ظلت القارة الأوروبية خلال القرن التاسع عشر ترزح تحت وطأة حروب متواصلة، دارت بين مختلف دولها التي كانت تتقاتل فيما بينها لأسباب عديدة، أهمها الرغبة في التوسع أو السيطرة على مناطق ذات أهمية تخدم مصالحها الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها، وقد انعقدت خلال تلك الفترة تحالفات كثيرة بين تلك الدول، كما انفضت تحالفات أخرى، تبعاً لما يوفر الحماية لتلك الدول أو بما يخدم مصالحها، دفعت تلك الدول بجيوشها إلى ساحات المعارك لتخوض معاركها مستخدمة أحدث ما توصلت إليه من الأسلحة وفنون القتال في تلك الحقبة من الزمان، وقد كان من أول وأهم تلك الحروب سلسلة الحروب النابليونية التي استغرقت عدة عقود وخاضتها فرنسا ضد بريطانيا وبروسيا وروسيا وكانت نهايتها معركة «ووترلو» الشهيرة.

إعداد: لواء ركن (م) سعود أحمد حسون

 

بقدر ما تسببت فيه تلك الحروب من دمار ومآسي وكوارث، إلا أنه كان لها جانب آخر، فقد برز من خلالها أسماء العديد من القادة الأفذاذ على جميع المستويات، وكان من أبرزهم “نابليون بونابرت” الفرنسي و”فريدريك الأكبر” البروسي و”آرثر ويلزلي” البريطاني وغيرهم من القادة الذين كانت لهم إبداعاتهم وأفكارهم في فنون القيادة وإدارة المعارك.

بجانب هؤلاء برزت إلى الوجود مجموعة من المفكرين والمنظرين والكتاب الذين تعمقوا في دراسة فنون الحرب وقاموا بنشر بحوثهم وأفكارهم في أوساط العسكريين لدراستها والاستفادة منها في تدريب القادة وجنودهم وإعدادهم للحرب، كان من أبرز هؤلاء من الذين عاصروا تلك الحقبة من الزمن وشاركوا في خوض معاركها، “كارل فون كلاوزفيتز” البروسي و”جوميني” المواطن السويسري إيطالي الأصل والذي صار جنرالاً في الجيش الفرنسي، ولاحقاً جنرالاً في الجيش الروسي، والذي وصفه الكاتب والمؤرخ “جون شاي” بأنه مؤسس الإستراتيجية الحديثة.

المولد والنشأة 

ولد “أنطوان هنري جوميني” في مدينة “بيرن”، في مقاطعة “فود” السويسرية حيث كان والده يعمل في منصب العمدة هناك، وهي منطقة كانت تتبع لفرنسا في ذلك الوقت ويدين أهلها بالولاء لفرنسا، وكان مولده في 6 مارس 1779، وهو سليل عائلة سويسرية قديمة تنحدر من أصول إيطالية وتعتبر من العوائل الموسرة التي تعمل في مجال المال والأعمال، ومنذ صباه الباكر كان “جوميني” مغرماً بالعسكر والعسكرية وفن الحرب وكل ما يتصل بها، وكان يتطلع للعمل في هذا المجال إلا أن والداه دفعاه إلى العمل في مجال الأعمال التجارية، ونتيجة لذلك التحق عند بلوغه سن الرابعة عشر بمدرسة الأعمال في مدينة “اوراو”، في عام 1795 ترك “جوميني” الدراسة والتحق بمصرف “مونشير بريسويرك” في مدينة “بازل”، وفي عام 1796 انتقل “جوميني” إلى باريس حيث عمل أولاً في مصرف، ثم عمل كسمسار أسهم.

بعد فترة قصيرة من العمل المصرفي في باريس، نمت لديه قناعة بعدم وجود مقارنة بين العمل المصرفي  الخامل والممل والحياة العسكرية النشطة في الجيش الفرنسي، وقرر أن يكون ضابطاً في الجيش الفرنسي متى ما أتيحت له الفرصة.

