منذ بدء عملياتها العسكرية في أوكرانيا، تتعرَّض روسيا لحملة من الضغوط الدولية غير المسبوقة في العصر الحديث، لم تقتصر على العقوبات الاقتصادية فحسب، بل امتدت إلى محاولة عزلها دوليّاً، بالعمل على تجميد عضويتها في بعض المؤسسات والتجمعات الدولية. ومن أحدث هذه المحاولات، إعلان الرئيس الأمريكي “جو بايدن” –خلال مشاركته في مؤتمر صحفي على هامش مشاركته في قمة قادة دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل في 24 مارس 2022– عن تأييده استبعاد روسيا من مجموعة العشرين، وهي الدعوة التي تلقى معارضة قوية من قبل بعض أعضاء المجموعة؛ الأمر الذي أثار بعض التساؤلات حول حدود قدرة الدول الغربية على تهميش روسيا دولياً، والخيارات المتاحة أمام واشنطن، وكذلك التداعيات المحتملة لهذه المحاولات.

فرص محدودة

من المرجح أن تواجَه محاولات الدول الغربية لاستبعاد روسيا من مجموعة العشرين، بمجموعة من العقبات؛ من أبرزها:

1– الدعم الصيني القوي لروسيا: تعد بكين حليفاً رئيسياً لموسكو، وقد أعلنت دعمها استمرار وجود روسيا في مجموعة العشرين، واصفةً إياها بـ”العضو المهم” في المجموعة. وشدد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية “وانج وين بين” على أنه “لا يحق لأي عضو استبعاد دولة أخرى من العضوية”.  في الوقت نفسه، تسعى بكين إلى الضغط على إندونيسيا الرئيس الحالي لمجموعة العشرين والمضيفة لقمة هذا العام؛ لمنع طرح الأزمة الأوكرانية على جدول أعمال المجموعة، باعتبار أنها ليست المنتدى المناسب لمناقشة هذه القضية، وأنها معنية في الأساس بمناقشة القضايا الاقتصادية العالمية.

عملت بكين أيضاً على دفع إندونيسيا –التي تربطها بها علاقات اقتصادية وعسكرية وطيدة– إلى مقاومة الدعوات الغربية إلى تعليق عضوية روسيا في المجموعة. وقد أعلنت إندونيسيا، على لسان مسؤوليها، أنها ستبقى على موقفها المحايد من الأزمة، مشيرةً إلى أنها تولت رئاسة مجموعة العشرين بناءً على قواعد وإجراءات معينة، مثل الرئاسة السابقة (إيطاليا)، وأنها دعت جميع أعضاء مجموعة العشرين مثلما فعل الرئيس السابق للقمة، بما في ذلك توجيه الدعوة إلى الرئيس “فلاديمير بوتين” لحضور قمة المجموعة التي ستُعقَد في بالي خلال أكتوبر المقبل.

2– ضعف التوافق بين الدول الأعضاء على استبعاد روسيا: في الوقت الذي وافقت فيه ما كانت تُعرَف بمجموعة الثماني في عام 2014، على استبعاد روسيا من اجتماعاتها، عقب ضمها شبه جزيرة القرم، لتتحول إلى مجموعة السبع (كندا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة)، فإنه في المقابل، ليس هناك إجماع بين دول مجموعة العشرين، في الوقت الراهن، بشأن مسألة تعليق عضوية روسيا.

بجانب الصين وإندونيسيا، من المرجح أن تدعم بلدان أخرى استمرار عضوية روسيا في مجموعة العشرين، وهي البلدان التي امتنعت حتى الآن عن إدانة العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا داخل أروقة منظمة الأمم المتحدة، ولم تفرض عقوبات اقتصادية عليها، وهي أقرب إلى تأييد موسكو بحكم المصالح الاقتصادية والعسكرية. ويأتي في مقدمة هذه البلدان، كل من الهند، وجنوب إفريقيا، والبرازيل، وتركيا.

