1-الشيخ “ضاري” وقتل الكولونيل “لجمان”

محمد عبدالرحمن عريف

    ما أن أعلنت الثورة في مدينة النجف في يوم 21 تموز/ يوليو، انسحب معاون الحاكم السياسي للمدينة حميد خان من السراي الحكومي بهدوء وبدون أي مشاكل وأصبحت مدينة النجف بعد إعلان التمرد تحكم نفسها بنفسها شأنها شأن جميع المدن العراقية التي أصبحت لا تخضع لسلطة الإدارة البريطانية المتواجدة في العراق حيث تقرر في النجف تشكيل مجلسين هما الجلس التشريعي ومجلس تنفيذي على أن يكون عدد أعضاء المجلس التنفيذي للمدينة أربعة أشخاص وهو رؤساء المحلات الأربعة الموجودة في النجف وعلى ان يكون عدد أعضاء المجلس التشريعي ثمانية أشخاص يجرى انتخابهم من المحلات حيث جرت الانتخابات في يوم 25 آب/ اغسطس.

  جاءت المفاوضات، وكانت أولى شروط القائد الإنجليزي للوفد هو تسليم الأسرى الذين كانوا معتقلين في خان شيلان بالنجف فجرى تنفيذ الطلب وسلم الأسرى في اليوم الثاني إلى القوات الإنجليزبة ولكن الإنجليز لم يعلنوا جميع شروطهم للوفد وذلك لإنشغال قواتهم في قتال في مناطق أخرى وفي صباح يوم 16 تشرين الثاني/ نوفمبر تلى الإنجليز على علماء ووجهاء النجف بقية الشروط عليهم وذلك بعد أن قاموا بحشد العديد من قواتهم بالقرب من المدينة وقد تم تنفيذ جميع شروط الإنجليز وبعدها دخلت تلك القوات المدينة وقامت بإغلاق باب السور وقامت بمنع الدخول والخروج من وإلى المدينة إلا بإذن منها وقد استمر هذا الحال لمدة 24 يومًا. 

  بعد هذا التاريخ أضطر رؤساء العشائر المترددون إلى الانضمام إلى الثوار تحت ضغط الرأي العام الذي كان يعد كل من لا ينضم إلى الثورة كافرًا، وقام الثوار ومن إنضم معهم بحصار الحامية الإنجليزية الموجودة في الكوفة والتي كان يقدر عدد أفرادها بـ750 شخصًا مؤلفة من الجنود, الشبانة, الشرطة والموظفين وكان يرأس الحامية الميجر نوربري وقد بدا الحصار الفعلي للحامية في يوم 21 تموز/ يوليو، وأناط الثوار بأمر الحصار بعلوان الحاج سعدون رئيس بني حسن، وقد كانت الحامية قد تحصنت في الخانات المشرفة على النهر كما كانت الباخرة الحربية آير فلاي قد رست في النهر تجاه الحامية لحمايتها، وقد كانت الطائرات الإنجليزية تقوم بالإغارة على الكوفة طيلة مدة الحصار على الحامية وفي يوم 24 تموز/ يوليو ألقت إحدى الطائرات ثلاث قنابل على جامع الكوفة الكبير فأدى ذلك إلى مقتل العديد من الناس الذين كانوا متواجدين في الجامع، وقد استمر حصار الثوار للحامية الإنجليزية زهاء ثلاثة أشهر وفي يوم 17 تشرين الأول/ أكتوبر، وعند الساعة الثامنة صباحًا وصلت القوات الإنجليزية إلى الأطراف الشمالية من البلدة وكان الثوار متجمعين في البلدة وبعد معركة ما بين الطرفين استطاعت القوات الإنجليزية دخول البلدة وكان ذلك عند الساعة التاسعة والنصف من صباح نفس اليوم كما تم في اليوم نفسه فك حصار الحامية الإنجليزية وفي يوم 20 من نفس الشهر استعادت القوات الإنجليزية المدفع الذي كان الثوار قد غنموه منهم في معركة الرارنجية والذي كان قد أستعمل في قصق الحامية الإنجليزية إثناء فترة الحصار لها.