حياته العسكرية

لم تكن حياة “جوميني” العسكرية حياة عادية مثل غيره من الضباط، فهو لم يرتق سلم الرتب العسكرية بجهد وعناء مثل بقية الضباط بالأسلوب العادي الذي يصل به طلاب العسكرية من الضباط، بل إنه بدأ حياته العسكرية بالعمل في وظيفة إدارية في الجيش دون أن يتلقى تدريباً أساسياً، ثم إن أصله السويسري حال دون وصوله إلى الزمالة الكاملة في السلاح، ولكنه رغم ذلك لم يكن نشاطه قاصراً على العمل الفكري والأدبي فقط، بل كانت له صلة ومشاركة فعلية في العمل العسكري الفعلي، فقد اشتملت حياته العسكرية على المساعدة في تحريك القوات في الميدان وتحمل مسؤوليته كاملة وبجدارة تجاه الأعمال القيادية واتخاذ القرارات الهامة.

قضى “جوميني” منذ عام 1798، الجانب الأعظم من حياته في الخدمة العسكرية في جيوش كل من سويسرا وفرنسا وروسيا خاض خلالها غمار العديد من المعارك التي أبلى فيها بلاءاً حسناً، وصقلته التجارب وتفتقت عبقريته وبرزت ملكاته في فنون الحرب وتحليلات ودراسات التاريخ العسكري، وانتشرت أعماله الفكرية على نطاق واسع خلال حياته وما بعدها.

الخدمة في الجيش السويسري 

عند تطبيق نوع من الحكم المركزي الجمهوري في سويسرا عام 1798 لعب “جوميني” دوراً كبيراً في مراحل تغيير نظام الحكم مما جعله يحظى بتقلد منصب جيد في الحكومة، فقد تعين سكرتيراً لوزير الدفاع وتم منحه رتبة نقيب وسرعان ما ترفع إلى رتبة رائد عام 1799، وقد تولى خلال تلك الفترة إعادة تنظيم العمليات في وزارة الدفاع، وخلال ممارسته للعمل قام بتطوير العديد من أنظمة العمل في الوزارة، كما تمكن من الإلمام بجوانب التنظيمات والاستراتيجيات واكتسب خبرة جيدة من خلال العمل فيها.

بعد عقد اتفاقية “لورنفيل” بين فرنسا والنمسا عام 1801 عاد “جوميني” إلى باريس حيث عمل مع أحد منتجي الأسلحة، لم ينل العمل في هذا المجال رضاه، واستغل ما لديه من وقت في تأليف كتابه الأول عن نظرية الحرب بعنوان “دراسة حول العمليات الحربية الكبرى” Treatise on Grand Military: Operations، في عام 1803 قرأ الجنرال “ميشيل ني” أحد كبار جنرالات “نابليون بونابرت” الكتاب وأعجب به كثيراً وتولى دعم تمويل نشره وقد ظهر الكتاب في عدة مجلدات بين العامين 1804 و1810 وسرعان ما تمت ترجمته إلى عدة لغات وانتشاره في أرجاء أوروبا.

الخدمة في الجيش الفرنسي

التحق “جوميني” عام 1805 كمتطوع في الجيش الفرنسي حيث تم تعيينه في وظيفة سكرتير في أركان الجنرال “ميشيل ني” الخاصة وكان ذلك خلال حملة “اوسترليتز”، في شهر ديسمبر من نفس العام تم تعيينه برتبة عقيد في الجيش الفرنسي، وذلك بعد أن أطلع “نابليون بونابرت” على كتابه وأبدى إعجابه به، قبل “جوميني” تلك الوظيفة دون تردد، وعمل ضمن أركان الجنرال “ني”، وقد قاتل معه في معركة “أولم”، كما كان رئيساً للأركان في معركة “جينا”.

