أحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تغييرات كبيرة في قادة الجيش الأمريكي خلال سنوات حكمه، بالإضافة إلى تغييرات عميقة في طبيعة العلاقة بين المؤسسة والقيادة السياسية. تغييرات وصلت حتى إلى حد اللغة؛ إذ كان الرئيس الأمريكي يصف رجال القوات المسلحة بـ«جنرالاتي»، هذا فضلًا عن تعييناته الواسعة لرجال الجيش المتقاعدين في إدارته.

وتركت قرارات إقالة قادة المؤسسة العسكرية أثرًا داخل المؤسسة، التي حاول قادتها التجاوب معها بطرق مختلفة شملت الرفض حينًا أو التجاهل في بعض الأوقات، وأحيانًا بالامتثال لها، خصوصًا في قرارات الإقالة التي تضمنت أبرز جنرالاته.

يحاول التقرير التالي التعرف إلى آثار هذه القرارات في المؤسسة العسكرية، التي تغير وزير دفاعها نحو خمس مرات خلال ولاية ترامب، والكيفية التي ستتبعها وزيرة الدفاع الجديدة، ميشيل فلوروني، خلال ولاية الرئيس المنتخب جو بايدن، مع هذه التغييرات، وهذا الإرث الذي تركه ترامب لبايدن.

ماذا فعل ترامب لتغيير عقيدة الجيش الأمريكي؟

شرع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خلال سنوات ولايته الأربعة في إحداث تغييرات واسعة داخل الجيش الأمريكي، عبر إطاحة عدد كبير من جنرالاته السابقين، وتوريطه في معاركه السياسية، فيما اعتبره المختصون خروجًا عن تقاليد المؤسسة الراسخة، التي تستوجب على الرئيس الأمريكي حظر  استخدامه في أي أعمال دعائية أو ترويجية لصالحه.

كانت المحطة الأبرز نحو إحداث ترامب هذا التغيير في المؤسسة العسكرية هي اختيار الجنرال مارك ميلاي (61 عامًا)، في مارس (آذار) من العام الماضي، في منصب رئيس هيئة الأركان في الجيش الأمريكي، ومستشارًا عسكريًّا، وهو الجنرال الذي «لا يقاوم الأفكار المعيبة من رئيس، أو يأخد مواقف معارضة»، فضلًا عن كونه رجلًا «بلا خط أخلاقي»، بحسب جنرالات سابقين.

وسبق اختيار رئيس الأركان الجديد خلفًا لجون كيلي، الذي رفض الامتثال للعديد من قرارات ترامب فأخد قرارات عسكرية كبيرة على عكس رغبة القادة العسكريين، مثل قرار سحب القوات الأمريكية من سوريا، مخالفًا بذلك وجهة النظر العسكرية التي يمثلها  جيمس ماتيس، وزير الدفاع آنذاك، الذي حذر من أن الانسحاب المبكر من سوريا سيكون «خطأً استراتيجيًّا فادحًا»، واستقال عقب قرار ترامب بيوم واحد.

عقب اختيار ميلي لهذا المنصب، ارتضى الجنرال ببعض المهام التي رفضها سلفه، مثل إضفاء مشهد الدعم والتأييد من جانبه ممثلًا للمؤسسة العسكرية لترامب، والتي كان أبرزها  ظهوره مرتديًا ملابس الجيش خلال زيارته للبيت الأبيض، الذي أحاطه المتظاهرن الغاضبون من مقتل جورج فلويد، وهو المشهد الذي خالف به رئيس الأركان تقليدًا راسخًا يلتزم به هيئة كبار الضباط المدنية في زيارتهم للبيت الأبيض.

وشهدت سنوات ترامب الأربعة وقائع أخرى كان أبرزها توقيعه، في زيارته الأولى إلى البنتاجون، على مشروع قانون مثير للجدل يقيد الهجرة في «قاعة الأبطال»، لإظهار دعم الجيش للقانون، كما أنه مول بناء الجدار الحدودي مع المكسيك من الميزانية العسكرية بقيمة قدرت بنحو 2.5 مليار دولار، بعدما حظر الكونجرس تمويل مشروع جداره الحدودي.

الخروج عن تقاليد العلاقة بين السياسة والجيش في الولايات المتحدة، شمل كذلك إلغاء ترامب للقواعد المعمول بها في أخذ القرارات المهمة التي تتعلق بالجيش الأمريكي؛ إذ تجاهل أخذ رأي القادة الميدانيين، وضباط الخدمة الخارجية والاستخبارات، وفي بعض الحالات الحلفاء الرئيسيين مثل ألمانيا، في قرارات العمل العسكري داخل مناطق تقاطعت فيها مصلحة واشنطن مع مصالح حلفائها في الغرب.