   لقد مارست بريطانيا سياسة الاستبداد في العراق القائمة على اضطهاد سكانه ومعاملتهم بقسوة في ثورة العشرين ومضت على هذا الأسلوب في محاولة منها لكسب بعض رؤساء العشائر وجعلهم موالين لها خدمة في تحقيق أهدافها ومصالحها، فانضوى بعضهم للخدمة المدنية عند الضباط السياسيين البريطانيين فحققت بذلك سلطة داخلية محكمة. لكن كل ذلك أخرج ما بداخل قادة العشائر، وهنا عرض لنماذج عشائرية.

    فهذا ضاري بن محمود الزوبعي شيخ قبيلة زوبع إحدى بطون شمر وأحد المساهمين في ثورة العشرين في العراق ضد الاحتلال البريطاني للعراق. كان له دور في تفجير الثورة حيث أن الحاكم الإنجليزي في حينها الكولنيل ليجمن طلب الشيخ ضاري، رفض الشيخ في بادئ الأمر المثول إليه لعلمه بأنه سوف يطلب منه التعاون مع الإنجليز ضد العراقيين. بعد إرسال الطلب إليه مرارًا ذهب الشيخ ضاري وبرفقته أولاده خميس وسليمان و21 رجل مسلح من قبيلة زوبع.

   البدايات جاءت في أعقاب ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني في العراق، لجأت بريطانيا إلى التخفي وراء واجهة “وطنية”، لأن الحكم الاستعماري المباشر يستفز المواطنين ويؤلبهم ضد الغزاة، في حين تكون المتاريس “الوطنية” قادرة في بعض الأحيان، على امتصاص النقمة وتأجيل الانفجارات المحتملة. ولجأت بريطانيا أيضاً الى إعادة النظر بمواقع رجالها، وبالمهمات المنوطة بهم، وبالبؤر التي ساهمت في الثورة وكانت لها فيها ادوار مهمة، لتجتث العناصر الخطرة ولتمنع تكرار المناخات التي تؤدي إلى الثورة مرة أخرى.

   من جملة المناطق التي أولتها بريطانيا عناية خاصة: البادية الغربية الممتدة على ضفاف الفرات، لكي تؤمن الملاحة لسفنها، وبالتالي السيطرة على المنطقة الوسطى صعوداً حتى الحدود التركية في الجزيرة. وباعتبار أن قبيلة “زوبع” الكبيرة تسكن هذه المنطقة، ولأن زعيم هذه القبيلة وعدداً غير قليل من افرادها شاركوا في الثورات والتمردات، فقد جاء الآن الوقت للانتقام وتصفية حساب الماضي من ناحية، ولعدم تكرار مثل هذه المشاركة في المستقبل من ناحية ثانية.

  كان من ضمن الوسائل التي اعتمدتها بريطانيا في معاقبة المنطقة وزعمائها أن شددت عليها الحصار، واتهمت الكثير من أفراد زوبع بقطع الطرق، وجعل الملاحة في الفرات صعبة أو مستحيلة، اللهم إلا إذا كانت على شكل قوافل وبحراسة عسكرية مشددة. كما لجأت بريطانيا إلى التضييق على الزعماء وعلى الذين شاركوا في الثورة، من خلال زيادة الضرائب أو المطالبة بضرائب سابقة، وفي حال التأخر أو الامتناع عن ادائها ضمن المهل المحددة، كانت بريطانيا تقطع المياه عن أجزاء كثيرة من المنطقة، لإتلاف المحاصيل الزراعية، ولإلحاق أكبر الأذى والخسائر بالسكان وبالثروة الحيوانية، الأمر الذي كان يضطر العديدين إلى الرحيل نحو المراعي والمياه، وإلى العودة من جديد، لحياة البداوة الكاملة.