في عام 1806 نشر “جوميني” أفكاره حول الحرب الوشيكة المتوقعة بين فرنسا وبروسيا مستمداً ذلك من إلمامه بحملات “فريدريك الأكبر” والتي وصفها “جوميني” وقام بتحليلها في كتاباته السابقة، كان ذلك سبباً في دفع نابليون إلى إلحاقه بهيئة قيادته، ورافقه في “جينا” و”ايلو” وقد نال قلادة الشرف عقب ذلك، بعد هدنة “تيلسيت” تم تعيينه رئيساً لأركان الجنرال “ني” وتم منحه لقب “بارون “، وكان للمشورة التي قدمها خلال الحرب الإسبانية عام 1808 قيمة كبيرة للقائد، إلا أن خلافاً نشأ بينه وبين رئيسه الجنرال “ني” مما أدى إلى تعرضه لأن يكون تحت رحمة أعدائه الكثيرين وخاصة “لويس الكسندر بيرتيز” رئيس أركان الإمبراطور.

الخدمة في الجيش الروسي

منذ عام 1807 تم تقديم عرض لـ “جوميني” للعمل بالجيش الروسي، إلا أن نابليون عندما سمع بنيته ترك الخدمة في الجيش الفرنسي، أجبره على البقاء في الخدمة في الجيش الفرنسي بمنحه رتبة لواء.

لعدة سنوات تالية كان لدى “جوميني” إمكانية التعيين في أي من الجيشين الفرنسي أو الروسي وذلك بموافقة قيادتي الدولتين، ولكنه وجد نفسه في موضع صعب عند اندلاع الحرب بين فرنسا وروسيا، الموقف الذي تعامل معه بتوليه قيادة غير قتالية في الخطوط الخلفية للجيش الفرنسي، وعلى ذلك فقد شارك “جوميني” في عمليات انسحاب الجيش الفرنسي من موسكو.

أدت التحولات السياسية في بروسيا إلى تحويل مسارح العمليات إلى أواسط ألمانيا، عند ذلك التحق “جوميني” فوراً بالجنرال “ني” وشارك في معركة “لوزين”، وقد أبلى بلاءاً حسناً كرئيس لأركان مجموعة فيالق الجنرال “ني” قبل وأثناء معركة “بوتزن” مما أدى إلى التوصية بترفيعه إلى رتبة لواء قائد فرقة.

عند ذلك ونكاية به لم يكتفي “بيرتيز” بشطب اسمه من القائمة، بل وجه إليه اتهام بتواطئه في تقديم تقارير أركان معينة عند طلبها، مما تسبب في سوء فهم أدى إلى عدم تحقيق النتائج المرجوة من هجوم الجنرال “ني” في “بوتزن” ولكن ذريعة الاتهام كانت في رأي “جوميني” مبتذلة ودون أساس، خلال الهدنة فعل “جوميني” ما كان ينوي فعله عام 1809 ـ 1810 وتحول إلى الخدمة في الجيش الروسي.

طبقاً لما كانت عليه موازين الأفعال في ذلك الوقت، فقد اعتبره قطاع كبير من الجيش الفرنسي وعدد ليس بالقليل من الجيش الروسي فاراً من الخدمة ومنضماً إلى العدو، في معرض دفاعه عن نفسه أعلن “جوميني” أنه كان لديه تعيين مسبق في الجيش الروسي يعلم به الجميع ، وأنه رفض المشاركة في غزو روسيا عام 1812، والأهم من ذلك كله هو تعليق نابليون على هذه الواقعة واصفاً إياه بأنه (مواطن سويسري وليس فرنسي).

كانت وطنية “جوميني” وانتماؤه إلى بلده سويسرا هو الأقوى بلا شك، لقد انسحب من العمل في جيش الحلفاء عندما اكتشف أنه لا يمكنه منع خرق الحلفاء لحياد سويسرا، بجانب حبه لوطنه سويسرا، كانت رغبته الشديدة في الدراسة وفي تدريس وممارسة فن الحرب هي الدوافع التي تحكم  كل تصرفاته.

