورات السياسية والعسكرية الراهنة في إثيوبيا وتداعياتها الإقليمية، مركز الجزيرة للدراسات، 9 يونيو/حزيران 2022، (تاريخ الدخول: 21 أكتوبر/تشرين الأول 2022):  https://cutt.us/XUga6

14- ورد ذلك في توصية أوباسانغو لجلسة لمجلس السلم والأمن الإفريقيين، (تاريخ الدخول: 21 أكتوبر/تشرين الأول 2022):  https://cutt.us/dIs0A

15- محمد علي، عبد القادر، انسحاب القوات الإريترية والأمهرية: الرؤية الأميركية لحل أزمة منطقة التيغراي، مركز الجزيرة للدراسات، 14 مارس/آذار 2021، (تاريخ الدخول: 21 أكتوبر/تشرين الأول 2022):  https://cutt.us/whcfU

16- محمد علي، عبد القادر، مبعوث أميركي جديد إلى القرن الإفريقي.. وماذا في جعبة ساترفيلد؟، TRT عربي، 10 يناير/كانون الثاني 2022، (تاريخ الدخول: 10 أكتوبر/تشرين الأول 2022):  https://cutt.us/mCNLd

17-محمد علي، عبد القادر، عسكرة القوى الكبرى لمصالحها في القرن الإفريقي في فجر الحرب الباردة الثانية، مركز الجزيرة للدراسات، 24 أغسطس/آب 2022، (شوهد: 10 أكتوبر/تشرين الأول 2022)https://cutt.us/l2DDU

18- الشروق، ماذا يعني إعلان بايدن تمديد حالة الطوارئ الوطنية بشأن إثيوبيا؟، 10 سبتمبر/أيلول 2022، (تاريخ الدخول: 10 أكتوبر/تشرين الأول 2022):  https://cutt.us/0EY41

19- البيان ورد على حساب مكتب تيغراي للشؤون الخارجية على تويتر:  https://cutt.us/HcjSP

20- صالح، إبراهيم، إعلان جبهة تحرير تيغراي استعدادها للتفاوض.. هل يسفر عن هدنة جديدة بإثيوبيا؟، الجزيرة، 13 سبتمبر/أيلول 2022، (تاريخ الدخول: 10 أكتوبر/تشرين الأول 2022):  https://cutt.us/ZJp5y

21- محمد علي، عبد القادر، السياق الجيوسياسي لعودة القوات الأميركية إلى الصومال، متابعات إفريقية، العدد 28، أغسطس/آب 2022، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، (تاريخ الدخول: 21 أكتوبر/تشرين الأول 2022):   https://www.kfcris.com/ar/view/post/393

22- U.S. Department of State, Digital Press Briefing U.S. Special Envoy for the Horn of Africa, Mike Hammer, 20 September 2022, (Seen: 10 October 2022) https://cutt.us/tN2UX

23- Anderson, Jon Lee, Did a Nobel Peace Laureate Stoke a Civil War?, The New Yorker, 26 September 2022, (Seen: 10 October 2022) https://cutt.us/jUt1Y

24- مجدي، مي، حقل أوغادين يعزز احتياطيات الغاز في إثيوبيا بـ7 تريليونات قدم مكعبة، الطاقة، 29 أغسطس/آب  2022، (تاريخ الدخول: 15 أكتوبر/تشرين الأول 2022):  https://cutt.us/vgsTo

25- الشافعي، هايدي، الصين وإثيوبيا.. مصالح متبادلة، المرصد المصري، 12 أكتوبر/تشرين الأول 2020، (تاريخ الدخول: 21 أكتوبر/تشرين الأول 2022): https://cutt.us/jIaaZ

26- محمد علي، عبد القادر، عسكرة القوى الكبرى لمصالحها، مصدر سابق.

27- Brookings, Challenges facing the Horn of Africa, 18 May 2022, (Seen: 21 October 2022), https://cutt.us/GIRla

28- MIE, President Isaias met and held talks with China’s Special Envoy, Shabiat, 17 September 2022, (Seen: 10 October 2022), https://cutt.us/8VU4L

29- U.S. Department of State, Joint Statement on Resumption of Hostilities in Northern Ethiopia, 12 October 2022, (Seen: 20 October 2022), https://cutt.us/rFWTZ

30- كان لافتًا إعلان واشنطن إرسال مبعوثها إلى القرن الإفريقي في زيارة إلى إثيوبيا عقب انتقادها لإريتريا واتهامها بالتدخل في الجولة الحالية من الحرب، وهو ما يؤشر إلى مخاوف واشنطن من آثار الصراع الإقليمية.