   وإذا كان هناك مواقف لا تحصى لمقاومة السكان للاحتلال البريطاني، والمتاعب التي خلقوها لهذا الاحتلال، فإن الصراع الذي دار بين الشيخ ضاري المحمود، زعيم قبيلة زوبع، والكولونيل لجمان، المسؤول البريطاني السياسي للبادية الغربية، يعتبر مظهراً للإصرار المتبادل بين الطرفين على أن ينهي كل منهما الآخر، ليس من خلال تسجيل النقاط، وانما بالضربة القاضية إذا أمكن!.

   فالشيخ ضاري الذي شارك في ثورة العشرين، وكان همزة الوصل بين الثورة في الفرات الأوسط والجنوب، وبين المنطقة الوسطى والشمال، كان يمون الثورة بالرجال والسلاح والمؤونة من أجل استمرارها وتحقيق النصر على الغزاة. والإنجليز الذين عانوا الكثير ودفعوا ثمناً غالياً لأن العراق ثار من شماله الى جنوبه، لم ينسوا مواقف اعدائهم، وكانوا يتحينون الفرص لكي ينتقموا منهم، وكان الشيخ ضاري ضمن هؤلاء، خاصة أنه مثل التحالف العضوي الوثيق بين السنّة في علاقتهم مع الشيعة في مواجهة الغزاة، وامتزجت الدماء ببعضها لتؤلف صيغة نموذجية للمقاومة الوطنية العامة والشاملة.

   أما الكولونيل لجمان، الطرف الثاني في هذا الصراع، فيعتبر واحداً من الرهط المتقدم للجواسيس البريطانيين الذين أموا المنطقة العربية ولعبوا دوراً مميزاً، خاصة في العراق، ولد لجمان في مدينة بتر سفيلد الانجليزية عام 1880، ودرس العلوم العسكرية في كلية ساند هرست، وتخرج منها متفوقاً ليبدأ مغامراته في شتى المستعمرات البريطانية، بدءاً من جنوب افريقيا إلى الهند. وبعد أن جال في أماكن عديدة، استهوته البلاد العربية بشكل خاص، فتوقف طويلاً في موانئ الخليج العربي، ولم يترك بلدة عربية في المشرق إلا وزارها. فمن القدس إلى حلب إلى بيروت فدمشق إلى القاهرة، ثم المدن الأصغر مثل دير الزور وطرابلس وصيدا وغيرها الكثير. وفي إحدى زياراته بدأ بتعلم العربية، وكان له مدرسون في معظم المدن التي زارها أو مر بها، وكان لهؤلاء المعلمين أكثر من دور، يتضح ذلك من خلال الخدمات التي كانوا يقدمونها للجمان أو المهمات التي كانوا يقومون بها. ورغم أنه كان موضع شك من قبل السلطات التركية، وخضع لمراقبة “الخفية” أي البوليس السري التركي، فقد استطاع أن يموه تحركاته ويواصل مهماته، سواء من حيث تغيير الزي الذي كان يرتديه، أو من خلال المهن التي كان يمارسها.

   في عام 1910، وبعد أن غادر كربلاء توغل في الصحراء مسافة 750 ميلاً ثم رجع إلى بغداد ليبدأ رحلة إلى كردستان والأناضول قاطعاً 1300 ميل، ليعود مجدداً إلى فلسطين، و”ظل هناك وقتاً طويلاً يكتب التقارير عما رآه في جولاته إلى قيادة الجيش الهندي ومكتب الاستخبارات، ويحرر المقالات لمجلة الجمعية الجغرافية الملكية”. وبعد تطواف واسع وأعمال متعددة أخذ يخدم في دائرة الاستخبارات البريطانية في البصرة متعاوناً مع السير برسي كوكس وولسن وفيلبي “وكان بين مساعديه عالم الآشوريات المعروف ايس”.

    اشترك لجمان في جميع المعارك التي دارت بين الإنجليز والجيش التركي في العراق، بدءاً من البصرة حتى الموصل. أما بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها، فقد تنقل في وظائف وأماكن إلى أن أصبح المسؤول السياسي عن البادية الغربية، وفي هذه البادية بدأ النزال بينه وبين الشيخ ضاري.