3– عدم وجود آلية مؤسسية لاستبعاد دولة عضو من المجموعة: تعد مجموعة العشرين منتدى دوليّاً غير رسمي، وليس لديها سكرتارية تنفيذية دائمة، ولا يتوافر بها آلية رسمية واضحة لكيفية استبعاد دولة من عضوية المجموعة، ما لم تتخذ موسكو مثل هذا القرار من تلقاء نفسها. إضافة إلى ذلك فإن قرارات المجموعة تُتخذ بالإجماع، وأي قرار بشأن العضوية قد يحتاج –على الأرجح– إلى أن يوافق عليه جميع الأعضاء؛ ما يرجح إمكانية استخدام بعض الدول حق الفيتو للاعتراض على مقترح استبعاد روسيا.

خيارات صعبة

أمام القيود والصعوبات التي تواجِه مساعي الولايات المتحدة لتعليق عضوية روسيا في مجموعة العشرين، سيكون على واشنطن اتخاذ مجموعة من الخيارات الصعبة، منها:

1– مقاطعة أعمال مجموعة العشرين: من المرجح أن تؤدي المقاومة الشديدة من قبل دول مثل الصين والهند لتعليق عضوية روسيا، إلى مقاطعة المسؤولين الغربيين الاجتماعات الوزارية للمجموعة، تجنباً للجلوس مع نظرائهم الروس، بذريعة أنهم يخضعون للعقوبات، وسوف يؤدي ذلك –بحكم الأمر الواقع– إلى تجميد أنشطة المنتدى الأول للتنسيق الاقتصادي في العالم، الذي يمثل 75% من التجارة الدولية وثلثي سكان العالم. بالرغم من أن هذا الخيار يمكن الدفاع عنه، لكنه قرار خاطئ بالنظر إلى المصالح الأمريكية والغربية عموماً؛ إذ إن من المرجح أن تسعى الصين إلى شغل مكانة الدول الغربية داخل المجموعة، وتوظيف هذا المنتدى الاقتصادي الدولي لخدمة مصالحها القومية وتعزيز صورتها الدولية.

2– الاستمرار في المشاركة في أنشطة المجموعة: يمكن أن تستمر الولايات المتحدة والدول الأوروبية في المشاركة في الاجتماعات الوزارية لمناقشة بعض القضايا الدولية المحورية، وبذلك تتبنى واشنطن صيغة G–18 + 2، لإبراز الانقسامات بين الولايات المتحدة وحلفائها في جانب، وبين الصين وروسيا في جانب آخر. مع ذلك، فإن هذا الخيار قد يكون محل تساؤل؛ لأن اجتماع المسؤولين الأمريكيين والغربيين بنظرائهم الروس، برغم فرض العقوبات عليهم، وكأن شيئاً لم يكن؛ سيُقوِّض فاعلية الضغوط المالية والاقتصادية المفروضة على موسكو.

3– دعوة أعضاء جدد للانضمام إلى المجموعة: لا يعكس هيكل العضوية الحالي لمجموعة العشرين، بشكل دقيق التحولات في الاقتصاد العالمي على مدى العقدين الماضيين، خاصةً أن بعض الأعضاء الحاليين ليسوا من أقوى عشرة اقتصادات عالمية في الوقت الراهن. لذلك من الممكن أن تلعب الولايات المتحدة دور القيادة في إصلاح مجموعة العشرين، من خلال الربط بين عضوية المجموعة و”الوضع الاقتصادي للدولة العضو”. من خلال الاعتماد على معيار القوة الاقتصادية، ستكون هناك دول معينة مؤهلة للاستمرار في عضوية المجموعة أو الخروج منها، قد تكون روسيا منها، في ظل التوقعات بأن تعاني من انكماش اقتصادي بنسبة 15% بحلول عام 2022. مع ذلك، لن يكون القيام بذلك أمراً سهلاً؛ إذ سيتطلب تغيير العضوية في المجموعة أن تتبنى الدولة المضيفة هذه القضية في جدول أعمال القمة، وهو أمر غير مرجح في حالة رئاسة إندونيسيا في عام 2022، ولا في حالة الهند في عام 2023.