عند التحاقه بجيوش الحلفاء تم منحه رتبة فريق، كما تم تعيينه في أركان القيصر الروسي حيث قدم مساعدات هامة خلال الحملة الألمانية، كان “جوميني” خلال تلك الفترة موضع اتهام بالإفشاء بأعداد ومواقع ونوايا الجيش الفرنسي للأعداء، إلا أن نابليون كذلك اعتبر هذا الاتهام باطلاً ولا أساس له، وكمواطن سويسري اتخذ موقفاً هاماً من الحلفاء رغم انخراطه للعمل بين صفوفهم، فقد رفض المشاركة في إقرار “قانون الراين” في “بازل” كما رفض المشاركة في الغزو اللاحق لفرنسا.

خلال عام 1815 ظل “جوميني” برفقة القيصر الروسي “الكسندر” في باريس، وقد بذل جهوداً خارقة لإنقاذ حياة صديقه القديم الجنرال “ميشيل ني”، وقد أفقده دفاعه عن الجنرال “ني” وضعه ووظيفته في الجيش الروسي، ومع ذلك فقد نجح في التغلب على أعدائه والمشاركة في مؤتمر “فيينا”.

خدمته ما بعد الحرب وتقاعده

بعد عدة سنوات من التقاعد والعمل الأدبي، واصل “جوميني” عمله  في الجيش الروسي، في حوالي عام 1823 تم ترفيعه إلى رتبة جنرال، منذ ذلك الوقت وحتى تقاعده عام 1829 كان يعمل بصورة رئيسية في مجال التعليم العسكري، حيث تولى تعليم القيصر “نقولا” (الذي صار إمبراطوراً لاحقاً) فنون العلوم العسكرية، كما قام بعمل آخر هام وهو تنظيم كلية الأركان الروسية التي تم افتتاحها عام 1832، والتي كانت تحمل اسمها الأول “أكاديمية نقولا العسكرية” حتى قيام ثورة أكتوبر البلشفية عام 1917.

في عام 1828 تم تعيين “جوميني” للعمل في ساحة الحرب مرة أخرى خلال الحرب الروسية – التركية، وقد شارك في حصار “فارنا” حيث تم منحه وشاح الأسكندر العظيم  وكانت تلك آخر خدمته الفعلية. في عام 1829 استقر المقام به في بروكسل والتي كانت المقر الدائم لإقامته خلال الـ 30 سنة التالية.

في عام 1853 وبعد أن لم يوفق في إيجاد تفاهم سياسي بين فرنسا وروسيا تم استدعاء “جوميني” إلى “سان بطرسبرج” ليكون مستشاراً عسكرياً للقيصر الروسي خلال حرب القرم، عند نهاية الحرب في عام 1856 عاد إلى بروكسل.

 أعماله وتأثيره

انتهج “جوميني” في كتاباته العسكرية التي اتسمت على الأغلب بسمات الأساليب الأدبية في الكتابة في عصر النهضة الأوروبية، وسلك أسلوباً تعليمياً إرشادياً ينعكس في شكل مفردات هندسية تمثل الأسس والخطوط الإستراتيجية والنقاط الهامة، لقد تميزت تعاليمه العملياتية بالبساطة: “ضع القوة الأكبر في النقطة الحاسمة”، وقد ركز في الفصل 25 من كتابه الشهير “دراسة في العمليات العسكرية الكبرى” على التفوق المطلق للخطوط الداخلية.

من الممكن تقسيم كتابات “جوميني” عن الحرب إلى قسمين رئيسيين، مؤلفات خاصة بالتاريخ العسكري والأخرى المؤلفات النظرية أو التحليلية، وقد ارتبط القسمين ببعضهما البعض حيث كان الكاتب يربط بين التاريخ العسكري محققاً ومحللاً حول ما حدث ولماذا حدث، وقد صدرت كتابات “جوميني” في سبعة وعشرين مجلداً تضمنت حروب “فريدريك الأكبر” وحروب الثورة الفرنسية وحروب السنوات السبع كما أصدر مؤلفاً حول حياة “نابليون بونابرت” في أربعة مجلدات تحت عنوان “الحياة السياسية والعسكرية لنابليون”.