واستهل ترامب ولايته الرئاسية بتكديس إدارته بالجنرالات المتقاعدين من الجيش مثل ماتيس، وماكماستر، وكيلي، والأبرز  منهم مايكل فلين، الذي اختاره أول مستشار للأمن القومي خارج الخدمة، وهو الاختيار الذي خالف التقاليد المتبعة في اختيار المستشارين العسكريين، واعتبرها دون بولدوك ، العميد المتقاعد الذي يعمل حاليًا عضوًا جمهوريًّا في مجلس الشيوخ الأمريكي، «خطأ».

كما عزز الرئيس الأمريكي ثقافة عدم محاسبة أفراد الجيش الذين يرتكبون انتهاكات، وجعلهم «فوق الحساب»، خلافًا لسياسة رؤساء أمريكا السابقين في حساب المخالفين، وذلك بعدما أصدر ترامب عفوًا، في أوائل مايو (أيار)، عن الملازم السابق في الجيش مايكل بهينا، الذي أدين بقتل سجين عراقي، كما طلب من وزارة العدل إعداد مواد عفو لعدد من الجنود والمقاولين الأمريكيين المتهمين بقتل وتدنيس الجثث، بما في ذلك رئيس العمليات الخاصة إدوارد جالاجر، أحد أفراد البحرية الخاصة الذي اتهم من قبل أعضاء فريقه بطعن مراهق من سجيني «داعش» وإطلاق النار على مدنيين عُزَّل في العراق.

وبلغت سياسة ترامب المهادنة لانتهاكات الأفراد العسكريين إلى توبيخ  المحامين العسكريين؛ الذين تمسكوا بمحاكمة جالاجر على انتهاكاته التي ارتقت لـ«جرائم حرب»، وصدر قرار بخفض رتبته، قبل أن يستخدم الرئيس الأمريكي صلاحياته بالعفو عنه، وإلغاء القرار، وإعادة جالاجر، لرتبته في وحدة القوات الخاصة في البحرية.

غير أن هذه التغييرات تسارعت وتيرتها داخل هياكل المؤسسات العسكرية منذ إعلان فوز الرئيس المنتخب جو بايدن، وسط سخط واسع لجنرالات الجيش الأمريكي تجاه هذه القرارات؛ إذ رأوا أن الغرض الرئيس منها هو تسييس المؤسسة، وإحداث هزة كبيرة داخلها.

بدأت هذه التغييرات بإقالة وزير الدفاع مارك إسبر، بسبب خلافات بينه وبين ترامب الشهر الماضي، ألحقها ترامب بسلسلة قرارات رئاسية أطاح فيها العديد من كبار المسؤولين، واستبدل بهم من يدينون بالولاء للرئيس. كما أجرى تغييرات كبيرة داخل القيادة في البنتاجون.

وامتدت التغييرات لتشمل إقالة نحو 11 من الأعضاء البارزين في مجلس سياسة الدفاع التابع للبنتاجون، وشخصيات من مؤسسات الأمن القومي، واختيار بدلاء أثارت خلفياتهم شكوكًا واسعة حول أدوارهم المحتملة خلال الفترة المتبقية للرئيس الأمريكي في عرقلة مهام إدارة بايدن المُقبلة.

ومجلس سياسة الدفاع التابع للبنتاجون هو أبرز جهة استشارية تقدم المشورة للقضايا وسياسة أمريكا الدفاعية لوزير الدفاع ونائبه، وتجمع نخبة من الشخصيات السياسية من مسؤولي الأمن القومي البارزين السابقين.

وتُثير خلفية الجنرالات الجُدد التي اختارها ترامب وآراؤهم شكوكًا حول مسعى الأخير من وراء هذه التغييرات، والتي كان أبرزها استقدام الجنرال المتقاعد، أنتوني تاتا، وهو مسؤول كبير في البنتاجون، سبق أن وصف الرئيس السابق باراك أوباما بأنه «زعيم إرهابي». وضمت التعيينات الجديدة عزرا كوهين واتنيك، وهو حليف مقرب لترامب ومساعد مستشار الأمن القومي السابق، مايك فلين، في منصب وكيل وزارة الدفاع لشؤون المخابرات بالإنابة.