   اذا تركنا كمًا غير قليل من التفاصيل المتعلقة بنظرة لجمان وموقفه من ضاري المحمود وزوبع خلال الفترات السابقة، فإن الاجتماع الذي عقده لجمان في الرمادي لوجهاء وشيوخ المنطقة، وكان بينهم ضاري، حدد المواقف والاحتمالات بصورة نهائية. ففي الوقت الذي كان لجمان يعزف على الوتر الطائفي ويحاول أن يزرع الانقسام والفرقة، كان الشيخ ضاري ضد هذا الطرح، وقال رأيه بصراحة، كما اشتبك مع لجمان في مناقشة حامية وهو يشجب الروح الطائفية، ويطلب من المجتمعين نبذها، والتشبث بالروح الوطنية الجامعة لأنها وحدها وسيلة النجاح والشرف والارتباط بالوطن.

   لقد ترك لجمان شهرًا يمر بعد هذا الاجتماع وبعث يطلب من ضاري أن يوافيه إلى “خان النقطة” وهو مقر عمله، ويقع بين الفلوجة وابو غريب. وضاري الذي اعتذر اكثر من مرة عن تلبية الطلب بحجة المرض ما لبث أن اضطر إلى لقائه، وقد حصل هذا اللقاء يوم 12 آب/ أغسطس 1920. بالفعل وصل ضاري إلى خان النقطة قبل وصول لجمان إليه، فقد قضى لجمان ليلته السابقة في بغداد وتناول طعام العشاء مع المس بيل، ومع قادة آخرين، وقد تداولوا في الخطة التي يجب اتباعها مع ضاري. فما كاد لجمان يصل إلى المخفر حتى ادعى أنه اضطر إلى سلوك طريق غير عادي، نظرًا لأن زوبع تقطع الطرق. كان وهو يتحدث مع ضاري يشتم ويتهم بهدف الاستفزاز والتحدي، وكان ضاري يحاول ما استطاع أن يتحمل ويصبر ويوضح، لكن الطرف الآخر يزداد حدة ورفضًا.

   في هذه الاثناء وصلت جماعة وهي تصيح وتستنجد معلنة أن البدو قطعوا الطريق وسلبوا المسافرين، فطلب لجمان من القوات الموجودة في المخفر أن تصطحب عددًا من رجال ضاري وتتعقب الجناة، ودخل مجددًا غرفته ومعه ضاري، واستمر في الإهانة والتأنيب، ووصل الأمر حدود التهديد بالتصفية إذ لم يغير ضاري في سلوكه ومواقفه، وأشار إلى ما لحق عددًا من الزعماء الوطنيين نتيجة عدم الامتثال لأوامر بريطانيا من نفي وسجن وتشريد. وضاري الذي كان يستمع وينفي أية مسؤولية عما وقع من حوادث، وان زوبع لم تشارك فيها، حاول أن يتجنب الصدام، لكن حين بلغت الإهانات حدًا جارحًا اقرب إلى السباب والشتائم خرج من الغرفة للحظة وأبلغ من بقي من جماعته، وبكلمات قليلة، أن لجمان تجاوز كل الحدود في التعامل معه، وهنا هب اقرباء ضاري وأفراد من جماعته لنجدته.

   اطلق ثلاثة من رجال ضاري، ابنه ومعه اثنان، النار على لجمان وأصابوه إصابات بالغة، وحين كان يتخبط بدمائه ولم يمت بعد أجهز عليه ضاري نفسه بالسيف، وهكذا انتهى واحد من اشرس ضباط بريطانيا وأكثرهم دموية وقسوة، وكانت خسارته بنظر قادته ورؤسائه كبيرة لا تعوض.