أوجز الكاتب “كريستوفر باسفورد” وهو أحد الكتاب المتحيزين إلى حد ما، لـ “كارل فون كلاوزفيتز” (المنافس الرئيسي لـ” جوميني” في مجال النظريات العسكرية) وجهة نظره عن “جوميني” من خلال الوصف التالي الذي أورده في كتابه: ( ومع ذلك لم يكن جوميني مغفلاً، فإن ذكاءه وقلمه السلس وخبرته الحقيقية في الحرب جعلت كتاباته على درجة عالية من المصداقية والفائدة أكثر مما يحمله مجرد أي وصف مقتضب، فإنه فور تركه للخدمة مع نابليون قام بتطوير نفسه وسمعته عن طريق رفع مستوى أسلوبه في الكتابة، خلافاً لما كان عليه “كلاوزفيتز” مما عكس بحثه الدائم عن متلقين وقراء، بالإضافة إلى أنه تناول باستمرار موضوعات عملية مثل موضوعات الإمداد والقوة البحرية والتي أهملها “كلاوزفيتز” بصورة كبيرة، لقد هدفت عناصر بحوثه في موضوعات مثل ملاحظاته على القوة البحرية البريطانية وتناوله للجانب النفسي لـ “ارشيدوق” النمسا “تشارلس”، هدفت بوضوح إلى حماية موقفه السياسي وزيادة عدد قرائه، ويمكن للشخص أن يضيف قصده التقليل من شأن “كلاوزفيتز” حيث اعتبر الكاتب البروسي منافساً رئيسياً له، بالنسبة لـ “جوميني” كانت وفاة “كلاوزفتز” قبل 38 سنة من وفاته هو ضربة حظ نادرة أتت لصالحه).

تبنى “جوميني” وجهة النظر التي تدعو إلى نشر أقل قوة ممكنة تجنباً للخسائر الكبيرة، كذلك قاد التيار الذي يدعو إلى أن الحرب هي علم وليست بفن، وفي هذا الاتجاه بذل جهوداً لتطوير أكثر للأساليب العلمية في أكاديمية الأركان العامة التي ساهم في إنشائها في روسيا.

اعتبر “جوميني” أن التفكير السليم ليس كافياً وحده لكسب المعركة إذا لم يقترن بالصفات الأخرى مثل الشجاعة وقوة الابتكار والمبادأة، ولكنه أعطى أفضلية للذكاء في أمور الإستراتيجية لأنها ذات قواعد، ومبادئ ذات صلاحية دائمة والتي يمكن للعقل البشري أن يستخدمها تبعاً للمواقف المختلفة، وقد خلص إلى أن المبادئ والأصول الأساسية للإستراتيجية في خوض المعارك هي:

  • نشر القائد للجزء الأكبر من القوات في المناطق الحاسمة في مسرح العمليات، وذلك دون تعريض خطوط مواصلاته للخطر.
  • قيام القائد بالتخطيط لمناورة تمكنه من أن يشتبك بالجزء الأكبر من قواته ضد أجزاء ضعيفة من قوات العدو والقضاء عليها.
  • القيام بمناورة تكتيكية أثناء المعركة تمكنه من حشد الجزء الأكبر من قوته لزجها في المنطقة الحاسمة في ساحة العملية أو في خطوط مواصلات العدو إذا كانت ذات أهمية كبرى.
  • عدم الاكتفاء بزج القوة الأكبر في المنطقة الحاسمة فقط، بل القيام بتوزيعها وفق تخطيط مسبق للاشتراك في بقية المعركة لتحقيق قيامها بجهد مزدوج .