تغييرات يقرأها البعض بأنها المسعى الأخير لترامب، في أسابيعه الأخيرة، عبر توصية الجيش بمهام عسكرية كبيرة في الخارج لتحقيق مكاسب سياسية، أو لتعقيد مهام بايدن، مثل تفكيره في توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، أو كما ذكرت التسريبات، التنسيق مع تل أبيب ربما في حادث اغتيال العالم الإيراني محسن فخري زاده، المعروف بأنه أبو المشروع النووي الإيراني.

أثر التغييرات الواسعة على بنية الجيش الأمريكي وعقيدته

يسود انطباع عند جنرلات سابقين في البنتاجون «بأن الجيش أصبح مسيَّسًا» بسبب سياسة ترامب تجاهه في السنوات الأربعة الماضية، وسط تساؤلات عن أثر هذا التغيير بحق قادته وتقاليده في بنية الجيش وعقيدته وسياساته الدفاعية.

آثار هذه السياسة الترامبية أدت إلى خلق مشكلات حادة للقادة الميدانيين المشاركين في العمليات القتالية، كما حدث، على سبيل المثال، مع الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية الأمريكية، الذي لم يؤخذ رأيه في سحب ترامب للقوات الأمريكية من سوريا، وخلق ذلك مشكلات كبيرة للرجل مع قواته، وكذلك مع حلفائه الدوليين؛ ممن اعتبروا حديث ترامب خداعًا من الجيش الأمريكي لهم.

ولهذا اضطر الرجل للخروج في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» الأمريكية متحدثًا خلالها عن رفضه لقرار ترامب بسحب القوات الأمريكية، وقال إن «داعش لم تُهزم بعد، وأن هذا الوقت ليس الوقت المناسب للتراجع».

امتدت محاولات ترامب للتغيير في هيكل المؤسسة العسكرية إلى الاعتماد بصورة كبيرة  على قادة سابقين في الجيش الأمريكي، وتنصيبهم في مناصب كُبرى ومؤثرة، مقابل تقليص صلاحيات وسلطات  الأفراد المدنيين العاملين في البنتاجون، وتهميش أدوارهم.

غير أن الأثر الأبرز لسياسة ترامب كان يتعلق بمسألة العفو عن الجنود والضباط مرتكبي الانتهاكات في مناطق القتال وهو ما مثل تغييرًا في طبيعة مفهوم القيادة والسيطرة داخل المؤسسة العسكرية بسبب شعور أفرادها بأن سياستهم فوق التعديل، كما تسببت سياسة عدم مقاضاة مرتكبي المخالفات من أفراد قوات الجيش الأمريكي بالنسبة للبعض في الترويج أكثر للصورة السلبية بحق الجيش الأمريكي.

من جانبه، يعتقد رياض محمد، الباحث العراقي المتخصص في الشأن الأمريكي، في تصريحات لـ«ساسة بوست» أن هذه التغييرات لن تترك أثرًا كثيرًا على العقيدة العسكرية الأمريكية، خصوصًا أن المؤسسة العسكرية الأمريكية تقاوم التغيير السريع عادة، موضحًا أن علاقة ترامب بالجيش تخللها التوتر، كما أن الطريقة التي أقيل بها وزيرا الدفاع في عهده كانت مزعجة للمؤسسة، فضلًا عن أن تلويح ترامب بالقوة في كل صغيرة وكبيرة وتهديده باستخدامها لقمع الاحتجاجات، كان مزعجًا لها أيضًا، وأضاف محمد أن وزيرة الدفاع القادمة، ستكون أكثر توفيقًا ممن سبقوها – كان الحوار مع رياض محمد قبل اختيار بايدن لوزير دفاعه – مؤكدًا أنها من أنصار التركيز على الصين. وقد ينعكس ذلك في عهدها على السياسة الدفاعية.

ويتفق مع الرأي السابق جاسم بديوي، الأستاذ الزائر بجامعة كاليفورنيا، مستبعدًا أي آثار لأفعال ترامب على المؤسسة العسكرية أو أي تغيير مؤثر في عقيدة أفراد الجيش، ويؤكد أن الشاهد على غياب محتمل لهذه الآثار هو العلاقة المتوترة دائمًا بين الجيش والرئيس الأمريكي خلال ولايته، فضلًا عن التسريبات المستمرة التي تحدثت عن رفض قادتها لأوامر ترامب.

وأضاف بديوي في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أن قادة الجيش الأمريكي وأفراده تتباين انتماءاتهم بين من يميلون للجمهوريين، أو الديمقراطيين؛ مثل حال القضاة الذين يميل غالبيتهم للحزب الجمهوري، مؤكدًا أن هذه الانتماءات السياسية لم تترك أثرًا واضحًا في قرارات كلتا المؤسستين خلال ولاية ترامب.