تداعيات مهمة

يمكن أن تكون للمناقشات الدائرة حالياً حول عضوية روسيا في مجموعة العشرين بعض التداعيات المهمة، منها:

1– تداعيات مزدوجة على روسيا: يمكن أن يؤدي نجاح الولايات المتحدة وشركائها في مجموعة السبع الكبرى، في تعليق عضوية روسيا، إلى زيادة عزلتها على الساحة الدولية. وهو ما بدأ يتضح بالفعل مع قيام منظمة العمل الدولية في إصدار قرار في 24 مارس الجاري بتعليق تعاونها مؤقتاً مع روسيا، رداً على عملياتها العسكرية في أوكرانيا. وهناك بعض التقارير المتداولة مؤخراً، حول رفض الدول الغربية التعامل مع روسيا في إطار منظمة التجارة العالمية؛ الأمر الذي أثار قلق بعض المندوبين التجاريين من أن اجتماع وزراء التجارة المقرر عقده في 13 يونيو القادم، لن يسفر عن نتائج ملموسة. في المقابل، فإن فشل الدول الغربية في الضغط من أجل استبعاد روسيا من مجموعة العشرين، من شأنه أن يتيح لروسيا مزيداً من مصادر القوة والنفوذ، وأن يمنحها هامشاً إضافياً للحركة في مواجهة القوى الغربية.

2– تعميق حدة الاستقطاب الدولي: مع إطالة أمد الحرب في أوكرانيا واشتداد وتيرة الضغوط الغربية على روسيا وحلفائها حول العالم، ستجد الدول التي أعلنت حيادها في هذه الأزمة، نفسها مضطرة إلى الإعلان صراحةً عن مواقفها والانحياز إلى طرف دون الآخر. برز ذلك بوضوح مع مطالبة الدول الغربية –وفي مقدمتها الولايات المتحدة– الصينَ بالتوقف عن دعمها السياسي لروسيا، وتحذيرها من عواقب تقديمها دعماً مالياً أو عسكرياً لموسكو، فضلاً عن انتقادات الرئيس بايدن للهند حليفة بلاده، ووصفه موقفها من الأزمة بأنه “متردد إلى حد ما في بعض الجوانب”. من المُحتمَل أن تزيد الضغوط التي ستُمارَس على الدول الأعضاء في مجموعة العشرين لتعليق عضوية روسيا، من حدة الانقسام والاستقطاب الدولي بين المعسكر الداعم لواشنطن والمعسكر المؤيد لروسيا. وستواجه رئاسة إندونيسيا للمجموعة هذا العام، اختباراً حقيقياً لضمان ألا يعرقل الانقسام بين البلدان الأعضاء، الدور المفترض للمجموعة في إنعاش النمو الاقتصادي العالمي بعد جائحة كوفيد–19 ومواجهة مشكلة تغير المناخ.

3– تهميش دور مجموعة العشرين: لعبت مجموعة العشرين، منذ عقد القمة الأولى لرؤساء دول المجموعة في نوفمبر 2008 بواشنطن، دوراً مهماً في الحوكمة الاقتصادية العالمية، وعملت كمنتدى رئيسي لتنسيق استجابة السياسة العالمية للقضايا المحورية، مثل استقرار الاقتصاد الكلي وتغير المناخ. ويمكن أن تؤدي معارضة موسكو وبكين المتوقعة للاقتراح الذي طرحه الرئيس الأمريكي بحضور أوكرانيا اجتماعات مجموعة العشرين باعتبارها عضواً مراقباً، إذا رفضت إندونيسيا ودول أخرى تعليق عضوية روسيا؛ إلى مقاطعة مسؤولي دول مجموعة السبع، إضافة إلى أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، الاجتماعات الوزارية القادمة للمجموعة، وكذلك قمتها السنوية، خاصةً مع إعلان السفير الروسي لدى إندونيسيا “ليودميلا فوروبييفا” أن الرئيس “فلاديمير بوتين” يعتزم المشاركة في القمة المقبلة للمجموعة.

وختاماً، مع تفاقم الانقسامات الداخلية بين البلدان الأعضاء في مجموعة العشرين، فمن المُرجَّح أن يضعف دور هذا المنتدى الاقتصادي الدولي المهم بدرجة ملحوظة، وربما سيكون الأثر التراكمي لهذه الخلافات هو جمود المجموعة؛ بحيث تبقى ككيان دون أن تكون ذات تأثير فعَّال عالمياً، إذ تنعكس الخلافات الإقليمية والدولية بشكل واضح على المجموعة وبما يحدّ من حدود وفاعلية دورها على المستوى العالمي في المديين المنظور والمتوسط.