استطاع “جوميني” في عرضه لدراساته الاستناد على روايات من التاريخ العسكري، تم تطبيق تلك المبادئ والأصول عليها وأتت بالنتائج المرجوة وكانت المعارك التي خاضها مع “نابليون” خير شاهد على ذلك.

أبدى “جوميني” آراءه في مجال القادة والقيادة حيث أورد أن عمل القائد هو عمل ذهني ابتداء، فالجمع بين الخلق والحكمة هو الذي يصنع القائد الناجح، وقد جاءت أهم دراساته النظرية في كتابه “دراسة عن فن الحرب”.

قبل اندلاع الحرب الأهلية الأمريكية كانت أعمال “جوميني” المترجمة هي المرجع الوحيد في مجال الإستراتيجية العسكرية التي يتم تدريسها في أكاديمية الولايات المتحدة العسكرية في وست بوينت، حيث يبدأ ضباط الجيش النظامي تدريبهم، والذين صاروا جنرالات في كلا جانبي الحرب الأهلية، الاتحادي والكونفدرالي، حيث بدؤوا حياتهم بإتباع مبادئ “جوميني”، لكنهم سرعان ما أدركوا أن واقع الجغرافيا والأوضاع الأمريكية الخاصة وخاصة في الغرب، تجبرهم على التحول إلى ما وراء خطوط ونقاط “جوميني” الهندسية وإيجاد حلول إستراتيجية أخرى للمشاكل التي تواجههم .

بصورة عامة كانت نظريات “جوميني” تناسب تماماً طبيعة الحروب والأسلحة والقوات التي خاضت تلك المعارك في خلال تلك الحقبة وما تلاها، وكان لها أثر ايجابي كبير على نتائج تلك الحروب، إلا أن التغييرات التي طرأت نتيجة لمرور الزمن أضعفت من تأثير بعض تلك النظريات، أما نظرياته الباقية فلا زالت باقية وستبقى على مر الزمن، فهي التي تتعلق بالأصول الأساسية للعلم العسكري وتعريفه لمدى عمل الإستراتيجية في الحرب وأهمية التخطيط للعمليات والدور الهام الذي يمكن أن تلعبه الاستخبارات في الحرب وأهمية إنشاء هيئات الأركان حرب والأكاديميات العسكرية.

أواخر أعماله ووفاته

استقر به المقام في سنواته الأخيرة في “باسي” بالقرب من باريس وقد شغل بقية سنوات عمره بكتابة البحوث والكتيبات والخطابات المفتوحة حول موضوعات مختلفة من الفنون العسكرية والتاريخ العسكري.

في عام 1858 طلب منه الإمبراطور نابليون الثالث إعداد خطة لحملة الحرب الايطالية، كان آخر مقالاته يدور حول حرب 1866 البروسية – النمساوية وتأثير البندقية ذات التعمير الخلفي عليها.

توفى في “باسي” في 22 مارس 1869 عن عمر ناهز التسعين عاماً، وقد كان حتى تاريخ وفاته الخبير الذي انتشرت أعماله في شتى أرجاء العالم، وعمل على هديها الكثير من القادة العظام.

 

كيف تدار الحروب؟

عبدالرحمن الوابلي

في عام 1832 صدر كتاب “في الحرب” باللغة الألمانية، (Vom Kriege)، للجنرال البروسي كارل فون كلوزفيتس الذي ولد سنة 1780 في ماغدبورغ الألمانية وتوفي سنة 1832 في بريسلاو، حيث توفي قبل صدور كتابه بسنة. تناول كلوزفيس في كتابه فسلفة ومنطق الحرب ومكانة الحرب بين السياسة والديبلوماسية، ثم فصل في بقية الكتاب كيفية تطبيق مبادئ وأسس الحرب في الميادين وجبهات القتال، استراتيجيا وتكتيكيا وعملياتيا، وحدد كيفية الوصول إلى النصر العسكري. وكون الكتاب يعتبر أول كتاب يجمع بين دفتيه كل المعلومات التي يحتاج إليها الجنرالات أو السياسيون عن الحرب، فقد ترك الكتاب أثرا كبيرا وعميقا في عملية تدريب ورسم خطط الجيوش الأوروبية وطريقة أدائها في الحروب، منذ تاريخ صدور الكتاب حتى نهاية الحرب العالمية الأولى 1918. حيث أصبح كتاب كلوزفيتس في الحرب يدرس في الكليات العسكرية الأوروبية وكليات قيادات أركانها.