خطة لويد أوستين مرشح بايدن للتعامل مع إرث ترامب

بعد أسابيع قليلة، سيغادر ترامب البيت الأبيض رفقة وزير دفاعه الجديد الذي عينه بدلًا من ميلي، ويحل بايدن ومعه لويد أوستين، الضابط الأمريكي الكبير البالغ من العمر 67 عامًا، الذي اختاره بايدن لشغل منصب وزير الدفاع، وسيكون أوستين، الذي شغل منصب قائد عام سابق للقوات العسكرية الأمريكية بالعراق عام 2000، بهذا الاختيار، أوَّل أمريكي من أصول أفريقيَّة يتولى وزارة الدفاع.

واعتبر الرئيس المنتخب جو بايدن عند ترشيحه أوستن لوزارة الدفاع أنه «مؤهل بشكل فريد لمواجهة التحديات والأزمات التي نواجهها في الوقت الحالي»، وسيتبع أوستين، سياسة مخالفة لخلفه نحو مناطق النزاع في الشرق الأوسط، عبر توطيد صلات واشنطن مع «القوى المحلية» وسيلةً أساسية لترسيخ النفوذ الأمريكي في هذه المناطق التي تنتشر فيها قوات أمريكية، كما فعل في محافظة الأنبار العراقية عبر «مجالس الصحوات»، وسوريا مع قوات سوريا الديمقراطية، خلال شغله منصب مسؤولية العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط ووسط وجنوب آسيا.

وهي السياسة التي تخالف تصورات ترامب التي ارتكزت على سحب القوات الأمريكية، وعدم تمتين العلاقات مع القوى المحلية بالقدر الكافي، كما فعل حين أعطى الضوء الأخضر لتركيا لتنفيذ هجومها ضد الأكراد في سوريا الذين يشكلون القوام الرئيس لقوات سوريا الديمقراطية.

المسألة التي تثير قلق بعض الديمقراطيين ونواب الكونجرس؛ هو أن اختيار جنرال سابق في منصب وزير الدفاع، ربما سيشكل عائقًا أمام إعادة التوازن المفقود بين المدنيين والعسكريين، وتعزيز أدوار المدنيين العاملين في البنتاجون، كما سعى الديمقراطيون.

وينتهج أوستين سياسة مخالفة لفكرة المواجهة العسكرية مع إيران حلًّا حاسمًا، ومايترتب على ذلك من ضرورة تعظيم سلاح أمريكا النووي كأولوية؛ إذ يعارض أوستين هذا الطرح وهذه السياسة الدفاعية، وهو ما ظهر في معارضته لخروج إدارة الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني؛ لأنه اعتبر أن الانسحاب يحرم واشنطن فرصة من مراقبة النشاط النووي الإيراني وضبطه، التي يتيحها الاتفاق.

ويخالف ذلك تصورات ترامب التي حاول تمريرها من خلال طرح فكرة المواجهة مع إيران كأولوية للسياسة الدفاعية لواشنطن عبر تبني زيادة كبيرة للبرامج النووية والبالستية، وتحديث وتعزيز الترسانة النووية وإنتاج صواريخ بالستية في موازنة وزارة الدفاع، مقابل تقليص الإنفاق على أسلحة قديمة، مثل مقاتلات إف15 وإف16.

ويؤمن أوستين أن التحالفات والائتلافات هي مراكز الثقل الجديدة للقوات الأمريكية، وواشنطن خصوصًا مع ارتفاع التهديدات الأمنية المعقدة وصراعات المنطقة القائمة؛ إذ يعتبرها مصدرًا رئيسًا للقوة والشرعية الداعمة للنظام والمطلوبة لتحسين سمعة الولايات المتحدة بصفتها قائدة؛ ولهذا يرى أن البنتاجون عليه الاستثمار في التحالفات والائتلافات والشراكات الإقليمية.

وبحسب بيني طومسون، عضو الكونجرس عن الحزب الديمقراطي، وأحد المُقربين من بايدن، فالجنرال أوستن  لديه أوراق اعتماد لا تشوبها شائبة نظرًا لمسيرته العسكرية، وسيكون سكرتيرًا بارزًا للقسم، فيما قال مُقرب آخر من بايدن إن السبب الرئيس وراء اختيار الرئيس المنتخب لأوستن هو التقدير اللافت الذي يتمتع به داخل المؤسسة العسكرية، إلى جانب خبرته اللوجستية العميقة التي يدركها بايدن، والتي ستكون حاسمة؛ لأن الجيش سيساعد في توزيع لقاحات فيروس كورونا.