  يقول بعض مؤرخي حياته “أنه كان جريئًا ونشيطًا وذا مزاج شاذ يقوده في أغلب الأحوال إلى التهور”، وهو بنظر الانجليز أنه ضرب “بقسط وافر في سياسة بريطانيا على الصعيد العربي أكثر من أي شخص آخر” ووصفته وزارة الحربية الانكليزية بعد مصرعه بـ”أنه رجل أقوى من الصعاب، وأنه يستطيع السفر والعيش دونما شوق إلى وسائل الراحة التي وفرتها للإنسان حضارة الغرب، وأنه كان معتدًا بثقافته الأوروبية”. وتضيف الوزارة المذكورة أنه “كان قادرًا على مشاركة وجدانية في تقاليدها الثابتة، وعلى العيش عيشة عربية بالرغم من تشبثه بتفكيره الخاص”.

   بعد مقتل لجمان بدا واضحًا أن المنطقة بأسرها، وزوبع على التحديد، ستتعرض للانتقام، الأمر الذي دفع الجميع للاستعداد وإلى المبادرة لإشغال الانجليز ومن ثم إلى إرهاقهم، فتم الاتصال مع القبائل الاخرى والتنسيق معها، وإلى إحياء الأحلاف القائمة بينها، كما لجأ ثوار زوبع إلى قطع الملاحة في نهر الفرات، وإلى تكبيد السفن التي تمر فيه خسائر فادحة، إذ أغرقوا بعض السفن، وإلى قتل عدد كبير من أفراد الحاميات الانجليزية، وإلى نسف أجزاء من السكة الحديدية لمنع وصول الامدادات والنجدات، كما اشتكبت هذه القوات مع القوات الانجليزية في أكثر من موقع. ولعل أبلغ الخسائر وأكثرها تأثيرًا سيطرة الثوار على النهر وشل الحركة فيه، مما أعاق حركة الانجليز وجعلهم يحشدون قوات كبيرة لمعاقبة القرى وسكان ضفاف النهر. وبعد جهد وتضحيات كبيرة قدر لبريطانيا أن تحرر سفنها المأسورة وأن تنقذ أعدادًا من الجنود والبحارة الذين كانوا على متونها، وبدا واضحًا أن الكفة أخذت تميل لصالح الانجليز، مما دفع ضاري وعددًا كبيرًا من المقاتلين إلى الاتجاه نحو الشمال، خاصة بعد أن توسع استعمال الطيران وملاحقته للثوار، ووقوع عدة معارك كانت الغلبة في أكثرها للجانب البريطاني، نتيجة التفوق بالاسلحة الحديثة والأعداد الكبيرة من الجنود التي تم حشدها.

   في 23 أيلول/ سبتمبر أمر الفريق هولدن بتوجيه قوة عسكرية كبيرة للقضاء على مقاومة ضاري، فدكت هذه القوة قلعته وقطعت الماء عن مزارعه وأدت إلى انكسار الثوار. وفي اليوم التالي احتفل بالفلوجة بالنصر على زوبع وضاري. وبدأ التفكير بالانتقال إلى مكان أكثر أمنًا، وباعتبار أن زوبع تنتشر على ضفاف الفرات فقد اتجهت الانظار إلى جبل سنجار والجزيرة وصولًا إلى ماردين، وهكذا ارتحل القوم إلى هناك. ورغم أن عفواً عاماً صدر بعد ثورة العشرين، إلا أنه استثنى ضاري وأولاده وعدداً من زوبع، مما اضطر هؤلاء إلى البقاء في الأماكن التي وصلوا إليها، فأقام ضاري في قرية من قرى الجزيرة السورية حتى عام 1927.