لقد عرف كلوزفيتس الحرب بأنها تكملة للعمل السياسي والديبلوماسي، عندما يصلان إلى حائط مسدود، حينها تستدعى الحرب للوصول إلى الأهداف التي عجزت السياسة والديبلوماسية عن الوصول إليها. وعلى أساس تعريف كلوزفيتس للحرب بنى عليه تعريف النصر العسكري، وهو كما أورده في كتابه تدمير جيش العدو وفرض الإرادة السياسية عليه. وعلى أساس تعريف كلوزفيتس للحرب توصل إلى تعريف النصر العسكري، ليتحرك في سياق متوازٍ، ويعرف الاستراتيجية والتكتيك كذلك على أنه أقصر وأقوى طريقة لتدمير جيش العدو عن طريق الصدام الجبهوي، في جبهات وميادين القتال. وسمى هذه الاستراتيجية بـ”الاقتراب المباشر” “Direct Approach”.

هذا باختصار أهم النقاط التي توصل إليها الجنرال كلوزفيتس في نظريته الاقتراب المباشر التي وردت في كتابه في الحرب، وهذا ما يهمنا الآن منها. حيث ذكر كلوزفيتس أن دور النظرية هو “ترتيب الأفكار والمفاهيم، المتشابكة والغامضة، وإظهار العلاقات المتبادلة للأشياء وإبراز بعض المبادئ أو القواعد التي تنتج عنها. مع فصل القضايا المهمة عن الثانوية، وإلقاء ضوء كاشف ينير الفهم الصحيح ويساعد على اقتلاع المفاهيم الخاطئة وتبديد ضباب الأفكار المسبقة والغامضة”. وقد أكد أن “النظرية لا تعد منهجا محددا لشكل الحرب، ولا تقدم قوانين لحل جميع المشكلات أو كل الحالات والاحتمالات وإن لكل عصر أشكاله الخاصة في الحرب ونظريته أو نظرياته الخاصة”.

في الفترة نفسها من التاريخ الأوروبي ظهر مفكر عسكري واستراتيجي آخر، هو الجنرال أنطوان هنري جوميني، المولود سنة 1779، أي قبل كلوزفيتس بسنة، في مقاطعة فود السويسرية، وتوفي عام 1869 عن عمر ناهز التسعين عاما. وخلفيته العسكرية تختلف كثيرا عن خلفية كلوزفيتس، حيث عمل في جيوش عدة، أوروبية وخاض وقاد وحدات كبيرة في حروب عدة داخل أوروبا. والجنرال جوميني متمكن من دراسة التاريخ العسكري وبتمعن، حيث شرح نظريته العسكرية التي تضاد نظرية كلوزفيتس في كتابه باللغة الفرنسية “دراسة حول العمليات الحربية الكبرى”Treatise on Grand Military: Operations”.

