انسحاب القوات العسكرية الفرنسية من مالي، وقبله إعلان باريس عن بداية سحب الوحدات القتالية المشاركة في عملية برخان، كشف عن أهمية المجال الجوي الجزائري بالنسبة للطيران الفرنسي، وكشف أيضا عن حجم الأزمة التي أحدثها قرار الجزائر منع مرور طائرات فرنسية في المجال الجوي الجزائري الخريف الماضي.

مع تواصل سحب القوات الفرنسية العاملة على مكافحة الإرهاب من دولة مالي، يطرح السؤال التالي “هل يعني الانسحاب توقف الحرب الفرنسية على الإرهاب في الساحل؟” الجواب مبدئيا هو النفي، لأن القوات المسلحة الفرنسية لديها أكثر من وسيلة لمحاربة الإرهاب وتوجيه ضربات للجماعات الإرهابية في صحراء مالي والنيجر، وهي المعاقل الرئيسية للجماعات الإرهابية في الساحل والصحراء حتى بعد إنهاء سحب قواتها من دول مالي، النيجر وحتى من بوركينافاسو، كما أن ضرب الجماعات الإرهابية في الصحراء الكبرى هو أمر يتعلق بالأمن الفرنسي والأوروبي بشكل عام، فالمنطقة تشهد بشكل دوريا خطف رعايا دول أوروبية تتم مساومة حياتهم مقابل فدية مالية.

نقلت القوات الفرنسية العاملة ضمن ما يسمى عملية براخان، جزء مهما من قواتها التي كانت منتشرة في دولة مالي في الفترة بين عامي 2017 و2020، وبالتالي، فإن أي حديث عن انسحاب قوات عسكرية فرنسية من مالي، لا يعني بالضرورة أن الفرنسيين  توقفوا عن محاربة الإرهاب في الساحل والصحراء، بل قد يكون الأمر مجرد عملية إعادة انتشار للقوات الفرنسية في المنطقة الجغرافية التي يمتد مدى نشاطها عبر 05 دول، هي موريتانيا بوركينافاسو، مالي، النيجر والتشاد، وحتى مع تنفيذ قرار الانسحاب الكامل للقوات الفرنسية من منطقة الساحل ضمن قرارات باريس المعلنة لسحب القوات المشاركة في عملية برخان،

القراءة الصحيحة يمكن تلخيصها في الفكرة التالية، وهي استمرار الفرنسيين في توجيه ضربات انتقائية دقيقة للجماعات الإرهابية دون تواجد مباشر فوق الأرض، هذه الضربات ستكون بوسائل أبرزها الطائرات الحربية، فرق كوموندوس وطائرات مسيّرة دون طيار، والحقيقة التي تثبتها تطورات الوضع في الفترة بعد عام 2018، هي أن القيادة العسكرية الفرنسية غيّرت منذ نحو 04 سنوات، تكتيك مكافحة الإرهاب في الصحراء الكبرى والساحل، فبدأت منذ عام 2018 في تنفيذ عمليات سريعة ودقيقة ضد قيادات جماعات نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة “داعش” فرع  النيجر، أسفرت عن مقتل مجموعة من كبار قادة هذه المنظمات، يتقدمها عبد المالك درودكال، أمير تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الذي قتل في جوان 2020 في عملية دقيقة شمال مالي، وجمال عكاشة القائد العسكري لكتائب الصحراء في تنظيم القاعدة، وأخيرا أمير فرع تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى المنشق عن جماعة المرابطين، عدنان أبو الوليد صحراوي، مخطط  العمليات المرن الفرنسي يحتاج لقواعد عسكرية في محيط الصحراء الكبرى القريب، وأهمها موجودة بالفعل في التشاد، حيث توجد أحد أهم القواعد العسكرية الفرنسية في إفريقيا.

وهذا يفسر التحاق التشاد في البداية بالقوات المشاركة في الحرب على الإرهاب في شمال مالي، اعتبارا من عام 2013 تاريخ التدخل الفرنسي، ثم بمجموعة 5+1 لمكافحة الإرهاب في الصحراء التي تضم، إضافة إلى تشاد مالي النيجر بوركينافاسو وموريتانيا + فرنسا، القوات الفرنسية الموجودة في التشاد، بدورها  تحتاج للإعاشة ونقل مؤن من فرنسا في مسار جوي يبدو أطول من مسار الرحلة من فرنسا إلى مالي.

وبما أن التكتيك الجديد حقق نتائج مباشرة وقوية بالنسبة للفرنسيين، بخسائر أقل وفاعلية أكبر، فإن استمرار القوات الفرنسية في انتهاج هذه التكتيكات، مرجّح  بشكل أكبر، وهذا يفسر سبب إصرار باريس على إتمام الانسحاب من الأرض  والسيطرة  إن جاز القول على الجو، بمعنى آخر، فإن الانسحاب لا يعني توقّف الحرب على الإرهاب في الصحراء، بل استمرارها بأسلوب جديد أقل كلفة وبفاعلية أكبر انطلاقا من عقيدة ضرب القيادات العليا للجماعات الإرهابية ومراقبة تحركاتها على مدار الساعة.

تغيير طريقة تعامل القيادة العسكرية الفرنسية مع التهديد الإرهابي، بالاعتماد على ضربات مركّزة تنفّذها قوات جوية وقوات خاصة محمولة بالجو، يمكنها أن تنطلق من قواعد داخل الأراضي الفرنسية، تفسّر الجدل الذي أثاره قرار الجزائر قبل أشهر وقف، ثم تقييد حركة الطيران العسكري الفرنسي المشارك في الحرب على الإرهاب في  الساحل والصحراء، لأن الممرات الجوية الأقرب بالنسبة للاستراتيجية الجديدة، والحديث هنا عن الخط المستقيم  الرابط  بين فرنسا والصحراء الكبرى، يمر فوق المجال الجوي الجزائري، وفي عرف العمليات العسكرية السريعة يكون اختصار وقت وصول الطائرات من داخل فرنسا إلى الصحراء الكبرى، هو مسألة حيوية جدا وبالغة الأهمية.