   تقدم ضاري كثيرًا في العمر وتعرض لأمراض عدة، مما أدى إلى انهاكه وثقل حركته واضطراره إلى مراجعة الأطباء بين فترة وأخرى، وفي احدى هذه المراجعات، وكان يفترض أن يتوجه إلى حلب للمعالجة، فقد حمله سائق سيارة الأجرة، الذي كان متواطئًا مع الانجليز وعينا على ضاري، حمله بالاتجاه المعاكس وسلمه إلى مخفر سنجار، وكان ضاري وحيدًا وأعزل ومريضًا. فأوقف بضعة أيام في المخفر المذكور ثم نقل بعدها إلى بغداد. وفي بغداد لم تتح السلطات البريطانية لضاري امكانية المعالجة فأخذت صحته تسوء وتتدهور يومًا بعد آخر، ورغم ذلك قدم للمحاكمة، وزعم الطبيب الانجليزي الذي فحصه أن المتهم في وضع صحي يحتمل المحاكمة. وقد جرت المحاكمة فعلًا، وقدمت السلطات عددًا من الشهود الذين شهدوا ضده، في الوقت الذي امتنعت او اخرت سماع عدد من شهود المتهم، وبعد محاكمة سريعة وشكلية، كان المتهم خلالها في حالة من المرض الشديد والإعياء البالغ، بحيث بدا اقرب إلى الغياب عن الوعي، وبالتالي عاجزًا عن الدفاع عن نفسه. وصدر الحكم على الشيخ ضاري بالإعدام ثم ما لبث أن خفف إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.

   كان ضاري في الثمانين من العمر لما صدر عليه حكم الاعدام. وفي لحظة وعي قال للقضاة أنه على وشك الموت ولا يبالي بأي حكم يصدر عليه، وأنه إذا لم يمت الآن، وفي هذا المكان، فسوف يموت غدًا وفي السجن. وهذا ما حصل بالفعل، إذ ما كاد يصل إلى السجن حتى اشتد مرضه ودخل في غيبوبة.. وبدل أن ينقل إلى المستشفى فقد جرى تمريضه وأشرف عليه بعض السجناء خاصة من زوبع، لكن عند الفجر اسلم الروح، وهكذا انقضت حياة واحد من أبرز ثوار العراق في الأول من شباط/ فبراير عام 1928.

   ما كاد يعلن الحكم ويصل إلى اسماع الجماهير حتى هاجت وتجمع الكثيرون منهم عند مكان المحاكمة ثم بالقرب من السجن. أما عندما أعلن عن وفاة ضاري في اليوم التالي فقد بلغ غضب الجماهير حدًا لا يوصف، فتجمع الآلاف وأرادوا انتزاع الجثمان، لكن قوى السلطة حالت بينهم وبين ذلك، بحجة تشريح الجثة ومعرفة أسباب الوفاة! وأن السلطة ستلجأ إلى نقل الجثمان لمقبرة الشيخ معروف. وبعد أخذ ورد، ومفاوضات شاقة، أمكن الوصول إلى اتفاق يحفظ الأمن والنظام أثناء التشييع.

  مرت الجنازة في احياء عديدة، وعبرت النهر إلى صوب الكرخ، وصدف أن كان المندوب السامي متجهًا لإلى دار الاعتماد حين كانت الجنازة تجتاز الجسر، فاضطر هذا الأخير إلى أن يقفل راجعًا.

   بعد ثلاث ساعات، وهي المدة التي استغرقتها الجنازة إلى أن وصلت إلى المقبرة، ظلت الجماهير محتشدة ما يزيد على ساعتين لكي تنتهي المراسم. أما من انزل الجثمان إلى القبر فقد كان تلاميذ المدارس، صغار السن، الذين اصروا على ذلك، واستجاب لهم الكبار، وكانت الدموع تنحدر على الوجوه وهلاهل النساء تملأ الفضاء، وكانت الأهزوجة التي تتردد كالرعد هي:

عاينوله للكاتل لجمن

هز لندن ضاري وبكاها

منصورة يا ثورة ضاري

ساعة ومضمومة يا لندن

الدنيا غدارة يا ابن العم

نام هنيه يا كاتل لجمن

يا شيخ اتهنه بها النومة

   كانت القوات البريطانية المحتلة تريد نقله إلى لندن لدفنه هنالك لكن المظاهرات التي حدثت في بغداد آنذاك أجبرتهم على تسليمه للعراقيين وتم دفنه في مقبرة الشيخ معروف في بغداد بجانب الكرخ وحضر جنازته ودفنه جموع هائلة من العراقيين يغمرهم الحزن على فراق بطل استرد شيئًا من كرامة العراقيين بعد الاحتلال وماثلًا في الصمود بوجه الأعداء.

 

Print Friendly, PDF & Email
blank