مع كون جوميني يشاطر كلوزفيتس في تعريفه للحرب، وهو الوصول إلى الأهداف السياسية عن طريق الحرب، حين تعجز الديبلوماسية عن تحقيق ذلك، فهو يختلف عنه بتعريف مفهوم النصر العسكري، والمتمثل في الطريقة الأمثل لفرض الإرادة على العدو، وهي تدمير أو قتل روح المقاومة لدى العدو، وليس عن طريق تدمير جيشه، وفرض الإرادة عليه. وعلى هذا الأساس لتعريف النصر توصل جوميني إلى نظريته العسكرية وهي “الاقتراب غير المباشر”، (Approach Indirect). وعلى أساس الاختلاف بين جوميني وكلوزفيتس في تعريف النصر العسكري تحدد لدى كل منهما النظرية المثلى التي ترسم بموجبها الخطط الاستراتيجية والتكتيكية وعليه أسلوب وطريقة القتال في الجبهات، للوصول إلى النصر وفرض الإرادة على العدو بالطريقة المطلوبة. حيث إن جوميني توصل إلى نظرية استراتيجية الاقتراب غير المباشر، أي عدم مجابهة العدو عن طريق صدام جبهوي مباشر، وإنما عن طريق الالتفافات الجانبية والإحاطات الخلفية إن أمكن. وعلى هذا الأساس وصفه الكاتب والمؤرخ جون شاي بأنه يعتبر وبحق مؤسس الاستراتيجية الحديثة. وكذلك استوحى المفكر الاستراتيجي البريطاني ليدل هارت نظريته “الاقتراب غير المباشر” على نظرية جوميني وروج لها، مع ذمه المبالغ به لكلوزفيتس، ونظريته “الاقتراب المباشر” وحملها ما لا تحتمل.

وبما أن معظم القادة العسكريين الأوروبيين في بداية القرن العشرين كانوا تلامذة مخلصين لفكر كلوزفيتس، فقد تبنوا مفهوم قتل إرادة القتال عند الخصم، عن طريق تدمير جيشه، والذي لا يتأتى إلا عن طريق استراتيجية الاقتراب المباشر، المعتمد على الهجوم الجبهوي على جيش الخصم لتدميره والقضاء عليه، وهذا ما حدث بالفعل في إدارتهم للحرب العالمية الأولى (14- 1918). ومع تطور الأسلحة الدفاعية آنذاك حصلت مجازر متبادلة بين الجيوش المتقاتلة، مما أدى إلى جمود الجبهات وعدم تحركها.

وبعد انتهاء الحرب ظهر بعض القادة العسكريين الميدانيين الشباب، مثل العقيد الفرنسي ديجول، والألماني رومل، والبريطاني فولر، والسوفيتي زوكوف، والذين بدورهم انتقدوا وبشراسة إدارة جنرالاتهم العجائز للحرب، وتبنوا مفهوم وفكر جوميني في الحرب وإدارتها، حيث أكدوا أهمية الهجوم غير المباشر، وإن هذه الاستراتيجية هي الكفيلة بشل إرادة الخصم على القتال، في ظل ظهور أسلحة سريعة ومدمرة وفتاكة، مثل الطائرة والدبابة والمدفعية الثقيلة والكثافة الهائلة في زخ النيران.

وبما أن القادة الكبار لم يتغيروا كثيرا في كل من فرنسا وبريطانيا، وتغيروا في ألمانيا، بسبب تحجيم جيشها وتسريح قادته العجائز، والاكتفاء بجيش نخبوي صغير يقوده قادة شباب، فقد طبقوا لأول مرة استراتيجية الحرب الخاطفة (blitzkrieg)، للوصول إلى هدف شل إرادة القتال عند الخصم، بدون صدام جبهوي مباشر معه، وحققوا في ذلك نجاحات وانتصارات سريعة، مبهرة وكاسحة على جيوش الحلفاء في بداية الحرب العالمية الثانية، (39- 1940). مما اضطر الحلفاء لتبني هذا الأسلوب في الحرب، والذي أدى إلى تحرك الجبهات وتبادل الانتصارات.

النظريتان أعلاه تنطبقان على الحروب التقليدية بشكل عام، أي أن يكون هنالك جيوش تتقاتل على جبهات محددة ومعلومة، لذلك تنطبق عليها مفاهيم الحرب التقليدية. ولكن عندما لا تكون هنالك جبهات قتال واضحة ومحددة تتحول الحرب إلى حرب غير تقليدية، لا يمكن التنبؤ بنتائجها بسهولة، ولا التنبؤ بمدتها، عندها يكون من لديه النفس الأطول ويتحمل الخسائر أكثر، هو المنتصر.